← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

[و] (١) رواه مسلم عن جابر قال #: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" (٢). وفي لفظ لمسلم: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به" (٣). وهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد

стр. 528

قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ # (١): "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال (٢). فكان من فقه أبي بكر ﵁ أنه فهم من ذلك الحديث [المختصر] (٣) أن القتال على الزكاة [قتال] (٤) على حق المال. وقد بين النبي ﷺ مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي رواه ابن عمر (٥). والقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وحديث معاذ (٦) لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي ﷺ إلا الصلاة والزكاة. فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض، أشكل ذلك على بعض الناس.

стр. 529

[الجواب عن سبب اختلاف الروايات] [فأجاب بعض الناس] (١) أن (٢) سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و [نسبة لهم] (٣) إلى الكذب (٤)، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم لم يذكره (٥). فهنا (٦) يعلم أن أحد [الراويين] (٧) اختص بالنقص (٨) أو غلط في الزيادة. فأما الحديثان المنفصلان (٩) فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث

стр. 530

قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين (١) قطعًا أن النبي ﷺ تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة. والقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية بالصلاة والزكاة فقط (٢) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. كما أنه (٣) علق ترك القتال على ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقًا لهذه الآية. وأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه. ولكن عن هذا (جوابان): (أحدهما): أن النبي ﷺ أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي (٤). بل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] (٥). ثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] (٦)، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن

стр. 531

الخطاب الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فأول السورة هو أمر [بالقراءة] (١)، وآخرها أمر بالسجود، والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال، وأفصل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود، والقراءة أول أقوالها المقصودة، وما بعده تبع له. وقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي (٢)، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج (٣)، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجر أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٤).

стр. 532

وكانت الصلاة تكمل [شيئًا] (١) بعد شيء، فكانوا أولًا يتكلمون في الصلاة، ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد (٢)، وحرم عليهم الكلام (٣).

стр. 533

وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة (١)، وكذلك صلاة الجمعة (٢)، والعيد، والكسوف، والاستسقاء،

стр. 534

وقيام رمضان، وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة والإحسان فى مكة أيضًا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة (١)، وأما صوم رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة (٢)، وأدرك النبي ﷺ تسع رمضانات. [فصل] [الخلاف في زمن فرض الحج] وأما الحج فقد تنازع الناس في وجوبه فقالت طائفة: فرض سنة ست من الهجرة # وعمدتهم في ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، نزلت سنة ست # (٣) عام الحديبية باتفاق الناس قالوا: وهذه الآية تدل على وجوب الحج، ووجوب العمرة أيضًا، لأن الأمر بالإتمام

стр. 535

يضمن الأمر بابتداء الفعل وإتمامه، وقال الأكثرون: إنما وجب الحج متأخرًا، قيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وهذا هو الصحيح (١). فإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (٢)، وهذه الآية في سورة (٣) آل عمران في سياق مخاطبته لأهل الكتاب، وصدر آل عمران، وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب، نزل لما قدم على النبي ﷺ وفد نجران النصارى، وناظروه في أمر المسيح، وهم أول من أدى الجزية من أهل الكتاب (٤).

стр. 536

وكان ذلك بعد إنزال سورة براءة، التي شرع فيها الجزية، وأمر فيها بقتال أهل الكتاب، وحتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون. وغزا النبي ﷺ غزوة تبوك، التي غزا فيها النصارى لما أمر الله بذلك في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، وإنما جاء في الأحاديث المتأخرة، وقد قدم على النبي ﷺ وفد عبد القيس، وكان قدومه قبل فتح مكة على الصحيح كما قدمناه (١)، وقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، يعنون بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان، لأنهم بين البحرين وبين المدينة، وعبد القيس من ربيعة ليسوا من مضر، ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس أمرهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وخمس المغنم، ولم يأمرهم بالحج. وحديث ضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج، كما لم يذكر (٢) في حديث طلحة، وأبي هريرة، وغيرهما (٣)، مع قولهم: إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام، وهذا ممكن، مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنًا.

стр. 537

وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فليس في لفظ (١) الآية إلا الأمر بإتمام ذلك، وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه، فنزل الأمر بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا فأمروا بالإتمام، وبين لهم حكم الإحصار (٢)، ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج. (الجواب الثاني): أنه كان ﷺ يذكر في مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي يقاتل (٣) على فعلها (٤) الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة. ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل فرض الحج، وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه. وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما (٥)، لأنهما عبادتان ظاهرتان (٦) بخلاف الصوم، فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن الناس عليه، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك، مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم، وأن يأكل سرًا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته. وأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر، لا يمكن الإنسان بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك وهو ﷺ يذكر في الإسلام الأعمال الظاهرة، التي يقاتل عليها الناس، ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة

стр. 538

دون الصيام، وإن كان الصوم واجبًا، كما في آيتي براءة (١)، فإن براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس. [الكلام على حديث معاذ] وكذلك لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك بذلك (٢)، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك (٣) فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه في الصحيحين (٤). ومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام، بل بعد فتح مكة، بل بعد تبوك، وبعد فرض الحج والجزية، فإن النبي ﷺ مات ومعاذ باليمن، وإنما قدم المدينة بعد موته (٥)، ولم يذكر في هذا الحديث الصيام

стр. 539

لأنه تبع، وهو باطن، ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص، وليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة (١).

стр. 540

ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض [الأربع] (١) بعد الإقرار بوجوبها. [كفر من ترك الشهادتين مع القدرة على التكلم بهما] فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بها مع القدرة، فهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير علمائها. وذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم والصالحي وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مصدقًا بقلبه كان كافرًا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم (٢) الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقًا وحيًا وانقيادًا بدون الإقرار الظاهر ممتنع. [كفر من جحد معلومًا من الدين بالضرورة] وأما الفرائض [الأربع] (٣): فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. [ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في التكفير] وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك فإنهم يستتابون، وتقام عليهم الحجة، فإن أصروا كفروا حينئذٍ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم

стр. 541

يحكم الصحابة بكفر قدامة بن [مظعون] (١) وأصحابه لما غلطوا (٢) فيه من التأويل (٣).

стр. 542

وأما مع الإقرار بالوجوب، إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد: (أحدها): أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف (١)، وهي إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (٢) أبو بكر (٣).

стр. 543

و (الثاني) (١): أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (٢) ابن بطة (٣) وغيره. و(الثالث): لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد (٤).

стр. 544

و (الرابع): يكفر بتركها وترك الزكاة فقط (١). و(الخامس): بتركها وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ترك الصيام والحج (٢). وهذه المسألة لها طرفان: (أحدهما): في إثبات الكفر الظاهر. و(الثاني): في إثبات الكفر الباطن. [فأما] (٣) الطرف الثاني، فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم. [امتناع وجود الإيمان في القلب من غير عمل في الظاهر] ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنً إيمانًا ثابتًا في قلبه، بأن الله

стр. 545

فرض عليه الصلوات (١) والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة (٢)، ولا يصوم يومًا (٣) من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. [الأدلة على كفر تارك الصلاة] ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهما في الحديث الطويل، حديث التجلي: "أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون، وبقي من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ظهره (٤) مثل الطبق، لا يستطيع السجود" (٥)، فإذا كان هذا حال من

стр. 546

سجد رياء، فكيف حال من لم يسجد قط. وثبت أيضًا في الصحيح: "أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله" (١)، فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله. وكذلك ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة (٢) [بأنهم] (٣) غر محجلون من آثار الوضوء (٤)، فدل ذلك على أن من لم يكن غرًا محجلين (٥) لم يعرفه النبي ﷺ ، فلا يكون من أمته. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢]. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي.

стр. 547

والمتولي: هو العاصي الممتنع من الطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦]. وكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، المطيعين، كما وصفهم بالخوض مع الخائضين، والتكذيب # (١). وكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ٩ - ١٦]. وأيضًا في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة. وأيضًا فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٢).

стр. 548

وفي المسند: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة" (١).

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 550

وأيضًا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر بها عنهم، فيقال: اختلف أهل الصلاة، و [اختلف] (١) أهل القبلة والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" (٢). وفي الصحيح: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا" (٣)، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة. [الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة] وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها لتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم. وهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: "من

стр. 551

شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة" (١) ونحو ذلك من النصوص. وأجود ما اعتمدوا عليه قوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من (٢) حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة" (٣). قالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق (٤) بالمحافظة عليها، والمحافظ (٥) فعلها في أوقاتها كما أمر. كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله [آية] (٦) الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات (٧). وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا! ! (٨) /. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ

стр. 552

سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة. كما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس (١) يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر (٢) أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (٣). فجعل هذه صلاة المنافقين، لكونه أخرجها (٤) عن الوقت ونقرها. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم! قال: "لا ما صلوا" (٥). وثبت عنه أنه قال: "سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" (٦). فنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم

стр. 553

يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها. وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي ﷺ إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من تركها (١)، ونفس ترك صفة (٢) المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو يتناول (٣) ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب (٤).

стр. 554

[ضعف قول من قال: إن تارك الصلاة يقتل حدًّا] ولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، و (١) [ملتزمًا] (٢) بشريعة (٣) النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أن (٤) لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحق، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو لو (٥) جعل يقتل نبيًا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول. [ارتباط الظاهر بالباطن] فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زاحت (٦) عنه الشبهة في هذا الباب، واعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب، وامتنع عن الفعل، لا يقتل أو يقتل مع إسلامه (٧)، فإنه

стр. 555

دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل. [جنس الأعمال من لوازم الإيمان] ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا (١) من الإيمان كما تقدم بيانه. [قد يجتمع في العبد إيمان ونفاق] وحينئذٍ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ولترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، وقد (٢) يجتمع في العبد إيمان ونفاق. كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٣). وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا، ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليم أحكام الإسلام الظاهرة كالمواريث (٤) ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى. [خطأ بعض الفقهاء في فهم ارتباط الظاهر بالباطن] وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يظنون (٥)

стр. 556

أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح (١)، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا على عهد النبي ﷺ # (٢) ثلاثة أصناف: [أحكام المنافقين] مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من تعلمه (٣) الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أعطوا (٤) ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة (٥) الرعية على أحدهم بما توجب (٦) عقوبته. [قتال علي ﵁ للخوارج] ولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب ﵁، فاعتزلوا (٧) جماعة المسلمين، قال لهم: إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء (٨)، فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبي ﷺ حيث قال: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون

стр. 557

من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة" (١). [فضل ما قام به الحسن بن علي من صلح بين المسلمين] فكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي ﷺ ، واتفاق أصحابه، ولم يكن قتالهم قتال فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في المسلمين، بل قد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه ﵁: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به فئتين عظيمتين من المسلمين" (٢). وقال في الحديث الصحيح: "تمرق مارقة على فرقة من المسلمين، فيقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" (٣). [قتال الخوارج ليس كالقتال في الجمل وصفين] فدل بهذا أن ما فعله الحسن ﵁ من ترك القتال [لو كان] (٤) واجبًا أو مستحبًا، لم يمدحه النبي ﷺ على ترك واجب أو مستحب (٥)، ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم علي وأصحابه كان أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال الخوارج أمر به النبي ﷺ ، ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين الذي [ليس] (٦) فيه أمر من النبي ﷺ (٧).

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 559

والمقصود: أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة، لم يحكموا بكفرهم، ولا قاتلوهم حتى بدأوهم بالقتال (١). [علي لم يكفر الخوارج]

стр. 560

[تنازع الأئمة في تكفير أهل الأهواء وتخليدهم] والعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم (١). وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم حتى التزم تخليد (٢) كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وهذا فيه من الخطأ (٣) ما لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق بكفر (٤) واحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد. [القول الفصل في تكفير أهل الأهواء] والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال:

стр. 561

القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر (١). [التكفير المطلق والتكفير المعين] ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كما تقدم ممن (٢) جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا [وتأول فإن] (٣) ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول يخطئ (٤) في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح حديث (٥) الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني (٦) في اليم، فوالله لئن قدر الله علي

стр. 562

ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين" (١)، وقد غفر الله لهذا مع (٢) ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه (٣). وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (٤). [الأمر بجهاد الكفار والمنافقين] فإن قيل: فالله تعالى قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيات من القرآن (٥)، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟

стр. 563

قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق فلا (١) بد أن يظهر موجبه في القول والعمل. [كيفية جهاد المنافقين] كما قال بعض السلف: "ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه" (٢). وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول# (٣) فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة. ولهذا كان النبي ﷺ يعلم من المنافقين من عرفه الله

стр. 564

بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. وأساس النفاق الذي يبنى (١) عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه. ولهذا يصفهم الله [في كتابه] (٢) بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. #وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧] # (٣). وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومثل (٤) هذا كثير. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الدار (٥) الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.

стр. 565

وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا (١) صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي الواجبات# (٢) لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من (٣) يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر. فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد ﷺ (٤)، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ . ومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا للإيمان (٥) أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف (٦)، والصلاة فهي (٧) أعظمها وأعمها (٨)، وأولها وأجلها (٩).
следующие страницы →