← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر (١). [التكفير المطلق والتكفير المعين] ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كما تقدم ممن (٢) جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا [وتأول فإن] (٣) ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول يخطئ (٤) في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح حديث (٥) الذي قال: "إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني (٦) في اليم، فوالله لئن قدر الله علي

стр. 562

ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين" (١)، وقد غفر الله لهذا مع (٢) ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه (٣). وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (٤). [الأمر بجهاد الكفار والمنافقين] فإن قيل: فالله تعالى قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيات من القرآن (٥)، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟

стр. 563

قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق فلا (١) بد أن يظهر موجبه في القول والعمل. [كيفية جهاد المنافقين] كما قال بعض السلف: "ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه" (٢). وقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول# (٣) فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة. ولهذا كان النبي ﷺ يعلم من المنافقين من عرفه الله

стр. 564

بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. وأساس النفاق الذي يبنى (١) عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه. ولهذا يصفهم الله [في كتابه] (٢) بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق. قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. #وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧] # (٣). وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومثل (٤) هذا كثير. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الدار (٥) الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.

стр. 565

وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا (١) صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي الواجبات# (٢) لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من (٣) يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر. فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد ﷺ (٤)، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ . ومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا للإيمان (٥) أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف (٦)، والصلاة فهي (٧) أعظمها وأعمها (٨)، وأولها وأجلها (٩).

стр. 566

فصل [تعريف الإحسان] وأما الإحسان فقوله ﷺ : "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص (٢). والتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].

стр. 567

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فذكر إحسان الدين أولًا، ثم ذكر الإحسان ثانيًا، فإحسان الدين هو والله أعلم الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل ﵇، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي # (١) إحسان هذا

стр. 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 569

الإسلام والدين الذي يكون صاحبه حسنًا، وتابعًا لما فيه رضوان الله في الأقوال والأفعال، هو المقام الذي أشار إليه النبي ﷺ حين قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". ومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد (١). [شروط قبول العمل] قال الإمام أبو زكريا يحيى النووي (٢) ﵀ روينا عن أبي القاسم

стр. 570

القشيري أنه قال: سئل الفضيل بن عياض عن قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه. قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله (١). [تعريف الإخلاص] وروي أن أبا القاسم القشيري (٢) قال: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة

стр. 571

في القصد، وهو أن العبد يريد بطلبته وجه الله دون شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح، أو معنى من المعاني، سوى التقرب إلى الله . قلت: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (١). فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان. [مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة] قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقد مدح الله الإحسان، ورغب في استصحابه لجميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية، في غير موضع في كتابه (٢).

стр. 572

قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ البقرة: ١٩٥]. [كتب الله الإحسان على كل شيء] فينبغي لمن علم هذه القواعد، أن يتيقن أن الله كتب الإحسان على كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح (١)، ومن عمل صالحاً، وأراد به عرضًا من عرض الدنيا، مع علمه بسرعة زوالها وهوانها عند العقلاء العالمين بالله لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [لشورى: ٢٠].

стр. 573

وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية [الإسراء: ١٨]. [الإخلاص في العلم تعلمًا وتعليمًا] وقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف (١) الجنة يوم القيامة"، رواه بأسانيد صحيحة (٢).

стр. 574

وكذلك روى الترمذي عن كعب بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من تعلم العلم ليماري (١) به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" (٢). وفي رواية غير الترمذي: "فليتبوأ مقعده من النار" (٣).

стр. 575

[إحسان الظن بالشيخ] فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني (١). [من حقوق العالم على المتعلم] وروى النواوي (٢) أن الإمام عليًا ﵁ قال: "من حق العالم أن تسلم على الناس عامة، وتخصه وحده بالتحية" (٣) رواه أبو داود. واعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تسارر (٤) في مجلسه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، ومن حقه أن ترد غيبته إن قدرت على ذلك (٥). [العمل بالعلم] ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عند ما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة

стр. 576

في عمره، فقد أوصى بذلك بشر بن الحارث (١) وأخبر أن ذلك كان سبب هدايته في بدايته. وإن كان أدبًا من آداب السنة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولهذا كان يقال: "من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم" (٢)، وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال عبد الله بن مسعود: "من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا، (٣) وهذا باب واسع.

стр. 577

[الإحسان في أعمال الجوارح] وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال. قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩٠] الآيات. فصل [العارية من الإحسان] وعلى المسلم بذل دلو يستقى به، وقدر يطبخ فيها، وفاس يحفر [بها] (١) ونحو ذلك، وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ قولان للعلماء: فمذهب الصحابة، ومن بعدهم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢) والسفيانين الثوري (٣).

стр. 578

وابن عيينة (١) والليث بن سعد (٢) والأوزاعي (٣)،

стр. 579

وحماد بن سلمة (١)، ومكحول (٢)، أن بذله حق على المسلم يجب مجانًا كما دل عليه الكتاب والسنة. قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧] (٣).

стр. 580

وفي السنن عن ابن مسعود ﵁: (كنا نعد ذلك على عهد النبي ﷺ عارية، الدلو والقدر والفأس و [نحوهن (١)]) (٢). وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي ﷺ لما ذكر الخيل قال: (هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها) (٣).

стр. 581

وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها (١) " (٢). فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان. ولو طلب أن يجري ماؤه في أرض غيره من غير إضرار بصاحب الأرض، هل يجبر على ذلك؟ على قولين للعلماء. والمختار في ذلك ما قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ إذ قال للممتنع: (والله لنجرينها ولو على بطنك) (٣). وقد نقل عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أن زكاة الحلي عاريته بغير أجرة (٤).

стр. 582

وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد. [من الإحسان بذل منافع البدن] كما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان.

стр. 583

فإذا تقرر هذا، فلأن لا يمنع منافع الأقوال (المضرة بها) (١) غيره أولى. وقد قال تعالى: ﴿. . . وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ. . . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا. . .﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢). [الخلاف في أخذ الأجرة على الشهادة] وللعلماء في أخذ الأجرة على النهاية أربعة أقوال: أشهرها أنها حلال عند الحاجة، وقيل تؤخذ حلالًا إن لم يتعين المحتاج، ولغير محتاج. ووجه هذا أيضًا أنها يجوز تعيينها، ولا يكره تناولها بحال، والمنصوص عليه أنه من أخذ عند الإشهاد، لم يأخذ شيئًا عند الأداء، وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب (٣).

стр. 584

ومن ذلك أن الناس يحتاجون إلى الصناعات، كالفلاحة، والبناية، والنساجة، إذ لا تتم أمورهم إلا بأقوات ومساكن ولباس ونحو ذلك، فإذا لم يجب لهم من المصالح ما لا بد لهم منه أضر بهم ذلك. [الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية] فإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون من اليمن ومن الشام ومصر، وأهل تلك الأمصار كفار، فكانوا يلبسون ما جاءهم من ذلك ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في شيء من ذلك، فحاجة الناس إلى خبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجتهم إلى ثياب تلبس، وحاجتهم إلى بيوت يسكنونها، أعظم من القسمين الأولين. فلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وبه قال أبو حامد الغزالي (١) وأبو الفرج بن الجوزي (٢)،

стр. 585

أن هذه الصنائع فرض كفاية (١)، فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، كالجهاد، وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ذلك، فإن هذا شيء مبني على الأعيان، وكل من وجبت عليه الصلاة كان عليه أن يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه، وكذلك في سافر العبادات المشروعة. قال ﷺ في الصحيح عنه: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)،

стр. 586

فكل من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين ليس كذلك. والدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه، والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا ﷺ فيما أخبر به تصديقًا عامًا، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة، وإذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدقه به تصديقًا مفصلًا، فإن كان مأمورًا فيه بأمر كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وهو من فروض الكفاية . [فروض الكفاية] وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وكذلك الولايات الدينية مثل إمرة المؤمنين وما دونها، من وزارة وديونة (١)، سواء (٢) كانت كتابة خطاب، أو حساب، أو مقبوض، أو مصروف، من أرزاق المقاتلة، وغيرهم من إمرة حرب، وقضاء، وحسبة، فقد كان ﷺ يتولى الأحكام، والفتاوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود. [قيامه ﵊ بالولايات الدينية] وكان ﵇ يقوم بكل ما يتعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، كما ولى مكة عتاب بن أسيد (٣)، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص (٤)،

стр. 587

وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن (١). وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة يجبون الأموال الزكواتية (٢)، يأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن (٣)، فيرجع الساعي إلى المدينة ليس معه إلا سوطه. وكان ﵇ يحاسب العمال ويستوثق، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف (٤). كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي: (أن النبي ﷺ استعمل رجلًا من الأسد (٥) على الصدقة، فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي! ! . .) الحديث، وفيه: "من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة -وفيه نشير بأصبعه نحو السماء- اللهم هل بلغت مرتين" (٦).

стр. 588

[متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان ؟ ] والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك. فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه، فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة. [جواز المزارعة] والمزارعة (١) صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وخلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي ﵃، وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار، وهو قول أكابر

стр. 589

الصحابة، كابن مسعود وأمثاله، وهو مذهب علماء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وأبي بكر بن المنذر (١)، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى (٢)، وأبي يوسف (٣)، ومحمد (٤)، وغيرهم من فقهاء المسلمين، كان النبي ﷺ

стр. 590

عامل أهل خيبر (١) لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع (٢)، حتَّى مات الرسول ﷺ والأمر كذلك، وما زالوا حتَّى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان ﵇ قد قال: "نقرّكم فيها ما شئنا" (٣). [أمر النبي ﵊ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب] وما سمع منه قل وفاته أنَّه قال: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤).

стр. 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 592

وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم حتَّى كانوا يتلذذون بقولهم: نحن الذين بايعوا محمدًا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا (١) فلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا ولهم شطر ما أخرجت الأرض، فإن الذين شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف وأربع مائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر (٢)، فهؤلاء الذين قسم النبي ﷺ فيهم خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها لتعذرت مصالح الإسلام من قبل قوم لا يقوم بها غيرهم.

стр. 593

فلما كان في زمن عمر ﵁ كثر أهل الإسلام، وأغنى الله عن اليهود وغيرهم من الكفار فأجلوهم، وكان ﵇ قد قال قبل موته ما تقدم (١)، وعلى ما تقرر من هذه الأصول، فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن [عليه] (٢) أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه. وإذا كان الناس وهم أهل العلم، وأهل الجهاد، وأهل التجارة، وأصناف البيوع المباحة لا بد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز، كما كان أهل الإسلام بالمدينة على عهد النبي ﷺ ، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزًا ولا دقيقًا، وإنما كانوا يشترون الحب ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك بأجرة، حتَّى إن المنخل (٣) لم يعرف بينهم على عهد النبي ﷺ ، ولا رأى النقي، وكانوا يجدون لذلك مشقة، مع شغلهم بالغزو والعلم والعبادة. فلهذا لما غلا السعر قال له رجل: يا رسول الله سعر لنا! ، قال: "بل أدعو الله لكم" (٤)، فلما كثر ذلك منهم قال: "إن الله هو الخافض الرافع المسعر القابض الباسط، وإني أحب أن ألقى الله وليس

стр. 594

أحد منكم يطالبني بمظلمة" (١). فلم يكونوا يحتاجون إذ ذاك إلى الشعير، وكان من قدم بالحب مؤمنًا أو كافرًا أو يهوديًا أو نصرانيًّا باعه، وتيسر به الناس، فكانوا يفرحون بالجالبين. ولهذا قال ﷺ : "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" (٢). وقال: "لا يحتكر إلَّا خاطئ" رواه مسلم (٣). وأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي فهذا لا أصل له (٤)، لأنه لم

стр. 595

يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون (١) كفارًا، فاستعملوهم فيها حتَّى أغناهم الله عنهم. ولهذا ذهب طائفة من أهل العلم كمحمد بن جرير الطبري (٢)، أن الكفار لا يقرون في دار الإسلام بالجزية، إلَّا إذا كان أهل القبلة يحتاجون إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم (٣)، كما أجلى النبي ﷺ بني

стр. 596

النضير (١)، وأجلى عمر ﵁ أهل خيبر (٢)، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه. والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر (٣) وإصلاح خبز (٤) وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض

стр. 597

كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض. فقد قال ﷺ : "خيركم أحسنكم قضاء" (١). وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول. [فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال] ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينو في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع، فإن طلب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر. [أكل المرء من عمل يده] وقد روينا عن الصديقة عائشة ﵂ مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "أحل ما أكل العبد من كسب يده، وإن ولده من كسبه" (٢). وللبخاري: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج،

стр. 598

فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده) (١). وقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو: هل تعلمون عملًا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته (٢). [الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف] ومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، روى البخاري مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "اجتنبوا الحلف في البيع، فإنه ينفق، ثم يمحق" (٣). ومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد فقد وفق لأمر عظيم، وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. [فصل] قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٤) الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما ﵄.

стр. 599

[احتياج البيوع إلى الصدق] فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. والبيع تارة يكون مباحًا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلَّا الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبًا، كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس (١) ولا شطط (٢). [النهي عن تلقي الركبان] ولهذا: "نهي عن تلقي الركبان" الحديث (٣)، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنَّه نُهي عن ذلك من أجل ضرر

стр. 600

البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتُلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. وفي الخيار هنا أقوال: منها أنَّه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ذهب أحمد، والثاني: أنَّه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوله (١). وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلَّا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه (٢)، فكأنه ﵇ أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو. وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله ﷺ نهى عن البيع الَّذي هو حلال الجنس، حتَّى يعرف السعر البائع، ويتحقق
следующие страницы →