← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

النضير (١)، وأجلى عمر ﵁ أهل خيبر (٢)، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه. والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر (٣) وإصلاح خبز (٤) وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض

стр. 597

كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض. فقد قال ﷺ : "خيركم أحسنكم قضاء" (١). وهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول. [فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال] ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينو في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع، فإن طلب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر. [أكل المرء من عمل يده] وقد روينا عن الصديقة عائشة ﵂ مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "أحل ما أكل العبد من كسب يده، وإن ولده من كسبه" (٢). وللبخاري: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج،

стр. 598

فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده) (١). وقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو: هل تعلمون عملًا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته (٢). [الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف] ومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، روى البخاري مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "اجتنبوا الحلف في البيع، فإنه ينفق، ثم يمحق" (٣). ومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد فقد وفق لأمر عظيم، وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. [فصل] قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٤) الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما ﵄.

стр. 599

[احتياج البيوع إلى الصدق] فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. والبيع تارة يكون مباحًا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلَّا الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبًا، كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس (١) ولا شطط (٢). [النهي عن تلقي الركبان] ولهذا: "نهي عن تلقي الركبان" الحديث (٣)، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. ولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنَّه نُهي عن ذلك من أجل ضرر

стр. 600

البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتُلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق. وفي الخيار هنا أقوال: منها أنَّه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ذهب أحمد، والثاني: أنَّه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوله (١). وقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلَّا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه (٢)، فكأنه ﵇ أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو. وفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله ﷺ نهى عن البيع الَّذي هو حلال الجنس، حتَّى يعرف السعر البائع، ويتحقق

стр. 601

المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء أين شاء! ! وقد اشترى يرضى البائع. والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غرَّه، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. ولذلك ألحق مالك وأحمد كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم، ولا يماكس (١) بالجالب، فلا يؤخذ من هؤلاء إلَّا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر الربحين، لأنهم جاهلون (٢) بالسعر، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع للعلم، وأما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم للبائع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع. وأما إذا علم أنَّه غبن في المشترى، ودلس عليه في جنسها ورضي، فهذا لا بأس به، لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، وهو يقدر على استيفائه، وإذا أخذ منه ثمن المثل ولم يرض، لم يلتفت إلى سخطه. ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس (٣)، فإن الأصل في السلعة الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن، فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه، فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل إن

стр. 602

وجد عيبًا، وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظًا للجانبين، فإن المشتري إذا علم عيبًا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى وقد لا يرضى، فإن لا يرضى فله فسخ البيع. ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما) الحديث (١). [دفع الضرر] وفي السنن: (أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي ﷺ ، فأمر صاحب الجرة أن يتبرع إن شاء، أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها، فأبى إلَّا قطعها، أو الدخول عليه من أجلها، فقال له النبي ﷺ : "إنما أنت مضار") (٢). وحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس وآلات الحرب، مما يستعان به على الجهاد، وما لا تتم المصالح إلَّا به، أكبر من حاجة هذا الرجل إلى حفظ أرضه. فلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات، ليكون ذلك سبب سماح نفس صاحب السلعة ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها، فهذا وجه الحكمة في قوله: "بورك لهما في بيعهما". فلو أن إنسانًا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقًا، فجر ذلك ضررًا وأثر فسادًا. ولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، سعر لهم فيما يحفظ حرمة البائع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة العدل، لا شطط ولا وكس.

стр. 603

فصل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩]. [إطعام المحتاج فرض كفاية] وإطعام الطعام للمحتاج فرض على الكفاية باتفاق أئمة المسلمين. وفي البخاري أنَّه قال ﷺ : "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني" (١). وفي المسند: (أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله) (٢).

стр. 604

[كسوة العرايا فرض كفاية] ولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمته ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. وفي الأثر: (لو صدق المسائل، لا أفلح من رده) (١). قال المروذي (٢): قلت لأحمد بن حنبل: إذا علمت أن المسائل صادق أيجب علي؟ قال: نعم.

стр. 605

[الصدقة بفضول الأموال] وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أصابتهم مرة حاجة، فأمرهم النبي ﷺ بأن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتَّى يفضل من كل جنس من منافعهم، حتى ظنوا أنَّه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله (١). ولو قام أحدهم فجمع فضول أموالهم لكان حسن، وعلى ولي الأمر أن يجبرهم على مواساة من علموا احتياجه إليها. فصل (٢)

стр. 606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 607

المغارسة والمناصبة (١) تجوز في ظاهر مذهب أحمد، ذكرها العكبري (٢) والقاضي وجوزها، وقاسها على المزارعة، فإن المزارعة تقتضي المشاركة في الثمرة. وقد ورد عنه ﷺ أنَّه قال: "نقركم ما شئنا" رواه مسلم (٣). ثم (٤) إذا كان الغرس من صاحب الأرض، فهو كما لو كان البذر من العامل، فيشتركان فيما يحدثه الله من الثمر والزرع.

стр. 608

ومالك وأحمد وأبو حنيفة يصححون شركة الأبدان، والشافعي لا يجوز هذا (١). وقد كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة، ليقسم الثمار المشتركة بين المسلمين وبين أهل خيبر، فإنه كان قد عاملهم بنصف ما تخرج الأرض، فدل على جواز العقد لا وجوبه، على أن يعمروها من أموالهم، وكان للمسلمين نصف الثمار والزرع، فكان يبعث ابن رواحة ليعرف حق الشركاء، ويعرف مقدار الزكاة الواجبة، فكان إذا خرصها سلمها إلى اليهود. [محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة] ولقد قالوا له مرة: يا عبد الله لقد زدت علينا، ورشوه بشيء من حلي نسائهم، فقال: يا معشر يهود كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني عاهدت محمدًا ﷺ أن لا أكتم حقًّا، أو أواطئ على باطل، فرد إليهم الحلي، فأيسوا مه، ولم يجدوا بدًا من دفع الحق إلى المسلمين (٢).

стр. 609

وروي مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنَّه قال: لعن الله الراشي والمرتشي" (١). ولقد مر علي ﵁ يهودي، فنظر من ثلمة (٢) في الحائط، فبصر باليهودي يستقي ببكرة (٣)، فقال: يا أخا العرب هل لك في كل دلو تمرة! قال: نعم، فدخل علي ﵁ فأخذ الدلو، قال: فجعلت كلما نزعت دلوًا رمي لي بتمرة، حتى جمعت ملئي كفي، تركت الدلو وذهبت، قال: ما بدا لك، قلت: حسبي، فأخذت التمر فأكلته، ثم أتيت المسجد، فما أن غزونا خيبر، فأغنمها الله لرسوله ﷺ ، وقتل اليهودي، وقسمت

стр. 610

أمواله ورباعه في أهل بيعة الرضوان وأصحاب السفينة (١). ولا خلاف أن عمل فلاحي (٢) المسلمين أنفع لأرضهم، واشتراكهم فيما يرزقهم الله من ثمر وزرع أصلح في دينهم ودنياهم، من أن يفلحها الكفار، ويبقى فلاحو (٣) المسلمين فقراء محتاجين. وإذا أراد صاحب الأرض أن يغرسها، فعامله إنسان على أن يكون له نصف الثمر ويقوم بمصالحها، ونصف الثمر لصاحب الأرض جاز ذلك (٤).

стр. 611

ولو قال: اسق هذه الثمرة بعد ظهورها، على شيء معلوم من الثمر، وأن يخرصها جاز ذلك (١). [أصل مذهب أحمد في العقود الجواز] وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة (٢). وعلى العامل الحرث وآلته، وبقره، وإصلاح طرق الماء، وقطع الشوك والشجر اليابس، وزبار الكرم (٣)، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما عداه فعلى رب الأرض (٤). فصل [رفع الجوائح من الإحسان] وأما الجائحة (٥) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد

стр. 612

بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف. وقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! " (١). وأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده (٢). وأما ضمان البساتين عامًا أو أعوامًا، ليستغلها الضامن بسقيه وعمله، كالإجارة، وكذلك إذا بدا الصلاح في جنس من الثمر (٣) إذا أكل منه، وبيع جميع ثمر البستان فأظهر الأقوال جواز ذلك (٤). وكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعه، ويكون له الربع منه، أو أقل أو أكثر جاز، سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها، أو من صاحب الأرض، أو من غيرهما، كل هذا جائز، وهذا من جنس المشاركة، لا من جنس الإجارة، وهو بمنزلة المساقاة والمزارعة. والصحيح على مذهب أهل الحديث، أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من المالك، أو من الفلاح، أو منهما، وسواء كان على أرض بيضاء، أو ذات شجر، وكذلك تصبح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يبتغى في الأرض.

стр. 613

ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر: ٢٠]. ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. ومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣). . .﴾ [الواقعة: ٦٣]. وقد كان إبراهيم بن أدهم (١) وشقيق (٢) بعد ما كانا فيه من سعة الرزق، يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان (٣) من الحصاد، وهو سنة ماضية من عهد رسول الله ﷺ ، وخلفائه الراشدين، فمن بعدهم.

стр. 614

[العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي ﵊] واعلم رحمك الله أن كل ما قام عليه الدليل فهو علم، والنافع من ذلك ما كان عن رسول الله ﷺ (١)، لقوله ﵇: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنّة" الحديث (٢). وكان شيخنا يقول (٣): الشريعة المحمدية، والآداب النبوية، نور الله في أرضه وعدله بين خلقه. [مكاتبة النبي ﵊ العالم، ودعوتهم إلى الإسلام] ولقد بعث رسول الله ﷺ الرسل إلى ملوك الأرض (٤)، فبعث إلى

стр. 615

كسرى (١)، وقيصر (٢)، وملك الإسكندرية (٣)،

стр. 616

وإلى أكيدر دومة (١)، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكب إليهم كتبًا، وذلك ما عرف ونقل واشتهر. وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة (٢) الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله

стр. 617

تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. . .﴾ [النساء: ١٦٥] الآيات. فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث ﵇ إلى الناس كافة (١). [دعوة النبي ﵊ الناس، وإرساله الدعاة لذلك] وإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله. وقد كان إذا أنزل الله وحيًا، أو أحدث نسخًا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه. كما بعث عليًّا ﵁ بسورة براءة، مناديًا ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنّة إلَّا نفس مسلمة. وبعث معاذًا ﵁ إلى اليمن (٢). وبعث إلى أهل خيبر من يقول: "إما أن تؤدوا القتيل، أو فأذنوا بحرب من الله ورسوله" (٣).

стр. 618

وبعث إلى بني قريظة أبا لبابة ﵁ يستنزلهم على حكمه (١). وجاء أهل قباء واحد من أصحاب النبي ﷺ وهم في مسجدهم يصلون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فاستداروا وهم في صلاتهم (٢). وبعث العلاء بن الحضرمي ﵁ إلى أعمال البحرين (٣). وبعث عدي بن حاتم ﵁ على صدقة طيء (٤). [اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان] ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:

стр. 619

(يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه، فجاء الإسلام برده وكان تحريمه، فمنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد (١)، والنجش (٢) هو من شرها موقعًا، وأذرعها (٣) للحق وفي القلوب (٤)، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم (٥)، ونهى عن بيع

стр. 620

الملامسة، وعن بيع المنابذة (١)، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة (٢)، وعن بيع الحصاة (٣)، وعن بيع الكلب (٤)، وعن بيع نفع البئر

стр. 621

يعني: مائه (١)، وعن بيع وسلف (٢)، وعن بيع ما لم يقبض (٣)، وعن بيع ما ليس عندك (٤) وعن بيع الحب حتَّى يفرك (٥)، وعن بيع الثمرة حتَّى

стр. 622

تزهي (١)، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في سنبلها (٢)، وربح ما لم يضمن خسارته (٣). ونهى عن بيعين في بيعة (٤)، وعن بيع المضامين، وحرم بيع

стр. 623

الملاقيح (١)، ونهى عن بيع وشرط (٢)، ونهى عن بيع الغرر (٣)، وعن بيع

стр. 624

حبل الحبلة (١)، وعن بيع اللحم، لحيوان (٢).

стр. 625

وعن عسب الفحل (١)، وعن بيع الرطب بالتمر (٢)، ورخص في العرايا من أجل الفقراء (٣)،

стр. 626

وعن بيع المجر (١)، وعن بيع الكالئ بالكالئ) (٢). فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا. وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون

стр. 627

للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولا يعلم أن من العلم جهلًا، وهو: أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم تأويله، ولا يعرف صحته، فينسب إلى الجهل مع علمه بفنون من العلم. قيل لعفان بن مسلم (١)، وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة فقال: لا أعلم. فقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم، وأنت لا تعلم! ! فقال: إنما آخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال، قبل أن يفنى ما لا أعلم (٢). فمن العلم جهلًا، ومن القول عيلًا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، وتخص به من لا يفهمه (٣).

стр. 628

ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه. وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع ما بيّن الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه. فقد قال قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الآية قال: (ليس هو أنَّه لم يكن لهم معايش، وأسباب، وتجارة وأعمال، بل كانت عامة أقواتهم من التجارة , والصناعة) (٣). وكان فيهم أعني: الأنصار، من يعيش من عمل النخيل، والتصدي لازدراع ونحوه. وقد جاء في الصحيح: (ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا،

стр. 629

فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلَّا كان له صدقة) (١). [اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام] ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله ﷺ في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. باع عثمان بن عفان ﵁ طعامًا، فجاء فاستفتى النبي ﷺ في الرجل يبيع الطعام، أجرة الكيل على البائع، أم على المشتري، فأفتاه أنها على البائع (٢).

стр. 630

وجاء رجل يوم خيبر، فقال: (يا رسول الله، ما ربح أحد من أهل الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية من الذهب، أو قال من الفضة) رواه أبو داود (١). وقد خرَّج البخاري في باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ : "يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال (٢). وفي باب التجارة في البز (٣) وغيره قال قتادة: (كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع

стр. 631

عن ذكر الله، حتَّى يؤدونه إلى الله) (١). وفيه عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف (٢)، قال: قالت زيد بن أرقم فقال: كنت أنا والبراء بن عازب تاجرين في الصرف على عهد رسول الله ﷺ ، فسألناه في الصرف فقال: "إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان إلى أجل لا يصلح" (٣).

стр. 632

وروى الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ : "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ [على] ما يشك فيه [من الإثم]، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه" (١). وعن عقبة بن الحارث (٢): (أن امرأة دخلت عليه، فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! ! ) (٣). وقد روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ : "غبن المسترسل ربا" (٤)،

стр. 633

والمسترسل: الَّذي لا يماكس، بل يقول: خذ أعطني (١)، فيرجع في بيعه إلى قيمة المثل، أو يكسب عليه القدر المعارف من غير شطط، ولا جور. وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلَّا على ظهرها. وقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وإنما يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الَّذي هو ممقوت عند ذوي الألباب (٢).

стр. 634

وقد جاء رجل يوم خيبر فقال: (يا رسول الله ما ربح أحد من أهل هذا الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية) (١). وقد بعث النبي ﷺ عروة براي أبي الجعد البارقي، يشتري له شاة بدينار، فاشتري شاتين بدينار، ثم رجع التي النبي ﷺ بشاة ودينار، وقال: (إني اشتريت شاتين بدينار، فبعت إحداهما بدينار، وهذه شاة ودينار)، فقال له النبي ﷺ : "أربح الله بيعك" رواه البخاري. وفيه: (وكان عروة البارقي لو اتجر في التراب لربح) (٢). وكان أبو بكر الصديق ﵁ تاجرًا (٣).

стр. 635

وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وأيام الناس، أن الزبير ﵁ مات وعليه ثمانون ألف دينار، فقضيت من تركته، ثم كان الثمن من تركته بعد ذلك ستين ألف دينار، وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس (١). وقد عاد رسول الله ﷺ رجلًا وهو ممن شهد بدرًا وفتح خيبر فقال: يا رسول الله إنك زوجتني فلانة ولم أسم لها مهرًا وإني قد جعلت لها من ذلك سهمي الَّذي بخيبر فأجاز ذلك رسول الله ﷺ فباعته بمائة ألف، خرجته العلماء في كتب الأحكام"، واتسع الإسلام في زمن عمر ﵁، وفشى
следующие страницы →