ما حل عليه في مرضه من رأس المال (١)؛ لأن ما فرط فيه لا يعلم صدقه فيه من كذبه، ويمكن أن يكون أخرجه وأراد الضرر بالورثة بإِخراج الصدقة من رأس ماله، وهو لا سبيل له إلى رأس ماله في مرضه، فمنع (٢) من ذلك، وجعلت في الثلث مبدأة، وقوي أمرها على سائر الوصايا لاحتمال (٣) صدقه، ولو علم صدقه يقينًا لكانت من رأس ماله ولا كذلك ماحل عليه في مرضه فإنها من رأس ماله لتبين صدقه.
١٣٦ - وإنما كانت الزكاة مبدأة على ما أوصي به من عتق بعينه (٤)، مع أن كلًّا منهما موصى به؛ لأن الزكاة لازمة له على كل حال إذ لو صح لم يكن له العدول عنها، بخلاف الوصية بالعتق فإِن له الرجوع فيها.
١٣٧ - وإنما أخرت الزكاة الموصى بها عن المدبر في الصحة وصداق المنكوحة (٥) في المرض، مع أن مخرج الجميع من الثلث؛ لأن الزكاة لا طالب لها معين، بخلاف الصداق والتدبير في الصحة.
١٣٨ - وإنما بدئت الزكاة التي فرط فيها على كفارة الظهار والقتل (٦)، مع أن الجميع واجب؛ لأن الزكاة لا بدل عنها، وعدم البدل يدل على شدة الطلب والاعتناء، ولا كذلك الكفارتان، أما كفارة الظهار ففيها عتق وصيام وإطعام، وأما كفارة قتل النفس ففيها عتق وصيام.
١٣٩ - وإنما أخرت كفارة (٧) اليمين بالله عن كفارتي القتل والظهار، وإن كان
стр. 142
الجميع بنص القرآن (١)؛ لأن كفارة اليمين فيها تخيير (٢)، وكفارة (٣) الظهار والقتل لا تخيير (٤) فيها (٥).
١٤٠ - وإنما أخرت كفارة المفطر في رمضان منتهكًا (٦) عن كفارة اليمين بالله؛ لأن (٧) [كفارة] (٨) المفطر (٩) في رمضان وجبت بالسنة (١٠)، وكفارة اليمين بالله بنص القرآن.
١٤١ - وإنما يبعث الإِمام لزكاة الحبوب والمواشي، ولا يبعث لزكاة العين؛ لأن زكاة المواشي والحبوب يتعذر حملها ويشق كثيرًا على أهلها، فلو كلفوا حملها لظلموا. قاله ابن المواز (١١).
стр. 143
تنبيه: قيد مالك هذا بمن (١) تَرِدُه السعاة، وأما من لا ترده السعاة لبعدهم، فعليهم أن ينقلوا ما (٢) عليهم إلى المدينة أو يصالحوا بقيمتها، ولم ير بأخذ القيمة في هذا باسًا.
١٤٢ - وإنما قالوا في الموصى له معينًا بجزء من الزرع قبل طيبه أنه كأحد الورثة فيعتبر حظه، فإِن كان فيه زكاة زكاه وإلا فلا، ولوحبس زرعًا على معينين قبل الطيب لكانت الزكاة على الجملة على قول المدنيين وسحنون، وعليه حمل ابن رشد (٣) المدونة؛ لأن الموصى له بعينه إذا أنفق على الزرع كان كأحد الورثة، وقد طاب على ملكه، فالزكاة على ملكه، والمحبس عليهم لم تطب الثمرة على ملكهم، بل على ملك المحبس وإن كانوا معينين، إذ الرقبة على ملك المحبس. قاله أبو عمران (٤).
١٤٣ - وإنما قال ابن أخي هشام (٥): إن لم يكن في حب الفجل زيت فلا زكاة فيه كالخضر، وقال في الزيتون الذي لا زيت له، والعنب الذي [لا] (٦) يزبب، والرطب الذي لا يتمر يزكى؛ لأن حب الفجل إذا لم يكن فيه زيت لا يؤكل، بخلاف ما ذكر فإِنها تؤكل وإن لم تصل (٧) إلى حالة الكمال (٨)، ولا أخرج
стр. 144
من الزيتون زيت (١).
١٤٤ - وإنما يعتبر قدر النصاب في الحبوب والثمار باليبسِ، وفي العنب كونه زبيبًا، ولا يعتبر اليبس في الزيتون على المشهور، خلافًا للسليمانية (٢)؛ لأن الثمرة تتم المنفعة بها إذا يبست، وأما الزيتون فالمنفعة فيه إنما هي في زيته، وعصره بأثر جمعه وقبل تجفيفه أحسن، وإنما يتأخر عصره لتعذر المعاصر (٣) وطلبًا لجمع باقيه لا طلبًا لزيادة قصد فيه.
١٤٥ - وإنما كانت فائدة الماشية إذا صادفت نصابًا قبلها تضم إليه ولو بيوم قبل مجيء الساعي، وفائدة العين يستقبل بها حولًا وإن صادفت نصابًا قبلها؛ لأن زكاة الماشية موكولة إلى (٤) الساعي، فلو لم تضم الثانية إلى الأولى لأدى ذلك إلى خروجه مرتين، وفيه حرج (٥)، بخلاف العين، فإِنها موكولة إلى أمانة أربابها (٦). وأيضًا الماشية لو بقي كل مال على حوله لأدى ذلك إلى مخالفة النصب (٧) التي قدرها النبي ﷺ (٨)، مثال ذلك أن يكون لإنسان أربعون (٩) شاة قد مضى لها نصف حول ثم استفاد أربعين [ثم أربعين] (١٠) أخرى، فلو بقي كل مال على حوله لأدى إلى أن يخرج عن مائة وعشرين ثلاث شياه، وهو خلاف ما نص عليه سيدنا ومولانا محمد ﷺ . وأيضًا لما كانت زكاة الماشية موكولة للسعاة فلو لم نقل أن الفائدة تضم (١١) لأدى إلى أن
стр. 145
يدعي كل شخص أنه قد استفاد بعض ما بيده لتسقط الزكاة، بخلاف العين (١)، فإِن التهمة فيها منتفية؛ لأن زكاتها موكولة إلى أمانة أربابها (٢).
١٤٦ - وإنما تقضى زكاة الفطر ولا تقضى الأضحية إذا خرجت أيام النحر؛ لأن الإِجماع منعقد أنه لا يضحى بعد أيام النحر، والقرب إنما (٣) [هي] (٤) على حسب ما رتبها (٥) الشارع، وأصل زكاة الفطر أنها تجب بحلول ليلة الفطر ويومه، كزكاة الأموال التي تجب بحلول الحول، وإن أخرها ضمنها؛ لأن الصدقة تنفع المساكين متى تصدق بها عليهم. قاله أبو عمران وأيضًا الله خص الأيام المعلومات بها لقوله (٦): ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٧)، فلا يذبحه (٨) في غيرها، ولا حق فيها للمساكين [فيصل إليهم نفعها متى أخرجت، وزكاة الفطر مخصوص بها المساكين] (٩)، كزكاة الأموال، فمتى أخرجت إليهم نفعتهم. قاله ابن يونس.
١٤٧ - وإنما تجب زكاة الفطر على الزوج عن زوجته على المشهور، خلافًا لابن شاس (١٠)، ولا تجب [عليه] (١١) الأضحية عنها على المشهور، خلافًا لابن
стр. 146
دينار (١)؛ لأن صدقة الفطر قد جاء فيها (٢) الحديث (٣): "أدوا زكاة الفطر عن كل من تمونون" (٤). والأصل كان أن لا يحملها أحد عن أحد في الجميع، فخرجت صدقة الفطر بدليل، وبقي ما عداها على الأصل. قاله أبو الحسن (٥):
تنبيه: استحسن الشيخ المحدث أبو عبد الله بن رشيد الفهري السبتي (٦)، ﵀، هذا الفرق، ولو جرح (٧) هذا الحديث أهل الصحة. وأجيب بأنه وإن لم يخرجه (٨) أهل الصحة، فهو من أحاديث الفقهاء التي يحتجون بها في الترجيحات. لا يقال إن الفقهاء يتسامحون في الحديث؛ إذ لا يبحثون بحث المحدثين، مثل الكثير [السهو] (٩)، فإِنهم لا يقبلون منه
стр. 147
ما خرج، ويقبل منه الفقهاء؛ لأنا نقول: الأصل في نقل العدل الصحة، ولا يبطل بكثرة سهوه. وقال ابن رُشَيد (١):
"صيانة العلم أشد من تحصيله". وأنشدوا (٢):
فلو (٣) أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما (٤)
١٤٨ - وإنما قبل قول الوصي (٥) في دفع زكاة الفطر عن محاجيره (٦)، وإن كانوا في حضانة أمهم أو غيرها، ولا يقبل قوله في دفع النفقة، إن كانوا في حضانة أمهم، إلا أن تصدقه؛ لأن زكاة الفطر لم تجر العادة [بالإِشهاد] (٧) على إخراجها، لا سيما وهو يخرجها قبل الغدو إلى المصلى، وقد قال في كتاب
стр. 148
الشهادات (١) فيمن دفع إِليه مال يفرقه (٢) على المساكين، وقال قد (٣) فرقته، فإِن كان المساكين معينين [وكذبوه] (٤)، لم يقبل قوله إِلا بالإِشهاد (٥)، وإن كانوا مجهولين قبل قوله، والمدفوع إِليه زكاة الفطر غير معينين. قاله الشيخ أبو الحسن.
١٤٩ - وإنما قيل بعدم إجزاء التين في صدقة الفطر، وإجزاء القطاني، مع أن كل واحد منهما غير متخذ للعيش (٦) غالبًا؛ لأن القطنية من جنس ما تجب فيه الزكاة، فهي أشبه [بما تؤدى] (٧) منه، وليس التين كذلك. قاله أبو الحسن.
١٥٠ - وإنما لا يجزى إخراج القيمة من عين أو عرض (٨) في زكاة الفطر، ويجزى مع الكراهة في زكاة العين والحرث والماشية؛ لأن حاجة الفقير في زكاة الفطر أشد، ولقوله ﷺ (٩): "إِغنوهم عن سؤال هذا اليوم" (١٠)، وهو إذا أخرج (١١) ثمنًا أوعرضًا لم يمكنه من الأكل منها قبل الغدو إلى المصلى، الذي هو المطلوب. قاله الشيخ أبو الحسن.
стр. 149
فروق كتاب الصيام
١٥١ - وإنما اتفقوا على قبول [قول] (١) المؤذن [الواحد] (٢) إذ أخبر بدخول وقت الصلاة، ولم يقبلوا (٣) قول (٤) الشاهد الواحد برؤية هلال رمضان أو شوال، مع أن كل واحد منهما عدل يخبر (٥) بدخول وقت العبادة؛ لأن المؤذن مستند في إخباره إلى أمر يطلع عليه هو (٦) وغيره عادة وشاركه [بل [قد] (٧) يتقدم عليه] (٨)، ولو أخطأ لاشتد النكير عليه، بخلاف الهلال، فإِنه لا يعلم إلا بقوله، لا سيما مع توفر دواعي الناس وحرصهم على رؤيته (٩) وبذلهم وسعهم (١٠)، [فهم] (٨) كالمعارضين له. وأيضًا الزوال (١١) لا بد منه في كل أفق، فهو معلوم الحصول في ذلك اليوم لكل من على وجه الأرض، بخلاف هلال رمضان، إذ يرى في بلد ولا يرى في آخر (١٢).
стр. 150
١٥٢ - وإنما اشترط العدد في الشهادة ولم يشترط في الرواية، مع أن الخبر يشملهما (١) معًا؛ لأن الشهادة تتعلق بمعين، فاشترط فيها العدد لقوة التهمة، بخلاف الرواية (٢)، فإِنها لا تتعلق بمعين (٣)؛ إذ لا يتهم أحد على تضليل كافة الخلق (٤).
١٥٣ - وإنما أثر الرفض في الصوم والصلاة على المشهور، ولم يؤثر في إحرام الحج ولا في الوضوء بعد كماله أوفي خلاله، مع أن الجميع عبادة (٥) تفتقر إلى نية، لأن الفرض (٦) في الصوم الإِمساك، فإِذا رفض الإِمساك الشرعي المخاطب به، وأتى بنية الفطر (٧)، فقد حصل منه [ضد ما خوطب به من الإِمساك، فبطل صومه، وأما الصلاة فسبيلها اتصال عملها على ما أوجبه الشرع، فإِذا رفضها ونوى تركها حتى استقر في نفسه أن يحدث إن شاء [أو يمشي] (٨) أو يأكل أو يشرب، ويتمادى على أنه في غير عمل الصلاة، فقد حصل منه] (٩) أيضًا ما ليس من سنة الصلاة ولا سبيلها. وقد اختلف أصحابنا فيما هو أبين من هذا، فيمن (١٠) حالت (١١) نيته إلى نافلة، وهو في فريضة. وأما من رفض وضوءه بعد كماله فهذا ليس بشيء؛ لأن حكم الحدث قد ارتفع عنه [بطهارته] (٩)، ورفض الوضوء ليس بحدث دخل عليه فينقض طهارته، فلم يلتفت إلى رفضه، وكذلك [إذا نوى رفض الوضوء] (١٢)،
стр. 151
وهو لم يكمل وضوءه (١)، رفضه (٢) ليس بشيء؛ لأن ما غسل من أعضاء الوضوء حكم الحدث قد ارتفع عنه، فلا حكم لرفضه (٣) إياه إذا عاد فأكمل باقي وضوئه بالقرب، وكذلك أيضًا رافض إحرامه ليس رفضه بمضاد لما هو فيه؛ لأنه إنما عليه مواضع يأتيها، فإِذا رفض إحرامه ثم عاد إلى المواضع التي خوطب بفعلها لم يحصل لرفضه حكم. وأما إن كان في حكم الأفعال التي تجب عليه نوى الرفض، وفعلها بغير نية، كالطواف ونحوه، [فهذا رفض، لأنه (٤)] (٥) يعد كالتارك. وأيضًا لما كان الوضوء معقول المعنى بدليل أن الحنفية لم يوجبوا فيه النية، وهي رواية الوليد بن مسلم (٦) عن مالك أيضًا، والحج محتو على أعمال مالية وبدنية لم يتأكد طلب النية فيهما، فرفض النية فيهما رفض لما هو غير متأكد، وذلك مناسب لعدم (٧) الرفض، ولأن الحج لما كان عبادة شاقة، ويتمادى في فساده (٨) ناسب أن يقال بعدم الرفض لعدم المشقة الحاصلة على تقدير رفضه، والله أعلم.
تنبيه: قال شهاب الدين القرافي ﵀: رفض النية في العبادات من أشكل المشكلات، فإِن النية وقعت، وكذلك العبادة وقعت فكيف يصح رفع (٩) الواقع، وكيف يصح القصد إلى المستحيل، بل النية واقعة (١٠) قطعًا،
стр. 152
والعبادة محققة جزمًا، فالقصد لرفض ذلك وإبطاله قصد للمستحيل ورفع للواقع وإخراج [ما اندرج] (١) في الزمن (٢) من الواقع (٣)، وكل ذلك مستحيل. والجواب عنه أنه (٤) من باب التقديرات الشرعية، بمعنى أن صاحب الشرع يقدر (٥) هذه النية أو هذه العبادة في حكم ما لم يوجد (٦)، لا أنه (٧) يبطل وجودها المندرج في الزمن الماضي فأجرى عليها الآن حكم عبادة لم توجد قط، [وما لم يوجد قط] (١) يستأنف فعله، فيستأنف (٨) فعل هذه (٩)، فهو (١٠) من قاعدة تقدير رفع الواقعات، لا من قاعدة رفع الواقعات، فالأول ممكن مطلقًا، والثاني مستحيل مطلقًا. وبنى، [﵀] (١)، على هذه القاعدة الرد بالعيب، والعتق عن الغير، ومن قال لامرأته (١١) إن قدم زيد آخر الشهر (١٢) فأنت طالق من أوله، فإِنها مباحة الوطء بالإِجماع إلى قدوم زيد. انظر الفرق السادس والخمسين (١٣).
١٥٤ - وإنما كان الأفضل الصوم في السفر، والأفضل قصر الصلاة فيه، وكلاهما رخصة في عبادة، لأن العبادة إذا ذهب وقتها كانت (١٤) قضاء، وإذا عملت في وقتها كانت أداء، والأداء أفضل من القضاء، [ووقت الصوم هو الشهر، فيكون
стр. 153
الصوم فيه أداء، والأداء أفضل من القضاء] (١) كما قلنا , وليس كذلك الصلاة، بل اجتمع فيها الأمران، الأداء والأخذ بالرخصة , لأنها في الوقت.
تنبيه: يرد على [هذا] (٢) الفرق أن يقال الإتمام أكثر عملًا , وقد قال ﵊: "أكثركم ثوابًا أجهدكم عملًا " (٣) , والأقرب أن يقال ترجح القصر (٤) من حيث أنه [من] (٥) فعل رسول الله ﷺ [كثيرًا] (٥) , ومن حيث أن فيه تعجيل براءة الذمة والبدار إلى الخير , والتأخير (٦) إلى الحضر فيه خلاف ذلك كله، فكان مرجوحًا. والصلاة القصر فيها أفضل؛ لأنه فعل رسول الله، ﷺ ، كثيرًا (٥)، ولا يذكر عنه غيره, وفيه مع هذا براءة الذمة والبدار إلى الخير، كما كان في الصوم في السفر.
١٥٥ - وإنما جوزوا الفطر في رمضان بسفر القصر بالإجماع ولم يجوزوه (٧) [به] (٥) في صيام كفارة التتابع كالظهار، [لأن الظهار] (٨) - مع كونة أدخله (٩) على نفسه- منكر من القول وزور (١٠)، وكذلك كفارة الهتك (١١) [في رمضان] (٥) , وكفارة القتل؛ لأن كل واحد منهما (١٢) متسبب أيضًا واقع (١٣) حرامًا , فناسب التغليظ، ولا كذلك رمضان.
стр. 154
تنبيه: فرق الشيخ أبو الحسن اللخمي، ﵀، بأن الله تعالى أباح الفطر في رمضان إذا كان في السفر، وإن كان مستطيعًا، وقال في المظاهر (١): (فمن لم يستطع) (٢)، وهذا مستطيع، وفيه نظر؛ لأن السؤال باقٍ، والصواب (٣) ما قدمنا.
١٥٦ - وإنما قال مالك في نافلة الصوم والصلاة وغيرها مما الشأن (٤) وجوبها بالشروع (٥)، إن كان إفسادها لعذر واضح كالنسيان فلا قضاء فيها، وإن كان لغير عذر (٦) فالقضاء (٧)، وقاعدة الوجوب في القضاء ألا يفرق (٨) بين نسيانه وعمده؛ لأن الفطر إذا كان نسيانًا أو لعدم قدرة، ما كان الإِتمام واجبًا ولما (٩) لم يكن واجبًا لم يكن القضاء مترتبًا (١٠)، وإذا (١١) لم يكن عذر بشيء من ذلك، والوجوب ثابت في الإِتمام لوجود شرط الوجوب، فإِن وقع الفطر في الصوم وجب (١٢) القضاء.
١٥٧ - وإنما كان الفرض يقضي مطلقًا، والنفل يفصل فيه، وكان القياس يقتضي [ألا] (١٣) قضاء في النفل مطلقًا، لإِظهار رتبة الفرض؛ لأن النفل بالشروع فيه لحق بالفرض (١٤)، فوجب أن يحكم له بحكمه ما لم يعارضه معارض، وهو [ما مر له في الفرق قبله] (١٥).
стр. 155
١٥٨ - وإنما كان التطوع في الصوم يفرق في قضائه بين العذر وغيره، والاعتكاف يتعين فيه القضاء مطلقًا، مع أن كل واحد منهما قد وجب بالشروع (١)، والوجوب سبب القضاء؛ لأن الاعتكاف اختص بأشياء ليست في غيره فغلظ حكمه.
١٥٩ - وإنما قدموا صوم المتمتع (٢) على قضاء رمضان في المشهور إذا لم يتعين، وأخروه مع التعيين [اتفاقًا] (٣)، لأن المتمتع (٢) [لما صام (٤)] (٥) ثلاثة أيام في الحج، فلو أتى بصيام القضاء قبل صوم التمتع لأدى إلى تفريق الصوم من غير ضرورة. وأيضًا لما كان قضاء رمضان واجبًا موسعًا، وصوم الهدي واجبًا مضيقًا، لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٦)، والقاعدة عند تعارض الموسع والمضيق أن تقديم المضيق أولى، وهذه علة عامة، وهي من أدل الدليل (٧) على قوة علم مالك بالأصول، وأما تأخيره مع التعيين؛ فلأن قضاء رمضان يوجب تأخيره (٨) الفدية، وتأخير صيام التمتع لا يوجب شيئًا.
١٦٠ - وإنما كان إذا صام رمضان عن رمضان يجزيه عن أحدهما، وهل الثاني أو الأول؟ خلاف (٩). [والمدونة تحتملهما] (١٠)، وإذا صام شعبان ورمضان عن ظهاره لم يجزه رمضان لفرضه ولا لظهاره؛ لأن من صام رمضان قضاء عن
стр. 156
رمضان [فقد] (١) صامه لمثله في الرتبة والقوة، فأخرج صوم فرض لفرض، فناب عن أحدهما (٢) , والآخر أخرجه لغير فرض (٣)، وصامه لما ليس من جنسه ولا في قوته , فلم يجزه عن واحد منهما. قاله عبد الحق (٤).
تنبيهان: الأول: ضعف الشيخ أبو القاسم بن محرز (٥) هذا الفرق وقال: العكس أولى , لأن الصومين كلما تساويا (٦) في القوة أو تقاربا كان أقوى في التدافع والعناد , بخلاف (٧) إذا كان أحدهما أضعف. قيل وقد يقوى هذا الذي [قال] (٨) مسألة من حج ناويًا نذره وفريضته، فإِنه على المشهور يجزيه عن (٩) نذره دون فريضته.
الثاني استشكل بعض الحذاق رواية فتح [الخاء] (١٠)، وقال يتعين كسرها ليصح الجواب، وإلا لزم بطلان الجواب للتناقض يجزى (١١) ولا يجزى , وأجيب عنه بأن الكلام بآخره (١٢) فكأنه يقول: أجزأه عن أحدهما ويقضي الآخر، وفيه نظر.
стр. 157
١٦١ - وإنما قال ابن القاسم في النذر المعين يقضيه؛ (١) إذا أفطر فيه [بالنسيان, ولا يقضيه إذا أفطر] (٢) لمرض؛ لأن المريض مغلوب معذور بخلاف الناسي: فإِن معه ضربًا من التفريط.
١٦٢ - [وإنما يقضي [النذر مطلقًا على قول، ولا يقضى] (٣) التطوع إلا إذا أفطر فيه بالعمد الحرام؛ لأن التطوع أخفض رتبة من النذر لإيجابه إياه على نفسه] (٤).
١٦٣ - وإنما وجب قضاء رمضان لعذر المرض، ولا يجب قضاء النذر المعين بعذر المرض، لأن رمضان أعظم حرمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) , فالنذر المعين فرع دائر بين التطوع وبين صوم رمضان.
١٦٤ - وإنما قالوا إِذا صام رمضان عن نذره وفريضته لا يجزيه عن واحد منهما, وإذا نوى نذره وحجة الفريضة أجزأه لنذره (٦) فقط (٧)؛ لأن رمضان لا يقبل غيره؛ ولذلك لا يجزئه (٨) عن القضاء (٩) الذي نواه, بخلاف الحج؛ فإن الزمان لا يتعين لحجة الفريضة.
١٦٥ - وإنما أوجبوا الكفارة على مكره المرأة على الجماع, ولم يوجبوها على مكره جماع الرجل؛ لأن مكره جماع الرجل متسبب ومكره المرأة مباشر.
تنبيه: قال ابن عبد السلام: لا يقال إنما وجبت الكفارة على المكره
стр. 158
عنها، لإِفساده صومها؛ لأن ذلك منقوض بمن صب في حلقه ماء، هكذا (١) هو ظاهر المذهب، ونص ابن حبيب على وجوب الكفارة في ذلك أعني في حق فاعل صب الماء (٢).
١٦٦ - وإنما قال الأكثرون بسقوط الكفارة عن المجامع مكرهًا، وأوجبوا الحد عليه؛ لأن الكفارة منوطة بالانتهاك، وهو منتف مع الإِكراه [بخلاف الزنى] (٣).
١٦٧ - وإنما منع الحيض والنفاس الصوم والصلاة (٤) ولم يمنعا (٥) الحج؛ لأن الصوم له زمن مخصوص لأدائه، وليس لقضائه زمن مخصوص، بل يقضي في كل وقت، وكذا (٦) الصلاة، بخلاف الحج، فإِن وقت أدائه ووقت قضائه واحد، فلو منع منه الحيض والنفاس لأدى [ذلك] (٧) إلى سقوطه، إذ ليس له زمن قضاء والصوم له زمن قضاء.
١٦٨ - وإنما أوجبوا المضي (٨) على فاسد الحج والعمرة والصوم، ولم يوجبوه (٩) على فاسد (١٠) الصلاة؛ لأن فساد الصلاة غالبًا إنما هو بترك (١١) ركن أو شرط، وليس ذلك مما تميل النفوس إليه، فأراد الشارع في الأول الزجر فغلظ بإِيجاب التمادي والقضاء (١٢) والكفارة. ولأن الصوم والنسك (١٣) لا يفعلان إلا
стр. 159
مرة في السنة، فلا مشقة فيهما، بخلاف الصلاة، فإِنها تتكرر، فلو أمر بالتمادي لإِفسادها لشق ذلك. قاله التادلي (١).
стр. 160
فروق كتاب الاعتكاف
١٦٩ - وإنما صح إيقاع الصلاة الفريضة المنذورة [بطهارة] (١) أتى (٢) بها لغيرها من الفرائض والنوافل، ولا يصح الاعتكاف المنذور (٣) بصوم رمضان أو غيره من أنواع الصيام، بل (٤) [إلا بصيام] (٥) لأجله؛ لأن ملتزم الاعتكاف ملتزم لما هو من ضرورياته، ومن ذلك الصوم، وسواء عد شرطًا أو ركنًا (٦)، بخلاف ملتزم الصلاة، فإِنما (٧) لم يؤمر بطهارة مستقلة مستأنفة لها (٨)، إذا كان على طهارة؛ لأن المقصود من الطهارة ارتفاع حكم الحدث (٩)، وهو حاصل. فلو أمر به مرة أخرى قبل الحدث لكان تحصيلًا للحاصل.
١٧٠ - وإنما جاز للمعتكف أن يعقد النكاح (١٠) ويتطيب ولم يجز ذلك للمحرم؛ لأن المعتكف عنده وازع (١١)، وهو الصوم والمسجد، وذلك مانع من القوة (١٢)
стр. 161
الداعية، بخلاف المحرم. وأيضًا الحج عبادة [شاقة] (١)، فاحتيط لها. وأيضًا الحاج (٢) مسافر، فالغالب بعده عن الأهل، وذلك مظنة التذكر المؤدي إلى الفساد، بخلاف المعتكف.
١٧١ - وإنما قالوا إذا أجرت (٣) الظئر (٤) نفسها على أن ترضع في بيت الصبي فمات زوجها، أنها ترجع إلى بيت زوجها لتعتد فيه (٥)، وليس لها أن تبيت في غيره، وإذا سبق الاعتكاف الطلاق لم (٦) تخرج من اعتكافها (٧)؛ لأن مبيت المعتدة في بيتها إنما هو حفظًا للنسب واحتياطا (٨) له من إدخال الشبهة فيه، والمعتكفة موضعها المسجد فيؤمن عليها أن تحدث فيه حدثًا، وهي من أجل اعتكافها ممنوعة من النكاح، فمن أجل هذا تركت فيه (٩).
١٧٢ - وإنما يخرج المعتكف لعيادة أبويه [إذا مرضا ويبتدئ اعتكافه] (١٠) ولا يخرج لجنازتهما؛ لأن الأبوين يرضيان [عليه] (١١) لزيارته (١٢) ويسخطان لتركها (١٣)، ولا كذلك الموت.
تنبيه: قال القاضي أبو الدعائم سند بن عنان [المصري] (١١): في هذا الفرق نظر؛ لأن ذلك من حقهما (١٤)، ويلزم إذا مات أحدهما، فإِن عدم
стр. 162
خروجه يسخط الآخر (١).
١٧٣ - وإنما لا يأتي المريض [المسجد] (٢) إذا صح (٣) ليلة العيد، وإذا صح في بعض اليوم فإِنه يرجع، وكذلك (٤) الحائض تطهر، والجامع عدم صحة الصوم (٥) في كل من الزمانين، لأن اليوم الذي طهرت فيه الحائض وصح فيه المريض يصح صومه لغيرهما، بخلاف العيد، فإِنه لا يصح صومه لأحد، فلو أمر بالرجوع لتوهم الجاهل أن هذا المعتكف صائم (٦). قاله أبو إسحاق.
١٧٤ - وإنما قالوا في العبد إذا نذر اعتكافًا بغير إذن سيده فمنعه منه يبقى في ذمته وإن عتق يقضي (٧)، وليس للسيد أن يسقطه مطلقًا، بخلاف الدين، فإِن له أن يسقطه ويبطله في الحال والمآل؛ لأن الدين في ذمة العبد عيب يبخس ثمنه، بخلاف النذر، فإِن للناس غرضًا في العبد إذا عتق يكون مستغنيًا غير محتاج حتى إن معتقه ليعطيه شيئًا [لهذا] (٨)، وإذا كان مدينًا انتزع ما بيده فيفوت غرض سيده، فلذلك كان له أن يسقطه، بخلاف نذر الاعتكاف.
١٧٥ - وإنما يمنع (٩) العبد من الاعتكاف بغير إذن سيده، ولا يمنع المكاتب الاعتكاف اليسير؛ لأن المكاتب أحرز نفسه وماله، فليس لسيده عليه اعتراض إلا (١٠) فيما يؤدي إلى عجزه، و [لا] (١١) يكون ذلك إلا في الاعتكاف الطويل.
١٧٦ - وإنما أسقطوا الكفارة في نسيان الجماع وإكراهه في المشهور، خلافًا لعبد
стр. 163
الملك (١)، وأوجبوا (٢) بهما استئناف الاعتكاف اتفاقًا؛ لأن الكفارة منوطة بالانتهاك، والنسيان والإِكراه (٣) ينافيانه، ولا كذلك استئناف الاعتكاف (٤)، فإِنه كالقضاء في رمضان [بهما] (٥).
١٧٧ - وإنما يلزم بالنية عكوف أيام أو شهر أو شهور بالدخول في أول يوم منها، وإذا نوي صومًا فإِنه لا يلزمه متتابعًا وإن نواه، إلا اليوم الذي دخل فيه [خاصة] (٥)؛ لأن الاعتكاف لاتصال أيامه كيوم واحد، بخلاف عمل الصوم فإِنه غير متصل؛ لأن الليل فاصل عن الصوم، والعكوف عمل متصل في الليل والنهار، فهو كاليوم الواحد [في الصوم] (٦)، والجوار (٧) إذا كان ينقلب فيه بالليل إلى منزله (٨) مثل الصوم لا يلزمه بالنية والدخول في (٩) أول يوم منه، وكل يوم منه إنما يترتب عليه بدخوله فيه، وأما ما لا ينقلب فيه فهو كالعكوف، فبالدخول (١٠) في أول يوم يلزمه جميعه (١١).
١٧٨ - وإنما قال في المدونة (١٢) إذا نذر أن يصوم بساحل من السواحل أو بموضع
стр. 164
يتقرب بإِتيانه، يلزمه الصوم [بذلك الموضع، وإذا (١) نذر اعتكافًا بساحل من السواحل يعتكف في مسجد موضعه] (٢) لأن الصوم لا يمنعه من الحرس والجهاد، والاعتكاف يمنعه من ذلك كله، فلذلك كان (٣) اعتكافه بموضعه أفضل.
١٧٩ - وإنما كره في المدونة للمعتكف أن يخرج لحاجة الإِنسان في بيته للذريعة، وأجاز (٤) له أن تأتيه زوجته إلى المسجد (٥)؛ لأن المسجد وازع يزعه عن الاستمتاع، وليس البيت بوازع يزعه عن الاستمتاع.
стр. 165
فروق كتاب الحج
١٨٠ - وإنما قالوا لا يعتبر بقاؤه فقيرًا، بل (١) يبيع عروضه وأسبابه وإن أدى ذلك إلى أن يترك ولده في الصدقة، وقالوا إن كان لا يتوصل إلى الحج إلا بعد بذل مال يجحف به لظالم أن فرض الحج ساقط [عنه] (٢)؛ لأن الإِعطاء هنا إعانة للظالم على ظلمه وبغيه، ولا كذلك [في] (٣) الأول.
١٨١ - وإنما قالوا يحرم ركوب البحر إلى الحج إذا علم تعطيل الصلاة أو بعض أحكامها، ولا يحرم ركوبه إلى الجهاد وإن أدى إلى تضييع فرض من فروض الصلاة، بل يجب، مع أن كلًّا منهما عبادة دينية مهمة؛ لأن المراد [من الجهاد] (٤) أن تكون كلمة الله هي العليا، والقيام بها أشرف من القيام بالصلاة؛ لأن عدم القيام بالتوحيد كفر، وعدم القيام بالصلاة ليس بكفر على المعروف، وبضدها تتميز الأشياء. والحج مع الصلاة بالعكس (٥) إذ هي أفضل.
تنبيه: ذهب الباجي (٦) [﵀] (٣) إلى ركوب البحر إلى الحج وإن
стр. 166
أدى إلى تعطيل بعض أحكام الصلاة (١)، وحمله بعض الشيوخ (٢) على ما تعين منه، [قال: وأما ما لم يتعين] (٣) فبعيد (٤) أن يقال بركوبه (٥) وإن (٦) أدى إلى تعطيل (٧) بعض أحكام الصلاة، [يريد] (٨) لأن الصلاة على الفور إجماعًا، والحج مختلف فيه.
١٨٢ - وإنما كره مالك في الموازية للمرأة المشي البعيد إلى حجة الإِسلام، وأوجب (٩) عليها المشي البعيد في الحجة المنذورة، وكلاهما واجب؛ لأن المرأة لو كلفت المشي في حجة الإِسلام للزم منه عموم الفتنة والحرج، بخلاف النذر؛ لأنه ضرورة (١٠) نادرة، وقد ألزمت نفسها ذلك بيمينها، ألا ترى أن الإِنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر فإِنه لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر، ولو نذر إخراجه للزمه، والله [تعالى] (١١) أعلم.
١٨٣ - وإنما تسقط زيادة [النفقة] (٣) عن ولي الصبي إذا خاف عليه الضيعة إن لم [يحمله] (١٢) معه إلى الحج، ولا تسقط عنه الفدية ولا جزاء الصيد إن أحرم به وفعل موجبهما؛ لأن الولي إنما يضطر (١٣) إلى الخروج به، لا إلى إحرامه، فكأنه هو الذي فعل.
١٨٤ - وإنما قالوا في الصبي إذا أحرم بغير إذن وليه فحلله ثم بلغ أن له أن يحرم ولو في ليلة النحر، ويجزيه عن فرضه، وفي العبد إذا أحرم بغير إذن سيده
стр. 167
فحلله ثم عتق (١) أنه لا يحرم بفريضته (٢) في قول (٣)؛ لأن العبد مكلف فيقدم قضاء ما ترتب عليه إذا عتق لتسببه (٤) مع عدم إذن سيده (٥).
١٨٥ - وإنما قالوا إذا اشترط عليه الإفراد بوصية الميت فقرن انفسخت، وإذا تمتع أعاد، والجميع مخالفة لغرض الموصي (٦)، لأن عذر (٧) المتمتع ظاهر، فلهذا (٨) مكن من العود. وأيضًا القارن شرك في العمل (٩)، فأتى ببعض ما استؤجر عليه، والمتمتع لم يشرك، وإنما (١٠) أتى بما عليه فيه دم، والدم ليس بموصم (١١) في الحج. وأيضًا القارن استؤجر على عام بعينه، والمتمتع استؤجر على عام مضمون.
تنبيه: اعترض الفرق الأول بأنا لو راعينا أمر النية لم تجز هذه الإِجارة من أجل (١٢) الاحتمال أن يحرم عن نفسه، واعترض الثاني بأن التمتع أيضًا لا يجزئه، وهو مخاطب بالإِعادة، واعترض الثالث بأنه إحالة للمسألة عن موضوعها" (١٣).
١٨٦ - وإنما قالوا إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج أنه ينعقد على المشهور، وإذا أحرم بالصلاة قبل دخول الوقت لم ينعقد؛ لأن أصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى. قاله عبد الحق. وأيضًا الحج إذا أحرم به قبل الوقت [لا يمكن أن
стр. 168
يفرغ قبله (١)؛ لأن وقته عرفة.
تنبيه: لا يقال ينتقض بمن أحرم بالصلاة قبل الوقت] (٢) بيسير، ولم يفرغ إلا بعد دخوله؛ لأنا نقول لا بد أن يأتي بشيء منها قبل الوقت وإن لم يكن غير الإِحرام، وببطلان (٣) جزء الماهية يبطل جميعها.
١٨٧ - وإنما صح إنشاء الحج من مكة، ولا يصح إنشاء العمرة منها (٤)؛ لأن كل واحد من النسكين لا بد أن يجمع فيه بين الحل والحرم، وذلك حاصل في الحج لخروجه إلى عرفة وهو حل، ولا كذلك العمرة، فلا بد إن أراد إنشاءها من الخروج إلى الحل، والأفضل أن يحرم بها من الجعرانة أو (٥) التنعيم.
١٨٨ - وإنما قال في المدونة (٦): لا يحرم الماشي حتى يشرع في المشي، والراكب يحرم بنفس ركوبه؛ لأن الراكب لا يركب [على] (٧) دابته إلا للسير، والقائم قد يقوم لحوائجه، فشروعه في المشي كاستوائه على دابته. قاله أبو عمران.
١٨٩ - وإنما يرفع صوته بالتلبية في المسجد الحرام ومسجد منى، ولا يرفع في غيرهما؛ لأن هذين المسجدين بنيا (٨) للحج. وأيضًا الأمن فيهما من الرياء حاصل، بخلاف غيرهما.
١٩٠ - وإنما قال ابن القاسم فيمن أحرم بحج وفاته الحج [فاراد] (٢) أن يطوف [ويسعى] (٢) بين الصفا والمروة قبل [دخول] (٢) أشهر الحج المستقبل لا يفعل، وأخاف أن لا يجزئه وفيمن أحرم قبل أشهر الحج له ذلك؛ لأن الذي فاته الحج لما كان له أن (٩) يحل منه في عمرة ولم يفعل، لم يجز له
стр. 169
أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج، وهذا الذي أحرم قبل أشهر الحج قد تورط في الإِحرام وليس له أن يتحلل (١) منه.
١٩١ - وإنما يجب دم التمتع والقران على الآفاقي دون المكي (٢)؛ لأن الآفاقي من حقه أن يأتي بالحج في سفر وبالعمرة (٣) في سفر ثان، فلما تمتع بإِسقاط أحد السفرين أوجب الله عليه الهدي، والمكي لم يسقط سفرًا فلزمه الهدي لذلك.
تنبيه: أنكر بعض المتأخرين من القرويين (٤) اعتلالهم بإِسقاط أحد السفرين، وقال يلزم على قولهم أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه أن يكون متمتعًا؛ لأنه أسقط أحد السفرين، وهذا خلاف الإِجماع. قال: وإنما سمي متمتعًا لإِحلاله بين حجة وعمرة. [ابن يونس وما احتج به هذا القروي لا يلزم؛ لأنه إنما يراعي إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج ولو لزم [من] (٥) ذلك في اعتماره في غير أشهر الحج لعكس الجواب عليه، فيقال له: أرأيت لوحل من عمرته في غير أشهر الحج أليس (٦) هذا قد حل بين حجة وعمرة] (٧) فيلزم على قوله أن يكون متمتعًا، فصح أن المراعى إسقاط أحد السفرين في أشهر الحج.
١٩٢ - وإنما جعل ميقات أهل المدينة أبعد من غيرها من المواقيت؛ لأن أهل المدينة لما (٨) كانوا بالقرب من مكة، لا يبلغهم الجهد في سيرهم (٩) طول عليهم الإِحرام لينالهم ما نال غيرهم من الآفاقيين من الجهد.
стр. 170
١٩٣ - وإنما جاز بيع العبد والأمة المحرمين (١) وبيع الأمة المعتدة، وإذا آجر (٢) عبده شهرًا لم يجز بيعه؛ لأن العبد [المحرم] (٣) منافعه لمشتريه، وكذلك الأمة المعتدة (٤)، وفي الإِجارة منافعه قد بيعت فيستخف من كان في الإِحرام لهذا (٥)، فإِن كان المشتري محرمًا، كان ذلك أخف، وإن كان الموضع بعيدًا، لأنه خارج معه، ومسافر (٦) به، وإن كان غير محرم فذلك فاسد إلا أن يكون الموضع قريبًا والأيام يسيرة. قاله اللخمي.
١٩٤ - وإنما يحرم بالصبي والمجنون ولا يحرم بالمغمى عليه (٧)؛ لأن الإغماء عارض (٨) يزول، ويمكن أن يتربص به إلى أن يبرأ، وهو [بصدد] (٩) أن يبرأ في الحال، وليس الصبا والجنون المطبق مما يذهب في الحال.
١٩٥ - وإنما أوجب في المدونة (١٠) الدم على من نسي الطواف جملة، ولم يوجبه على الذي طاف على غير وضوء، لأن الذي طاف على غير وضوء أتى بصورة الطواف، فأثبت لصورته حكمًا، ألا ترى أن الإِمام إذا صلى بالناس وهو جنب أن صلاة القوم (١١) مجزئة، وإن كان (١٢) يؤمر بالإِعادة، وكذلك إن صلى بهم الجمعة أجزأتهم وأعاد هو، فأثبت لصورة الإِمام حكمًا، ومراعاة للخلاف، إذ
стр. 171
أبو حنيفة (١) لا يشترط الطهارة في الطواف (٢). قاله أبو عمران.
١٩٦ - وإنما قال في المدونة (٣) [إذا] (٤) نسي شوطًا (٥) من طواف العمرة أنه (٦) يرجع إليه من بلده، وإن (٧) نسي ركعتي الطواف وقد أصاب النساء فليركعهما ببلده ويهدي؛ لأن من نسي شوطًا (٨) من الطواف قد نسي ما هو من صلب العبادة، فكأنه لم يأت بتلك العبادة أصلًا فيجب عليه الرجوع إليها، والذي نسي الركعتين لم ينس ما هو من صلب العبادة، وإنما نسي ما هو شرط فيها، والشرط أضعف من الركن.
١٩٧ - وإنما كان المحصور بعدو يحل مكانه، والمحصور (٩) بمرض لا يحله من إحرامه إلا البيت، وإن تطاول به ذلك سنين (١٠)؛ لأن الواجب على من أحرم بحج أو عمرة إتمام ما دخل فيه، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١١)، إلا أن يأتي ما لا يمكنه الوصول معه إلى البيت، وهو خوف العدو، فيحل مكانه، كما فعل النبي ﷺ عام الحديبية (١٢)، فأما المرض ونحوه فإِنه يمكن معه الوصول إلى البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ
стр. 172
الْعَتِيقِ﴾ (١)، قيل محل الشعائر (٢) من الإِحرام وغيره من شعائر الحج، والخروج منها بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، فكان ذلك مفارقًا للإِحصار بالعدو. قاله ابن يونس. وأيضًا مقتضى الدليل أن كل من شرع في حج أو عمرة لزمه كمالها، فجاء ما جاء في المحصور بعدو، وبقي (٣) ما سواه على الأصل.
١٩٨ - وإنما يحل من أحصر بعدو ولا يحِل من حبس في (٤) حق على القول (٥) به: لأن المحبوس قد حصر حصرًا خاصًّا لم يعدم معه ما (٦) هو شرط في وجوب الحج، وهو سلوك الطريق؛ لأن الطريق مسلوكة. وأيضًا الحصر لما (٧) كان خاصًّا فليس في إيجاب القضاء معه مشقة شديدة، [وإذا كان عامًا ففي إيجاب القضاء مشقة شديدة] (٨)، فلم يجب فيه القضاء.
١٩٩ - وإنما قالوا فيمن أقيمت عليه صلاة الجماعة وهو في السعي أنه لا يقطع، وإذا أقيمت عليه وهو في الطواف [أنه] (٩) يقطع؛ لأن الطائف لما كان في المسجد لو لم يقطع لأدى إلى مخالفة الإِمام، بخلاف الساعي بين الصفا والمروة. قاله في الموازية (١٠) والعتبية.
٢٠٠ - وإنما قالوا فيمن وطئ بعد عرفة وقبل طواف الإِفاضة ورمي جمرة العقبة أو أحدهما في يوم النحر أو قبله يفسد (١١) حجه، [وإذا كان قبلهما وبعد (١٢) يوم
стр. 173
النحر لم يفسد حجه] (١)، وعليه الهدي؛ لأن جمرة العقبة لما خرج يوم النحر صارت قضاء وصار الطواف كالقضاء لخروجه عن وقته الفاضل المقدر شرعًا، والقضاء أضعف من المقضي (٢)، ألا ترى أن من أفطر في رمضان عليه القضاء والكفارة، وإذا أفطر في قضاء رمضان فإِنما عليه القضاء (٣).
٢٠١ - وإنما قال ابن القاسم: يجب عليه إذا أفسد قضاء الحج المفسد أن يقضيه، ولا يجب عليه أن يقضي قضاء رمضان؛ لأن الحج لما كانت كلفته (٤) شديدة شدد فيه بقضاء القضاء سدًّا للذريعة لئلا يتهاون فيه. وأيضًا القضاء في الحج على الفور، وإذا كان على الفور صارت حجة القضاء كأنها حجة معينة في زمن معين، فيلزمه القضاء في فاسدها كحجة الإِسلام، وأما زمان (٥) قضاء الصوم فليس بمعين. وأيضًا الحج عمل، فإِذا أفسده فعليه قضاؤه. قاله أصبع (٦) وليس بذلك.
٢٠٢ - وإنما قالوا فيمن أكره زوجته على الجماع وهي محرمة بحجها يكفر (٧) عنها، وإن نكحت غيره، وإذا أكرهها في رمضان فلا يكفر عنها على قول (٨)؛ لأن الصوم إذا قضته ليس فيه غرامة مال، بخلاف الحج؛ لأن الوطء في الحج يفسده (٩)، بخلاف الصوم، فإِنه لا يوجب (١٠) الكفارة عليها.
стр. 174
٢٠٣ - وإنما قالوا في الحلال يدخل الحرم بصيد أنه يملكه، وإذا أحرم الحلال بصيد زال ملكه عنه ووجب إرساله (١)؛ لأن زمن الإِحرام قريب، بخلاف الحلال في الحرم، فإِنه يطول ويؤدي (٢) ذلك إلى المشقة (٣) لا سيما في [حق] (٤) من هو من أهل مكة ونحوهم.
تنبيه: وأورد على المشهور أن الحلال إذا أحرم وبيده صيد أن ملكه يزول، والخمر يؤمر من هي بيده من المسلمين بإِراقتها فيمسكها حتى تخللت (٥) بنفسها فإِنه لايجب عليه إراقتها على المشهور.
٢٠٤ - وإنما يجب عليه دم التمتع والقران المفسدين، ولا يجب عليه دم المتعة والقران الفائتين قبل الفساد أو (٦) بعده؛ لأن الفوات يبيح (٧) القطع فتذهب صورة القرآن والتمتع في الصورة والحكم، بخلاف الإِفساد، لأنه (٨) يجب عليه (٩) التمادي فتبقى صورتهما (١٠) ظاهرة، فلذلك وجب ترتيب أثرها، وهو [الهدي] (١١) كما في الصحيح.
٢٠٥ - وإنما كان ما صاده المحرم أو ذبحه كالميتة الحلال والحرام (١٢)، والشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب لاتكون كالميتة؛ لأن النهي في الصيد عن القتل والذبح يستلزمه، بخلاف الغاصب، لأنه لما قصد الشارع الزجر عن قتله كان جعله ميتة على من صاده موافقًا لذلك؛ إذ لو لم يجعل ميتة لتذرع
стр. 175
الناس إلى إمساك الصيد وقتله، ويعطون جزاءه (١) لخفة إمره؛ لأن طالبه غير معين، ولا (٢) كذلك المغصوبة، فإِنها صورة نادرة، و (٣) طالبها معين.
٢٠٦ - وإنما يأكل المهدي من سائر الهدايا، ويطعم منها الغني الفقير، إلا جزاء الصيد ونسك (٤) الأذى ونذر المساكين (٥) بعد محله؛ لأن جزاء الصيد قيمة متلف، وفدية الأذى [بدل] (٦) عن الترفه (٧). وأيضًا لما كان [في] (٦) فدية الأذى وجزاء الصيد مخيرًا بين الدم والطعام ابتداءً، ثم أهدي صار كأنه بدل الطعام، فكما [لا يأكل من الطعام] (٨) لا يأكل من بدله.
٢٠٧ - وإنما يجزي ما نحر غيرك عنك من الهدايا مقلدًا وإن لم تأذن له (٩)، والأضحية بخلاف ذلك؛ لأن الهدي إذا قلد لم يرجع ملكًا ولا ميراثًا، والأضحية تبدل بخير منها.
٢٠٨ - وإنما كان في حمام مكة والحرم شاة، وفي حمام الحل القيمة (١٠)؛ لأن حمام مكة يألف الناس، فشدد فيه حتى لا تسرع أيدي الناس إليه.
٢٠٩ - وإنما يجزئ [نحر الهدي قبل] (١١) ذبح الإِمام ونحره، ولا تجزئ الأضحية (١٢) إلا بعده (١٣)؛ لأن الإِمام في العيد لما كان يصلي بالناس توقف
стр. 176
الذبح على ذبحه، بخلاف الحج، فإِنه (١) لا صلاة عيد عليهم.
٢١٠ - وإنما استحب (٢) في المدونة (٣) للقارن والمتمتع إذا أيسر بالهدي بعد أن صام يومًا أو يومين أن يهدي ولا يصوم، ولم يستحب لمن طرأ عليه الماء في الصلاة بعد أن دخل فيها بالتيمم قطعها (٤)؛ لأن المصلي لو أمرناه بالانتقال إلى الأصل لزم إبطال ما مضى من صلاته، بخلاف الصوم، فإِنه يحصل له أجر اليومين المتقدمين.
٢١١ - وإنما قال ابن القاسم: إذا مات المتمتع بعد [رمي] (٥) جمرة العقبة فالهدي من رأس ماله، والمالك تجب عليه الزكاة وقد عرف ذلك، ثم يموت ولم يفرط في إخراجها أنه إن أوصى بها كانت من رأس المال (٦)، وإن لم يوصِ بها لم تكن في ثلث ولا رأس مال إلا أن يشاء الورثة ذلك، لأن الهدي [لو أهدي] (٧) لم يَخْفَ (٨)، إذ من شأنه أن يقلد ويشعر ويساق من الحل إلى الحرم، وليس ذلك مما يفعل سرًّا، ألا ترى أنهم لا يختلفون في إخراج الزكاة من الزرع الذي يموت صاحبه وقد بدا صلاحه، وإن لم يوص بإِخراج الزكاة، للعلم بأن صاحبه لم يؤد زكاته، وأشهب (٩) [يرى] (١٠) إخراج زكاة المال الناض على الورثة واجبًا وإن لم يوص الميت بإِخراجها إذا مات عند وجوبها ولم يفرط. قاله في البيان (١١).
стр. 177
٢١٢ - وإنما قالوا إن رمى سبع حصيات في مرة لم (١) تجزه إلا واحدة وبرمي بعدها ستًّا (٢)، وإذا حلف ليضربن عبده مائة سوط أنه إذا جمعها وضربه [بها] (٣) ضربة [مرة] (٣) واحدة أنه لا يبر ولا [يبني] (٤) على واحدة؛ لأن المقصود في الأيمان الإِيلام بالضرب، [وهو] (٥) لا يحصل إذا جمع (٦) الأسواط وضربه بها ضربة (٧) واحدة؛ قاله ابن يونس.
٢١٣ - وإنما قالوا: إذا أنتجت الشاة أو البقرة أو الناقة، وهي هدي، يجب حمل ولدها معها إلى مكة ويذبح أوينحر معها، وإذا ولدت الضحية يحسن أن يذبح ولدها معها من غير إيجاب (٨)، لأن الضحية لا تتعين بالاشتراء، والهدي يتعين بالتقليد والإِشعار، وولد الهدي (٩) كبعض أمه ويجري فيه من العقد ما جرى في أمه.
٢١٤ - وإنما لا يصوم الثلاثة أيام في الحج والسبعة إذا وجع من وجد مسلفًا وهو غني ببلده (١٠)، ويصومها إذا لم يجد مسلفًا وإن كان غنيًّا ببلده، ولا يؤخر الصيام ليهدي (١١) ببلده، والحالف بيمين حنث فيها وماله غائب عنه لا يصوم؛ لأن كفارة اليمين له سعة (١٢) في تأخيرها، فلذلك لم يجزه (١٣) الصوم، والآخر مخاطب بثلاثة أيام يوقعها في الحج لا سعة له في تأخيرها، فجاز له
стр. 178
الصوم لهذا. قاله عبد الحق (١).
٢١٥ - وإنما لم يوجبوا الفدية على من طرح قميصًا له على ظهره (٢)، وأوجبوا عليه الكفارة إذا حلف [أن] (٣) لا يلبس ثوبًا، [وجعله على ظهره أو على منكبيه؛ لأن المحرم إنما منع من الترفه والانتفاع بالمخيط، ولم يحصل له ذلك بطرح قميصه على ظهره، وأما الحالف أن لا يلبس ثوبًا] (٤) فإنما أحنثوه بجعله طي ظهره؛ لأن الحنث يقع بأقل الأسباب (٥) ولأن (٦) ذلك لباس لغة (٧).
٢١٦ - وإنما قالوا في المحرم إذا لم يجد [النعلين] (٤) إلا بثمن مجحف يشتريهما، ولا يلبس الخفين ويقطعهما أسفل من الكعبين (٨)، ولو بيع الماء بغبن مجحف لم يلزمه، وانتقل إلى التراب (٩)؛ لأن المحرم مختار للبس الخفين، ولو شاء مشى حافيًا، والمتيمم مضطر غير مختار فكان أعذر.
٢١٧ - وإنما أوجبوا الفدية على المحرم إذا انقلب في نومه على جراد أو ذباب أو غيره، ولم يوجبوا عليه فيما جره في نومه على وجهه من لحاف أوغيره، ثم انتبه فنزعه شيئًا (١٠)؛ لأن المحرم إذا قتل جرادًا أو ذبابًا في نومه كان ذلك إتلافًا للنفس [وإتلاف] (٣) النفس يستوي عمده وخطؤه، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ
стр. 179
مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) خرج مخرج الغالب (٣)، فلا مفهوم له. [قاله] (٤) أبو عمران.
٢١٨ - وإنما لم يوجبوا الجزاء ولا (٥) الإِرسال على من أحرم وفي بيته صيد، وأوجبوه على من أحرم ومعه صيد في قفص (٦)؛ لأن القفص هو حامل له، ومنتقل به (٧)، فهو كالذي بيده، وما كان في البيت فليس هو بيده (٨)، وهو مرتحل عنه، غير مصاحب له. قاله ابن يونس.
٢١٩ - وإنما جعل الله الحكمين في جزاء الصيد وفي النشوز اثنين دون سائر الأحكام؛ لأن الحاكم لما كان لا يحكم بعلمه للتهمة جعلت عليه البينة شاهدة، والحاكم في جزاء الصيد والنشوز إنما يحكم بعلمه، فأضيف إليه ثان بمثابة البينة (٩) في سائر الأحكام، لتنتفي التهمة. قاله ابن العربي (١٠).
وأيضًا التحكيم في جزاء الصيد والنشوز نادر، وسائر الأحكام تكثر، فلو جعل فيهما حاكمان لتوقف (١١) أحدهما على الآخر، وأدى إلى تعذر الفصل وبقاء الحرج [والفساد] (٤).
٢٢٠ - وإنما كان رمي الجمار تحليلًا من شيء دون شيء، وطواف الإِفاضة تحليل أكبر، لأن الإِحرام يمنع إلقاء التفث والصيد [والطيب] (٤) والنساء وسائر الترفهات، ثم إن رمي جمرة العقبة ندب المحرم فيه إلى إلقاء التفث، وهو الحلاق، فلم يصح أن يكون مندوبًا إلى بعض دون بعض، فجاز له ذلك
стр. 180
بأجمعه (١) وما هو في بابه، وبقي الإحرام على بابه فيما عدا (٢) ذلك، وهو المنع من النساء والطيب والصيد (٣) حتى يأتي الطواف.
٢٢١ - وإنما لا يؤكل من هدي التطوع إذا عطب قبل محله، ويؤكل من الهدي الواجب (٤)، مع أن الجميع هدي، [لأن هدي التطوع] (٥) يتهم أن يكون نحره ليأكل منه، وادعى عطبه قبل محله، وهو لا يتهم في غيره.