السيوري (١) ﵀ ورد جوابه بموافقة ما ذهب إليه طردًا لأصل المذهب، ورأى أن سكن الساكن حيازة وقبض يوجب ترجيح جانبه (٢) كما يترجح بقبض الأعيان أهـ (٣).
١٧٤ - وإنما جاز للوكيل على البيع أن يبيع من نفسه، ولا يجوز للوكيل على النِّكَاح أن يزوج (٤) من نفسه إلا بالتعيين (٥)؛ لأن النِّكَاح أشد؛ إذ هو في النفس، بخلاف البيع ولذا رد ابن عرفة إشارة اللخمي إلى تخريج وكيل (النِّكَاح (٦) على) (٧) وكيل البيع.
٢٧٥ - وإنما لا يقضي بالأعدل في النِّكَاح وما ضارعه على المشهور (٨)، خلافًا للبرقي (٩) وسحنون، ويقضي به في الأموال على المشهور؛ لأن مزيد العدالة تتنزل منزلة (١٠) شاهد واحد، والشاهد الواحد لا يقضي به في غير الأموال وقيل يتنزل منزلة شاهدين فيقضي به في كل الحقوق وهو الَّذي يراه البرقي وسحنون (معًا) (١١).
стр. 212
٢٧٦ - وإنما وقع التحجير (١) على النساء في الأبضاع، ولم يقع عليهن في الأموال؛ لأن الأبضاع أشد خطرًا وأعظم قدرًا، فناسب ألا يفوض إلا لكامل (٢) العقل لينظر في مصالحها، والأموال لا خطر لها بالنسبة إليها. وأيضًا (فإِن) (٣) شهوة الجماع شهوة قوية تغلب على الإِنسان حتَّى توقعه في الأشياء الرذلة وهو لا يشعر، لقوله ﵊: "حبك الشيء (٤) يعمي ويصم" (٥)، فاحتيج للولي في (٦) البضع لذلك، وبقيت الأموال على الأصل في اكتفائها بنظرها إن كانت رشيدة. وأيضًا المفسدة في الأبضاع بزواج غير الأكفاء يتعدى ضرورة للأولياء (٧)، والمفسدة المالية يقتصر ضررها (٨) عليها ولا يتعدى (٩) إلى غيرها، فلذلك افترقا، والله أعلم (١٠).
٢٧٧ - وإنما لا يجوز نكاح الأبعد مع وجود المجبر في الحرة وإن أجازه، ويجوز في الأمة إن أجازه السيد في غير المشهور؛ لأن الغالب من الأمة صلاحية كل أحد لها وأنه كُفُؤٌ لها، فلم يبق إلا إلحاق عيب النِّكَاح بها، وذلك من حق السيد، فإِذا رضيه لزم النِّكَاح ومضى.
٢٧٨ - وإنما لا يلزم نكاح السفيه ويلزم طلاقه: لأن النِّكَاح يجب به الصداق والنفقة، وهما مال، ولا كذلك الطلاق، فأمرهما مختلف.
٢٧٩ - وإنما قال في الكتاب (١١): إذا زوج الأب ابنه الصغير الَّذي لا مال له
стр. 213
(أن) (١) الصداق على الأب، وإذا زوج السيد عبده أن الصداق على العبد، لا على السيد، مع أن كل واحد منهما محجور (٢)؛ لأن الحجر (٣) في العبد من حق السيد، وفي الصغير والسفيه من حقهما، فلا تعمر ذمتهما بما ليس يملكانه في الحال.
٢٨٠ - وإنما أوجبوا الرجوع للحميل بالصداق (٤) على المحمول عنه، ولم يوجبوه للحامل؛ لأن الحمالة ضمان، والضامن مسلف في المعنى للمطلوب، طالب منه عوضه على نحو ما يطلبه المسلف، ولا كذلك الحمل فإِنه عطية وصلة لا رجوع فيها، ولا يطلب عليها عوض (من) (٥) ابن عبد السلام (٦).
١/ ٢٨ - وإنما قال أشهب (٧) إذا ضمن الأب لابنته عن زوجها الصداق في مرضه ومات أنها وصية للبنت، وإذا أقر في مرضه أنَّه قبض صداق ابنته ولم يدخل بها زوجها، ثم مات الأب إن ترك مالًا أخذ من ماله، فإِذا كانت الأولى وصية للبنت وعطية لها فلتكن هذه مثلها، والجامع خروجه من ماله لابنته في المسألتين (معًا) (١)؛ لأن مسألة الضمان ابتدأ الأمر فيها على المعروف، وظاهر الأمر فيها أن الأب لو لم يضمن لما (٨) تزوج هذا الزوج البنت فالمنفعة (عائدة) (١) للإِبنة (٩) ولم يبتدئ (١٠) الأمر على ذلك في مسألة اعترافه بقبضه، والأب له عموم التصرف في حق ابنته، والوكيل المفوض إليه مصدق في دعوى القبض من غير بينة ولو ادعى الضياع فأحرى (١١) الأب. قاله
стр. 214
ابن عبد السلام (١).
٢٨٢ - وإنما كان الثمن في البيع يتقرر بالعقد، والصداق في النِّكَاح لا يتقرر بالعقد على المشهور؛ لأن الصداق في النِّكَاح شرط في الإِباحة، والشرط إنما يعتبر ثبوته عند ثبوت المشروط. وأيضًا ليس القصد من الصداق المعاوضة، بل (٢) القصد منه التحمل (٣) والمعروف، ولو كانت المعاوضة (فيه) (٤) مقصودة لما جاز ذلك للجهل بالمرأة ومدة الانتفاع، فإِذا وضع (٥) للإِباحة فهو إذا لا يتصور إلا عند الدخول أو الموت (٦).
تنبيه: لقائل أن يقول هب أنَّه للإِباحة (٧)، فمن أين يلزم أن الإباحة لا تثبت إلا بالدخول؟ بل بنفس العقد حصلت الإِباحة، وكونه لا يطأ في الحال ليس (٨) لأنه لم يستبح وطئها كما هي (إذا دخل بها، فإِن أرخى الستر ولم يقربها فالإِباحة محققة بعد عدم الوطء، فكذلك هي بعد العقد) (٩)، وعلى هذا يظهر (١٠) قول من قال: إن الصداق عوض وشرط (١١) الإباحة على السواء (١٢) أن يجب بالعقد من حيث أن العقد سبب، والأصل (١٣) ترتب المسببات على أسبابها (١٤).
стр. 215
٢٨٣ - وإنما لم يشرع الخيار في النِّكَاح ابتداءً، وشرع (١) في البيع (٢)؛ لأن حكمة الخيار استدراك المصلحة الفائتة حال العقد، والنِّكَاح (إنما) (٣) يقع بعد الفحص، والأصل في العقود اللزوم؛ لأنه (٤) يفضي إلى بذلة المخدرات (٥) وذوات الأعيان بين القبول والرد، ولذلك أوجب الشرع لهن نصف الصداق قبل الدخول جبرًا لكسر الرد. قاله في الذخيرة، وأيضًا البيع مبني على المكايسة، فشرع الخيار فيه (لئلا) (٦) يدخل الغبن [فيه] (٧) على أحد المتبايعين، والنِّكَاح مبني على الوصلة فلا يحتاج فيه إلى الخيار.
٢٨٤ - وإنما انعقد نكاح الصبي وبيعه، ولم ينعقد طلاقه ولا عتقه، (٨)، لأن عقد النِّكَاح والبيع سبب للإِباحة، والصبي من أهلها، والطلاق والعتق سبب للتحريم، وليس هو من أهلها. قال عمر ﵁: (تكتب للصبي حسناته ولا تكتب [عليه] (٣) سيئاته) (٩) وأيضًا الطلاق حد من الحدود، ولا حد على الصبي، ولذا تشطر طلاق العبد، والنِّكَاح جرى مجرى المعاوضة (١٠) المالية فلذا خير وليه. لايقال لا نسلم أن الطلاق حد لقوله في المدونة: وليس حدًّا من الحدود، لأنا نقول قد قال قبله في الأم (١١): لا تقام الحدود إلا على من احتلم، والطلاق من حدود الله، ولعياض (١٢) وغيره من المشائخ
стр. 216
كلام على اللفظين، (وقد) (١) قال تعالى: ﴿[أتلك] (٢) حدود الله﴾ (٣)، ومن جملة ما تعود عليه الإِشارة الطلاق.
٢٨٥ - وإنما قال في الكتاب (٤) في العبد يتزوج بغير إذن سيده أن للسيد أو ورثته (٥) فسخه، فلو باعه أو وهبه قبل أن يعلم فليس للمشتري ولا للموهوب له فسخه؛ لأن الميراث ينقل الملك إلى الورثة بغير اختيار من الموروث، فصار إليهم جميع ما كان يملك من العين وحقوقها، والبيع (٦) والهبة إنما ينقلان الملك بقصد المملك (٧) واختياره، فلا يثبت للمشتري والموهوب من الملك (٨)، إلا القدر الَّذي ملكاه وهو العين المبيعة أو الموهوبة دون ما سواها من الحقوق المتعلقة بها، ولذا لو حلف بطلاق امرأته لغريمه ليقضينه (٩) حقه إلا أن يشاء أن يؤخره فيموت الغريم أن لورثته من التأخير ما كان له، ولو اشترى مشتر هذا الدين المحلوف عليه لم يملك باشترائه تأخير الغريم، كما لا يملك أخذ الشفعة إذا اشترى الشقص المستشفع به بعد أن ثبتت
стр. 217
الشفعة به لبائعه (١) (قا) (٢) له ابن محرز. (قال) (٢): وكذلك ينبغي أن يكون الموهوب له في هذه الوجوه كلها، لأنه إنما يملك ما قد ملك الواهب، فأما الورثة فإِنهم يقومون مقام الموروث في هذه الوجوه كلها وفي أمثالها، ويرثون عن الميت (كل) (٣) مشيئة تتعلق بحق (٤) يصير إليهم ميراثه. فأما مشيئة ليس لها (٥) تعلق بأمر يورث وينتقل إليهم ملكه فإِنهم لا يرثونها (٦)، مثل الَّذي يقول امرأتي طالق إن دخل (٧) الدار، أو لا فعلت كذا إلا أن يشاء فلان، فيموت فلان، فإِن الورثة (ها) (٨) هنا لا يرثون تلك المشيئة تبعًا لذلك الحق.
تنبيه: قال القرافي في الذخيرة: والقواعد، الوارث يرث المال دون العقل (والرأي) (٢) والخصائص البدنية والآراء النفسانية، فلذلك لا يرث اللعان ولا فيئة الإِيلاء ولا ما فوض إليه المتبايعان أو المعلق من المشيئة والاختيار، ويرث الشفعة وخيار البيع والرد بالعيب ونحوها؛ لأنه تابع للمال وكل ما هو مال أو تابع له يورث وما لا فلا، واستثنى أمران حد القذف والقصاص لما يدخل فيهما (٩) على الوارث من الضرر والعار وفقد الأنصار. فجعل (له) (٢) التشفي بالعقوبة (١٠) والإِضرار (١١)، وقال ابن العربي في القبس (١٢): خيار الشفعة موروث عندنا، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يورث (١٣). قال الإِمام أبو علي الصاغاني (١٤) الحنفي: الخيار غير متروك وإنما
стр. 218
يورث بقول الله تعالى:
﴿مَا تَرَكَ﴾ (١)، وكيف يصح أن يكون متروكًا بعد الموت وهو صفة من صفاته، وصفاته تبطل بموته من خيار وعلم (وحياة) (٢) وقدرة وغير ذلك. قال لنا فخر الإِسلام الشاشي (٣): هذا مزج الشرعيات بالعقليات، والشريعة لم تبن (٤) على هذا، فإِن الأحكام كلها إنما هي راجعة إلى قول (٥) الله تعالى، والحقوق التي أثبتها إنما هي ثابتة بإِثباته (٦)، لا بقول (٧) أحد من البشر ولا بفعله (٨) ولا بصفته (٩)، فهي تنتقل بنقل الله (١٠) لها من شخص إلى شخص. وفي الاستغناء لابن عبد الغفور (١١): لا شفعة للورثة ولا يرثونها (١٢)، وصرح المتيطي (١٣) بمشهورية (١٤) الأول، وعليه العمل
стр. 219
والمعول (١) وهو مذهب المدونة (٢).
٢٨٦ - وإنما لا يجوز للولي أن يخبر (٣) بما لا يوجب الرد من عيوب وليته، ولا يجوز له في البيع أن يكتم ما يكرهه المبتاع في المبيع (٤)؛ لأن النِّكَاح مكارمة والبيع مكايسة.
٢٨٧ - وإنما أوجبوا الرجوع للزوج بالصداق على من (٥) يظن به العلم من أولياء المرأة إذا ردت بعيب بعد الدخول، ولم يوجبوا الرجوع إلى السمسار بالثمن إذا علم بالعيب ودلس به، وإنما يضمنه البائع، مع أن المرأة ها هنا كالبائع؛ لأن المرأة تفتقر إلى الولي شرعًا، ولا مندوحة لها في تركه، والبائع قد يبيع سلعته ولا يفتقر إلى السمسار شرعًا، (والله أعلم. قاله في التحفة) (٦).
٢٨٨ - وإنما وجب الرد في البياعات (٧) بكل (٨) عيب، ولم يجب في النِّكَاح إلا بالعيوب الأربعة (٩)؛ لأن مبنى النِّكَاح على خلاف (١٠) مبنى البياعات (١١)، ويدل على ذلك أن الإِجماع واقع على أن شراء السلعة من غير رؤية لا يجوز (١٢)،
стр. 220
والإِجماع على جواز النِّكَاح من غير رؤية ولا صفة، وهذان (١) الإِجماعان يقتضيان افتراق البابين، وأيضًا (ما) (٢) سوى العيوب الأربعة لا تمنع من الوطء واستدامته ولا من استكمال الالتذاذ، فلم تشبه (٣) العيوب الأربعة. وأيضًا غير العيوب الأربعة لا يخفى (٤) غالبًا ويتهيأ للخاطب (٥) أن يسأل عنها، فلما لم يسأل فقد قصر في الاستعلام.
٢٨٩ - وإنما أوجبوا الخيار للزوجة فيما يحدث (بالزوج) (٦) من العيوب، ولم يوجبوا للزوج الخيار بما يحدث بها؛ لأن الزوجة لا تقدر على رفع العقد، فلو لم يجعل لها الخيار لأدى ذلك إلى استدامة الضرر بها، ولا كذلك الزوج فإِنه قادر على رفع العقد بالطلاق؛ لأنه بيده، فلذلك لم يكن له خيار. قاله ابن بشير في شرح الجلاب.
٢٩٠ - وإنما سقط الصداق عمن فرق بينه وبين زوجته قبل البناء لتجذمه أو جنونه اتفاقًا، وبعسره (٧) بالمهر لا يسقط نصفه لأن المطلق عليه بالإِعسار يتهم على إخفاء ماله فلم يتحقق كون الطلاق من قبلها، بخلاف العيوب.
٢٩١ - وإنما قال مالك إذا علمت المرأة بعيب (٨) زوجها المرجو ذهابه بعلاج لها القيام، وإذا اشترى عبدًا بعيب مشكوك زواله لا رد له بعدم زواله؛ لأن عيب الزوج أشق لعجزها عن فراقه، ومبتاع العبد قادر على بيعه.
تنبيه: فعلى صحة هذا الفرق فقول اللخمي: الأشبه نفي قيامها بعيب مشكوك فيه كمن اشترى عبدًا إلى آخره غير ظاهر، أو ساقط.
٢٩٢ - وإنما لا تجب النفقة لامرأة المجنون إن أجل قبل البناء للعلاج، وتجب
стр. 221
لامرأة المعسر بالمهر قبل البناء؛ لأن امرأة المجنون منعت نفسها لسبب لا يقدر على رفعه، وفي المهر يتهم على كتم ماله كما تقدم.
٢٩٣ - وإنما أوجبوا (١) الرد بالعيوب الأربعة وإن لم يشترط السلامة، ولم يوجبوه بغيرها (٢) إلا (٣) مع اشتراط السلامة؛ لأن الأثر الوارد عن عمر وعلي (٤)، ﵄، إنما ورد فيها، ولم يرد في غيرها وفيه نظر. وأيضًا العيوب الأربعة تشمئز (٥) منها النفوس وتنقص كمال الاستمتاع، بخلاف غيرها. لا يقال: يلزم عليه أن ترد بالقرع لأنا نقول يمكن (٦) ستره بالخمار واللفائف حتَّى لا توجد له رائحة. وأيضًا العيوب الأربعة تسري (٧) إلى الولد، بخلاف غيرها، وأيضًا الجنون والجذام أمرهما (٨) شديد لا يستطاع الصبر عليهما، والبرص وعيب (٩) الفرج مما يخفى، بخلاف غيرهما من العيوب فالغالب عليها أنها لا تخفى فالزوج مفرط في الاستعلام؛ لأن له أن يشترط السلامة، فلزمه ذلك لتفريطه، وفيه نظر.
٢٩٤ - وإنما كان لامرأة المعترض إذا طلقت عليه بعيب الاعتراض وتزوجته (ثانيًا) (١٠)، ولم يبرأ من دائه أن تختار (١١) فراقه، وليس ذلك لامرأة المجبوب؛ لأن الاعتراض يترقب زواله، والجب ثابت لا يتغير ولا يزول.
стр. 222
٢٩٥ - وإنما قال في الكتاب (١) إذا تزوجت الأمة بغير إذن سيدها، فلما بلغ ذلك سيدها أجاز النِّكَاح لم يجز، وإذا باعت نفسها فاجاز سيدها البيع جاز، لأن الولاية في النِّكَاح حق لله (٢) [تعالى] (٣) في جنب المرأة، فإِذا تزوجت بغير أمر وليها فأجاز سيدها نكاحها لم يجز ولم يصح النِّكَاح (٤) بإِجازته، لأنه لا يملك (٥) إبطال حق الولاية بدلالة أنَّه لو وكلها أن تزوج نفسها لم يجز، وإذا باعت نفسها فإِنما وقف (٦) البيع لأجل حقه فإِذا أجاز (٧) بيعها جاز بدلالة أنَّه لو وكلها على بيع نفسها لجاز ذلك، وهذا هو الفرق بين تزويج العبد والأمة، وذلك أن الولاية في جنب (٨) الزوج ليست من حقوق الله تعالى بخلاف الزوجة. قاله ابن محرز (رحمه الله تعالى) (٩).
٢٩٦ - وإنما لا يجوز نكاح المحرم، ويجوز شراؤه للجواري، وإن كن مرتفعات (١٠) لا يردن إلا للوطء (١١)، خلافًا للخمي فيمن لاتراد (١٢) منهن إلا للوطء (١١) والاستمتاع، لأن مظنة (١٣) وقوع الوطء في الزوجة أقوى (١٤) لحقها فيه، وهو مظنة الطلب، والطلب مظنة الإِجابة. وأيضًا النكاح خاص بالوطء وإليه أشار في الجلاب (١٥) بقوله ولا ينكح إلا من يحل له وطؤها. قاله ابن عرفة.
تنبيه قال القرافي: كل تصرف قاصر عن تحصيل مصلحة لا يشرع،
стр. 223
ويبطِل إن وقع، كنكاح المحرم وبيع أم الولد، وتعزير من لا يفيده التعزير زجرًا، بخلاف الحدود، ولعان من لا يولد له، ونكاح الرجل أمته، ونكاح ذات المحرم، وشراء الحر، والإِجارة على الأفعال المحرمة، وعقد البيع مع الجهالة، لأن مقصوده تنمية المال وتحصيل مقاصد العوضين، وذلك غير معلوم حينئذٍ. قال (١) بعض الشيوح: وقياس هذا الأصل امتناع نكاح المعتكف، فعلى المالكي الدليل.
٢٩٧ - وإنما اختلفوا في تحريم المعتدة من طلاق رجعي على ناكحها (٢) في عدتها، وقالوا في نصرانية أسلمت تحت نصراني تزوجت في عدتها (٣) منه إن أسلم زوجها لم تكن ناكحة في عدتها، (وإلا كانتها) (٤)، لأن بإِسلام (٥) زوجها كشف دوام عصمته دون طلاق (٦)، فبان كون ناكحها (٢) نكح (٧) ذات زوج، بخلاف المطلقة طلاقًا رجعيًّا، فإنه نكح معتدة لا ذات زوج. قاله ابن عرفة.
٢٩٨ - وإنما لم يفسخ نكاح الأمة بعد وجدان الطول، وفسخ نكاح الكتابية بعد السبي وإسلام الزوج، مع أنا إن قلنا إن الدوام كالإِنشاء (٨) فاللازم فراقها في واجد (٩) الطول، وإلا لزم عدم فراق الأمة والكتابية: لأن منافاة (الكفر أشد من) (١٠) منافاة الرق؛ لأن ذات الرق تحل تارة بلا شرط، وتارة بشرط، ومطلقًا عند (بعض) (١١) العلماء.
تنبيه: اعترض عبد الحميد الصائغ هذا الفرق بأنه راجع إلى مراعاة
стр. 224
الخلاف في الأمة دون الكتابية، والخلاف موجود في الجميع فليس مراعاته (١) في إحداهما (٢) بأولى من الأخرى (٣)، وإليه مال الشيخ أبو القاسم بن محرز. وقد يقال اجتمع في الأمة الكتابية خستان الكفر والرق، فلذا جعل الدوام فيها كالإِنشاء! بخلاف الأمة (المسلمة) (٤) بعد الطول. وأيضًا لا يلزم من مراعاة الخلاف في الأمة مراعاته في الكتابية لقوة الاختلاف في الأولى وضعفه في الثانية، ومن أصلنا ألا نراعي (٥) من الخلاف إلا ما قوي دليله، والله تعالى (٦) (أعلم) (٧).
٢٩٩ - وإنما قال في المدونة فيمن (٨) أولد أمة ثم استحقت ورضي المستحق بأخذ القيمة أن المستحق من يده يجبر على دفع القيمة في قولي (٩) مالك، وإذا رضي أولياء القتيل عمدًا عدوانًا بقبول الدية لم يجبر القاتل على دفعها والجامع أن أخذ القيمة في الأمة فك لها (١٠) من الرق، وأخذ الدية هناك فك له (١١) من القتل (١٢)، والرق أضعف من القتل، وقد تقرر أن كل ما ثبت للأضعف يثبت للأقوى، فيلزم من جبره على القيمة جبره على الدية أحرى. وأيضًا الإِجماع على أن حفظ النفوس واجب بقدر الإِمكان ودفع الدية ممكن، لأن الحق في الجناية له: لأنه يقول أردت تطهير نفسي وإغناء ورثتي، والحق في المستحقة لغيره، وهو الولد والأم فافترقا.
стр. 225
٣٠٠ - وإنما جاز عقد البيع وانتظار الوطء بعد المواضعة والاستبراء، ومنع عقد النِّكَاح وانتظار الوطء بعد العدة، لأن النِّكَاح المقصود الأعظم منه الوطء خاصة، والبيع يكون للوطء والاستخدام وغيرهما، وقد يجوز شراء من لا توطأ دائمًا ولا يتأتى (١) ذلك في النِّكَاح. (وقد (٢) مر هذا قبل) (٣).
٣٠١ - وإنما يمنع النِّكَاح في المرض المخوف، ولا يمنع استلحاق الولد فيه، لأن استلحاق الولد ليس بإِدخال وإنما هو إخبار عن وارث متقدم عن المرض لزمه الإِقرار به وعروضه إن ثبت (٤) له زوجة تزوجها في الصحة فإِنه يلزمه وترث (٥)، ولا يكون في ذلك إدخال (وارث) (٣)، بخلاف النِّكَاح في المرض، فإِنه إدخال حقيقة. قاله ابن يونس.
تنبيه: يلزم على (٦) قوله إنه إخبار عن وارث متقدم أنَّه إذا قال عبدي فلان أعتقته في حال الصحة أن يقبل إقراره؛ لأنه إخبار عما (٧) تقدم له في الصحة، والمنصوص المنع. والحق في الفرق أن الأنساب لا تهمة فيها، بخلاف غيرها، فتأمله، وليس (٨) ما انظر (٩) به أيضًا من عروضه، وإنما الَّذي من عروضه أن يقول في المرض: كنت تزوجت في الصحة فلانة، وتأتي فلانة ووليها فيوافقانه (١٠) على ذلك، ويريدان (١١) الإِشهاد الآن، فإِنه يلزم على مقتضى كلام ابن يونس أن يصح ذلك النِّكَاح، والمنقول أنَّه لا يصح (١٢).
стр. 226
٣٠٢ - وإنما لم يمنعوا المريض من الوطء وإن كان ذريعة إلى زيادة وارث ومنعوه من إنشاء النِّكَاح؛ لأن النِّكَاح قد أدخل به وارثًا حقيقة، بخلاف الوطء، فإِنه قد يكون عنه الولد (١) وقد لا يكون، فوجب ألا يمنع حقًّا واجبًا محققًا لأمر (٢) غير محقق هل يكون أو (٣) لا يكون؟ وهذا أصلهم. قاله ابن يونس.
تنبيه: يلزم على طرد هذا الفرق أن يجوز نكاح المريض بدءًا؛ لأنه أمر وجب، وموته من مرضه غير متيقن، فلا يترك أمر محقق، وهو (٤) حياته ونكاحه، لأمر موهوم، وهوموته، إلا أن يقال: الفرق بينهما قوة السبب وضعفه، ألا ترى أن الشرع حجر عليه التصرف بالتبرع في الزائد على ثلثه، ومنعه الوصية للوارث وغير ذلك. ولو اعتبر مطلق الاستصحاب لأبحنا (٥) نكاح الأمة بدون شرط، وهو خلاف المعروف، وإنما يعتبر الغالب إلا أنَّه (قد) (٦) ينعكس. (٧) بعدم منع المريض من الوطء، فإِن وجود الولد عن الوطء غالبًا (٨)، ويؤيده قول مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن كنت حاملًا إن وطئها في ذلك الطهر طلقت عليه حملت أو لم تحمل (٩)، فربط الحكم ها هنا وفي نكاح الأمة بمظنته، وفي وطء المريض لم يربطه، فانظره.
٣٠٣ - وإنما أجازوا وطء المريض، ولم يجيزوا وطء المخدِم الأمة المخدمة، مع أن الولد في كل منهما غير متحقق، قد يكون وقد لا يكون؛ لأن وطء السيد المخدم مبطل للحوز في الحال، فلم يبطله لعلة الولد التي هي مآلية، وإنما أبطلناه لعلة حالية محققة، بخلاف وطء المريض، فليس العلة فيه إلا الولد، وهو موهوم. فافترقا.
стр. 227
٣٠٤ - وإنما صح نكاح المريض بصحته على ما رجع إليه مالك، ولم يصح نكاح المحرم بإِحلاله من إحرامه، وكذا من نكح وقت نداء الجمعة (١)، لأن المنع في الأخيرين لنفس (٢) الإِحرام والوقت، لا لأمر بأن عدمه، بخلاف نكاح المريض، فإِنه إنما حرم لعلة في غيره، وهو إدخال وارث، فإِذا ارتفعت العلة ارتفع معلولها.
٣٠٥ - وإنما قالوا في المريض إذا أذن له ورثته الرشداء في النِّكَاح أنَّه لا يجوز نكاحه ويفسخ، وعللوه بعدم بقاء الإِذن، واحتمال الزيادة فيهم قبل موت المريض وغير ذلك، وأجازوا إذنهم في عول الوصية والوصية للوارث مع قيام هذا الاحتمال، لأن الوصية أوسع أبواب (٣) العطايا، والعطية لا يضرها الغرر ولا الخيار، وباب النِّكَاح معاوضة يفسده الغرر القوي والخيار.
٣٠٦ - وإنما قال (٤) في الكتاب (٥) إذا ادعت المرأة أن زوجها عنين يحلف لها، ولو (٦) ادعت عليه أنَّه طلقها لم يحلف لها، مع أن دعوى العنة (٧) تسري إلى الطلاق؛ لأن سبيل (٨) ما يسري إلى الطلاق (ليس بسبيل الطلاق) (٩) نفسه، وإنما نظير دعواها عليه العنة (٧) ومطالبتها إياه (بالوطء مطالبتها إياه) (١٠) بالنفقة والكسوة وغير ذلك من حقوقها، وإن كان عدم ذلك يسري إلى الطلاق، وقد قالوا فيمن أقام شاهدًا بدين فإِنه يحلف مع شاهده ويرد عتق عبده إن كان أعتقه قاله ابن محرز.
стр. 228
٣٠٧ - وإنما قالوا في النصرانية تسلم إن أسلم زوجها في العدة كان أحق بها (١)، وإن اشترت زوجها، ثم أعتقته قبل انقضاء عدتها لا يكون أحق بها؛ لأن النصرانية جاءت فيها سنة قائمة (٢)، بخلاف هذه (٣). قاله الفضل بن مسلمة (٤).
٣٠٨ - وإنما قال ابن القاسم وسحنون: إذا اشترت المرأة زوجها واغتزت (٥) هي وسيده (٦) فسخ نكاحه وعملا عليه وأراده لا ينفسخ النِّكَاح، وإذا حلف لزوجته (٧) أن لا تفعل فعلًا ففعلته قاصدة لتحنيثه أنَّه يحنث، لأن مسألة الزوجة، الطلاق كان بيد الزوج، فلما أن علقه على فعلها كأنه جعله بيدها، ولا كذلك مسألة العبد؛ إذ لا صنع (٨) له في الاشتراء، ولا سبب له فيه، فكأن الطلاق باق بيده إلى حين الاشتراء.
وأيضًا الزوج في مسألة المرأة حالف على فعل غيره والحالف على فعل غيره غير معذور بالإِكراه فافترقا.
стр. 229
تنبيه: أشهب: في المسألة لا يرى عليه حنثًا، وهو اختيار بعض الشيوخ المتأخرين لكثرة صدوره من النساء في هذه الأزمنة الرذلة، فناسب أن يعاملن بنقيض قصدهن الفاسد، وقد ذكرنا من نمطها في كتابنا المترجم بإِيضاح المسالك إلى قواعد الإِمام أبي عبد الله مالك (١)، وفي كتابنا المترجم بإِضاءة الحلك والمرجع بالدرك على من أفتى من فقهاء فاس بتضمين الراعي المشترك (٢) ما لا يخفي كثرة فراجعه فيهما تطلع.
٣٠٩ - وإنما لا يرتجع (٣) المرتد إذا رجع إلى الإِسلام (بعد كفر) (٤)، وإذا أسلم الكافر ثبت على نكاحه (٥)، وفي كلا الموضعين إسلام بعد كفر، لأن الردة غلظ فيها ما لم يغلظ في باب الكفر الأصلي، (ألا ترى أنَّه لا يقر على ارتداده، بخلاف الكافر الأصلي) (٦)، فإِنا نقره إذا بذل الجزية (بشرطها) (٧).
٣١٠ - وإنما اتفقوا على أن المشتري لا يضمن قيمة من مات من ولد الأمة المستحقة قبل الحكم، واختلفوا في ضمان قيمة من مات من ولد الأمة الغارة؛ لأن ولد الأمة المستحقة بملك مستند لضمان الأب (الأم) (٨) بثمنها، وفي النِّكَاح [هو] (٩) غير ضامن.
٣١١ - وإنما اتفقوا على أن ولد الحر المغرور بالحرية حر، واختلفوا في ولد العبد المغرور بالحرية، (والأكثر رقة) (٦)، لأن العبد عاجز عن غرم قيمة ولده في الحال، ولربه إبطاله (١٠) من ذمته في المآل (١١).
стр. 230
تنبيه: لا [يقال] (١) يبطل هذا الفرق بالحر العديم؛ لأن توقع اليسر كتوقع العتق كما زعم أبو إسحاق التونسي (٢)؛ لأنا نقول المرجو في الحر العديم يسره فقط، وفي العبد عتقه ويسره والموقوف على أمر (٣) أقرب للوجود من الموقوف على ذلك الأمر وآخر.
٣١٢ - وإنما كان للسيد أن يستخدم ولد أم ولده في الخدمة الظاهرة والباطنة (٤)، وليس له استخدام أم ولده إلا في الخدمة الباطنة؛ لأن له في أم ولده الوطء (فلو أن) (٥) الأولاد لا تكون له فيهم خدمة لعتقوا عليه، كما تعتق أم الولد إذا بطل منها الوطء ولم توقف لسيدها لأجل ماله (فيها) (٦) من الخدمة الباطنة، فكذلك الولد لم يكن (٧) فيه إلا ذلك القدر (٨) من الخدمة كما ذهب إليه ربيعة (٩) وعبد الوهاب (١٠)، وهو شذوذ (١١) من القول.
٣١٣ - وإنما سقط مهر الزوجة إذا طلبته ومنعت نفسها، ولم يسقط إذا قتلت نفسها
стр. 231
أو قتلها السيد قبل البناء؛ لأن العداء (١) في منعها نفسها تعلق بنفس عوض المهر وهو المتعة، وفي صورتي القتل إنما تعلق بغيره، وهو ذات الزوجة فافترقا. قاله ابن عرفة.
تنبيه: بهذا الفرق الجلي يتضح لك ضعف قول اللخمي: والقياس في صورتي (٢) الموت سقوط المهر، كما لو منعت نفسها وطلبت مهرها.
٣١٤ - [وإنما] (٣) قال في كتاب السرقة (٤): لو أقر شاهدا الطلاق -قبل البناء- بالزور، غرما نصف المهر، وفي كتاب الرضاع (٥): لو تعمدت امرأة رجل إرضاع (٦) زوجة أخيه فسخ النِّكَاح ولا مهر؛ لأن متعلق العداء في الرضاع نفس ثبوت النسبة لا رفع (٧) العصمة فافترقا، قاله ابن عرفة.
٣١٥ - وإنما بقي صداق ذات الشريكين بيدها، ولا ينتزع منه شيء إلا برضاهما (٨)، بخلاف أرش جراحها؛ لأن الأرش ثمن (٩) عضو (١٠) هو بينهما، والصداق قد سماه الله نحلة (١١)، والنحلة كالهبة، فكان ذلك موقوفًا بيدها كسائر مالها. وأيضًا الصداق ثمن عضو (١٠) أمة استباحه (الزوج بإِذن السيد، والجرح استباحه) (١٢) بغير إذنه، فوجب له ثمن حصته. قاله ابن يونس عن بعض شيوخه.
стр. 232
تنبيه: في هذا الفرق الثاني نظر لانتقاضه (١) بأعواض (٢) المنافع وأثمانها، فإِنها بإِذن السيدين (٣)، ولا توقف بيد العبد أو الأمة، فالأول أبين فتأمله.
٣١٦ - وإنما قال مالك بلغو (قول) (٤) الأمة تحت عبد (٥): إن عتقت تحته فقد اخترت نفسي، أو قالت: فقد اخترته (٦)، وقال فيمن شرط لها زوجها إن تزوج عليها فأمرها بيدها، فقالت: إن تزوج علي فقد اخترت نفسي أو اخترت زوجي أن ذلك يلزمها؛ (لأن) (٧) تخيير العتق موجب شرعًا (٨)، فلو لزم سابق قولها على العتق بطل التخيير به ضرورة مناقضة التخيير اللزوم، وكل (٩) ما بطل (التخيير به بطل) (٧) ما أوجبه الشرع، فلو لزم سابق قولها، بطل ما أوجبه (الشرع) (١٠)، واللازم (١١) باطل قطعًا. واختيار ذات الزوج قبل حصوله لما لم يكن ملزمًا (١٢) لإِبطال ما أوجبه الشرع لزم؛ لأنه التزام (١٣) على تقدير وقوع أمر قبل وقوعه لو التزمه بعده لزمه، فكذلك قبله، كقول (١٤) الزوج امرأته طالق إن كان كذا. قاله ابن رشد (١٥).
ثم استشهد (١٦) على أخذ التزام (١٧) الأمة تعتق بقوله: ألا ترى لو أن غنيًّا
стр. 233
قال لو افتقرت لا آخذ الزكاة التي أباح الله للفقراء (١)، أو (٢) إن افتقرت فأنا آخذها، ثم افتقر لم يحرم عليه أخذها، ولا يلزمه؛ لأن الشرع خيره فيها.
تنبيهان: الأول: هذه المسألة هي التي يحكى أن عبد الملك بن الماجشون سأل مالكًا عن الفرق فيها بين (٣) الحرة والأمة، فقال له مالك: أتعرف دار قدامة؟ لدار كانت يلعب فيها بالحمام معرضًا بقلة تحصيله وترك إعمال نظره، حتَّى لا يسأل إلا عن مشكل (٤)، كقوله لابن القاسم في سؤال (له) (٥): أنت حتَّى الساعة تسأل عن مثل هذا؟ قال ابن رشد، ﵀، ولعمري إن مثل ابن الماجشون في تحصيله وجلالة قدره لحر (٦) أن يوبخ علي مثل السؤال؛ لأن مالكًا لم يفرق بين الحرة (٧) والأمة إنما فرق بين خيار وجب بالشرع بشرط وخيار جعله الزوج باختياره بشرط.
الثاني: قال ابن عرفة ﵀: فيما فرق به ابن رشد نظر من وجهين: الأول أنَّه يلزم لغو الطلاق المعلق على العصمة قبل حصولها كقوله: إن تزوجت فلانة فهي على حرام، بيان الملازمة جعل النِّكَاح موجبًا لحلية (الزوجة) (٣)، فإِلزامه تحريمها قبله (٨) مناقض لموجب النِّكَاح الواجب بالشرع. الثاني منع مناقضة إلزامها ما التزمت لما أوجبه الشرع من خيارها، وسنده أن اللزوم اللاحق لا يناقض التخيير الأصلي، كعدم مناقضة الوجوب العارض للإِمكان الذاتي، واستشهاده بقوله لو أن غنيًّا قال إلى آخره (٩) يرد بأن الكلام في التزام ما يلزم غير معلق إن التزم معلقًا، وما جاء به لا يلزم غير معلق بحال، ومن أنصف علم أن سؤال ابن الماجشون ليس عن (١٠) أمر
стр. 234
جلي، ولذا سوى بينهما مالك مرة وبعض (أصحابه، واعترض) (١) (أيضًا) (٢) فرق ابن يونس (٣) بأنه إنما ينتج (٤) لزوم ما أوقعته من طلاق لا ما أوقعته من اختيار زوجها فتأمله.
٣١٧ - وإنما قال في الكتاب (٥) إذا تزوجت على قلال خل بأعيانها فوجدتها (خمرًا) (٦)، ترده وتأخذ مثله، إن كان يوجد مثله، وإلا فقيمته، كمن تزوجت على مهر وجدت به عيبًا. وإذا اشترى قلال خل بأعيانها فوجدها خمرًا فسخ البيع؛ لأن النِّكَاح يثبت فيه أثر العقد بحرمة المصاهرة (٧)، وإن كان فاسدًا.
٣١٨ - وإنما قال أحمد بن خالد (٨) فيمن خرج لسفر قريب فأسره العدو، فأقام في يده أكثر من سنة وقد شرط لزوجته ألا يغيب عنها سنة أن لها الأخذ بشرطها، ومن وجبت له شفعة وخرج (٩) بعد وجوبها مسافرًا لما (١٠) يرجع منه قبل انقضاء (١١) ما يقطع (١٢) شفعته، فمنعه من رجوعه مانع حتَّى انقضى ما يقطع الشفعة من الأمد (١٣). أنَّه على شفعته، إذا حلف؛ لأن بقاء الشفيع على
стр. 235
شفعته (غير) (١) موجب بقاء ضرر على المشفوع عليه وبقاء الزوج على حقه يوجبه على المرأة. قاله ابن عرفة.
تنبيه: خالف ابن رشد أحمد بن خالد، واحتج بمسألة الشفعة، ورده ابن عرفة بأن تمسكه بمسألة الشفعة ينتج عكس دعواه؛ لأنها دالة (٢) على [ترجيح] (٣) حق الآخذ، وهو الشفيع لدرء ضرر (٤) الشركة على (٥) المأخوذ منه، وهو المشتري الداخل على الآخذ منه، والآخذ (٦) في مسألة الشرط لدرء الضرر عنه هو الزوجة، والمأخوذ منه هو الزوج الداخل على الآخذ منه بما شرط على نفسه.
٣١٩ - وإنما قال في الكتاب إذا قدم الزوج في التفويض شيئًا لأولياء المرأة، ثم دخل بها، ثم طلبوه (٧) ببقية المهر فلا شيء لهم، وإذا عوض الموهوب له الواهب أقل من قيمة الهبة، ثم قام (٨) الواهب بعد ذلك حلف ما سكت إلا انتظارًا (لتمام) (٩) الهبة وكان على حقه؛ لأن الواهب لم يصدر منه ما يدل على الرضا بما دفع إليه، وتمكين الزوجة نفسها للزوج دليل الرضا بما دفعه لها (١٠). قاله ابن عرفة.
٣٢٠ - وإنما قال في المدونة: إذا ادعى (١١) (من) (١٢) لم (١٣) يعلم له بزوجته (١٤)
стр. 236
خلوة مسيسًا (١)، وأنكرته، وقد طلقها، أن لها النفقة والسكنى إن صدقته، ولها الصداق صدقته (٢) أم لا؛ لأن الصداق حق مجرد اعترف به في ذمته، والنفقة والكسوة من توابع العدة، ولا تجب عليها (٣) إلَّا باعترافها فكيف تطلبه بهما وهي تكذبه وتتزوج غيره؛ قاله عياض.
تنبيه: قال ابن عرفة تقريره الفرق بين الإِقرار (٤) بحق الله يوجب على المقر (٥) له حقًّا، ولا يستلزمه، [ويمينه] (٦) موجبًا له ومستلزمًا له، فالحكم بالأول (٧) دون إقرار المقر له لا يوجب إضراره (٨)، ولا وجود لملزوم (٩) دون لازمه، والحكم بالثاني دون موافقته يوجب (١٠) إضراره (٨) أو وجود ملزوم دون لازمه الحكم عليها بالعدة في النفقة دون (موافقتها إضرار بها (١١) في الحكم عليها بالعدة والحكم لها بالنفقة دون) (١٢) الحكم عليها بالعدة حكم بثبوت الملزوم دون لازمه، وكلاهما غير صحيح، والحكم لها بإكمال المهر مع تكذيبه لا يلزمه شيء من الأمرين (١٣).
٣٢١ - وإنما قال في الكتاب (١٤) في نكلاح الشغار (١٥) يفسخ قبل البناء وبعده،
стр. 237
وإذا تزوجها بخمر أو خنزير أو غرر يفسخ قبل (البناء) (١) ويثبت بعده بصداق المثل، مع أن الفساد فيهما مشتبه، لأن الصداق الفاسد هو منفرد عن العقد غير متعلق به، فإِذا بطل الصداق لم يبطل العقد، لأن كل واحد منهما غير صاحبه، وليس كذلك عقد الشغار، لأن كل واحد من البضعين بإِزاء صاحبه، وقد جعل صداقًا للآخر، وليس ينفرد البضع عن الصداق ولا المعقود (عليه) (٢) عن الصداق (بل (١) هما) (٣) شيء واحد، فإِذا بطل الصداق بطل العقد. قاله عبد الحق (٤).
٣٢٢ - وإنما قال في الكتاب إن زوج ابنته بمائة على أن زوجه الآخر ابنته (بمائة) (٣) لا يفسخ (٥) بعد البناء، وإن باعه عبده بعشرة دنانير على أن باعه الآخر عبده بعشرة دنانير من سكة واحدة، ولم يشترطا (٦) إخراج المالين (٧) جاز، وكان بيع عبد بعبد، وإلا (٨) لم يجز، مع أن تماثل الثمنين إن وجب إلغاؤهما لوجوب المقاصة وصرف المعاوضة عنهما لما معهما لزم صرف صورة وجه الشغار لصريحه، لأن الخمسين بالخمسين مقاصة، وبقي بضع ببضع، وإلا لزم فساد بيع العبدين لشرط إخراج المالين، لأن إتحاد مستحق الثمن، والمشتري في العبدين يوجب المقاصة الملزومة لصرف المعاوضة بالعبدين أحدهما بالآخر دون ثمنيهما، واختلافهما في النِّكَاح يوجب منع المقاصة، فانصرفت المعاوضة إلى المجموع بالمجموع الملزوم لتعلق المعاوضة بالمالين.
стр. 238
تنبيه: رد ابن عرفة هذا الفرق بأن ظاهر المذهب عموم مسألة العبدين في العاقدين (١)، كانا مالكي العبدين أو وكيلين على بيعهما، كذلك قال. ويجاب (٢) [بأن] (٣) العبدين صالحين (٤) لكون أحدهما ثمنًا للآخر فوجبت المقاصة، والبضعان لا يصلحان لذلك، فبقيت المعاوضة متعلقة بما معهما (٥).
٣٢٣ - وإنما جاز للوصي أن يزوج (٦) الصغير، ولا يجوز له أن يزوج الصغيرة (٧)؛ لأن الصغير متى بلغ وكره النِّكَاح قدر على حله بالفراق؛ لأن الطلاق بيده، بخلاف الصغيرة، فإِنها لا تقوى [على حله] (٨) متى كرهت؛ لأن الطلاق ليس إلى النساء، وهذا من جهة [المعنى] (٩)، وأما من جهة الأثر (١٠) فقد خصص فيه اليتيمة بالاستئمار، والاستئمار إنما يكون بالبلوغ. قاله عبد الحق. قال: وبهذا التفريق [يفرق] (٣) بين المكاتب والمكاتبة في جبر السيد المكاتب على النِّكَاح وأنه لا يجبر المكاتبة (١١)؛ لأن المكاتب إذا كره العقد قدر على حله، والمكاتبة يدخلها في أمر لا تقدر على حله البتة فافترقا (١٢).
٣٢٤ - وإنما قال في الكتاب: إذا قالت المرأة (١٣): ما وكلت ولا أرضى، ثم كلمت فرضيت أن ذلك لا يجوز، وإذا قال السيد ذلك، إذا تزوج عبده بغير إذنه -ثم
стр. 239
رضي جاز (١)؛ لأن نكاح العبد قد صح بينه وبين المنكوحة، وإنما بقي فيه حق السيد فهو على الجواز (٢)، لصحته بين المتناكحين حتى يفسخه السيد بلفظ بين يريد (٣) به الفسخ. وأما التي زوجت بغير أمرها فالنكاح فيها لم يصح عقده بين الناكح والمنكوحة، فكان على الفساد. قاله بعض القرويين (٤):
تنبيه: قال عبد الحق: يؤيد ما قال أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، وإن طال الأمر جدًّا قبل علم السيد (ثم علم السيد) (٥)، له أن يجيز النكاح، والمرأة إذا بعد إعلامها لم يجز وإن أجازته، فنكاح العبد على الجواز حتى يفسخه السيد كما بينا والله (أعلم) (٦).
٣٢٥ - وإنما قالوا في الرجل يوكل وكيلًا على أن يزوجه ممن أحب، فزوجه من غير استئذانه يجوز، ويلزم، ولا يختلف فيه، وقالوا في المرأة تقول لوليها زوجني ممن أحببت يختلف في وقوفه (٧) عليها على قولين؛ لأن الرجل إذا كره النكاح قدر على حله؛ لأن الطلاق بيده، والمرأة إذا كرهت ذلك لا تقدر على حله، فلأجل أنه أمر لا تستطيع دفعه استظهر فيه بإِعلامها عند عقده عليها وإن تقدم تفويضها له على أحد القولين في ذلك، والله أعلم. قاله عبد الحق (٨).
٣٢٦ - وإنما جعل لوكيل البيع قبض الثمن ولم يجعل لوكيل النكاح قبض الصداق إلا بتوكيل خاص؛ لأن بضع المرأة بيدها لم تسلمه فكان لها قبض صداقها، والسلعة في البيع قد سلمها الوكيل فكان له قبض عوضها, ولو أنه وكل على بيع سلعة، ولم تسلم إليه (إنما جعل إليه) (٦) إشهارها فقط، كالسماسرة، وهي
стр. 240
بيد (١) صاحبها، كان ذلك مثل النكاح ليس له قبض الثمن. قاله عبد الحق عن بعض القرويين (٢). وأيضًا الناس لم تجر عادتهم بإِحضار الصداق عند عقد النكاح، وفي البيع سنتهم التناجز في الثمن والمثمون، ولو كان بيع السلعة بثمن مؤجل لم يكن للوكيل قبض الثمن إلا بوكالة عليه مستأنفة، فتستوي المسألتان ها هنا للتراخي الموجود فيهما (٣)، والله أعلم. قاله عبد الحق عن بعض فقهاء بلده (٤). وأيضًا العادة أن الوكيل على البيع وكيل على قبض الثمن فله قبضه عملًا بمقتضى العادة، ولم تجر العادة بذلك في النكاح فيبقى الحكم فيه على الأصل. قاله غير واحد.
٣٢٧ - وإنما قال الشيخ أبو بكر بن عبد (٥) الرحمن (٦): يبرأ الغريم من دين عليه بإِقرار الوصي والوكيل المفوض إليه بالقبض مع إدعاء كل منهما التلف، ولا يبرأ الوصي إذا أقر بقبض المهر وادعى التلف إلا ببينة؛ لأن الدين لا حق للمرأة فيه، والمهر عوض بضعها، وهي مالكة إذنها فيه، لا يزوجها إلا برضاها، والأب لا شركة له معها في بضعها (٧)، فقبل قوله فيه كسائر الديون.
٣٢٨ - وإنما قالوا فيمن لم يقدر على زواج حرة إلا بمال كثير يخرج به إلى حد السرف أن له أن يتزوج الأمة (٨)، وكذلك (٩) الماء في التيمم (١٠)، والنعلان في
стр. 241
الإِحرام، وقالوا في المظاهر يلزمه أن يشتري الرقبة ولو بجميع ماله، ولا ينتقل إلى الصوم، ومثله في كفارة اليمين بالله؛ لأن الثلاثة الأول لم يدخلها المكلف على نفسه باختياره بخلاف الظهار وما ذكر معه، وأيضًا الظهار (١) منكر من القول وزور، فناسب أن يعاقب على ذلك، وأيضًا الكفارة فيه مجمع (٢) على فوريتها، وفي غيره على التراخي، ولا (٣) مفسدة ولا مشقة في تأخيرها لوجدانها دون سرف، بخلاف التأخير في النكاح وفي اشتراط الطول (٤) أيضًا فيه اختلاف (٥) عن مالك وأصحابه.
٣٢٩ - وإنما قال في الكتاب (٦): إذا وطئ الأب أم ولد ابنه يغرم قيمتها أم ولد، وتعتق عليه، وولاؤها لابنه، وفي الجناية عليها قيمة عبد؛ لأن وطء الأب قد أبقي (٧) متعة (٨) الولاء بخلاف الجناية.
تنبيه: قال ابن عرفة: وهذا الفرق لا يتم؛ لأن الجناية قد تكون في البعض (٩) لا في النفس.
٣٣٠ - وإنما قالوا بترك ربع دينار للمرأة إذا انفردت (١٠) بالغرور ولا يترك لها شيء إذا انفرد (١١) الولي، وفي كلا الموضعين كل واحد منهما غار؛ لأن المرأة إذا كانت هي الغارة لو لم يترك (لها) (١٢) ربع دينار لأدى ذلك إلى عمرو البضع (عن العوض) (١٣)، وهو باطل، وليس كذلك الولي، فإِن (١٤) البضع لا يعري عن الصداق
стр. 242
٣ - وإنما قال مالك (١): يجوز عفو الأب عن نصف صداق ابنته البكر بعد الطلاق، ولا يجوز قبل الطلاق، وفي كلا الموضعين عفو عن الصداق؛ لأن عفو (٢) الأب لا يجوز عن ابنته البكر إلا إذا كان نظرا لها, [وإذا لم يكن نظرًا لها] (٣) لم يجز، فقبل الطلاق ليس بجائز عفوه عن الصداق؛ لأنه لا منفعة لابنته في ذلك، وبعد الطلاق (٤) هو نظر؛ لأنه داع إلى رغبة الأزواج فيها بحسن الثناء عليها.
٣ - وإنما سقط الصداق في العقد (٥) الفاسد إذا فسخ قبل الدخول، ولم يسقط إذا طلق قبل الفسخ؛ لأن الزوج بالفسخ مغلوب على الفراق، بخلاف الطلاق، فوجب ألا يكون لها شيء من الصداق، كالذي يجن أو يجذم قبل دخوله بامرأته فيفرق بينهما أنه لا شيء [لها] (٦) من الصداق المسمى. وأيضًا فإِن الله تعالى لم ينص على وجوب نصف الصداق المسمى في الفسخ، فوجب أن [لا] (٧) يثبت فيه؛ إذ (٨) الأصل براءة الذمة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين. قاله في الأجوبة.
٣ - وإنما قال في المدونة (٩) في نكاح فسد لكونه (١٠) انعقد بغير ولي فرفع إلى قاض يرى جوازه فأقره أن هذا الحكم لا يفسخه غيره، فقدر (١١) أن الترك ها هنا والإِقرار على الفعل كاستئناف فعل، وقال: إذا اشترى معيبًا (١٢) فباعه قبل أن يعلم بالعيب، ثم رجع إليه بأي شيء كان من ميراث أوهبة أورد بعيب أن له الرد على البائع منه، وإن خاصم فيه قبل أن يرجع إليه، فحكم القاضي عليه
стр. 243
بمذهب ابن القاسم أنه لا مقال له؛ لأن القاضي إذا حكم بإِجازة النكاح فإِنه قضى (١) بذلك قضية مؤبدة غير معلقة بشرط ولا علة، والقاضي [إنما يمنع] (٢) القائم من المطالبة بالعيب فإنما ذلك لكون رد المبيع (٣) المعيب لا يمكنه (٤)، فإِذا أمكنه ذلك سقط الحكم لكونه معلقًا بشرط وعلة، فإِذا زال ذلك زال الحكم.
تنبيه: قال ابن حبيب (٥): إذا خاصم فقضى عليه بأن لا مقال له، فإِنه إن اشتراه لا يمكن من الرد، لكون القضية نفدت بسقوط حقه في هذا. وأنكر الشيخ أبو محمَّد (٦) هذا فقال: هذا بعيد من أصولهم.
٣٣٤ - وإنما قال مالك (٧): من نكح بعبد مطلق، نكاحه صحيح، ولها الوسط من العبيد، ومن نكح بثوب مطلق لم يصح، وفسخ قبل الدخول، وثبت بعده، ولها صداق المثل، وفي كلا الموضعين الصداق مطلق غير مقيد؛ لأن العبيد لا يكاد يقع بينهم اختلاف وتباين شديد، كوقوعه في غيرهم، وليس كذلك الثياب؛ لأن التباين فيها شديد، فلذلك لم يصح الإطلاق (٨) فيها.
٣٣٥ - وإنما قال الفقهاء: يصح (٩) النكاح بعبد مطلق، ولا يصح فيه البيع ولا الإِجارة، وكل ذلك عقد معاوضة؛ لأن عقد النكاح ليس المبتغى منه العوض، فلذلك صح الإِطلاق فيه، بخلاف البيع، ولذا (١٠) دخل الخيار في البيع والإِجارة دون النكاح.
стр. 244
٣٣٦ - وإنما قال مالك (١): يصح النكاح من غير ذكر مهر (٢)، ولا يصح عقد البيع إلا بذكر الثمن، [لأن المقصود من النكاح إنما هو الألفة والوصلة دون المهر، فصح وإن لم يذكر، ولا كذلك البيع] (٣)؛ لأن المقصود منه الثمن، إذ مبناه على المكايسة والمشاحة، فلذلك لم يصح إلا بذكر الثمن؛ لأنه المقصود منه.
٣٣٧ - وإنما قالوا: إذا تزوج المرأة بخمر أو خنزير يفسخ النكاح قبل الدخول، وإذا خالعها بذلك يمضي الخلع ويرد ما أخذ، وفي كلا الموضعين عقد على غير متمول (٤) شرعًا؛ لأن العوض في النكاح شرط، والخمر والخنزير لا يصلح (٥) كل واحد منهما للعوضية (٦) شرعًا، فيلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا كذلك الطلاق؛ إذ ليس من شرطه (٧) العوض. وأيضًا الخلع طلاق، والطلاق لا يمكن رفعه بعد وقوعه، وعقد النكاح يمكن رفعه بعد وقوعه.
٣٣٨ - وإنما قال مالك (٨): إذا ضمن السيد صداق عبده، فرضيت زوجته بأخذ زوجها العبد في صداقها يفسخ النكاح، فإِن كان قبل البناء رجع العبد لسيده، وقال في هبته: يفسخ نكاحه فيعود له عبده ويزول عيب النكاح لا يجوز وتبقى زوجة؛ لأن دفع العبد عوضًا من الصداق يتوقف على رضي المرأة، ولا كذلك الهبة، لاستقلال السيد فيها، فناسب أن يعامل فيه ابن قيض قصده الفاسد.
٣٣٩ - وإنما قال في المدونة (٩): إذا قال لغير (١٠) المدخول بها: أنت طالق أنت
стр. 245
طالق أنت طالق [نسقًا] (١) يلزمه الثلاث، وإذا أسلمت المجوسية فأسلم زوجها مكانها لا يكون أحق بها، فلم يجعل (٢) للنسق هنا حكمًا؛ لأن باب الطلاق باب الحظر (٣)، وباب النكاح باب إباحة، والإِباحة لا تكون إلا باغيا (٤) الأشياء، وذلك هنا إذا أسلما معا. قاله الشيخ أبو الحسن الصغير.
تنبيه: قال بعض حذاق المشائخ: هذا غير صحيح؛ لأن النسق الملاحظ هنا و [في] (٥) كتاب الغصب في مسألة الفص (٦) ونحوه يجري مجرى الاستثناء، والاستثناء شرطه أن يكون في [كلام] (٥) متكلم واحد لا اثنين، والنسق الذي أراد أن يعارض به من اثنين، فأين المقام من المقام؟
٣٤٠ - وإنما قالوا في المرأة تتزوج بدنانير، ثم يعطيها [الزوج] (٥) فيها عوضًا فيستحق أنها ترجع بقيمة العوض، ولا ترجع بالدنانير، بمنزلة ما لو (٧) تزوجها به، ولو اشترى سلعة بدنانير ثم أعطى فيها عوضًا، ثم استحق فإِنه يرجع بالدنانير؛ لأن النكاح قد تظهر (٨) فيه التسمية في العلانية، ويكون في السر غير ذلك، وليس البيع كذلك. ألا ترى لو تزوجها بثلاثين دينارًا، عشرة منها نقدًا، وعشرة إلى أجل، وسكتا (٩) عن العشرة الثالثة، فالرواية أن العشرة المسكوت عنها ساقطة، ولو كان ذلك في البيع ما سقطت، وتكون حالة. وإنما (١٠) فارق النكاح البيع في هذا لما ذكرناه أن (١١) فيه سرًّا وعلنًا، فأمره في غير ما وجه بخلاف البيوع.
стр. 246
٣٤١ - وإنما قالوا إذا حابت الزوجة في دفع العبد الصداق في الجناية أن الزوج على خياره في نصفه، بخلاف ما إذا باعته بمحاباة ها هنا (١) يرجع عليها بالمحاباة في نصف قيمته؛ لأن المرأة في الجناية تقول [ما كنت] (٢) أن أحبس عبدًا جانيًا أفديه (٣)، ثم يجني أيضًا فيضر بي (٤)، بخلاف البيع، فإِنها هي المختارة. قاله أبو بكر (٥) بن عبد الرحمن، وعرض على أبي [عمران] (٦) فأصغى إليه.
وأيضًا في البيع لا يستطيع الرجوع في النصف؛ لأنها باعته في وقت كان لها البيع جائزًا، وقد أتلفت عليه بعض ثمن نصفه، فوجب له الرجوع [به] (٢)، وفي الجناية لم تتلف عليه شيئًا؛ لأنه على خياره في نصفه، وليس عليها بواجب أن تفديه فتكون قد أتلفت عليه شيئًا استحق رقبته إلا أن تفديه بالأرش، وافتداؤه كاشترائه، وليس عليها واجبًا أن تشتريه إلا أن تتكلف إخراج ثمنه. قاله ابن يونس، وفرق فيه بغير هذا، وهذا أبين.
تنبيه: قال عبد الحق، ﵀: أظن الشيخ أبا بكر، ﵀، يقول: إذا (٧) باعته بمحاباة لا يرجع الزوج في نصف العبد وإن كان قائمًا، وفي الجناية يرجع في نصف العبد إن (٨) كان قائمًا، وفرق بينهما (٩) بما ذكره. والرواية في بيع العبد يصدقها (١٠) إياه فتبيعه ثم يطلقها أنه إنما عليها نصف الثمن ما لم تحاب، ولم يذكر إذا حابت وكان قائمًا هل يرجع فيه؟ (١١) وما المانع من
стр. 247
ذلك؟ ويكون كمسألة الجناية؛ لأنه من باب معاوضة وقعت منها فيه محاباة. والفرق الذي ذكر الشيخ أيضًا إنما يصح له إذا كانت الجناية عمدًا، فلو كانت خطأ ليس يسقط ما ذكره من احتياجها (١) أيضًا.
٣٤٢ - وإنما قالوا في المرأة تهب صداقها, ولم يقبضه الموهوب له حتى طلقها زوجها أن الزوج يجبر على دفع الصداق للموهوب له، إذا كانت موسرة يوم الطلاق، ثم يرجع عليها بحقه، وإذا باع السلعة فوهب ثمنها فوجد المشتري بالسلعة عيبا (٢) أو استحقت قبل أن يدفع إلى الموهوب الثمن أن له [أن] (٣) يحبس الثمن، ولا يلزمه أن يدفع إلى الموهوب له؛ لأن حدوث الطلاق -بعد هبة الصداق- من الزوج، وهو الذي مكنها من التصرف فيه، وأذن لها في هبته، فلا يكون إحداثه الطلاق مبطلًا ما سبق من إذنه وتمكينه، والاستحقاق الطارئ على أصل الدين الموهوب ليس سبب (٤) من الذي عليه الدين، وإنما وهب صاحب الدين ما يعتقد ويرى أنه يملكه، فإِذا استحق المبيع أو وجد به عيب بطل الدين من أصله، وبطلت الهبة ببطلاق الثمن، والله أعلم.
٣٤٣ - وإنما قال محمَّد بن المواز: إذا أصدق زوجته عينًا فزكته (٥) ثم طلقها قبل البناء يرجع (٦) عليه ابن صف الجميع، وإذا أصدقها ماشية ثم طلقها قبل البناء لم يرجع عليها إلا بنصف ما أبقته الزكاة، مع أن الجميع صداق ورد الطلاق عليه بعد تزكيته؛ لأن العين من ضمانها, ولا كذلك الماشية.
[وإنما قال في كتاب السرقة: لو أقر شاهدا (٧) الطلاق قبل البناء بالزور غرما (٨) نصف المهر، وفي كتاب الرضاع: لو تعمدت امرأة [رجل] (٩) إرضاع
стр. 248
زوجة [أخيه] (١) فسخ النكاح ولا مهر؛ لأن متعلق [العداء] (١) في الرضاع نفس ثبوت النسبة، لا رفع العصمة فافترقا. قاله ابن عرفة] (٢).
٣٤٤ - وإنما قال ابن القاسم (٣): إذا زاد الزوج في صداق زوجته طوعًا منه بعد العقد، ثم طلقها قبل البناء يسقط عنه نصف ما زادها كالصداق الأصلي، وإن مات قبل الدخول بها لم يجب لها شيء مما زادها، ويبطل جميعه؛ لأن في [الطلاق] (١) الزوج قائم العين يخبر (٤) عن نفسه بحكم الزيادة، هل سبيلها سبيل الهبة أو سبيل الصداق؟ فإِن كان سبيلها سبيل الهبة فللمرأة مطالبته بجميعها، وإن كان سبيلها سبيل الصداق فإِذا طلقها رجع إليه نصفها كالصداق الأصلي (٥)، والموت لفوات عين (٦) الزوج لا يدري (٧) ما حكم الزيادة، فقد احتلمت أن تكون هبة، واحتملت أن تكون زيادة في الصداق، والمال قد استحقه الوارث بيقين، فلا يزال من يده بأمر محتمل، فلذلك أوجب لها نصفها في الطلاق، ولم يوجب لها شيئًا في الموت، وجعلها كالعطية إذا مات المعطي قبل أن تقبض. قاله ابن بشير. وأيضًا هذه الزيادة إنما صدرت من الزوج مقيدة بحكم المهر، لا هبة مطلقة، فاعتبر فيها حكم المهر عملًا بقصد الزوج؛ إذ هو حق له في حياته، فكان له نصفها في الطلاق، واعتبر فيها بعد موته حكم الهبة لحق الورثة. قاله ابن عرفة. وأيضًا هذه الزيادة فيها شائبتان، شائبة تشبه بها الصداق من أجل أنها بعد العقد؛ إذ لوشاء لم يزدها، فراعى بها موجب الاحتمالين، فما (٨) وجب على الاحتمالين أوجبه، وما لم يجب إلا على أحدهما سقط، فإِذا كان في الطلاق فعلى احتمال أن تكون من الصداق لها نصف الزيادة، وعلى احتمال أن تكون هبة يكون لها جميعها. فالنصف واجب
стр. 249
لها على كلا الاحتمالين، والأصل (١) بقاء ملك الزوج عليها، فلذلك لم يوجبها. قاله الشيخ أبو الحسن الصغير عن شيخه أبي الفضل راشد (٢) عن الشيخ أبي محمَّد صالح (٣).
تنبيه: ينبغي أن يتذكر بهذا الفرق قاعدة قولهم: ما يحصل على تقديرين أقرب وجودًا مما يحصل على تقدير واحد، ثم أصعد كذلك، وعكسها الموقوف على أمر أقرب للوجود من الموقوف على ذلك الأمر وآخر (٤).
٣٤٥ - وإنما قال ابن القاسم (٥) فيمن تزوج امرأة فأدخلت عليه أختها فوطئها غلطًا: لها صداق المثل على الواطئ (٦)، وقال فيمن ابتاع أمة فوطئها (٧)، ثم استحقت بحرية: لا صداق عليه؛ لأن مسألة الأختين دخل على أن يعطي مهرًا، ومسألة [الاشتراء] (٨) لم يدخل على ذلك، قاله الشيخ أبو الحسن الصغير.
٣٤٦ - وإنما قال ابن القاسم (٩) في الولي إذا رضي هو ووليته بغير كفء، ثم صالحها ذلك الرجل، ثم أرادته المرأة وأباه الولي ليس له ذلك، وإن شرط لزوجته عند عقد نكاحه إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدها (١٠)، فنكح عليها امرأة
стр. 250
ورضيت بها، ثم طلق الداخلة طلاقًا بائنًا، وأراد مراجعتها فليس (١) ذلك له إلا برضاها, وليس رضاها بها أولًا بلازم لها مرة أخرى، فجعل في مسألة الولي [النكاح] (٢) الثاني يلزمها برضاها الأول [ولم يجعل في ذات الشرط النكاح الثاني يلزمها برضاها الأول] (٢)؛ لأن المعرفة التي تلحقها بإِسقاط الكفاءة (٣) قد لحقته في إنكاحها منه أولًا، وذات الشرط، الضرر الثاني غير الضرر الأول، فلم ترض به. قاله الشيخ أبو الحسن الصغير.
٣٤٧ - وإنما قالوا في الكافر يطلق زوجته ثلاثًا وترافعا (٤) إلى حكم المسلمين أنه يحكم بينهما (٥) بحكم الإِسلام في طلاق الكفر، وإذا أعتق (٦) عبده وترافعا إلى حكم الإِسلام أنه يحكم عليه بحريته، والجميع (٧) ملك قد وقع بعده سبب رفعه؛ لأن الكافر في العتق عتق (٨) ماملكه عليه ثابت، فلذلك حكم عليه بالحرية، بخلاف النكاح، فإِنه فاسد. والطلاق يستدعي محلًا، ولا محل مع الفساد. قاله في الاستحقاق.
٣٤٨ - وإنما كانت ردة أحد الزوجين توجب الفسخ بطلاق، وإسلام أحدهما يوجبه (٩) بغير طلاق؛ لأن الردة أتت على نكاح صحيح فلا ينحل إلا بطلاق، بخلاف الكافر، فإن نكاحه عندنا غير صحيح فينحل بغير طلاق. وأيضًا المسلم يلزمه طلاقه، فكذلك يلزمه لما أحدث من الردة [الطلاق] (١٠)، والكافر لو طلق لم يلزمه إن أسلم، فلم يلزمه بما فعل طلاق. قاله ابن المواز. وأيضًا إسلام الكافر يتنزل منزلة [طلاقه] (١٠)، وطلاقه غير لازم، وارتداد المسلم يتنزل منزلة طلاقه، وطلاقه لازم.