← Каваид фикха

Каваид фикха · id 20588

عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق

الونشريسي

Полный текст (717 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

غاصب لما كان للمشتري أيضًا حجة في انتقال العهدة. قال: وكان يمشي في مجالس المذاكرات أن احتمال الاستحقاق قائم في كل البياعات فعسر الاحتراز منه، فعيب (١) انتقال العهدة فيه كالعيب (٢) الذي يستوي فيه المتبايعان في الجهل (٣) به، فلم يكن فيه مقال. واحتمال الوكالة ضعيف؛ الآن الغالب أن متولي البيع مالك للمبيع فعيب العهدة فيه كالعيب الذي يمكن الاطلاع عليه انتهى، (٤). وهذا ضعيف، أقل ما فيه (٥): [عدم] (٦) تناوله مسألة الغاصب. وفرق ابن عرفة ﵀ بأن انتقال العهدة عن (٧) الوكيل أشق (على المبتاع) (٨) من انتقالها عن غيره من غاصب وغيره، وهذا لأن كل ما يظهر من عيب قبل عقد البيع ولو ساعة لا مطالبة للمشتري [به] (٨) على الوكيل بحال ولو تعذر عليه الموكل، وفي غيره المطالبة به على بائعه منه غاصبًا كان (٩) أو غيره إن تعذر عليه المستحق المجيز (١٠)؛ لأنه غريم (غريمه) (١١)، ولا يلزم من اغتفار أخف (١٢) اغتفار أشق. انتهى. وهو فرق ظاهر، (والله أعلم) (١٣). ٧٠٣ - وإنما قال ابن القاسم إذا باع المبتاع الولد أو قتل وأراد رد الأم بعيب أنه يردها ويرد معها ما أخذ من ثمن الولد أو قيمته، بخلاف المفلس يبيع الولد ثم يجد

стр. 457

البائع الأم فإِنه لا شيء له (١) فيما بيع من ولد؛ لأن المبتاع في الرد بالعيب مختار للرد، وقد كان له أن لا يرد ويأخذ قيمة العيب، فلما اختار الرد وأخذ ثمنه وجب عليه أن يرد ما أخذ في الولد إذ ليس الولد بغلة، فكذلك ثمنه، وفي التفليس البائع هو مختار للرد وقد كان له أن يحاص بثمنه، فلما اختار الرد لم يكن له إلا عين ما باع، لقوله ﵊ (٢): (أيما رجل فلس وأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره) (٣)، فدل ذلك (٤) على أن (ما) (٥) فات فلا حق له فيه، والولد قد فات، ولما لم يكن له أن يترك الأم ويحاص بثمنها وثمن الولد؛ لأنه لم يكن عليه (٦) إلا ثمن واحد، فكذلك لا يكون له أن يأخذ الأم ويحاص بثمن الولد (٧). قاله ابن يونس، وتقدم بأكمل من هذا. ٧٠٤ - وإنما فرق مالك (٨) في البراءة بين الرقيق وغيره؛ لأن عيب الرقيق قد لا يعلم إلا من جهته، فربما لم يظهره له وكتم ذلك، وله في ذلك غرض صحيح وهو محبته أن (٩) يكون عند بائعه الذي هو عنده فيكتم (١٠) ما به لئلا يباع فيجوز لبائعه بيعه بالبراءة إذا لم يعلم بالعيب، وليس كذلك سائر (١١) الحيوان؛ لأن كتمانها لعيوبها مستحيل منها لعجمتها (١٢). ٧٠٥ - وإنما قيل بدخول عهدة الثلاث في الاستبراء دون السنة؛ لأن الثلاث والاستبراء

стр. 458

متماثلان (١) لعمومهما (٢) في كل عيب، وخصوص السنة بالجنون و (٣) الجذام والبرص. قاله ابن رشد. ٧٠٦ - وإنما لم يلزم وقف الثمن في الخيار إذا طلبه البائع ويلزم في المواضعة والغائب إذا طلبه، لأن بيع الخيار منحل، وبيع المواضعة والغائب منبرم؛ لأنه إذا خرجت الأمة من المواضعة فلا خيار لأحد المبتايعين على صاحبه وكذلك بيع الغائب إذا وجد (٤) المبيع على صفته بل هو أحرى من المواضعة؛ لأنه يصح شرط (٥) النقد في بعض أنواعه والضمان من المشتري أو يصح شرط الضمان منه، وقد تقدم تقريره في فروق الخيار. ٧٠٧ - وإنما منعوا (٦) النقد في عهدة الثلاث والزموا النقد في بيع الثمار بعد الزهو بمجرد العقد، وكلاهما في ضمان البائع، لأن الغالب في الثمار الأمن والسلامة، ولا كذلك الرقيق. وأيضًا ما يطرأ على الثمار يستوي فيه علم المتبايعين؛ بخلاف الثلاث لاحتمال تقدم (٧) علم البائع بالعيب أو سببه. ٧٠٨ - وإنما منع شرط النقد في عهدة الثلاث وأجيز في عهدد السنة؛ (لأن عهدة السنة) (٨) في عيوب يسيرة الغالب السلامة منها، فيؤمن (من) (٩) الوقوع في تارة بيعًا وتارة سلفًا، ولا كذلك عهدة الثلاث؛ لأن الضمان فيها من البائع من كل شيء. تنبيه: هذه إحدى المسائل الأثني (١٠) عشرة التي يجوز النقد فيها طوعًا

стр. 459

(ولا يجوز شرطًا، وهي بيع الخيار، والعهدة، والمواضعة، والمبيع الغائب) (١) على صفة صاحبه، والعروض البعيدة الغيبة ومن اكترى دابة لتركب بعد شهر ومسائل الجعل والإِجارة على حراسة زرع وكراء الأرض غير المأمونة، وكذلك الجنات والأرض المبيعة على التكسير. وفي المذهب مسائل لا يجوز النقد فيها طوعًا ولا شرطًا. انظرها في كتاب الاستبراء من النكت (٢). ٧٠٩ - وإنما لا يجوز وضع الثمن عند البائع في المواضعة وإن كان مختومًا عليه، ويجوز في الرهن إن ختم عليه؛ لأن الثمن في المواضعة عين الحق فيحمله (٣) ذلك على حولان يده، ولا كذلك الرهن، فإنما وضع توثقًا. ٧١٠ - وإنما تجب العهدة على الوصي فيما باعه من أموال اليتامى للتجارة بها، ولا تجب فيما باعه لإِنفاق ثمنه عليهم؛ لأن ما باعوه للتجارة فعلوا ذلك اختيارًا من غير ضرورة إليه؛ إذ لا يلزم الوصي أن يتجر بمال اليتيم، فإذا فعل ذلك اختيارًا (٤) صار كالوكيل المفوض إليه الذي يقضي عليه بالعهدة، لكونه دخل في ذلك (٥) [اختيارًا] (٦)، وأحل نفسه محل مالك السلعة في التفويض (٧) إليه في بيعها متى شاء وممن شاء، بخلاف بيعها (٨) للإنفاق (٩) فإِنه يصير كوكيل معين على بيع أمر معين فلا عهدة عليه. تنبيه: حكم عامل القراض والشريك المفوض إليه في نصيب شريكه إذا

стр. 460

باعه مع نصيب نفسه حكم الوكيل المفوض إليه العهدة عليهما. ٧١١ - وإنما قال في المدونة (١): عن مالك في الوصي والوكيل المفوض إليه إذا اشترطا أن لا يمين عليهما، الشرط ينفعهما إن كانا من أهل الفضل والدين وإن لم يكونا كذلك لم ينفعهما، لأن أهل التصاون والأقدار في الديانات (٢) يغض (٣) استحلافهم فيوفي لهم بهذا الشرط، الأنه اشتراط ما لهم فيه منفعة ونفي (٤) مضرة، ويكرهوا (٥) أن يحلفوا (٦) لأجل ما لغيرهم (٧)] (٨) ومن سواهم يبقى (٩) على الأصل في تعلق (١٠) اليمين بهم، إذ لا تلحقهم معرة (١١) باستحلافهم. انتهى. ٧١٢ - وإنما قالوا لا عهدة على الوكيل المعين إذا باع، وإذا اشتري فالثمن عليه نقدًا كان أو مؤجلًا؛ لأن العادة أن من وكل على شراء سلعة أن يدفع إليه ثمنها، وأيضًا فإِن العهدة أمرها مترقب (١٢) إذا طرأ استحقاق أو اطلاع على العيب، وهذا قد لا يقع، فلهذالم يجعل على الوكيل عهدة فيما باع، وجعل عليه المطالبة بالثمن؛ لأن كل مثمون لا بد أن يكون له ثمن. ٧١٣ - وإنما لم تجب العهدة في العبد المسلم فيه على أحد القولين، ووجبت في المبيع المعين؛ لأن العبد المسلم فيه غير معين، ونفي التعيين الظاهر منه أنه

стр. 461

يتضمن الجهل (بسبب الأدواء المعتبرة في العهدة، فلم تثبت العهدة) (١) فيه لارتفاع علتها. ٧١٤ - وإنما قال سحنون: لا عهدة في عبد أُخذ عن دين، بخلاف عبد اشترى، مع أن الجميع شراء؛ لأن العبد المأخوذ عن دين لو وجبت فيه العهدة لأدى إلى فسخ الدين في الدين، لحصول المعاوضة بين جنسين مختلفين. ٧١٥ - وإنما لم تجب العهدة في عبد الصداق (٢) على المشهور، وتجب في العبد المبيع، مع أن الجميع معاوضة؛ لأن العبد (٣) الصداق عوضه ليس بمال محض، فخرج عن أحكام العقود المالية في هذا. وأيضًا فإِنه قد تصور (٤) فيه أن البضع إذا عقد عليه وجب تنجيز استباحة الفرج، إذ لا يصح العقد على فرج لا يستباح في الحال، والفرج لا يصح اشتراط تعجيل استباحته؛ لأنه كاشتراط النقد في عهدة الثلاث، واشتراط النقد ممنوع، فاقتضى هذا منع إثبات العهدة فيه، لكون إثبات العهدة فيه يقتضي منع النكاح وفساده، وارتفاعه يرفع حكم العهدة، فصار هذا (كفرع كر) (٥) ببطلان أصله فيكون هو الباطل بأصله. ٧١٦ - وإنما قال في الموازية (٦) والواضحة: لا عهدة في عبد السلف، وقال سحنون وابن أبي زمنين تجب (٧) في المبيع؛ لأن السلف طريقه المعروف [فلا] (٨) يبنى الأمر فيه على التهم والقصد إلى المكايسة والمغالبة، لأن قصد المسلف

стр. 462

إلى هذا (١) أو إرادته منفعة نفسه يحرم (٢) عليه ما فعل، بخلاف البيع. تنبيه: والإِقالة والتولية لا عهدة فيهما على المعروف. لا يقال: يتخرج في الإقالة الاختلاف من الاختلاف في الإِقالة هل هي [حل] (٣) بيع أو ابتداء بيع؟ [فإن قيل بأنها ابتداء بيع] (٤) وجب (٥) ثبوت العهدة فيها؛ لأنا نقول: وإن قلنا بأنها (٦) ابتداء بيع فإِن هذا بيع قصد فيه إلى المعروف فلم يلحق بالعهدة المقصود فيها المعاوضة على جهة المكايسة؛ ولم يقع في المذهب خلاف في الرد بالعيب أنه لا عهدة فيه، وإن كان قد قيل في إحدى الطريقتين أن الرد بالعيب كابتداء بيع، ولكن هذا وإن (قيل) (٧) فهو بيع أوجبه الشرع بغير اختيار من رجع (٨) إليه العبد فخرج عن العقود الاختيارية المقصود فيها المكايسة. ١٧٧ - وإنما لا عهدة في العبد المخالع به، وتجب في العبد المبيع، مع أن كلًّا منهما معاوضة؛ لأن المرأة لما ملكت نفسها بالخلع ملكًا تامًّا لا يتعقبه رد وجب ملك الزوج العوض كذلك. وأيضًا الخلع ليس كالبيع المحض، ولهذا جاز عقده بالغرر على أحد القولين. وأيضًا فإِن المرأة قد استعجلت قبض ما اشترته وهو منافع بضعها، فصار ذلك كاشتراط النقد فيما فيه العهدة، وقد قدمنا أن اشتراط النقد في عهدة الثلاث لا يجوز، فإِذا تضمن إثبات العهدة في الخلع منع المعاوضة وجب منعه في نفسه دون منع أصله كما تقدم في التوجيه (٩) لإِسقاط العهدة في النكاح.

стр. 463

٧١٨ - وإنما سقطت العهدة في العبد المسلم به دون المبيع؛ لأن السلم (١) يقتضي المناجزة؛ إذ (٢) قيل لا يجوز تأخير رأس مال السلم يومًا. قال ابن رشد (٣): وإنما يجوز تأخيره إلى ثلاثة أيام إذا وقع على المناجزة، وهو قائم من (٤) المدونة بدليل. ٧١٩ - وإنما سقطت العهدة في العبد المصالح به على الإِنكار دون البيع؛ لأن المصالح به كالهبة في حق الدافع. وأيضًا فإِنه يقتضي المناجزة؛ لأنه أخذه على ترك خصومة، فلا يجوز التقايل فيه. ٧٢٠ - وإنما سقطت العهدة في المشتري على الصفة دون المرئي (٥)؛ لأن وجه البيع يقتضيه لاقتضاء التناجز (٦) إذا (٧) كان الناس يتبايعون (٨) الغائب على ما أدركت الصفقة حيًّا (٩)، وبيع الصفقة بيع موجز قاطع للضمان (١٠). ٧٢١ - وإنما (١١) سقطت العهدة في المقاطع به دون المبيع؛ لأن المقاطع إن كان معيبًا (١٢) فكأنه انتزاع، وإن كان غيره أشبه المسلم فيه. وأيضًا القطاعة خارجة عن المعاوضة المقصود فيها المناجزة (١٣) والمغابنة (١٤)، فلهذا أسقطت العهدة فيه.

стр. 464

٧٢٢ - وإنما سقطت العهدة في هبة الثواب والمصالح به عن دم العمد دون المبيع؛ لأن هبة الثواب طريقها المكارمة والمواصلة، وأما دم العمد فلكونه خارجًا عن المعاوضة المقصود فيها المناجزة (١) والمغابنة (٢) كما تقدم. ٧٢٣ - وإنما يقبل قول (٣) الواحد في عيوب العبيد والإِماء، وإن كان على غير الإِسلام، إذا كان المبيع (٤) قائمًا ينظر إلى عينه، ولا يقبل مع الفوات إلا قول رجلين حرين عدلين؛ لأن ذلك علم يقتبسه ويحصله (٥) فاكتفى فيه بالواحد؛ لأن المطلوب مع القيام ثبوت وصف يوجب للمشتري الرد بالعيب، والمطلوب مع الفوات غرامة يطلب بها البائع إثبات (٦) دين في ذمته، والدين لا يثبت إلا بشاهدين مع كون العبد إذا كان قائمًا يمكن فيه أن يستكذب المخبر أو يستجهل، فالتهمة تبعد (٧)، وإذا فات فذلك مما انفرد بعلمه الشاهد، فلذلك لم يقبل فيه (قول) (٨) الواحد.

стр. 465

فروق كتاب الصلح ٧٢٤ - وإنما لا تجوز المصالحة على الغائب وتجوز على المحجور؛ لأن المصالحة مبايعة ومعاوضة، وذلك سائغ للمحجور دون الغائب. تنبيه: من الموثقين (١) من أجاز المصالحة على الغائب إذا شهد (٢) فيها بالسداد للغائب مثل أن يثبت عليه حق فيلزم مثبته يمين الاستبراء فيدعو للمصالحة عنها بما شهد (٢) فيه من السداد، والمنصوص عليه في الروايات المنع من ذلك إذا لم يفوض إليه في توكيله إياه. قال (٣) ابن رشد في نوازله (٤): ومن (٥) خالف ذلك من الموثقين برأي فقد أخطأ. ومصالحة الوصي على المحجور عليه بخلاف ذلك، وانظر تحصيلها (٦) في إملائي (٧) المترجم (بتنبيه الطالب الدراك (٨) على صحة (٩) الصلح المنعقد بين ابن صعد والحباك) (١٠).

стр. 466

٧٢٥ - وإنما قال يحيى عن ابن القاسم فيمن قتل قتيلين إذا صالح أولياء القتيل الواحد ثم قتله أولياء القتيل الآخر أن الصلح ينتقض، وإذا صالح المبتاع الشفيع الحاضر في غيبة شركائه (١) ثم شفع الغائب (٢) بعد قدومهم أن الصلح لا ينتقض؛ لأن القاتل إذا قتل لا ينتفع بشيء من صلحه، وانتفع بقتله قصاصًا من صالح ومن لم يصالح، والشفيع المصالح لا منفعة له في أخذ شركائه بالشفعة. قاله ابن رشد في الأجوبة (٣). ٧٢٦ - وإنما اتفقوا على أن للوصي إذا صالح المدعى عليه على الإِنكار أن ينقض الصلح إذا أقر به (٤) بعده، واختلفوا في نقضه إذا صالحه ثم قامت له بينة لم يعمل بها؛ لأن المدعي عليه في الأولى مقر على نفسه بالظلم وهذا مقيم على إنكاره. وأيضًا المدعى مفرط (٥) في هذا لعدم (٦) تثبته واستكشافه. ٧٢٧ - وإنما اتفقوا على أن للمدعي (٧) نقض الصلح إذا صالح على الإِنكار وذكر ضياع (٨) وثيقة الحق ثم وجدها بعده، واتفقوا أنه لا رجوع له في الصلح إذا ضاع (له صكه) (٩) وقال له غريمه (١٠) ائتني بالصك فامحه وخذ حقك (١١)، فقال: قد ضاع وإنما أصحالك ففعل ثم وجد الصك؛ لأن الغريم في الثانية معترف، وإنما طلبه بإِحضاره ليمحو ما فيه فقد رضي هذا بإِسقاطه واستعجال حقه، والأول منكر للحق، وقد أشهد أنه إنما صالحه لضياع صكه، فهو كإِشهاده إنما يصالحه لغيبة بينته، والله أعلم.

стр. 467

٧٢٨ - وإنما اتفقوا على أن من صالح لتعذر بينته وشرط القيام بها أن له ذلك، وقال ابن القاسم فيمن أخر من له عليه دين بشرط أنه متى ادعى القضاء (١) لم يستحلفه واصطلحا على ذلك أن هذا الصلح لا يلزم، ومتى ادعى (٢) المديان القضاء كان [له] (٣) استحلاف الطالب؛ لأن اشتراط إسقاط اليمين خلاف ما يوجبه الشرع فلم يوف له بشرطه لذلك. تنبيه: ذكروا (٤) في المذهب أن الخصمين لو اصطلحا على إسقاط البينة، أو على أن المدعى عليه إن نكل عن اليمين غرم الحق من غير أن يرد اليمين على المدعي أن ذلك ماضٍ، فعارض الإِمام أبو عبد الله المازري [﵀] (٥) بين هذا وبين ما قبله؛ لأن كون النكول يوجب الغرامة من غير رد اليمين خلاف الشرع، وأجاب القاضي أبو عبد الله بن عبد السلام [﵀] (٥) بأن إسقاط اليمين يؤول إلى سلف جر نفعًا فلا يلزم، بل (٦) ولا يجوز ابتداءً. وأما الصلح على إسقاط البينة فهو على إسقاط حق آدمي بعد وجوبه. وأيضًا فإِسقاط البينة بعد علمه بها وبما أشهد به دليل على خلل عند التسليم بها في شهادتها. وأما [الصلح] (٥) على أن المدعى عليه يغرم بالنكول من غير يمين فهو موافق لمقتضى الشرع على رأي الحنفية وغيرهم فلا يبعد (٦) إمضاؤه مثل غيره من مسائل الخلاف إذا وقع، [والله أعلم] (٧).

стр. 468

فروق كتاب الأقضية ٧٢٩ - وإنما لا يمكن الخليفة من استبدال من عهد له بالخلافة بعد أن عهد (١) إليه وقبل منه، ويمكن من استبدال من ولاه من القضاة والعمال (٢)؛ لأن القاضي وسائر العمال إنما ولاه لينوب عنه في بعض الكلف والأشغال التي عليه أن يقوم بها للمسلمين وينوب عنه في ذلك، وللموكل أن يعزل وكيله، وليس كذلك العهد لرجل يكون بعده إمامًا للمسلمين، فهذا ليس يحق له جعل غيره ينوب عنه [فيه] (٣) كما نصب قاضيًا ينوب عنه في الأحكام، وإنما هو حكم حكم به على المسلمين، وأحكامه عليهم نافذة. قاله المازري، ﵀ (٣). ٧٣٠ - وإنما اتفق العلماء على قبول رواية المرأة عن النبي ﷺ وفتواها في الحلال والحرام وغير ذلك من النوازل والأحكام، إذا (٤) كانت من أهل الاجتهاد والأحكام، واختلفوا في عقد القضاء لها، ومذهب مالك وأكثر العلماء منعها (٥) على الإِطلاق؛ لأن القضاء أحد مراتب الكمال، فلا تتقدم له المرأة لأجل نقصها؛ لأنه نوع من الإِمامة الكبرى فيجب أن لا تعقد لها قياسًا عليها. وأيضًا إذا قيل بأنها لا تكون إمامًا في الصلاة لم تكن قاضية؛ لأن القضاء ضرب من الإِمامة، ويشهد (٦) لهذا المذهب، ويؤكده الظواهر التي وقعت

стр. 469

تشير إلى هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (١) والقاضي يكون منتصبًا مشتهرًا لكثرة النظر لما بين يديه من الأحكام والخصوم، وهذه حالة تنافي ما أمرن به من غض أبصارهن. وأيضًا فإِن القاضي يحتاج إلى مخاطبة الناس على اختلاف طبقاتهم وهيئاتهم وربما رفع صوته، (وأصوات) (٢) النساء ينبغي أن لا تكون كذلك، وقد قال ﷺ : "إنما التصفيق للنساء" (٣)، وأشار بهذا إلى منعها من النطق في الصلاة؛ لأجل كون صوتها عورة عند من تأول الحديث على هذا، فأحرى أن يمنع ذلك من قضائها بين الناس، وقد قال ﷺ : "خير صفوف النساء آخرها" (٤)، والقضاء (من) (٥) أعلى مراتب التقديم (٦). وهذا أيضًا ينافي ما ورد من الأمر بتأخيرهن، فلو لم يكن في هذا إلا قوله ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم (٧) امرأة (٨) "، وعموم هذا يقتضي منع [المرأة] (٩) (ولاية) (٥) القضاء، كما اقتضى منعها (١٠) (ولاية) (٥) الإمامة. تنبيه: ذهب ابن جرير الطبري (١١)، ومحمد بن الحسن (١٢) إلى جواز

стр. 470

ولايتها القضاء على الإطلاق، ونقله القاضي ابن (١) عبد السلام، أرحمه الله، (٢)، من رواية ابن أبي مريم (٣) عن ابن القاسم (٤)، واحتجوا بولاية أم الشَّفَّاء (٥) الحسبة، وهي قضاء وحكومة. قال الإِمام [أبو عبد الله] (٦) المازري، ﵀ [تعالى] (٧): وقد اعتذر بعض الناس عن هذا بأنها إنما جعل لها تغيير ما يقع [من] (٨) منكرات (٩) في السوق، وهذا خارج عن تولية القضاء. ٧٣١ - وإنما جعل الفقهاء القول قول المدعى عليه، ولم يجعلوا القول قول المدعي، مع أن كذب كل منهما ممكن؛ لأن الأصل براءة ذمة المدعى عليه من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات (١٠)، وبراءته من

стр. 471

الإِنتساب إلى شخص (١) معين، ومن الأقوال كلها، والأفعال بأسرها، وكذلك الأصل عدم إسقاط ما ثبت للمدعي من الحقوق (٢) وعدم نقلها، فيدخل في هذا جميع العقود والتصرفات حتى الكفر والإِيمان. ٧٣٢ - وإنما منع سحنون ولاية المعتق القضاء، وأجاز شهادته؛ لأن المعتق قد يستحق فيجب (٣) رده إلى الرق وإبطال عتقه بأمر يوجب ذلك، فيفضي (٤) ذلك إلى رد ل [أحكامه] (٥)، لكونها وقعت منه وهو عبد رقيق، وليس الجهل بكونه رقيقًا حين إيقاع الحكم بالذي يوجب [إنفاذ حكمه كما لو جهلنا فسقه أو كفره، ولا تنتقض هذه العلة بقبول شهادته مع جواز أن يثبت ما يوجب (٦)] رد عتقه، فيكون الحكم بشهادته باطلًا؛ لأن للإِمام مندوحة في ألا يوليه (٧)، ويولي من لم يتقدم عليه رق، ولا مندوحة له عن قبول شهادة معتق شهد عنده بأمر تعين عليه الشهادة به، ولا يعرفه سواه، والإِمام وكيل للمسلمين على من يولى عليهم ومن سوء النظر بهم أن يعدل عن ولاية من لا يترقب (٨) نقض أحكامه إلى ولاية من يترقب فيه نقضه، والوكيل إذا أساء النظر لموكله (٩) رد فعله. ٧٣٣ - وإنما لا يجوز التحكيم في غير الأموال من الحدود والنكاح واللعان والطلاق والنسب والولاء، ويجوز في الأموال؛ لأن هذه الأجناس يتعلق بها حق لغير الخصمين المحكمين بينهما (١٠) رجلًا، فاللعان يتعلق به حق الولد في نفي (١١) نسبه من أبيه، فقد ينفيه عن أبيه هذا الرجل المحكم وليس له ولاية

стр. 472

على المحكم في (١) هذا الولد، وكذلك الأنساب والولاء يسري (٢) ذلك إلى غير المحكمين، ومن يسري ذلك إليه لم يرض بحكم هذا الرجل المحكم، وكذلك الطلاق والعتاق فهما حق لله تعالى (٣)؛ إذ لا يجوز أن تبقى المطلقة البائن (٤) في العصمة، ولا أن يرد المعتق (٥) إلى الرق وإن رضي بذلك، والله سبحانه الذي استحق هذا الحق في هذا، ولم يجعل النظر في حقه هذا إلى هذا الرجل الذي حكمه هذان. قاله المازري. ٧٣٤ - وإنما صار كثير (٦) من العلماء إلى المنع من الحكم بالمعلوم (٧) [للقاضي] (٨) في الحدود، واختلفوا الاختلاف المشهور في حقوق الخلق؛ لأن الحدود (٩) تدرأ بالشبهات، ففيها (١٠) أيضًا هتك الحرمات (١١)، وربما تضمنت أيضًا إراقة الدماء وما لا يمكن تلافيه، إذا ظهر غلط القاضي فيه، بخلاف الحقوق المالية. وأيضًا فإِن القاضي هو القائم بالحدود، فصار ذلك كحكم الخصم لنفسه. ٧٣٥ - وإنما منع القاضي من الحكم بما رآه أو سمعه وعلم صحته يقينًا وعلمًا ضروريًّا، وجوز له الحكم بالبينة التي تظهر له عند الشهادة، وإن كانت في الباطن فاسقة، وغاية ما تفيده الظن؛ لأن القاضي متى سوغ (١٢) له الحكم بعلمه أدى ذلك إلى تلف أموال الناس؛ إذ قد يكون بعض القضاة يظهر العدالة، وهو في الباطن فاسق، فيصيب مدعيًا يدعي على رجل مالًا، ويقول

стр. 473

القاضي علمت صحة ما قال المدعي، فيتلف بهذا من أموال الخلق، فكان من الحكمة والمصلحة منع القضاة أن يحكموا بعلمهم. تنبيه: مقتضى هذا الفرق وقياس ما مضى من التوجيه يقتضي ويتضمن أن القاضي لا يقبل منه قوله: ثبت عندي كذا إلا أن يسمي البينة ويذكرها في حكمه؛ لأنه أيضًا قد يقول: ثبت عندي ما لم يثبت، فإِذا أحال على البينة أمن من إتلاف أموال الناس، وقد ذكر ابن القصار هذا، ورأى أن ذلك لا يقبل [منه حتى يسمي] (١) البينة، ومثله لأبي القاسم الجلاب (٢). ٧٣٦ - وإنما يعتمد القاضي على علمه (٣) في عدل الشاهد وجرحه باتفاق، ولا يحكم بعلمه فيما سوى ذلك على أشهر المذاهب؛ لأن كون الشاهد عدلًا أو مستجرحًا (٤) مما يطلع عليه غير القاضي كما اطلع عليه القاضي، ولا يكاد يخفى عن غيره، وما يعلمه القاضي من إقرار رجل عنده بحق (٥) ينفرد به القاضي ولا يشاركه غيره في علمه، فلأجل هذا الانفراد منع (من) (٦) الحكم بعلمه في هذا، وأجيز في التعديل (والتجريح) (٧)، لاطلاع غيره عليه وتبعد التهمة فيه (٨). وأيضًا لو منع القاضي من الحكم في العدل والجرح بعلمه لأدى إلى وقف الاحكام، لما يتضمن من التسلسل، وذلك لأن (٩) القاضي إذا شهد عنده عدلان يعرف عدالتهما، لو منعناه من أن يحكم بعدالتهما، وكلفناه أن يسمع تعديلهما من غيره، لاقتضى ذلك أن يقتصر على من عداهما (١٠)، إذا علم عدالته (١١). وأيضًا فإِن سوغنا له ذلك في (الطبقة

стр. 474

الثانية سوغناه في الأولى، وإن لم نسوغ له ذلك في) (١) المعدلين، طلبهم بمعدلين (٢) آخرين، ثم يطلب الآخرين بآخرين، وهكذا إلى (٣) ما لا يتناهى، وما لا يتناهى لا ينتهي (٤)، وهذا كما يقوله المتكلمون من أهل الأصول في استحالة حوادث لا أول لها، وإذا وجب قبول من علمه القاضي عدلًا وإن لم يعدل لما يقتضيه منع ذلك من التسلسل وجب أن يحكم بعلمه أيضًا في التجريح إذا علم الشاهد مستجرحًا، وإن لم يقتض التسلسل، لكون الاتفاق حصل على أن التعديل والتجريح في هذا الحكم سواء. ٧٣٧ - وإنما ينقض (٥) حكم الحاكم إذا تبين أن الشاهد عبد، ولا ينقض (٦) إذا (تبين) (٧) أنه فاسق، لأن العدل والجرح أمران يعول (٨) القاضي فيهما على الظن والاجتهاد في غالب الأمر، فلا يؤمن (٩) من أن يكون الثاني غلط أيضًا، بخلاف العبد، فإِنه مقطوع بكونه عبدًا، فلهذا اتفق المذهب (١٠) على انتقاض (١١) الحكم به، وهو (١٢) كنص ظهر، بخلاف الاجتهاد. تنبيه: وظهور قرابة الشاهد وعداوته وكونه مولى عليه بعد الحكم كظهور رقه، لا كظهور فسقه، والله تعالى أعلم. ٧٣٨ - وإنما قال أصبغ بنفوذ حكم القاضي لوالده وولده وزوجته، ولا تنفذ شهادته لهم؛ لأن الشاهد يحكم بما ينفرد بعلمه، والقاضي يحكم عما يشاركه (١٣)

стр. 475

فيه غيره، لأنه لا يتوصل إلى القضاء إلا بشهادة بينة يحيل عليها، وهذا بخلاف حكم القاضي بعلمه بأن أحد الخصمين أقر عنده بكذا؛ لأن هذا مما ينفرد به أيضًا كالشهادة (١). تنبيه: ومما ينخرط في هذا السلك فتوى المفتي لمن لا تجوز شهادته [له] (٢) كزوجته وأقاربه الذين لا تجوز شهادته لهم؛ لأن المفتي إذا أحال القاضي الذي يعول عليه على رواية ظاهرة واستنباطات بينة صار ذلك مثل إحالة القاضي على بينة يسميها في حكمه إذا حكم لأقاربه، ولكن بالجملة ينبغي للمفتي الهروب من هذا متى قدر عليه. قال الإِمام أبو عبد الله المازري. ﵀ [تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلمه وعمله (٣)]: وقد نزل مثل هذا في خصام لزوجتي (٤) في مواريث، وسألني القاضي والخصوم الفتوى (٥) فامتنعت، ولكن ذكرت في هذا قولًا (٦) قاله من تقدم من الأئمة وأشار إليه من [أن] (٧) الفتوى لا تجري مجرى الشهادة، وقد قال سحنون (٨) أن القاضي لا يستفتي عالمًا في مسألة شهد عنده فيها هذا العالم، وأشار بهذا إلى تصور التهمة في الفتوى كما تتصور في الشهادات والحكومة؛ لأنه قد يتهم هذا العالم أنه أراد أن يؤكد شهادته ويمضيها بفتواه بما يقتضي إمضاءها (٩). قلت: من هذا النمط أيضًا فتوى مالك ﵀ في استحقاق أم ولده إبراهيم أو محمد (١٠) بقيمتها وحدها. قال عياض وحكم فيها بقوله:

стр. 476

ومنه أيضًا ما ذكره أبو حفص (١) العطار، ﵀ (٢)، في مسألة عبد الواحد (٣) مع امرأة توجه لها اليمين عليه، فأفتى بأنه لا يحلف حتى يحضر ما يحلف عليه فأخذ بقوله وحكم به. وعليه استمر العمل ببلاد إفريقية إلى الآن، ولا (٤) يقال في فتوى الإِمام وعبد الواحد نظر؛ لأن المسألة وقعت لهما؛ لأنا نقول فتواهما ليست بقاصرة عليهما، وإنما هي متعدية لغيرهما (٥) إلى قيام الساعة. وقد ذكروا أن العبد إذا روى حديثًا يوجب عتق نفسه أنه يقبل ولا يقدح فيه، وتذكر هنا صحة اعتذار القاضي ابن عبد السلام عن الحكم في نازلة حكم فيها القاضي أبو إسحاق بن عبد الرفيع (٦) على (٧) الفقيه أبي عبد الله بن الحباب (٨) أبان شهادته تقدمت في حكم القاضي ابن عبد الرفيع، فصرف الحكم بين الفقيه أبي عبد الله بن الحباب (٩)]

стр. 477

وخصمائه بني البسطي (١) إلى قاضي الأنكحة حينئذٍ الشيخ أبي محمد الآجمي (٢). ٧٣٩ - وإنما لا يسجل (٣) القاضي بتعجيز الطالب وإبطال دعواه على المشهور المعمول (٤) به في العتق والطلاق والنسب، ويسجل بتعجيزه في غيرها؛ لأن هذه الحقوق الثلاثة قد يتعلق بها حق لغير الطالب العاجز عن تصحيحها، فالعتق فيه حق لله (٥) سبحانه، [وحق في الولاء للعصبة، وكذلك الطلاق فيه حق لله سبحانه، (٦)، ومن حاول (٧) إثباته ثم رضي بإِسقاط (٨) ما ثبت منه لله سبحانه، فلا يلتفت إلى رضاه بذلك، وكذلك النسب قد ينشر (٩) فيه الحق لغير مثبته. ٧٤٠ - وإنما لا يقضى على الميت والصبي والغائب والمجنون في الديون إلا بعد استحلاف الطالبين لهم، بخلاف غيرهم؛ لأن الميت يستحيل منه أن يدعي قضاء الدين، وكذلك الصبي والمجنون والغائب، ما دام الصبي في حال الطفولية، والمجنون في حال جنونه، والغائب في حال غيبته.

стр. 478

تنبيه: قال ابن حارث: كان عبد الله بن طالب (١) يزري ببعض القضاة ويقول: إِنه لا يعرف موضع يمين القضاء، ولا يضعها موضعها، وهي واجبة على من يقوم على الميت، أو على الغائب، أو على اليتيم، أو على الأحباس، أو على المساكين، أو على [كل] (٢) وجه من وجوه البر، وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئًا من الحيوان والعروض، ولا يتم الحكم إلا بها. قال في التوضيح: وضابطه أن كل بينة شهدت بظاهر فإِنه يستظهر (٣) يمين الطالب على باطن الأمر. قال ابن الهندي (٤): وقد تسقط يمين القضاء في بعض الصور، وذلك إذا أوصى الرجل أن يقضي دينه من ثلثه، فلا يمين على صاحب الدين، وذلك بمنزلة الوصايا. ويمين القضاء هذه لا نص على وجوبها لعدم الدعوى على الحالف بما يوجبها إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرًا للميت والغائب، وحياطة عليه وحفظًا لمال، للشك في بقاء الدين (عليه) (٥). ٧٤١ - وإنما لا يحكم على الغائب في الرباع على أحد القولين عندنا، ويحكم عليه فيما سواها؛ لأن سرعة الحكم عليه في العقار مما يضر بالغائب إذ به قوامه وإليه معاده. وأيضًا الرباع لا تنقل ولا تغيب ولا يزال بها فيخشى تلفها على مستحقها، وكأن العلة الموجبة للقضاء على الغائب ارتفعت في الرباع، فلم

стр. 479

يصح الحكم فيها مع الغيبة لا سيما وأبو حنيفة يرى أن من شهدت عليه البينة وهو حاضر فهرب فإِنه (١) لا يحكم عليه، وهو يؤدي إلى تلف الأموال حتى لا يقضي (٢) أحد دينًا أبدًا، فافترق حال (٣) الرباع من غيرها لهذا (٤). تنبيه: عدم الحكم على الغائب في الرباع مقيد بما إذا لم تطل غيبته، ويضر ذلك بخصمه. قاله الجلاب (٥). ٧٤٢ - وإنما يمكن الغائب من التجريح بالفسق في الوكالة إذا حكم بها عليه وهو غائب؛ ولا يمكن فيها (٦) فيما سوى ذلك على أحد القولين؛ لأن الوكيل يحكم له بالوكالة من غير ضرب أجل (٧)، والحكم على الغائب بحقوق لا بد فيها من الاستقصاء وضرب الأجل (٨) كما يفعل في الحاضر. ٧٤٣ - وإنما قال مالك في القاضي إذا نسي القضية وشهد عنده عدلان أنه كان حكم بها، فإِنه يحكم بما شهد به الشاهدان على أصفة ما يحكم بذلك لو (٩) كان ذاكرًا للقضية، وكذا إذا شهد عنده، (١٠) عدول بأن قاضيًا غيره عدلًا عالمًا قضى بقضية، فإِنه يجب عليه تنفيذها إذا تحوكم إليه فيها، وإذا شهد عدلان على رجل بأنه شهد بكذا وكذا، ولم يذكر هو في نفسه أنه (١١) شهد بذلك، ولا عنده علم منه، فإِنه لا يحل له أن يشهد بذلك؛ لأن الشاهد تعين (١٢) أن يعول فيما يشهد به بأن يشهد على القطع واليقين لا على الظن، قال الله

стр. 480

تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (١)، والقاضي بالعكس (من ذلك) (٢) لا يجوز له أن يحكم (٣) بعلمه، ويجب عليه أن يحكم بالظن الحاصل (له) (٤) عن شهادة عدلين. تنبيه: لا يقال الأصول تشهد بأن ما يمكن فيه اليقين غالبًا فلا يرجع فيه إلى الظن. ألا ترى أن الشهادة (٥) بالنسب وبموت رجل غائب إلى أمثال ذلك يقضى فيها بشهادة السماع لمَّا تعذرت المشاهدة والعلم للضرورة (٦) من جهة الحس، والطلاق والعتاق وعقود البياعات إلى (٧) أمثال ذلك لا تقبل (٨) فيها شهادة السماع لما كان اليقين فيها والمشاهدة هو الغالب، وهو يقتضي أن يفرق بين الشهادة عند القاضي بأنه قضى بقضية وبين الشهادة عنده بأن غيره قضى بها؛ لأن ما يفعله غيره من القضاء لا يشاهد (٩) غالبًا، وإنما يتوصل إليه بالنقل، وأفعال نفسه. [يعلمها من قبل نفسه و] (١٠) لا يفتقر فيها إلى نقل غيره، فيمتنع قياس الشهادة عليه على الشهادة بذلك على غيره، وقد صار إلى [مثل] (١١) ذلك إمامان عظيمان أبو حنيفة والشافعي، رحمهما الله ورضي عنهما؛ لأنا نقول: الحكام إذا كثرت أحكامهم (١٢) وتقادم عهدها لا يمكن حفظ جميعها، فتدعو الضرورة إلى الرجوع فيها إلى الظن، فيستوي الحكم في الشهادة بذلك على القاضي (نفسه) (١٣) أو على قاض (١٤) غيره،

стр. 481

وهو يلاحظ (١) [كون] (٢) الشاهد يعرف خطه ولا يذكر الشهادة، وفيها من الخلاف ما هو مبسوط في محله من الدواوين، وإشارتهم (٣) إلى أن الضرورة تدعو إلى القضاء بأمثال هذه الشهادات (٤) لكون من كثرت شهادته لا يمكن أن يحفظ جميعها غالبًا. ٧٤٤ - وإنما لا ينعزل القاضي بموت من ولاه وينعزل الوكيل؛ لأن القاضي إنما ولي للمسلمين، والمسلمون باقون، بخلاف الوكيل، ولو كان مفوضًا إليه، فإِن من قدمه (٥) لمصلحته قد مات. تنبيه: قال المتيطي (٦)، ﵀: ولا ينعزل (٧) مقدم القاضي على يتيم بموته أو عزله. ابن العطار (٨): اختلف فيها فقهاؤنا ولذلك استحسنوا ذكر إمضاء الثاني تقديمه فيما ينعقد من تصرف ولي اليتيم، لا سيما وقد وجد ذلك في قديم الوثائق، وإن كان [القول] (٩) بعدم توقفه (١٠) على إمضاء الثاني هو الصواب. ٧٤٥ - وإنما لا يخلع الإِمام الأعظم إذا حدث فسقه بعد الولاية، ويعزل القضاة إذا حملهم حب الرئاسة وشدة الطمع في المال والجاه على إرضاء من ولاهم أو من يعينهم على حفظ رياستهم، فحكموا بالباطل، وفعلوا ما يسقط عدالتهم، فإِنه يجب زوالهم، ورفع ضررهم عن (١١) المسلمين، إذا وجد عوض منهم ممن يعدل فيهم؛ لأن الخليفة لو خلع بحدوث فسقه لأدى خلعه

стр. 482

إلى سفك الدماء وكشف الحرم وتلف الأموال لما يحدث من المشاقة عند شق العصا وخلع الإِمام، بخلاف القضاة. تنبيه: اختلف في القاضي هل ينعزل (١) بنفس الفسق أو حتى يعزله الإِمام. قال الإِمام أبو عبد الله المازري، [﵀] (٢): ظاهر المذهب على قولين: أشار ابن القصار إلى أن القاضي لا تنعقد ولايته مع كونه فاسقًا، وإن طرأ الفسق عليه بعد ولايته انفسخ (٣) عقده. وذكر أصبغ أن القاضي إذا كان مسخوطًا في أحواله فإِن أحكامه ينعقد (٤) منها ما كان صوابًا وإن كانت شهادته ترد. وكأنه جنح إلى اعتبار المصلحة: فإِن عامة المسلمين كالمجبورين على الانقياد إلى ما يحكم القاضي به لهم وعليهم، ولا يمكن عزله ولا (٥) أن يقضي بينهم غيره، فلو قلنا أن ما كان ظاهر الصواب (٦) في أحكامه ينقض إذا لم يكن عدلًا لحق الناس الضرر الشديد، هذا إذا انتقضت أحكامهم. وما قضى به بينهم لهم وعليهم في أملاكهم وحريمهم يوجب حسم المادة بإِنفاذ ما كان ظاهره الصواب؛ لأن الباطن في الأحكام لا يعلم صحته إلا الله تعالى. ٧٤٦ - وإنما منع ابن شعبان وغيره ولاية قاضيين على أن لا ينفذ حكم أحدهما دون الآخر بل لا ينفذ إلا إذا اجتمعا عليه، وأجازوا حكم الحكمين في جزاء الصيد وفي الشقاق بين الزوجين؛ لأن الحكمين إن اختلفا [انتقل] (٧) إلى غيرهما، فلا مضرة في اختلافهما، وفي القاضيين هي (٨) ولاية لا يصح التنقل فيها بعد انعقادها ونفاذها ويؤدي اختلافهما إلى وقف (٩) الأحكام، والغالب اختلاف القاضيين.

стр. 483

تنبيه: ذكر القاضي أبو الوليد الباجي ﵀ أنه قد ولي في بعض بلاد الأندلس ثلاثة قضاة على (هذه) (١) الصفة ولم ينكر ذلك من كان في البلد من فقهائها (٢). قال وعدم وقوعه من زمن النبي ﷺ إلى زماننا هذا يدل على منعه. قال الإِمام أبو عبد الله المازري ﵀: وعند (ي أنه) (٣) لا يقوم دليل على المنع إذا اقتضت ذلك المصلحة ودعت إليه الضرورة في نازلة ورأى الإِمام أنه لا يرفع التهمة والريبة إلا بقضية رجلين فيها، وإن اختلفا نظر هو في ذلك، وليستظهر (٤) بغيرهما. ٧٤٧ - وإنما يجب على القاضي إذا حكم بأمر ونسيه وشهد (٥) به شاهدان (أن) (٦) يمضيه باختلاف، ويمضيه إذا شهدا (٧) على [قضاء (٨)] غيره باتفاق؛ لأن أحكام غيره لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالنقل فيكتفي فيها بالظن، بخلاف أحكامه فإِنه يعلمها (٩) من جهة نفسه، فلا يرجع [فيها (١٠)] إلى الظن. تنبيه: قد يعترض [على] (١١) هذا الفرق (١٢) بأن الحاكم قد تكثر أحكامه فينسى فتدعو الضرورة إلى الرجوع فيها إلى الظن. ٧٤٨ - وإنما لم يوجبوا عليه الرجوع هنا (١٣) إلى قول العدلين في أحد القولين مع

стр. 484

نسيانه لحكمه، وأوجبوا عليه الرجوع باتفاق إلى قول العدلين في الصلاة إذا أخبراه بعدم إتمام الصلاة؛ لأن الأصل في الصلاة عمارة الذمة، والذمة إذا عمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين، ويؤيده أن الشك في النقصان كتحققه، ولا كذلك الحكم؛ لأن الأصل عدمه، فأعمل استصحاب الحال في البابين (١)، [والله أعلم] (٢). ٧٤٩ - وإنما يرجع القاضي إلى قول العدلين باختلاف إذا أخبراه أنه قد حكم، وهو منكر للحكم، قاطع بعدمه، ولا يرجع الإِمام إلى قولهما في الصلاة [إذا كان عالمًا؛ لأن علمه في مسألة الحكم عارضه علمهما، وتعلق بشهادتهما حق للمحكوم عليه، فيترجح إعمال شهادتهما على القول به لذلك، ولا كذلك في الصلاة] (٣)، فإِنا لو أوجبنا (٤) على الإِمام الرجوع إلى قول العدلين لأدى ذلك إلى إهمال علمه وإعمال علمهما مع تساوي أقوالهما (٥)، وذلك ترجيح من غير مرجح، وهو مما لا سبيل إليه. ٧٥٠ - وإنما للقاضي العدل العالم أن يحكم لنفسه، ويعاقب من تناوله بالقول وأذاه، بأن ينسب إليه الظلم والجور مواجهة بحضرة أهل مجلسه، ولا يحكم لنفسه [إن] (٦) شهد به عليه أنه (٧) أذاه هو غائب؛ لأن مواجهته من قبيل الإِقرار، وله الحكم بالإِقرار على من انتهك ماله [من الحرمة] (٨)، وإذا كان له الحكم بالإِقرار [فيما له كالحكم به (٩) لغيره، كان أحرى أن يحكم بالإِقرار] (١٠) في

стр. 485

عرضه، كما يحكم (١) به في عرض غيره، لما في ذلك من الحق لله؛ لأن الاجتراء على الحكام بمثل هذا توهين لهم، فالمعاقبة أولى من التجافي. تنبيه: [قال ابن رشد] (٢) [رحمه الله تعالى] (٣) في رسم تأخير الصلاة من سماع ابن القاسم: دليل هذا الحكم (٤) وأصله قطع أبي بكر الصديق ﵁ يد الأقطع الذي سرق عقد زوجته أسماء لما اعترف بسرقته (٥)، هذه الرواية الصحيحة (٦). ٧٥١ - وإنما نص في الواضحة على قبول (٧) كتب القضاة وإعماله سواء وصل قبل موت الكاتب أو عزله أو مات المكتوب إليه أو عزل قبل وصول الكتاب إليه أولًا (٨)، إذا كان القاضي الكاتب المنهي قد أشهد على كتابه. وأما إن لم يشهد على كتابه وإنما اجتزأ بالخط كحال قضاة (٩) [هذا] (١٠) الزمان في المغرب الأوسط والأقصى، فإِنه لا يصح قبوله، ولا العمل به إلا (١١) أن يصل والقاضي الكاتب على حالِ ولايته، فإِن مات أو عزل قبل وصول كتابه لم يصح للقاضي المنهي إليه العمل به بوجه ولا حال؛ لأن الكتاب (١٢) المشهود عليه كالإِشهاد على حكم مضى فيجب إنفاذه، بخلاف الآخر، فإن أعلى

стр. 486

مراتبه [إذا ثبت] (١) أن يقام مقام قول (٢) القاضي نفسه ثبت عندي كذا؛ لأن ذلك هو مدلول الكتاب، وهذا إنما يقبل منه ما دام واليًا، فإِذا عزل لم يقبل منه على حال، إلا أن يكون على ذلك إشهاد في حال الولاية فيجوز عملًا بالشهادة، ويؤيده قول المدونة: وإن قال القاضي المعزول ما في ديواني قد شهدت به البينة عندي، إذا قال [كنت] (٣) حكمت بكذا، لم يقبل ذلك منه، فكذلك كتاب القاضي المعزول. تنبيه: قال الشيخ أبو عبد الله بن المناصف ﵀ في تنبيه الحكام على مآخذ الأحكام (٤): وغلط في هذا النوع اليوم جماعة من الطلبة، وجرى بيننا وبينهم فيه نزاع كثير؛ لأنهم حملوا ما وقع لمالك (٥) وغيره في قبول كتاب القضاة ماتوا أو عزلوا على إطلاقه، وتوهموا ذلك في مثل ما عهدوه، ووقع التساهل فيه من ترك إشهاد القضاة على كتبهم والاجتزاء بمعرفة الخط. انتهى. قال ابن عرفة ﵀: ونزلت هذه المسألة في عام خمسين وسبعمائة من هذا القرن (الثامن) (٦)، وقت نزول الطاعون الأعظم أيام أمير المؤمنين أبي الحسن المريني (٧) في خطاب ورد من مدينة فاس لتونس فوصل خطاب فاس وقد تقرر علم موته (٨) بتونس، فطرح خطابه، فشكى من وصل به إلى

стр. 487

أمير المؤمنين، فسأل إمامه أو مفتيه شيخنا أبا عبد الله السطي (١)، وكان حافظًا، فأفتى بإِعمال خطابه، واحتج بنحو ما ذكر ابن المناصف عمن نازعه، فوقفه (٢) أصحابنا على كلام ابن المناصف هذا فرجع إليه وظهر أنه لم يكن له بها شعور. قلت: وقد جهل هذا الأصل بل هذا الفصل جميع من لقيته من أعيان الطلبة والقضاة فأجازوه، وهو غلط فاحش، وخروج عن القاعدة وأسلوب الحق والحقائق، والله أعلم (وبه التوفيق لا رب سواه) (٣). ٧٥٢ - وإنما يقبل من الخصم ما يأتي به بعد العجز، ولا يقبل منه ما يأتي به بعد التعجيز؛ لأن التعجيز رد (٤) من قوله قبل نفوذ الحكم عليه، ولا كذلك العجز. ٧٥٣ - وإنما قالوا إذا نسي الحاكم قضية قضى بها شهد عنده بذلك عدلان (٥) أنه يجب عليه إمضاؤها، وإذا شهد شهود الفرع ونسي الشهادة شهود الأصل لم تقبل شهادتهم، وفي كلا الموضعين فهو (٦) نقل عن غيره؛ لأن الشهادة على الحكم شهادة بحق على الحاكم، وليست بنقل (٧) شهادة، وشهادة الفرع إنما يثبت حكمها بثبوت شهادة الأصل، لأنها نقل والنقل يفتقر إلى صحة المنقول عنه، فإِذا نسي شاهد الأصل [أصل] (٨) الشهادة لم تقبل شهادة (٩) الفرع.

стр. 488

٧٥٤ - وإنما قالوا في القاضي يقول بعد عزله (١) أنه حكم لزيد على عمرو في كذا (٢) بكذا لا يقبل قوله، وقالوا في المأذون له في التجارة [يقبل قوله في كل (٣) دين أقر به بعد الحجر بقول (٤) القاضي يلزم أن يكون كذلك؛ لأن الأصل واحد؛ لأن المأذون له في التجارة] (٥) لا تهمة عليه فيما أقر؛ لأن ذلك يتعلق بذمته، والقاضي لا يتعلق مما أقر به في ذمته شيء، وإنما ذلك حكم يريد تنفيذه، فلا يجوز ذلك من (٦) أجل عزله (٧)، فلذلك افترقا. ٧٥٥ - وإنما قال مالك (٨): إذا تراضيا بان حكما بينهما رجلًا يلزمهما ما حكم به عليهما، ولم يكن لأحدهما الرجوع عنه، وإذا ارتضيا شهادة شاهد لم يلزمهما ذلك، وكان للمشهود عليه الرجوع، مع أن التحكيم موجود في الجميع؛ لأن إمضاء الشهادة إنما هو استدعاء لما يعلمانه، فإذا ادعيا خلاف ذلك كان لهما أو لمن ادعاه منه الرجوع؛ لأن له أن يقول لم يأت بما أعلمه، وليس كذلك التحكيم؛ لأنه استدعاء لما لا يعلمانه فلم يكن فيه رجوع لأنه لا يصح أن يكون فيه تكذيب من المحكوم عليه. ٧٥٦ - وإنما قال مالك: لا يمين على مستحق شيء من الربع والعقار، ولا يتم لمستحق غيره من العروض والحيوان (٩) حكم إلا بعد يمينه (١٠) أنه ما باع ولا وهب؛ لأن الربع والعقار مما جرت العادة بكتب الوثائق فيها عند انتقال الملك عليها والإِعلان بالشهادة فيها فإذا لم يكن عند المدعى عليه شيء من

стр. 489

العقود والمكاتيب (١)، وقامت البينة للطالب قويت حجته واكتفى بالبينة عن (٢) إحلافه، بخلاف سائر المنقولات التي يخفى وجه انتقالها ويقل حرص الناس على المشاحة في كتب الوثائق فيها فتوجهت اليمين لذلك. تنبيه: قال بعض المتأخرين: وهذا إذا استحقت من يد غير غاصب، وأما إن استحقت من يد غاصب فلا يمين على مستحقها إذا ثبت ملكه (٣) لها، [والله أعلم] (٤).

стр. 490

" فروق كتاب الشهادات والدعاوي " ٧٥٧ - وإنما قال مالك بقبول شهادة الابنين على أبيهما بطلاق أمهما إذا كانت منكرة للطلاق، ولا تقبل إذا كانت مدعية له؛ لأن الأم إذا كانت منكرة للطلاق فإنهما يتهمان (١) على أن يخرجاها بشهادتهما من سلطان أبيهما. ٧٥٨ - وإنما تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في [القتل] (٢) والجراح (٣)، ولا تقبل في الأموال (٤)؛ لأن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٥) ولما كان بنا حاجة إلى تعليم الصبيان وتطريتهم (٦) على الحروب لم يكن بد من حفظ جراحهم ودمائهم التي تقع بينهم، ولم يكن حفظها إلَّا بشهادتهم، لأنهم يبعدون عن مواضع الرجال، ولا يكادون يختلطون بهم، فصار بنا ضرورة إلى حفظ ذلك عليهم، كما كان بنا ضرورة إلى حفظ الدماء والاحتياط عليها، فأجيزت القسامة فيها، ولم تجز في الأموال؛ لأن القاتل يطلب موضعًا لا يحضره الناس، وكذلك جازت شهادة النساء منفردات فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال، وكذلك [جازت] (٧) شهادة

стр. 491

الصبيان فيما لا يحضره الرجال. تنبيه: فإن قيل فأجز (١) شهادة الفساق والشُّرَّاب إذا تجارجوا وتقاتلوا؛ لأن العدول لا يحضرون ذلك، قيل: ليس [بنا حاجة إلى حفظ دمائهم وجراحهم (٢)، بل قد نهوا أن يجتمعوا ويفعلوا] (٣) مثل ذلك، فلم يجز أن يجروا مجرى الصبيان الذين قد أمرنا بتعليمهم وجمعهم لما ذكرناه. ٧٥٩ - وإنما قال أشهب (٤) بقبولها في الجراح دون القتل؛ لأن القتل أعظم من الجراح، بدليل أن القسامة فيه دون الجراح، وشهادة الصبيان ضعيفة فوجب قصرها عنده على أضعف الأمرين. ٧٦٠ - وإنما لا تجوز شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال مثل الحمام والعرس والمآتم (٥)، وتجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما لا يحضره الكبار؛ لأن قبول شهادة الصبيان فيما ذكر عل خلاف الأصل، فلا يصح القياس عليه في شهادة النساء. ٧٦١ - وإنما اختصت الشهادة في الزنى بأربعة شهداء، وفي غيره مما ليس بمال ولا آئث إليه بشاهدين؛ لأن القاذف لا ضرورة به إلى القذف فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر عليه غالبًا فيحد (٦) فيكون ردعًا له عن (٧) معاودة القذف ودفعًا للمعرة عن (٨) المقذوف وأيضًا الإِنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، فلما لم يكن على الشهود بالزنى القيام بشهادتهم فقاموا بذلك من غير أن يجب عليهم وتركوا ما أمروا به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترًا من الله على عباده. وأيضًا الزنى بمنزلة فعلين؛ لأن الزنا منه ومنها، منه الفعل

стр. 492

ومنها التمكين، فاحتاج كل فعل إلى شاهدين، وفي هذا نظر، لأنه يلزم مثله في كل ما يكون من اثنين. وأحسنها الثاني، والله أعلم. ٧٦٢ - وإنما قال ابن القاسم (١)؛ إذا لم يعرف الشهود بالحرية فهم عليها حتى يثبت الرق، وإذا لم يعرفوا بالعدالة فهم على غيرها حتى يزكوا؛ لأن أصل الناس الحرية من آدم وحواء، والغالب أيضًا الحرية وليس كذلك العدالة لكثرة ما أحدث الناس من الفساد. ٧٦٣ - وإنما قال [مالك] (٢) فيمن سمع شاهدين يخبران أن رجلًا بعينه أقر عندهما بحق لغيره، وأشهدهما على نفسه بذلك لا يجوز لهما أن يشهدا (٣) على شهادة الشاهدين المخبرين إلَّا أن يكونا أشهداهما على شهادتهما، بخلاف الإِقرار بالحقوق فإنهما يشهدان بما سمعا من ذلك؛ لأن الشاهدين ولو سمعاهما (٤) يذكران ذلك فيحتمل أن يكون ذلك الرجل قد قضى ما عليه، وأشهدهما أيضًا بالدفع، أو أشهد غيرهما أو قاصة بدين كان له عليه، فلما احتمل ذلك لم يشهدا إلَّا أن يشهداهما (٥) على أنفسهما بأن يقولا لهما: أشهدا علينا أن فلانًا أقر عندنا لفلان بكذا، وأما الإقرار بالحقوق فإنهما إذا سمعا رجلًا يقر بحق من الحقوق (عليه) (٦) واستوفيا الإِقرار (٧) بكونه يقول: لفلان قبلي كذا، فقضيته منه (كذا) (٨)، وبقي على (٩) منه كذا، فشهادتهما تقبل (١٠) في ذلك، وفيها (١١) (خلاف) (١٢). وأيضًا المقر بحق الغير لا يجوز له

стр. 493

الرجوع عنه، والشاهد يجوز له الرجوع عن شهادته، فلذلك (١) افترقا، (والله أعلم) (٢). ٧٦٤ - وإنما لم يجز للشاهد أن ينقل عن الشاهد ويشهد على شهادته حتى يقول (٣) له اشهد على شهادتي، وجاز له أن يشهد (٤) على حكم الحاكم وإن لم يشهده إذا علم ذلك؛ لأن الحاكم لما كان لا يشهد على حكمه وجب أن يشهد بذلك غيره، والشاهد لما كان يشهد (بما يشهد به) (٥) لم يشهد (٦) غيره على تلك الشهادة؛ لأنها يقوم (بها) (٧) من شهد بها (٨). ٧٦٥ - وإنما قال عبد الملك بن الماجشون لا شيء على الشهود إذا غلطوا، وعليهم الغرم إذا كذبوا واعترفوا بالزور؛ (لأن الحكم إنما يناط بالمباشرة دون المتسبب فتعمد (٩) الكذب كالمباشرة، بخلاف مدعي الغلط فإنما فعل ما يجوز له فعله، والإِنسان محل الغلط والنسيان، وغايته أنه غرر بالقول) (٥) والغار (١٠) (بالقول) (٥) لا يلزمه شيء. ٧٦٦ - وإنما قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن حبيب أنه لا يقبل في حكم القاضي أنه حكم لفلان بكذا إلَّا بشاهدين، ولا يقبل شاهد ويمين، وإن كان الحق المحكوم فيه مالًا، وقال ابن القاسم إذا أقامت المرأة شاهدًا واحدًا على النكاح بعد الموت فإنها تحلف (معه) (٥) وترث، والجامع بينهما أن كل واحد منهما شهادة (١١) على ما ليس بمال وهو آئل (١٢) إلى المال؛ لأن (١٣) إثبات

стр. 494

المال بنكول المطلوب من الممكن؟ إذ للمدعي استحلاف المطلوب على رد شهادة الشاهد بالحكم، فإن نكل لزمه الغرم بلا يمين، ولا كذلك النكاح فإن الضرورة فيه داعية إلى القبول. قاله في التوضيح. ٧٦٧ - وإنما ضمنوا الشاهد ما أتلف بشهادته، مع أنه متسبب، ولم يضمنوا القاضي، مع أنه مباشر، لأن المصلحة العامة اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطأوا فيه؛ لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار (١) في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحاكم، فكان الشاهد بالضمان أولى (٢)؛ لأنه مدخل للحاكم في الإلزام والتنفيذ، وكما (٣) قيل: الحاكم أمير الشاهد. ٧٦٨ - وإنما قالوا إذا نسي شهود الأصل (أصل) (٤) الشهادة بطلت شهادة الفرع، وقالوا (٥) في المخبر إذا نسي الخبر أنه يروى عنه ما (نسي) (٦)، لأن الراوي ليس بفرع للمروي عنه، فلم يفتقر في ذلك إلى ثبوته، وشهادة الفرع لا تثبت إلَّا بثبوت شهادة الأصل، لأنها فرع عنها. وأيضًا المخبر لما (٧) جاز له أن يخبر بالخبر بمحضر المروى عنه جاز للناقل عنه أن يخبر بذلك، وإن كان قد نسيه المخبر، ولما لم يكن لشاهد الفرع أن يشهد مع حضور شاهد الأصل لم يجز له أن يشهد و (بما نقل عنه في حال نسيان الأصل فلذلك افترقنا. ٧٦٩ - وإنما قالوا إذا شهد شاهدان) (٨) على رجل بعتق عبده فردت شهادتهما لا يجوز لواحد منهما أن يملك العبد، فإن ملكه عتق عليه، وإذا أعتق المفلس عبدًا له فرد الغرماء عتقه فإنه (٩) (إن) (٤) اشتراه بعد لم يلزمه فيه عتق، مع أن العتق في الجميع لم يمضِ؛ لأن عتق المفلس قد بطل ببيع

стр. 495

السلطان، وبعد حكمه لم يلزمه عتق (ما أعتق) (١) إن عاد إليه؛ لأن ذلك العتق قد بطل، بخلاف الشهود، فإن العتق المشهود به لم يبطل عندهم، لأنهم يعتقدون أن ذلك العبد صار حرًّا، وأن تملكه لا يجوز، ويعتقدون أن الحاكم تحامل عليهم في ذلك، وفي المسألة خلاف. ٧٧٠ - وإنما قالوا: إذا قال أحد الخصمين: رضيت بما يشهد به على فلان وفلان، فما شهدا به هو الحق، كان له أن يرجع عن ذلك بعد شهادتهما، ولا يلزمه ما شهدا به، وإذا قال: رضيت يمينك لم يكن له أن يرجع عن ذلك، وقد لزمه الحق متى (٢) حلف خصمه، وفي كلا الموضعين فهو (٣) رضي بما يكون من جهة الغير؛ لأن للأول أن يقول: إنما رضيت بشهادتهما؛ لأني ظنت أنهما لا يشهدان إلَّا بحق، وأما الباطل فلا أرضى به، فحجته بهذا صحيحة، وليس كذلك في اليمين؛ لأنه لا يدعي هذا المعنى فيها، ولأن اليمين إن كانت في جهة المدعي عليه، فقال للمدعي: (٤): أحلف، فإن ذلك نكول منه عن اليمين، فلم يكن له الرجوع عن ذلك؛ لأن بنكوله ترتبت اليمين في جهة خصمه، وإن كانت اليمين في جهة المدعي فقال للمدعي عليه: أحلف، فقد نكل عن اليمين فيكون كما قلنا في الذي قبله، وليس رضاه بالشهادة بنكول منه عن شيء وجب عليه فافترقا. ٧٧١ - وإنما قالوا: إذا قيل للرجل أترضى بشهادة فلان فرضي، فلما (٥) شهد عليه سخط أن ذلك ينفعه رجوعه، وإن حكَّما رجلًا بحكم ثم سخط لم يقبل قوله؛ لأن الحكم اجتهاد قد يصل إلى القطع بخطئه (٦)، بخلاف الذي رضي بشهادة رجل فيرجع عن رضاه بعد الشهادة، لأنه يدعي كذبه ويقطع [به] (٧)، بخلاف
следующие страницы →