← Каваид фикха

Каваид фикха · id 20588

عدة البروق في جمع ما في المذهب من الجموع والفروق

الونشريسي

Полный текст (717 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الصبيان فيما لا يحضره الرجال. تنبيه: فإن قيل فأجز (١) شهادة الفساق والشُّرَّاب إذا تجارجوا وتقاتلوا؛ لأن العدول لا يحضرون ذلك، قيل: ليس [بنا حاجة إلى حفظ دمائهم وجراحهم (٢)، بل قد نهوا أن يجتمعوا ويفعلوا] (٣) مثل ذلك، فلم يجز أن يجروا مجرى الصبيان الذين قد أمرنا بتعليمهم وجمعهم لما ذكرناه. ٧٥٩ - وإنما قال أشهب (٤) بقبولها في الجراح دون القتل؛ لأن القتل أعظم من الجراح، بدليل أن القسامة فيه دون الجراح، وشهادة الصبيان ضعيفة فوجب قصرها عنده على أضعف الأمرين. ٧٦٠ - وإنما لا تجوز شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال مثل الحمام والعرس والمآتم (٥)، وتجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما لا يحضره الكبار؛ لأن قبول شهادة الصبيان فيما ذكر عل خلاف الأصل، فلا يصح القياس عليه في شهادة النساء. ٧٦١ - وإنما اختصت الشهادة في الزنى بأربعة شهداء، وفي غيره مما ليس بمال ولا آئث إليه بشاهدين؛ لأن القاذف لا ضرورة به إلى القذف فغلظ عليه في ذلك بزيادة عدد الشهود ليتعذر عليه غالبًا فيحد (٦) فيكون ردعًا له عن (٧) معاودة القذف ودفعًا للمعرة عن (٨) المقذوف وأيضًا الإِنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، فلما لم يكن على الشهود بالزنى القيام بشهادتهم فقاموا بذلك من غير أن يجب عليهم وتركوا ما أمروا به من الستر غلظ عليهم في ذلك سترًا من الله على عباده. وأيضًا الزنى بمنزلة فعلين؛ لأن الزنا منه ومنها، منه الفعل

стр. 492

ومنها التمكين، فاحتاج كل فعل إلى شاهدين، وفي هذا نظر، لأنه يلزم مثله في كل ما يكون من اثنين. وأحسنها الثاني، والله أعلم. ٧٦٢ - وإنما قال ابن القاسم (١)؛ إذا لم يعرف الشهود بالحرية فهم عليها حتى يثبت الرق، وإذا لم يعرفوا بالعدالة فهم على غيرها حتى يزكوا؛ لأن أصل الناس الحرية من آدم وحواء، والغالب أيضًا الحرية وليس كذلك العدالة لكثرة ما أحدث الناس من الفساد. ٧٦٣ - وإنما قال [مالك] (٢) فيمن سمع شاهدين يخبران أن رجلًا بعينه أقر عندهما بحق لغيره، وأشهدهما على نفسه بذلك لا يجوز لهما أن يشهدا (٣) على شهادة الشاهدين المخبرين إلَّا أن يكونا أشهداهما على شهادتهما، بخلاف الإِقرار بالحقوق فإنهما يشهدان بما سمعا من ذلك؛ لأن الشاهدين ولو سمعاهما (٤) يذكران ذلك فيحتمل أن يكون ذلك الرجل قد قضى ما عليه، وأشهدهما أيضًا بالدفع، أو أشهد غيرهما أو قاصة بدين كان له عليه، فلما احتمل ذلك لم يشهدا إلَّا أن يشهداهما (٥) على أنفسهما بأن يقولا لهما: أشهدا علينا أن فلانًا أقر عندنا لفلان بكذا، وأما الإقرار بالحقوق فإنهما إذا سمعا رجلًا يقر بحق من الحقوق (عليه) (٦) واستوفيا الإِقرار (٧) بكونه يقول: لفلان قبلي كذا، فقضيته منه (كذا) (٨)، وبقي على (٩) منه كذا، فشهادتهما تقبل (١٠) في ذلك، وفيها (١١) (خلاف) (١٢). وأيضًا المقر بحق الغير لا يجوز له

стр. 493

الرجوع عنه، والشاهد يجوز له الرجوع عن شهادته، فلذلك (١) افترقا، (والله أعلم) (٢). ٧٦٤ - وإنما لم يجز للشاهد أن ينقل عن الشاهد ويشهد على شهادته حتى يقول (٣) له اشهد على شهادتي، وجاز له أن يشهد (٤) على حكم الحاكم وإن لم يشهده إذا علم ذلك؛ لأن الحاكم لما كان لا يشهد على حكمه وجب أن يشهد بذلك غيره، والشاهد لما كان يشهد (بما يشهد به) (٥) لم يشهد (٦) غيره على تلك الشهادة؛ لأنها يقوم (بها) (٧) من شهد بها (٨). ٧٦٥ - وإنما قال عبد الملك بن الماجشون لا شيء على الشهود إذا غلطوا، وعليهم الغرم إذا كذبوا واعترفوا بالزور؛ (لأن الحكم إنما يناط بالمباشرة دون المتسبب فتعمد (٩) الكذب كالمباشرة، بخلاف مدعي الغلط فإنما فعل ما يجوز له فعله، والإِنسان محل الغلط والنسيان، وغايته أنه غرر بالقول) (٥) والغار (١٠) (بالقول) (٥) لا يلزمه شيء. ٧٦٦ - وإنما قال ابن القاسم وابن الماجشون وابن حبيب أنه لا يقبل في حكم القاضي أنه حكم لفلان بكذا إلَّا بشاهدين، ولا يقبل شاهد ويمين، وإن كان الحق المحكوم فيه مالًا، وقال ابن القاسم إذا أقامت المرأة شاهدًا واحدًا على النكاح بعد الموت فإنها تحلف (معه) (٥) وترث، والجامع بينهما أن كل واحد منهما شهادة (١١) على ما ليس بمال وهو آئل (١٢) إلى المال؛ لأن (١٣) إثبات

стр. 494

المال بنكول المطلوب من الممكن؟ إذ للمدعي استحلاف المطلوب على رد شهادة الشاهد بالحكم، فإن نكل لزمه الغرم بلا يمين، ولا كذلك النكاح فإن الضرورة فيه داعية إلى القبول. قاله في التوضيح. ٧٦٧ - وإنما ضمنوا الشاهد ما أتلف بشهادته، مع أنه متسبب، ولم يضمنوا القاضي، مع أنه مباشر، لأن المصلحة العامة اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطأوا فيه؛ لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار (١) في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحاكم، فكان الشاهد بالضمان أولى (٢)؛ لأنه مدخل للحاكم في الإلزام والتنفيذ، وكما (٣) قيل: الحاكم أمير الشاهد. ٧٦٨ - وإنما قالوا إذا نسي شهود الأصل (أصل) (٤) الشهادة بطلت شهادة الفرع، وقالوا (٥) في المخبر إذا نسي الخبر أنه يروى عنه ما (نسي) (٦)، لأن الراوي ليس بفرع للمروي عنه، فلم يفتقر في ذلك إلى ثبوته، وشهادة الفرع لا تثبت إلَّا بثبوت شهادة الأصل، لأنها فرع عنها. وأيضًا المخبر لما (٧) جاز له أن يخبر بالخبر بمحضر المروى عنه جاز للناقل عنه أن يخبر بذلك، وإن كان قد نسيه المخبر، ولما لم يكن لشاهد الفرع أن يشهد مع حضور شاهد الأصل لم يجز له أن يشهد و (بما نقل عنه في حال نسيان الأصل فلذلك افترقنا. ٧٦٩ - وإنما قالوا إذا شهد شاهدان) (٨) على رجل بعتق عبده فردت شهادتهما لا يجوز لواحد منهما أن يملك العبد، فإن ملكه عتق عليه، وإذا أعتق المفلس عبدًا له فرد الغرماء عتقه فإنه (٩) (إن) (٤) اشتراه بعد لم يلزمه فيه عتق، مع أن العتق في الجميع لم يمضِ؛ لأن عتق المفلس قد بطل ببيع

стр. 495

السلطان، وبعد حكمه لم يلزمه عتق (ما أعتق) (١) إن عاد إليه؛ لأن ذلك العتق قد بطل، بخلاف الشهود، فإن العتق المشهود به لم يبطل عندهم، لأنهم يعتقدون أن ذلك العبد صار حرًّا، وأن تملكه لا يجوز، ويعتقدون أن الحاكم تحامل عليهم في ذلك، وفي المسألة خلاف. ٧٧٠ - وإنما قالوا: إذا قال أحد الخصمين: رضيت بما يشهد به على فلان وفلان، فما شهدا به هو الحق، كان له أن يرجع عن ذلك بعد شهادتهما، ولا يلزمه ما شهدا به، وإذا قال: رضيت يمينك لم يكن له أن يرجع عن ذلك، وقد لزمه الحق متى (٢) حلف خصمه، وفي كلا الموضعين فهو (٣) رضي بما يكون من جهة الغير؛ لأن للأول أن يقول: إنما رضيت بشهادتهما؛ لأني ظنت أنهما لا يشهدان إلَّا بحق، وأما الباطل فلا أرضى به، فحجته بهذا صحيحة، وليس كذلك في اليمين؛ لأنه لا يدعي هذا المعنى فيها، ولأن اليمين إن كانت في جهة المدعي عليه، فقال للمدعي: (٤): أحلف، فإن ذلك نكول منه عن اليمين، فلم يكن له الرجوع عن ذلك؛ لأن بنكوله ترتبت اليمين في جهة خصمه، وإن كانت اليمين في جهة المدعي فقال للمدعي عليه: أحلف، فقد نكل عن اليمين فيكون كما قلنا في الذي قبله، وليس رضاه بالشهادة بنكول منه عن شيء وجب عليه فافترقا. ٧٧١ - وإنما قالوا: إذا قيل للرجل أترضى بشهادة فلان فرضي، فلما (٥) شهد عليه سخط أن ذلك ينفعه رجوعه، وإن حكَّما رجلًا بحكم ثم سخط لم يقبل قوله؛ لأن الحكم اجتهاد قد يصل إلى القطع بخطئه (٦)، بخلاف الذي رضي بشهادة رجل فيرجع عن رضاه بعد الشهادة، لأنه يدعي كذبه ويقطع [به] (٧)، بخلاف

стр. 496

ما شهد به، ولأنه يقول ظننت أنه يشهد بالحق، والآن شهد بغيره (١). ٧٧٢ - وإنما يقضي بأعدل البينتين في البيع، ولا يقضى به في النكاح؛ لأن زيادة العدالة تتنزل منزلة شاهد واحد، والشاهد الواحد لا يقضي به مع اليمين، في النكاح، بخلاف البيع. ٧٧٣ - وإنما قال في المدونة (٢): إذا شهد شاهد على معاينة الغصب، وآخر على إقرار (٣) الغاصب أنه غصبه تمت الشهادة، وإذا شهد شاهد على قتل خطأ، وشهد آخر على إقراره بقتل خطأ (٤) لا تلفق الشهاد، مع أن الجميع مال؛ لأن المقر في الخطأ مقر بشاهد (٥) على غيره، فلذلك لم تلفق فيه الشهادة، فكأن هذا الشاهد على الإقرار نقل بعض الشهادة، ولا كذلك في (٦) الغصب، وفي معناه قتل العمد، فلذلك افترقا، (والله أعلم) (٧). ٧٧٤ - وإنما اختلف القول في التحليف مع شاهدين شهدا على خط (٨) المقر، ولم يقل أحد من فقهاء الأمصار سوى ابن أبي ليلى (٩) بالتحليف مع شاهدين عدلين شهدا في الحقوق إلَّا في مسائل شذت (١٠)؛ لأن خط المقر أقيم مقام شاهد عليه؛ لأن الشاهدين على خطه لم يشهدا على لفظه، وإنما شهدا بما

стр. 497

يدل على لفظه، فصار خطه كشاهد قام عليه، فنقل عنه [هذه الشهادة شاهدان، فلا بد من اليمين لأجل المنقول عنه] (١)، الذي هو كشاهد واحد، وهو خطه. تنبيه: قال الإِمام أبو عبد الله المازري ﵀: ولأجل هذا التعليل ذكر ابن الجلاب (٢) خلافًا في قبول شاهد واحد على هذا الخط؛ لأنا إذا جعلنا خط المقر على نفسه قائمًا (٣) مقام شاهد شهد على لفظه فإنه لا يقبل [نقل] (٤) شاهد واحد عن (٥) شاهد واحد، وإن قلنا إن خطه كلفظه فشاهد واحد مع اليمين معه يقضي به عليه. ٧٧٥ - وإنما قال مالك: إذا شهد بالملك واحد لم يقضي للمدعي بما شهد له به حتى يحلف مع سشهادته، ولا يقتصر في اليمين على شهادته بأنه (٦) صدق [فيما شهد به] (٧) إلَّا أن يضيف إلى ذلك ما باع ولا وهب، وإذا انفرد الشاهد الواحد في الغصب فإنه يحلف المدعي بأنه صدق في شهادته، ولا يلزمه أن يضيف إلى هذا (٨) أنه ما باع ولا وهب؛ لأن الشاهد إنما شهد بالحق، وكون الشيء المغصوب بيد المدعي فأخذه المدعى عليه من يده بغير اختياره، وهذا لا يتضمن الشهادة بالملك؛ لأن رؤية الشيء بيد من هو بيده زمنًا قليلًا لا يدل على أنه مالكه، وإنما يدل على أنه مالكه طول السنين الكثيرة، ولم يدع مدع في هذا الذي حازه الحائز، ولا نوزع في ذلك وشاهد تصرفه (٩) فيه تصرف المالك، ويسمع دعواه أنه لنفسه وملك له، ولا أحد ينكر ذلك.

стр. 498

٧٧٦ - وإنما كان زيادة قوله في الاستحقاق: لا يعلمونه باع ولا وهب ولا فوت شيئًا شرط كمال في وثيقة [الحي، وشرط صحة في وثيقة الميت؛ لأن حلف الورثة على العلم في وثيقة] (١) الميت، وحلف الحي على البت والقطع، فلذلك افترقا. ٧٧٧ - وإنما قالوا في الشاهد إذا عرف خطه (٢) ولم يذكر الشهادة أنه إن كانت في كاغد لم يشهد، وإن كانت في رق شهد؛ لأن الرق مما (٣) يعرف بعينه بعد الغيبة عليه، ولا كذلك الكاغد غالبًا. ٧٧٨ - وإنما قال ابن رشد (٤) إذا كانت في بطن [الرق] (٥) يجوز له أن يشهد، وإن لم يذكر الموطن، وإن كانت في ظهره لم يجز؛ لأن البشر (٦) في ظهر (٧) الرق أخفى منه في بطنه. ٧٧٩ - وإنما قال سحنون: إذا كان هو الذي كتب الكتاب وكتب شهادته جاز، وإن كان كتب شهادته فقط، فلا يجوز له أن يشهد حتى يذكر؛ لأن (٨) لكون الوثيقة بخطه من نفي الشكوك في كون شهادته بخطه ما ليس لمجرد كون الشهادة فقط بخطه؛ لأن محاكاة الكاتب (٩) خط غيره في القليل تحصل، ولا تحصل له في الكثير. قال ابن عرفة، ﵀: والعلم بذلك كالضروري (١٠). وأيضًا إذا لم تكن الوثيقة كلها بخطه، فقد يتحيل بإلصاق محل شهادة الشاهد بمكتوب غير ما شهد به. قال ابن عرفة ﵀: وأخبرنا شيخنا أبو عبد الله بن [سلمة (١١) ﵀ في هذا المعنى عن بعض

стр. 499

مشاهير عدول تونس، وهو أبو عبد الله بن] (١) العواد، (٢)، كانت له دراية (٣) بفقه الوثيقة وكتبها، أتاه طالب بوثيقة بمال له بال على رجل (٤) أنكره وأنكر الشهادة به عليه (٥)، فطلب منه رفع شهادته في الوثيقة فنظرها فتحقق (٦) أنها شهادته بخطه، وتذكر موطنها وأنه شهد على ذلك الرجل، وكان ممن لا يجهل، فلم يذكر ذلك وعرضت له حيرة (٧) بتعارض (٨) حالتي (٩) تيقنه خطه، وتيقنه عدم تقدم شهادته على الرجل المذكور (١٠)؛ فكانت الوثيقة بيده، وهو يتأمل ويتذكر في بيته، فعرضت له حاجة أخرجته من بيته، وهي في يده، فاتفق أن نظرها، ويده بها مرفوعة أعلى وجهه، وهو في ضوء الشمس، فوقع بصره على شبهة في كاغد الوثيقة، فتأمله لضوء الشمس، فوجد محل شهادته في الكاغد ألصق إلصاقًا خفيًّا (١١) بكاغد كتب فيه ذكر (١٢) الحق على المطلوب، فانكشف غمه (١٣)، وفطن دافع الوثيقة

стр. 500

[له] (١) ففر (٢)، انتهى. قلت: ونزلت مثلها حرفًا حرفًا سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، وذلك أن بعض عدول تازا (٣) قدم حاضرة فاس، واستصحب معه رسومًا بحقوق شتى، أكثرها بخطه، ثم أخذ شهادات شهود بلده وخطاب قاضيهم أبي يوسف يعقوب التسولي الشهير بابن المعلم (٤)، ﵀، فاقتطعها (٥) من رسوم (٦) غيرها فألصقها إلصاقًا خفيًّا بتلك الرسوم المفتعلة، ونسخها بحضرة فاس المحروسة، وأراد تسجيلها على صاحبها قاضي الجماعة بفاس أبي عبد الله بن علال (٧) أعزه الله، فلما شرع في مقابلتها مع بعض عدول (٨) الحضرة الكريمة، بعد إعمال قاضي الجماعة (٩) المذكور لما ثبت من أصول النسخ عند قاضي تازا (٣) تفطنوا (١٠) لذلك اللصق (١١) فطالعوا به قاضي الجماعة، فلما استشعر ذلك التازي المذكور، فر إلى

стр. 501

بلد دبدوا (١)، يستجير بصاحبها الشيخ أبي عبد الله بن حموا (٢)، أسأل (٣) الله العافية في الدين والدنيا والآخرة. ٧٨٠ - وإنما قال في كتاب ابن سحنون: لو رجعا عن شهادتهما في امرأة ورجل أنهما لفلان، وهما يجحدان ذلك، بعد القضاء بذلك، وأقرا (٤) بالزور فلا ضمان في ذلك، وقالوا فيمن باع حرًّا (٥) فعليه طلبه حتى يرده، فإن عجز عن رده غرم ديته (٦) (لورثته) (٧)، وفي كلا الموضعين قد أتلف حرًّا (٨)، لأن تسبب (٩) الشاهدين في رقه أضعف من تسبب البائع في رقه، لاستقلال (١٠) بائعه برقه وعدم استقلال الشاهدين برقه، لمشاركة مدعي رقه لهما في ذلك. قاله ابن عرفة ﵀ (١١). ٧٨١ - وإنما قال ابن عبد الحكم: إن شهدا (١٢) على رجل أنه أقر لفلان وفلان بمائة دينار، ثم رجعا بعد القضاء، وقالا إنما شهدنا بها لأحدهما وعيناه، رجع المقضي عليه بالمئة بخمسين عليهما، ولا تقبل شهادتهما للآخر بكل المائة لجرحتهما (١٣) برجوعهما، ولا يغرمان (١٤) له [شيئًا] (١٥)، وعذروهما (١٦) بالنسيان،

стр. 502

واختلفوا في ضمان المودع بالنسيان وضمنوا من أقر بثوب لزيد، ثم أقر به لعمرو، ولم يعذروه بالنسيان، لأن الشاهد قد يكثر تحمله (١) للشهادة، فلو ضمن بالنسيان كان عليه ضررًا عظيمًا (٢)، ولو أقر بتعمد الزور لا نبغي أن يتفق على تضمينه قاله ابن عبد السلام. تنبيه: تعقب ابن عرفة ﵀ هذا الفرق فقال قوله: وعذروهما بالنسيان (يريد بأن النسيان) (٣) في هذا الباب عند الفقهاء إنما هو عدم ذكر الإِنسان ما كان ذاكرًا، كمودع شيئين لرجلين، ثم لا يذكر (٤) ما لإِحدهما منهما بعينه، لا فعل ما يعتقد جوازه أو قوله، وهو في الواقع غير جائز؛ لأن هذا إنما يعبر عنه بالخطأ الذي هو في أموال الناس كالعمد، ومن البين أن الصادر من الشاهدين في هذه المسألة إنما هو المعنى الثاني، لا الأول، وإنما أوجب (٥) عدم تضمينهما ما قاله ابن عبد الحكم، وهو صواب، فتأمله. وقوله: فلو ضمن بالنسيان كان ضررًا عظيمًا مقابل بأن عدم تضمينه ضرر بالمشهود عليه، وهو غير مفرط، والشاهد هو المفرط، فكان أولى بالخسارة. وقوله [لو] (٦) أقر بتعمد الزور لا نبغي (٧) أن يتفق على تضمينه فيه نظر؛ لأن مقتضي قول ابن عبد الحكم لا يغرمان (٨) له شيئًا؛ لأنه إن كان له حق فقد بقي على من (٩) هو عليه أن تعمدهما (١٠) الزور وعدمه سواء. ٧٨٢ - إنما رجّح أئمة المذهب إحدى البيّنتين عند التعارض بالأعدلية، ولم يرجحوا

стр. 503

بالأكثرية (١)، لأن المقصود من (٢) القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أشد في التعذر من مزيد [العدد، لأن كلا من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود ولا يمكنه مزيد] (٣) العدالة. قاله القرافي (٤) ﵀ (٥). وأيضًا الشارع لما قيّد شهادة الزنى بأربعة والطلاق باثنين (٦)، وقبل (٧) في المال الواحد مع اليمين دل على أن لا تأثير للعدد. قاله المازري ﵀ (٥). وأيضًا ما به الترجيح في الأعدلية هو وصف حاصل فيما وجب الحكم به، (وهو الشاهدان اللذان يجب الإِعذار فيهما للمحكوم عليه، والكثرة وصف خارج عما وجب الحكم به) (٥). قال ابن عرفة ﵀ (٣). وهو محصول قول الشرمساحي (٨) في شرح المدوّنة: العدالة وصف داخل في نصاب الشهادة، والعدد، وصف خارج عن النصاب. تنبيه: تعقّب ابن عبد السلام ﵀ فرق القرافي بقوله زيادة العدد [إنما هي معتبرة بقيد العدالة، ولا نسلم أن زيادة العدد] (٩) بهذا القيد سهلة، وتقرر في علم الأصول أن الوصف مهما كان أدخل تحت الأنضباط (١٠) وأبعد

стр. 504

عن النقض (١) والكسر (٢) كان أرجح، وزيادة العدد منضبط محسوس (٣)، لا يختلف، والعدالة مركّبة من قيود، فضبط الزيادة [فيها] (٤) متعذر أو متعسر، فلا ينبغي أن تعتبر في الترجيح، ورد عليه تلميذه ابن عرفة، ﵀، [قال] (٤): رده (٥) أولًا بقوله لا نسلم [أن] (٦) زيادة العدد بهذا القيد سهلة يردّ بأن القرافي لم يتمسك بأنها سهلة، بل بأنها ممكنة غير ممتنعة وكونها ليست سهلة لا يمنع إمكانها عادة، وقوله ضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر (٧)، [فردّه] (٨) بمنع يذلك، فإنا (٩) نعلم بالضرورة في شهود شيوخنا وأمثالنا من هو

стр. 505

أعدل من غيره (١) منهم. ٧٨٣ - وإنما قال في كتاب محمد في الشاهدين يشهدان بدين لهما فيه شيء يسير تمضي شهادتهما في حقهما وحق (٢) غيرهما كالوصية، وإذا شهد بعض العاقلة بفسق شهود القتل، فقالوا ترد شهادتهم مع أن الفقير لا يلزمه شيء، والمقدار الذي يلزم الغني أداؤه يسير جدًّا، فلا تهمة أو تضعف؛ لأن في الدين ضرورة ليست في التجريح (٣)؛ لأن متعلق الشهادة في التجريح (٣) وهي الجرحة باق، وهو (٤) متيسير تحصيله ببينة أخرى، ومتعلق الشهادة بالدين، وهو عمارة الذمة، متعسر، لفوته (٥) بفوت وقته. قاله ابن عرفة ﵀. ٧٨٤ - وإنما أجاز في المدونة (٦) لشهود الزنى تعمد النظر إلى عورة الفاعلين لتحمل الشهادة ولم يجز في اختلاف الزوجين في عيوب الفرج نظر النساء إليه ليشهدن بما رأين من ذلك، وكذا إذا اختلف في الإِصابة (٧)، وهي بكر، قال: (٨) تصدق ولا ينظر النساء إليها؛ لأن طرق الحكم في الزنى هنا (٩) منحصرة في الشهادة ولا تقبل إلَّا بصفتها الخاصة، وطرق الحكم في تلك الصور غير منحصرة في الشهادة، بل لها غير ذلك من الوجوه التي ذكرها الفقهاء في محلها، فلا ينبغي أن يرتكب محرم، وهو النظر إلى الفرج من غير ضرورة. قاله ابن عبد السلام. تنبيه: تعقّب ابن عرفة، ﵀، فرق شيخه هذا بقوله يرد بأن صورة النقض إنما هي إذا لم يكن إثبات العيب إلَّا بالنظر، قال: وكان يجري لنا

стр. 506

الجواب بثلاثة أوجه: الأول: أن الحد حق لله (١)، وثبوت العيب حق لآدمي، وحق الله أقوى لقولها فيمن سرق وقطع يمين رجل عمدًا يقطع للسرقة ويسقط القصاص. الثاني: ما لأجله النظر، وهو الزنى، محقق الوجود أو واضحه، وثبوت (٢) العيب محتمل [على] (٣) السوية (٤). الثالث: المنظور إليه في الزنا إنما هو مغيب الحشفة، ولا يستلزم ذلك من الإِحاطة بالنظر إلى الفرج ما يستلزمه النظر للعيب. ٧٨٥ - وإنما قال مالك يقضي بالشاهد واليمين في الجراح، ولا يقضي به في غيرها من الحقوق البدنية؛ لأن الجراح لو جعل القصاص فيها بخلاف الأموال وأن لا يحكم فيها بالشاهد واليمين [لأدى ذلك إلى الإِجتراء على الدماء، فإذا علم أنه يقتص منه بالشاهد واليمين] (٥) كان ذلك إنكفافًا وزجرًا. تنبيه: نقل القرافي ﵀ (٥) أن مالكًا علل القضاء بالشاهد واليمين في القصاص (في) (٦) جراح (٧) العمد بأنه (٨) يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال (٩)، واستشكله هو بأنه ألغي الأصل واعتبر الطوارئ البعيدة، وذلك (١٠) لازم له في النفس أيضًا، وهو خلاف الإِجماع، ويشكل (١١) أيضًا من حيث أنه لم يقل بذلك (١٢) في الأحباس (١٣)، مع أنها منافع، ولا في الولاء

стр. 507

ومآله إلى الإِرث وغير ذلك مما مآله إلى المال. ٧٨٦ - وإنما قال في المدونة (١): إن شهد على رجل شاهد أنه سرق متاع فلان أنه يحلف صاحب المتاع ويستحقه، ولا يعاقب الشاهد إن كان عدلًا، وقال فيمن شهد على رجل أنه شرب الخمر إن لم يأت بمن يشهد (٢) معه ينكل، فجعل العدل في هذه ينكل، وفي تلك لا ينكل، لأن المشهود به في مسألة الشرب متحد؛ لأنها شهادة بحد لا غير، وفي مسألة السرقة المشهود به تعدد، لأنها شهادة بمال وبحد (٣)، إذ قد يأتي من يستحق ذلك المال فانصرفت الشهادة إلى المال. ٧٨٧ - وإنما وجب الغرم في يمين التهمة بمجرد النكول عنها ولا يجب في يمين التحقيق إلا بعد يمين المدعي؛ لأن المتهم لغيره لا حقيقة عنده بباطن الأمر، والإِنسان ممنوع أن يحلف على ما لا (٤) يعلم صدقه في يمينه. ٧٨٨ - وإنما قال في الموازية في الصغير الذي لم يعاين ما شهد (٥) له به الشاهد ولا علمه ضرورة إن لم يعلم ذلك إلا من قول الشاهد وغلب على ظنه صدقه بخبره أو غير ذلك لا يباح له اليمين بذلك حتى يتقين، وأباحوا (٦) له التصرف في مال شهد له به شاهدان بأنه لأبيه؛ لأن (٧) التصرف في الأموال ورد من الشرع التعويل فيه على الظن للضرورة إلى ذلك، ولو وقف ذلك على اليقين لأدى إلى ضرر عظيم، وأما تعليق التكليف بتعظيم اسم الله (تعالى) (٨) والقسم به بيمين الصدق، فلا يلحق به ضرر عام. قاله المازري (رحمه الله تعالى) (٩).

стр. 508

٧٨٩ - وإنما قال في الموازية في [المريض] (١) إذا قال عند احتضاره لي على فلان مائة دينار، ثم مات أن المدعى عليه يحلف، ولا تراعي الخلطة في يمينه، ولا يحلف في غيرها إلا (٢) بإِثبات الخلطة؛ لأن المريض يعتقد أنه منتقل إلى الآخرة فتبعد التهمة في أن يدعي محالًا، فتسقط مراعاة الخلطة، ولا يكون انتفاء هذه التهمة باعتبار توجه اليمين، فوجب (٣) قبول دعواه كما قلنا في القسامة صيانة للدماء واحتياطًا لها، لكونها لا يمكن إحضار البينة فيها، ويمكن ذلك في المعاملات بالمال. قاله المازري في كتاب الحمالة. تنبيه: هذه إحدى المسائل الخمس التي تتوجه فيها (اليمين) (٤) على المدعي عليه من غير اعتبار خلطة، وثانيتها الصانع، وثالثتها المتهم بالسرقة، ورابعتها الغريب ينزل مدينة (٥) فيدعي أنه استودع رجلًا مالًا، وخامستها الذي يمرض في الرفقة فيدعي أنه دفع ماله (٦) (إلى رجل) (٧) وإن كان المدعي عليه عدلًا غير متهم، هكذا نقلها عبد (٨) الحق عن أصبغ، (وعلل) (٩) يحيى بن عمر توجه اليمين على [الصانع] (١٠) بأنهم نصبوا أنفسهم للناس، وألزمه (١١) الباجي (١٢) مثله في تجار السوق. وقال اللخمي في الصانع: هذا أن ادعى المدعي ما يشبه أن يتجر به، أو [يكون] (١٣) لباسه أو لباس أهله، وإلا لم يحلفه، ويراعي في الوديعة ثلاثة أوجه: أن يكون

стр. 509

المدعي يملك مثل ذلك جنسًا وقدرًا، وثبوت ما يوجب الإِيداع، ليس الغالب (١) من المقيم ببلده أن يودع ماله إلا لسبب خوف أو طلب سلطان أو سفر، بخلاف الطارئ (٢)، وأن يكون المدعي عليه ممن يودع مثله (٣) [ذلك] (٤). ٨٩٠ - وإنما قال سحنون: من أقام بينة أن قناته تجري على جاره [مقدار] (٥) سنة فليس بحوز (٦)، ولو جرت عليه أربع سنين كانت حيازة. وقال من لهما داران بينهما زقاق مسلوك، بأحدهما كوة يرى منها ما في دار الآخر فبنى جاره في داره غرفة وفتح كوة قبالتها فطلب صاحب القديمة سدها عليه فطلب الآخر سد القديمة، وهي منذ خمس (٧) سنين حلف صاحب الحديثة ما تركها إلا على معنى (٨) الجوار (٩)، وتسد الكوّتان، وفي كلا الموضعين قد حصل فيه حيازة أربع سنين؛ لأن في ضرر (١٠) الاطلاع حقًّا لله [تعالى] (١١)، بخلاف القناة قاله ابن عرفة ﵀ (١٢). ٧٩١ - وإنما لم يقبل العبيد في الشهادة مع ظهور العدالة وقبلوا في الفتوى والرواية، مع أن الجميع إخبار؛ لأن الشهادة من المناصب السنية والرتب (١٣) العلية، والرق نقص بين (في) (١٤) الأهلية، وتعتبر هذه القضية برد شهادة النساء إلا في

стр. 510

مواضع الضرورة، وفي الأموال الكثيرة المعاملة، ففهم من هذا أن الشارع لاحظ [على] (١) منصب الشاهد، ومن المناسب ألا يعطي الخسيسين (٢) المنصب (النفيس) (٣) مع إمكان (٤) الاحتراز منه وحصول المقصود بغيره (٥)، ولا كذلك [الرواية] (٦)؛ إذ قد لا يتفق أن يسمع الحديث غير النساء والعبيد، وليست الشهادة كذلك، إذ قد يمكن المشهود له (٧) الاحتراز. تنبيه: إن قيل فهلا (٨) سلك بالعبيد (٩) مسلك النساء في قبول الشهادة قلنا لم يسلك بهم ذلك (١٠) المسلك. أما في مواضع الضرورة فلا مشاركة وأما في شهادة الأموال فإِن العبد مستوعب لحقوق [السادات لا قدرة له على الأداء ولا غيره) (١١)، على أن المعاملات في الأموال جمع (١٢) بين النسوان، (وبين النسوان) (١٣) والرجال، بحيث شق (١٤) إحضار الرجال والضرورة تدعو إلى القبول، وأما الموضع الذي يتيسر فيها (١٥) حضور العبيد فيتيسر فيه حضور الأحرار، فقد فات الاضطرار، وإذا ظهر فرق بين الأصل والفرع امتنع الإِلحاق (١٦)، (والله أعلم) (١٧).

стр. 511

فروق كتاب الوكالات (١) ٧٩٢ - وإنما لم تقبل شهادة الفرع مع حضور الأصل، وقبلت الوكالة مع حضور الموكل، والكل نيابة؛ لأن (لسان الوكيل كلسان) (٢) الموكل وكلامه ككلامه، وشهود الفرع إنما يشهدون بنقل شهادة، وشهود الأصل يشهدون بالحق من أصله، فلم يكن ذلك كالوكالة. وأيضًا القاضي يلزمه البحث عن عدالة الشهود، فإِذا التزم قبول شهادة الفرع كشف عن فرقتين شهود الفرع وشهود الأصل، وهذا فيه كلفة، بخلاف الوكالة. وأيضًا عدول شهود الأصل عن الحضور مع عدم العذر مما يستراب؛ إذ لو حضروا لظهر للقاضي (من) (٣) حالهم وتأدية شهادتهم ما يوجب الوقف عنها، ولا كذلك الوكالة. وأيضًا الوكالة تجوز من الحاضر إذا رضي (٤) خصمه، ولا يجوز قبول شهادة الفرع مع حضور الأصل وإن رضي الخصم. ٧٩٣ - وإنما تمنع الوكالة على الخصام إذا كان الموكل حاضرًا [على قول، وتجوز الوكالة على قضاء الدين وإن كان الموكل حاضرًا] (٥)، وليس من حق (من) (٢) له الدين أن يمتنع من قبوله من يد الوكيل؛ لأن الامتناع من قبول الخصام بوكالة له فيه غرض صحيح؛ لأنه قد يوكل الألد الحاذق بالتحيل (٦)

стр. 512

في الخصومات بحيث يفرغ (١) الباطل في صورة الحق، ولو ترك الخصم مع خصمه لأمن ذلك مع كون الوكيل لا علم عنده من صحة الطلب وبطلانه، والمدافعة (٢) عنه هل هي حق أو باطل؟ وقد يتعدى فيها ما يجوز فلهذا يجب أن تمنع وكالة الحاضر، بخلاف الوكالة على قضاء الدين (٣)، فإِن تناوله (٤) من يد الموكل أو الوكيل (٥) سواء، لا يتصور اختلاف الأغراض فيه، وليس منازلة الخصم المطلوب أو الطالب (٦)، وهو مغفل (٧)، كمنازلة الوكيل العارف بوجوه الخصام والمناقضات (٨). ٧٩٤ - وإنما تلزم وكالة المطلوب بغير رضي الطالب، ولا تلزم الحوالة بغير رضي من له الدين، مع أن للطالب حقًّا (٩) في مجاوبة المطلوب، وإذا كان ذلك من حقه فكيف يلزم أن ينتقل (١٠) عنه حقه إلى غير من استحقه عليه؟ لأن إلزام رب الدين الحوالة إسقاط لملكه عن ذمة واشتراء ذمة أخرى، والبيع والشراء لا يكون (إلا) (١١) بالتراضي، بخلاف الوكالة، فإِنه لا يتصور فيها هذا المعنى. ٧٩٥ - وإنما قال الأئمة إذا وكل على شراء سلعة بعينها أنه ليس له ردها بالعيب الذي اطلع عليه بعد العقد إلا بعد مطالعة الموكل وإذنه له في ذلك، واختلفوا على قولين إذا كانت السلعة (١٢) ليست بمعينة (١٣) وإنما وكل على شراء سلعة موصوفة؛ لأن الوصف يشعر بقصد الموكل إلى تحصيل تلك الصفات

стр. 513

سليمة، فإِذا لم تكن سليمة من العيب لم تلزم الآمر (١)، وصار الوكيل لم يعقد عليه ما أمره (٢) به، فله رده من غير مطالعة الموكل، وإذا عين الموكل ما يشتري له فغرضه تحصيل العين على أي حالة كانت، فلهذا لم يمكن الوكيل من ردها. ٧٩٦ - وإنما قالوا فيمن أمر رجلًا [أن] (٣) يبيع له سلعة بثمن محدود [أنه لا يلزم الموكل بيعها بدون ذلك وإن قل النقص، وإن أمره أن يشتري بثمن محدود] (٤) لزم الموكل الشراء بالزيادة القليلة؛ لأنّ الشراء لا يتأتى غالبًا بما يحده (٥) الأمر حتى لا يزيد عليه شيئًا وغرضه تحصيل المشترى، ولا يحصل إلا بتمكين الوكيل من زيادة يسيرة، بخلاف البيع، فإِنه لا يلزم للموكل؛ لكونه يتأتى (٦) بما حد له أو (٧) يرد على الموكل ما وكله على بيعه (٨). ٧٩٧ - وإنما اتفقوا على أن القول قول الموكل إذا اختلف مع الوكيل في مقدار الصداق المأمور به، واختلفوا في اختلافهما في مقدار الثمن هل القول للآمر أو للمأمور؟ لأن الزوج الموكل هو الذي يقبض المثمون الذي هو البضع، وهو الذي يدفع الثمن، بخلاف البياعات (٩)، فإِن الوكيل له قبض ودفع المثمون. ٧٩٨ - وإنما يبرأ الدافع بتصديق الوصي والوكيل المفوض إليه، ولا يبرأ بتصديق الوكيل المخصوص؛ لأن المخصوص يحلف ولا تنفع شهادته للدافع (١٠) إذ لو قبلت شهادته لم يحلف. نقلت هذه الفروق من أول الترجمة إلى هذا من

стр. 514

كتاب الوكالات من شرح التلقين للإمام أبي عبد الله المازري (رحمه الله تعالى) (١). ٧٩٩ - وإنما أبطلوا الوكالة المطلقة حتى تقيد بالتفويض أو بأمر، وصححوا الوصية المطلقة وجعلوا للوصي التصرف في كل شيء؛ لأن اليتيم لما كان محتاجًا أن يتصرف له في كل شيء، ولم يوص عليه والده غير من أطلق الوصية له كان ذلك قرينة في تفويض الأمر للوصي، بخلاف الموكل، فإِنه قادر على التصرف فيما جعل للوكيل، ولا بد له من أمر يستند له في العادة احتيج إلى تقييد الوكالة بالتفويض أو أمر مخصوص. ٨٠٠ - وإنما يستثنى من الوكالة المفوضة بيع دار السكنى وبيع عبد الخدمة وزواج البكر وطلاق الزوجة دون غيرها من الأشياء؛ لأن العرف قاض بأن ذلك لا يندرج تحت عموم التفويض، وإنما يفعله الوكيل إذا وقع النص عليه. ٨٠١ - وإنما قالوا: لا عهدة على الوكيل في عيب أو استحقاق إذا صرح بالوكالة، وعليه الثمن وإن صرح؛ لأن التصريح بالوكالة أو العلم بها لا يكون مقتضيًا لعدم المطالبة بالثمن؛ لأن المطالبة بالثمن أو المثمن (٢) لا بد منها، والأصل عدم الاستحقاق والعيب. ٨٠٢ - وإنما قال في المدونة (٣): إذا تلف الثمن في يد الوكيل قبل أن يصل إلى يد البائع فإِن الوكيل يرجع على موكله بالثمن ولو تلف إذا لم يكن دفع (٤) الثمن أولًا، وأما إن دفع إليه قبل الشراء فضاع فإِنه لا يلزم الأمر (٥) غرم الثمن ثانيًا إن أبى؛ لأن الشراء في الأولى إنما كان على ذمته، فالثمن في ذمته حتى يصل إلى يد ربه، بخلاف الثانية، فإِنه مال بعينه قد ذهب، فلا ينقل حكمه إلى الذمة.

стр. 515

تنبيه: تعقب بعض شراح الجلاب الفرق بين التعيين [وعدمه من قبل أن النقود لا تتعين، فلا يظهر الفرق] (١) بالتعيين (٢)، والله أعلم. ٨٠٣ - وإنما قالوا: لأحد الوكلين الاستبداد [ما لم يشترط خلافه، وليس لأحد الوصيين الاستبداد] (٣) إلا بإِذن من الموصي؛ لأن الموصي يتعذر منه النظر في الرد، بخلاف الموكل إذا ظهر منه على أمر عزله وأخره. ٨٠٤ - وإنما قال في الجلاب: إذا حط الوكيل المفوض إليه أو أخر نظرًا واستيلافًا جاز (٤)، وكذلك المأذون له في التجارة، وإن حط المخصوص أو أخر لم يجز، مع أن كلًّا منهما وكيل؛ لأن الوكيل المفوض إليه قد أقامه الآمر مقامه في كل حالة، فكل شيء يجوز للآمر فعله في ماله مما فيه النظر والصلاح جاز [للوكيل] (٥) المفوض إليه فعله؛ لأنه إذا انظر (٦) أو حط فذلك مما يستجلب (٧) الناس إليه، وذلك من باب التجارة، وأما الوكيل المخصوص فلا يجوز له ذلك؛ إذ الأصل الحجر ودوامه عليه إلا فيما وكل فيه، فمتى زاد على ما وكل عليه صار متعديًا (٨)، ولزمه ضمانه إذا هلك. ٨٠٥ - وإنما قال ابن الجلاب (٩) من وكل وكيلًا على بيع رهن (١٠) وقضاء دينه من ثمنه فليس للراهن إخراجه من وكالته إلا برهن مرتهنه، وقال في غيره للموكل عزله، والجميع وكيل؛ لأن الوكالة قد تعلق بها حق المرتهن، والوكيل يلي بيع الرهن ليصل المرتهن إلى أخذ حقه وفي فسخ وكالته إبطال الحق

стр. 516

للمرتهن، ولا كذلك سائر الوكالات (١). تنبيه: قال الشيخ أبو محمد: ثلاثة من الوكلاء (٢) لا يعزلون: الوكيل على [دفع] (٣) طعام السلم (٤) في بلد آخر وعلى دفع دين في بلد آخر، والثاني الوكيل المفوض إليه في الطلاق، والثالث المرتهن يشترط على الراهن إن لم يرده حقه إلى أجل كذا فيبيع الرهن. قال بعض الشيوخ: وكذلك الوكيل (على الخصام إذا قاعد خصمه مجلسين أو ثلاثة، وكذلك الوكيل) (٥) بعوض، لأنها إجارة لازمة. ٨٠٦ - وإنما قال مالك (٦): إذا أمره ببيع سلعة من السلع كان ذلك إقرار له بالبيع ويقبض الثمن، وإذا أذنت المرأة لوليها في التزويج لم يكن ذلك إذنًا في قبض المهر إلا أن توكله، وكلاهما معاوضة (٧)؛ لأن عقد البيع يفتقر إلى ذكر الثمن فكان الإِذن بالبيع إذنًا بقبض الثمن، وعقد النكاح [غير] (٨) مفتقر إلى ذكر المهر فلم يكن الإِذن فيه إذنًا (في قبض الثمن. وأيضًا المقصود من البيع الثمن، فكان الإِذن فيه إذنًا) (٩) بالمقصود وعقد النكاح القصد فيه الوصلة والإِلفة دون العوض فلم يكن الإِذن فيه إذنًا يقبض العوض. ٨٠٧ - وإنما قال مالك (١٠): إذا دفع رجل إلى رجل مالًا، وأمره أن يشتري به سلعة فاشترى غيرها، وادعى أن (١١) بذلك [أمر] (١٢) قبل قوله، وإن أمر ببيع سلعة

стр. 517

فباعها بدون الثمن، وادعى أن بذلك أمره ربها، وأنكر ذلك، فإن لم تفت كان القول قول الآمر، وفي كلا الموضعين قد وجد إنكار الأمر؛ لأن اختلافهما في عين السلعة المأمور بشرائها يصير المأمور مدعى عليه، فكان القول قوله، وإذا اختلفا في ثمن السلعة، وهي لم تفت، كان الآمر مدعيًا عليه، وكان القول قوله، إذ الأصول مبنية على هذا. ٨٠٨ - وإنما قال مالك (١): إذا دفع رجل لرجل مالًا، وأمره بدفعه إلى زيد، فادعى (٢) أنه دفعه إليه، وأنكر ذلك المبعوث إليه، لم يقبل قول المأمور (٣) إلا أن يقيم بينة على الدفع، وإن ادعى تلف المال صدق، وفي [كلا] (٤) المسألتين هو مدع لإخراج المال عن يده؛ لأن المأمور مؤتمن في التلف فلذلك صدق، ولا كذلك الإِعطاء؛ لأنه يحتاج إلى توثق من القابض إذ لم يؤمر بتضييع المال، فإِذا دفعه بغير بينة كان مفرطًا، فلزمه ذلك. وأقيس منه أن يقال: لأنه (٥) مدع لإِشغال ذمة غيره، وبراءة ذمته، فلم يقبل قوله، وليس كذلك في التلف؛ لأنه غير مدع لإِشغال ذمة غيره، والله أعلم. ٨٠٩ - وإنما قال ابن عبد الحكم: من أمر رجلًا يقضي عنه نصف دينار لغريمه، فقضى عنه الدراهم، كان الآمر بالخيار إن شاء دفع نصف دينار وإن شاء الدراهم، ولو دفع عنه عرضًا بالنصف دينار (٦) كان (٧) على الأمر أن يدفع إليه نصف دينار، وفي كلا الموضعين قد دفع [غير] (٤) ما أمره به؛ لأن الدنانير والدراهم (٨) ينوب بعضها عن بعض، لأنها قيم المتلفات وأروش (٩) الجنايات، وكان مخيرًا في الدراهم؛ لأن أحدهما يقوم مقام الآخر، وليس

стр. 518

كذلك في العروض؛ لأنها لا ينوب بعضها عن بعض، ويقوم مقامها، فإِذا دفع عنه سلعة فكأنه باعه إياها بالنصف (١) دينار الذي أمره بدفعه، فلهذا لم يكن مخيرًا. ٨١٠ - وإنما قالوا: إذا وكل الوكيل بإِذن الموكل، ثم مات الوكيل الأول لا ينعزل الوكيل الثاني اتفاقًا، واختلفوا في مقدم القاضي على اليتيم هل ينعزل (٢) بموت القاضي الذي قدمه أم لا؛ لأن نيابة القاضي عن الأب إنما هي بأمر أعم، وهو ولايته الصالحة له ولغيره (٣)، فهي بالنسبة إليه كدلالة العام على بعض أفراده، ونيابة الوكيل إنما هي بتوليته (٤)، وهي أقوى (٥) من دلالة العام اتفاقًا، ولا يلزم من نقض أثر الأضعف (نقض) (٦) أثر الأقوى. وأيضًا مقدم القاضي نائب (٧) عنه في قول، ووكيل الوكيل نائب (٧) عن الموكل لا عن الوكيل، وفيه نظر؛ لأنه يمنع انحصار نيابة (٨) وكيل الوكيل عن الموكل؛ لأن الوكيل له (٩) عزل وكيله واستقلاله بفعل نفسه اتفاقًا، ولو لم يكن نائبًا عنه لما صح عزله إياه فتعين الفرق الأول. انظر ابن عرفة. ٨١١ - وإنما ينعزل (١٠) الوكيل بموت موكله، ولا ينعزل القاضي بموت الإِمام الذي قدمه؛ لأن عزل القاضي بموت الإِمام مفسدة عظيمة؛ لعموم نيابته في أمور المسلمين، وبأنها في تغيير منكر؛ لأنها في رد (١١) ظلم الظالم عن المظلوم. قاله ابن عرفة وعز الدين بن عبد السلام. وأيضًا الإِمام إنما قدمه نائبًا عن

стр. 519

المسلمين في حقهم، لا عن نفسه في حقه، وقد مر هذا في فروق الأقضية، [والله سبحانه أعلم وبه التوفيق لا رب سواه] (١). ٨١٢ - وإنما جعلوا للوكيل عزل نفسه إذا كانت بغير أجرة ولا تعلق بها حق غير الموكل، وللموكل عزله أيضًا، مع أن الوكيل وهب منافع نفسه، والهبة تلزم بالعقد مع قبول الموهوب له، وإذا وهب له منافع دابته أو داره ليس له الرجوع، والجميع (٢) هبة منافع؛ (لأن هبته منافع) (٣) نفسه لو (٤) لزمته لأدى ذلك إلى المشقة، فكان له الرجوع لذلك، ولا كذلك منافع الدابة والدار والعبد وغيرها (٥) من الأموال، وفيه نظر.

стр. 520

فروق كتاب الشركة ٨١٣ - وإنما منع مالك الشركة بالطعامين المتفقين بالنوع والصفة، وأجاز الشركة بالدنانير والدراهم، مع أن المناجزة [الحكمية] (١) حاصلة فيهما كما حصلت (٢) في (٣) الدنانير [والدراهم] (٤)؛ لأن الشركة بالطعامين تؤدي إلى بيعه قبل قبضه، وذلك أن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه ولم يحصل قبض لبقاء (٥) يد كل واحد على ما باع فإِذا باعا يكون (٦) كل منهما بائعًا (٧) للطعام قبل استيفائه. قاله عبد الحق (٨) عن بعض شيوخه. وأيضًا لو سوغت الشركة بالطعامين (٩) لأدى ذلك إلى خلط الطعام الجيد بالرديء: قاله ابن المواز، وفيه نظر؛ لأن الفرض (١٠) اتفاقهما، وما اعتل به إحالة للمسألة عن موضوعها (١١)؛ إذ صورة الاختلاف تمنع الشركة فيهما (١٢)

стр. 521

باتفاق مالك وابن القاسم. وأيضًا الإجماع المنعقد على جواز الشركة بالدنانير والدراهم إجماع معدول به عن سنن القياس فلا يقاس عليه عند الناس. وأيضًا الشركة في الطعام مشروطة بالمساواة في القدر والصفة، وذلك متعذر عادة. قاله القاضي إسماعيل. قال: ولا ينقض [هذا] (١) ببيع (٢) الطعام بعضه ببعض؛ لأن المطلوب في البيع حصول المساواة في القدر فقط ورده ابن يونس بأنه تفريع على خلاف أصل مالك وابن القاسم، وذلك أن طرده يقتضي جواز الشركة بالطعامين (٣) المختلفين في النوع إذا حصلت المساواة في القيمة. ورده ابن عبد السلام بأن قال: إذا كان التساوي في القيمة مع اتحاد النوع [متعين فأحرى أن يكون] (٤) متعذرًا مع اختلاف النوع، وقال بعضهم: في قول القاضي نظر؛ لأنه لولا حصول المساواة لم تكن من ذوات الأمثال. وأيضًا الطعام مما (٥) تختلف فيه الأغراض مطلقًا لفسخ بيعه باستحقاقه، وعدمه في العين لعدم الفسخ فيه فيصير متماثلي الطعام كمختلفيه (٦). قاله بعضهم، وفيه نظر؛ لأنه يرجع إلى قول القاضي. وأيضًا علل الطعام كثيرة، بخلاف الدنانير والدراهم. [قاله بعضهم] (٤)، وفيه أيضًا نظر؛ لأنه يرجع لما نقله عبد الحق عن بعض شيوخه. ٨١٤ - وإنما جازت الشركة بالعروض (٧) من جانب والنقد من جانب علي المشهور، ولم تجز بالدنانير مع الدراهم على المشهور؛ لأن العين والعرض ليس فيهما إلا مانع واحد، وهو البيع والشركة، وهو مغتفر في أصل الشركة، بخلاف الدنانير مع (٨) الدراهم، فإِن فيهما علتين البيع والشركة والصرف من غير مناجزة فافترقا.

стр. 522

تنبيه [لا (١)] يقال: إذا كان البيع والشركة مغتفرين فأين قولهم لا يجوز اجتماع البيع والشركة؛ لأنا نقول: البيع المغتفر مع الشركة هنا ما كان داخلًا فيها، والممنوع ما كان خارجًا عنها فافهم. ٨١٥ - وإنما منع في المدونة بيع دينار ودرهم بدينار ودرهم، وبيع [مد] (٢) قمح مع (٣) مد دقيق بمثلهما، وأجاز في الشركة أن يخرج هذا ذهبًا وورقًا والآخر مثله ذهبًا وورقًا (٤)، مع أن المتعدد من الجانبين إما أن يكون متماثلًا من كل وجه، فيلزم جواز البيع، أو متفاوتًا فتمتنع (٥) الشركة، إذ لا يجوز اختلاف رأس المال والتساوي في الربح على سبيل الشركة إلا طوعًا؛ لأن التساوي في تقابل العوضين متعذر، ولو تساويا لما فعله عاقل، فلا بد من شيء زائد في أحد الجانبين اغتراه (٦) الآخر، وهو عين (٧) ربا الفضل (المعنوي) (١) فامتنع لذلك بيع دينار ودرهم بدينار ودرهم؛ لأن ذلك الزائد يغتريه (٨) كل واحد على سبيل المبايعة (٩) الحقيقية يستبد به عن صاحبه، ولما فقد هذا المعنى في الشركة ضعف اتهامهما لعدم استبدادهما، ولعدم المبايعة الصريحة. قاله بعض (١٠) من تكلم على المدونة. تنبيه: لأجل انتفاء المبايعة الصريحة في الشركة جوزوا في الشركة (في) (١) الحرث لكل واحد من الشريكين فيها إخراج الزريعة وإخراج أحدهما العمل والآخر الأداة (١١) والبقر.

стр. 523

٨١٦ - وإنما لم يختلفوا (١) في عدم قبول إقرار أحد الشريكين بدين لمن (٢) يتهم عليه كأبويه وولده أو جده أو جدته أو صديقه الملاطف، واختلفوا في إقرار من تبين فلسه لمن يتهم عليه؛ لأن المفلس يبقى الدين في ذمته بعد الإِقرار، ولا كذلك (٣) الشريك. قاله التونسي. تنبيه: [أنكر] (٤) الشيخ أبو الحسن اللخمي هذا الفرق وقال: لا وجه له، والمفلس (٥) أبين في التهمة؛ لأنه ينتزع (٦) ماله ويبقى مفلسًا لا شيء له فيعطي ماله لمثل هؤلاء ليعيده إليه فيعيش به. ٨١٧ - وإنما قال اللخمي: لا يقبل إقرار أحد الشريكين بدين بعد المفاصلة والافتراق، ويقبل بعد موت صاحبه؛ لأن الافتراق لا يكون إلا عن محاسبة ومفاصلة وقطع الدعاوي، ولا كذلك الموت لأنه أمر طرأ قبل التفاصل والإبراء. ٨١٨ - وإنما قال ابن المواز في عامل القراض يدعي بعد المقاسمة أنه أنفق من عنده في مال القراض ونسي ذكره عند المحاسبة يحلف ويكون له ذلك، والشريك بعد المفاصلة إذ أقر بدين لا يكون له ذلك؛ لأن عامل القراض لا يقبل إلا بيمين (٧)، وهي من إقرار الشريك لا تصح، إذ [لا] (٨) يحلف أحد ويستحق غيره، ولا تصح من المقر له أيضًا لأنها تصير قول الشريك شهادة، والفرض (٩) أنه إقرار، هذا خلف. قاله ابن عرفة (١٠)، ﵀ (١١).

стр. 524

تنبيه: بهذا الفرق يتضح (بطلان) (١) تخريج اللخمي قبول إقرار الشريك على قبوله من العامل، وعلى (٢) صحته فلا يحتاج إليه لوجوده نصًّا. قال ابن يونس: لابن سحنون عن أبيه: إقرار أحد الشريكين بعد التفرق (٣) يلزمهما في أموالهما. ٨١٩ - وإنما قال في المدونة (٤) بمنع (٥) الشركة في الدنانير مع الدراهم، فإِن وقع وعملا فلكل واحد رأس ماله، ويقتسمان الربح لكل عشرة دنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم، وكذلك الوضيعة، وإن (٦) عرف كل واحد السلعة التي اشتريت بماله بيعت السلع (٧) وقسم كل ثمنها كما (٨) ذكرنا، وقال: إذا وقعت الشركة في العرضين (٩) فاسدة فرأس مال كل واحد منهما ما بيع به (١٠) عرضه، وبه يكون شريكًا إن عملا بعد ذلك، فكذا ينبغي إن اشتريا بالدنانير والدراهم عرضًا أن (١١) يكون لصاحب ذلك المال كما كان ثمن العرض (١٢) في شركة العرضين الفاسدة لصاحب ذلك العرض؛ لأن أصل المذهب عدم إيجاب العين واختصاص (١٣) ربها بعوضها إذا حركها غيره بخلاف العرض في ذلك. قال في صرف المدونة (١٤): ومن أودعته دنانير فابتاع بها سلعة فليس لك (١٥) أخذها، إنما لك أخذ دنانيرك (١٦). ولو أودعته

стр. 525

عرضًا فباعه بعرض أو طعام، فلك أخذ ثمن ما باعه به، أو المثل فيما له مثل، أو القيمة (١) فيما لا مثل له، فإذا وقفت على هذا علمت أنه لا يلزم من اختصاص رب العرض بثمنه اختصاص رب العين بعوضها خلاف ما توهمه التونسي وابن يونس، والله أعلم. ٨٢٠ - وإنما قالوا في الجدار يكون بين الرجلين (٢) فينهدم فيريد أحدهما بناءه ويأبى الآخر أن الآبي لا يجبر في الرواية المشهورة، وإذا كانت البئر بينهما فغارت كان إصلاحها عليهما، ومن أبى منهما جبر؛ لأن البئر يتحقق النفع بإصلاحها، وفي ترك إصلاحها إضاعة للمال، وليس (٣) كذلك الجدار، فإِنه قد يستغنى عنه بأن يستر كل (٤) منهما على نفسه بزرب أو (٥) غير ذلك. ٨٢١ - وإنما قال ابن القاسم (٦) فيمن زرع زرعًا فغارت (٧)، وانقطع سقيه، وخيف على زرعه، وبجاره فضل عن شربه، فعليه أن يمكن صاحب الزرع المخوف عليه من فضل مائه حتى يصلح بئره، فإِن امتنع من ذلك جبير عليه من غير ثمن، وقال: إذا أطعمه الطعام في مخصمة فإِنه يضمن له قيمة الطعام؛ لأن الماء يسلك فيه مسلك المسامحة إذ هو الموجود فيه كثيرًا عادة، ولأنه ورد فيه [ولا يمنع نفع بئر] (٨)، ولا يوجد (٩) ذلك في الطعام.

стр. 526

تنبيه: عكس أشهب هذا الحكم فقال: يغرم في سقي الماء، ولا يغرم في المخمصة، والفرق (له) (١) بأن (٢) حرمة النفوس أعظم من حرمة الأموال؛ لأنه لما خاف الموت يجب إحياؤه بلا عوض (٣)، وليس خوفه على النفس كخوفه على الزرع وغيره من الأموال، [والله أعلم] (٤).

стр. 527

فروق كتاب الجعل والإِجارة (١) ٨٢٢ - وإنما لا يجوز أن يستأجر الرجل نساجًا (٢) ينسج له غزلًا بنصف الثوب ولا بقيمته، ويجوز أن يستأجره على عمل نصف الغزل بالنصف الآخر؛ لأن الثوب الذي يخرج مجهول الصفة، ولا كذلك الغزل، فإِنه معلوم لا جهل فيه ولا غرر. وأيضًا النصف الذي استأجره به لا يسلمه إليه إلا بعد مدة، وهو حصول النسج، وكذلك القيمة مجهولة لا يدري كم يكون مقدارها. ٨٢٢ - وإنما قالوا: إذا قال رب الدابة للأجير: اعمل على دابتي بنصف ما تكسب عليها أن العقد فاسد للجهل بمقدار الكسب، فإِن وقع كان الكسب كله لرب الدابة، وللعامل أجر مثله. ولو أكرى دابته أو غلامه بنصف الكسب لكان لرب الدابة والغلام أجرة المثل، وجميع الكسب للعامل، مع أن العقد في الجميع فاسد؛ لأن الإِجارة (٣) في الثانية وقعت على الدابة، والأجير كان مجتنيًا للكسب (٤)، وفي الأولى وقعت على الرجل، واجتناء الكسب من قبل (٥) الدابة، فمن وقع (٦) عليه عقد الإِجارة لم يكن له من الكسب شيء؛ لأنه في حكم المتبع والمقصود غيره. قاله ابن بشير وغيره. ٨٢٤ - وإنما ضمنوا الصانع المشترك، ولم يضمنوا الراعي المشترك، مع أن كلًّا

стр. 528

منهما أجير؛ لأن (١) مجرى الراعي مجرى الحمال إذا حمل غير الطعام أنه لا ضمان عليه إذا لم يثبت تعديه. وأيضًا الراعي لم يؤثر (٢) في أعيان الغنم فكان بمنزلة الأمين، ولم يشبه سائر الأجراء من الصناع من قبل أن مقتني المواشي هو قليل في الناس، وليس بعام فيهم كاستصناع (٣) أصحاب الصنائع (٤) وحاجتهم (٥) إليهم (٦)، فلم تكن الضرورة في [الرعاة كالضرورة] (٧) في الصناع. [وأيضًا] (٨) الإِنسان يقدر على الرعي بنفسه من غير أن يسترعي أحدًا، ولا يقدر على الصنائع التي يباشرها الناس إلا بتعلم (٩) وتعاط (١٠)، فلم تكن فيه الضرورة كالضرورة في الصنائع (١١). تنبيه: من هذه الفروق يتضح لك الرد على الشيخين الفاضلين العالمين [العاملين] (١٢) أبي محمد (١٣) عبد الله العبدوسي (١٤)، وأبي عبد الله محمد بن قاسم القوري (١٥)، رحمهما الله [تعالى] (١٦) في فتواهما بتضمين الراعي

стр. 529

المشترك تقليدًا لقول ابن حبيب، وقد أشبعت القول (١) في الرد عليهما وعلى من احتج بفتواهما في كتابي المسمى بـ "إضاءة (٢) الحلك والمرجع بالدرك على من أفتى من فقهاء فاس بتضمين الراعي المشترك" (٣)، وزيفتها بأمور، أولها: [أن] (٤) الشيخين، رحمهما الله (٥)، من أهل التقليد المحض في المذهب المالكي، فالمقلد المحض نصوص المذهب، والناس متضافرة شائعة أنه (٦) لا يتعدى مشهور إمامه قضاء (٧) أو فتوى، وفتواهما هذه خلاف المدونة. قال في كتاب الجعل والإِجارة منها: ولا ضمان على الرعاة [إلا] (٨) فيما تعدوا فيه أو فرطوا في جميع ما رعوه من الغنم والدواب لأناس شتى أو لرجل واحد، ولا يضمن ما سرق إلا أن تشهد بينة أنه ضيع أو فرط. قال أبو الزناد (٩): وإلا لم يلزمه إلا اليمين. انتهى (١٠). ومذهب المدونة هو المشهور بإِطلاق عند المغاربة. وقد قال ابن عرفة: لا يعتبر من أحكام قضاة العصر إلا ما لا يخالف المشهور ومذهب المدونة. وقال غيره من شيوخنا المتأخرين: لا ينبغي لمفت أن يفتي فيما علم المشهور فيه إلا بالمشهور، وكذلك حكام زماننا. وقد قال المازري، وهو في العلم هنالك (١١): ما أفتيت قط بغير المشهور، ولا أفتى به. فإذا كان المازري، وهو

стр. 530

في طبقة الاجتهاد لا يخرج عن الفتوى بالمشهور، ولا يرضى حمل الناس على خلافه، فكيف يصح لمن يقصر عن (١) تلامذته أن يحمل الناس على الشاذ (٢)؟ هذا مما لا ينبغي. وقد قال الإِمام المازري: قد قل الورع والتحفظ على الديانة (٣)، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر (٤) على الفتوى من غير بصيرة، ولو فتح باب (٥) في مخالفة مشهور المذهب لا تسع الخرق وهتك حجاب المذهب، وهذا من المفسدة التي لا خفاء بها. وهذا في زمانه، فانظر في أي زمان هما (٦)، فانظر وتأمل كيف لم يستجز هذا الحبر الإِمام المتفق على إمامته [وجلالته] (٧) الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا [بغير] (٨): ما علم منه، بناءً على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قل (٩) الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى، فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى (١٠) المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشي وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت ليست بضرورة. وقال ابن عبد السلام: يقال: إن متقدمي (١١) الشيوخ كانوا إذا نقلت لهم مسألة من غير المدونة وهي في المدونة موافقة لما في غيرها عدوه خطأ، فكيف إذا كان الحكم في المدونة خلاف ما في غيرها. وفي أخبار [أسد] (١٢) ومدارك
следующие страницы →