أن يستباح وطؤها بعد النكاح. وأيضًا الإحصان لا يقع من جهة الدبر، وإنما يقع من جهة القبل فكيف يجوز أن يقال حتى يحصن؛ لأن الحصانة إنما هي ليعف بالحلال في الموضع المباح، وهذا لا يجوز أن يباح الوطء فيه، فلهذه العلة لم تراع الحصانة فيه.
١٠٧٤ - وإنما لم يوجبوا الحد على من تزوج معتدة على المشهور وأوجبوه على من نكح خامسة أو مطلقة ثلاثًا مع أن كلًّا منهما محرمة في وقت دون وقت بل تحريم المعتدة أشد؛ لأن عدتها تمنعها (١) من نكاح كل أحد وتحريم الخامسة مقصور على (كل) (٢) من (في) (٣) عصمته أربع وكذا (٤) المطلقة ثلاثًا إنما تحرم على مطلقها لا غير؛ لأن نكاح المعتدة ينشر الحرمة بينها (٥) وبين آبائه وأبنائه لشبهة النكاح ولا كذلك المطلقة ثلاثًا والخامسة فإِنه (لا) (٦) ينشر فيها (٧) تحريمًا البتة. قاله بعض الشيوخ.
تنبيه: تعقب بعض الشيوخ في هذا الفرق بأن نشر الحرمة (مبني) (٢) على ثبوت الشبهة (٨) المسقطة للحد فلا (٩) يحسن التفريق به. وهو كما قال.
١٠٧٥ - وإنما لم يحد من جمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (١٠) ومن جمع بين الأختين من الرضاع ويحد من جمع بين الأختين من النسب والجميع
стр. 667
جمع حرام؛ لأن الأول تحريم بالسنة (١) وليس محرمًا بالكتاب والثاني تحريم (٢) بالكتاب. قال (٣) عبد الحق (٤): وهذا أصل (٥) يعتمد (٦) عليه: أن ما كان محرمًا بالكتاب فهو الذي يحد فيه وما كان من تحريم (٧) السنة فلا يحد فيه.
١٠٧٦ - وإنما قال في المدونة (٨) إذا ارتدت أم ولده فوطئها وهو عالم أنها لا تحل له في حال ردتها لم (٩) يحد، وكذلك من وطئ مجوسية عالمًا (١٠) بالتحريم، فإِنه لا يحد، وإذا تزوج مجوسية فوطئها عالمًا (١٠) بالتحريم فإِنه يحد؛ لأن ارتداد أم الولد لا يسقط ملكه عنها، ولا تعتق (١١) عليه، بلا خلاف، ولا حد على من وطئ بملك اليمين وإن (١٢) الموطوءة مجوسية لقوة شبهة الملك، ولا كذلك (من تزوج) (١٣) مجوسية فوطئها عالمًا بالتحريم إذ لا شبهة ملك له فيها.
١٠٧٧ - وإنما أوجب في المدونة (١٤) قيمة الأمة المحللة إذا وطئها من أحلت له حملت أو لم تحمل، ولم يوجب على الشريك الواطئ قيمتها إلا إذا
стр. 668
حملت؛ لأن الشريك يذب (١) عن هذه الأمة ويمنع شريكه من وطئه إياها ويرفعه إلى الحاكم ولا كذلك في المحلل لأنه هو الذي أباح له ذلك وكذلك في الأب يطأ أمة ابنه؛ لأن الابن يقضي على الأب ولا يقدر على منعه منها. وأيضًا وطء الشريك وطء عداء والمحلل قد أذن له فإِذا تمسك بها صح ما قصداه من عارية الفروج وإذا (٢) لم يؤمن أن يحللها له (٣) أو لغيره ثانية.
١٠٧٨ - وإنما أوجبوا الحد على المكره (٤) على الزنى ولم يوجبوه على المكرهة مع أن الإِكراه حاصل فيهما؛ لأن المكره (٥) على أن يطأ صدر منه الفعل والانتشار والنطفة (٦) الظاهرة، وليس ذلك من المكرهة على الوطء (والله أعلم) (٧).
стр. 669
فروق كتاب القطع في السرقة
١٠٧٩ - وإنما قال مالك (١): إذا سرق أحد الشريكين من مال الشركة فوق حقه بثلاثة دراهم قطع وان سرق أقل لم يقطع وإذا سرق من المغنم (٢) أحد الغانمين قطع (وسواء) (٣) سرق فوق حقه بنصاب أو لا والجميع شريك؛ لأن الذي سرق من مال الشركة حقه معلوم فلذلك راعاه، ولا كذلك الذي سرق من الغنيمة فإِن حقه غير معلوم فلذلك لم يراعه.
١٠٨٠ - وإنما قالوا إذا سرق زعفرانًا فصبغ به ثوبًا أن ربه أحق بالثوب حتى يستوفي حق الزعفران، وإذا أخذ الثوب من الصباغ قبل أن يدفع أجرته فباعه فلا سبيل للصباغ إليه (٤)، وفي كلا الموضعين كل واحد منهما مستحق قيمة الصبغ، لأن السارق متعد في صبغه غير مأذون له في ذلك فكان رب الزعفران أحق بالثوب حتى يأخذ منه حقه، وليس كذلك الصباغ إذا دفع الثوب قبل أخذه (٥) الأجرة؛ لأنه قد سلطه وأذن له في الانتفاع به، فلم يكن له إلى الثوب سبيل.
١٠٨١ - وإنما قال مالك (٦) في الذي لقي في جوف الليل ومعه متاع فقال فلان
стр. 670
أرسلني إلى منزله فأخذت له هذا المتاع أنه لا قطع عليه (١) و (قال) (٢) في الذي سرق متاعًا لرجل (٣) وقال فلان أرسلني أنه يقطع، لأن (٤) الذي سرق وقال فلان أرسلني قد عاينت البينة سرقته واستسراره (٥) بدخوله (٦) منزل المسروق منه كمثل أن يتسور أو ينقب ونحو ذلك، والذي لقي (٧) في جوف الليل لم تعاين البينة سرقته ولا علمت استسراره (٥) فافترقا.
تنبيه: قال بعض شيوخ (٨) القرويين الأصل في هذا إذا فعل فعل الرسول من فتح الباب ونحو ذلك مما يشبه (٩) فلا قطع (١٠)، صدقه رب المتاع أم لا (١١)؛ فإِن فعل فعل السارق من النقب والتسور ونحو ذلك (قطع) (١٢) صدقه رب المتاع أم لا.
١٠٨٢ - وإنما قالوا إذا سرق نحاسًا فصاغه فليس لربه أن يجبر السارق (على) (١٢) أن يأخذه ويدفع إليه أجرة الصياغة، وإذا سرق الثوب فصبغه (١٣)، له أن يعطيه قيمة الصبغ مع أن كلًّا منهما سارق (فلم يبع على أحدهما صنعته بغير رضاه) (٢)؛ لأن الذي سرق النحاس فصاغه نغرمه (١٤) المثل وذلك المثل هو مثل عين المسروق فلا يظلم المسروق منه شيئًا فلذلك لم تبع عليه
стр. 671
صنعته و (لا) (١) كذلك مسألة الصبغ فإِنه لو لم يبح له أن يعطيه قيمة الصبغ لم يعط (٢) المسروق منه قيمة ثوبه إنما يعطيه قيمة الثوب فيصير قد باع عليه ثوبه فلما كان كل واحد منهما يباع عليه شيئه كان أولاهما بالحمل عليه السارق فلذلك جاز لصاحب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ. وأيضًا الصبغ (٣) عين قائمة فهو كسلعة مختلطة بأخرى لا يمكن انفصال (٤) إحداهما (٥) عن الأخرى (٦) فهو (٧) بمثابة (٨) ما لو غصب طعامًا فخلطه (٩) بغيره، فأما ضرب (١٠) النحاس قمقمًا أو غيره فهو بمثابة خياطة الثوب وغيره مما ليس سلعة قائمة.
١٠٨٣ - وإنما أوجبوا الحد على شارب قليل الخمر وكثيرها (١١)، ولم يوجبوا قطع يد سارق (١٢) قليل (١٣) المال ككثيره؛ لأن الخمر لا يقدم على مرارتها لعينها، وإنما تراد لما لا يحصل إلا عند الإِكثار منها (١٤) فهو لا يقصد إلا كثيرها (١٥) فوجب أن يترتب (١٦) الحد على التعاطي المطلق. وأيضًا
стр. 672
الخمر (١) لا حائل يحول (٢) بين الناس والكثير (٣) منها (٤) فكان تناول القليل منها داعيًا قويًّا في تعاطي الكثير والنفوس تشح على الأموال وتصونها، والمقدار القليل تتوقف النفس عن (٥) الإِقدام عليه ولا يكون الإقدام عليه وسيلة إلى الكثير بحال فلذلك لم يقطع سارق القليل وحد شارب القليل من الخمر والكثير. قاله بعض المتأخرين.
١٠٨٤ - وإنما لا يقطع العبد والأمة إذا سرقا من مال (٦) سيدهما، ويقطعان إذا سرقا من مال غير السيد مع أن الجميع حق الله (تعالى) (٧)؛ لأن القطع إنما (٨) شرع صيانة للأموال وحفظًا لها ولئلا (٩) تتناول بغير حق فلو قطع العبد إذا سرق (١٠) من مال سيده لكنا قد أتلفنا عليه ماله لحفظ (١١) ماله فلا معنى لذلك. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله (عنه) (١٢) (خادمكم سرق متاعكم) (١٣). وقد روي أن عليًّا ﵁ قال (إذا سرق عبدي من مالي لم أقطعه) (١٤).
١٠٨٥ - وإنما جعلوا نفقة الأب شبهة تدرأ عنه القطع (١٥) ولم يجعلوا نفقة الزوجة
стр. 673
شبهة تدرأ القطع عنها إذا سرقت من مال زوجها المحجور عليها؛ لأن نفقة الزوجة معاوضة فأشبهت (نفقة) (١) الأجير بخلاف نفقة الأب فإِنها مواساة وأيضًا نفقة الزوجة دخل فيها باختياره ولو شاء لأسقطها بالطلاق ولا كذلك نفقة الأب إذ ليست باختياره.
١٠٨٦ - وإنما قال في الكتاب (٢) يقطع كل واحد من الزوجين إذا سرق من مال صاحبه من بيت حجر عليه ولا يقطع الضيف، مع أن كلًّا (٣) منهما مأذون له في دخول الدار؛ لأن أحد الزوجين قد حجر على صاحبه ذلك البيت خاصة وخصه (٤) بالتحجير (عليه فقوي الأمر في قطعه ولا كذلك الضيف فإِنه (٥) لم يخصه بالتحجير) (١) ولا من أجله كان الغلق فكأنه (٦) لم يحجر عليه فلذلك لم يقطع (٧).
١٠٨٧ - وإنما قال في المدونة (٨) إذا سرق (٩) رجل مع صبي صغير أو مجنون ما قيمته ثلاثة دراهم يقطع الرجل وحده، وإذا سرق مع الأب أو العبد لا يقطع؛ لأن العبد والأب أذنا للسارق وهما ممن يصح إذنهما والصبي والمجنون [(ممن) (١٠) لا يصح إذنهما. قاله ابن يونس. وأيضًا دراية الحد عن (١١) الصبي والمجنون] (١٢) لم تكن لشبهة له في المال (ولا) (١) لأن إذنه إذن وإنما كانت لكونه غير مخاطب بالشرع وكان حكم الآخر حكم
стр. 674
من (١) سرق بانفراده أو أمر (٢) صبيًّا أو مجنونًا بحملها (٣) أو خرجا بها جميعًا وقيمتها ثلاثة دراهم، ولو سرق العبد من موضع حجبه (٤) عنه سيده فقال مالك لا يقطع، وقال في مختصر الوقار يقطع، والأول أشبهه؛ لأن للعبد شبهة في المال بالإِنفاق (٥) قاله اللخمي.
١٠٨٨ - وإنما سقط حد الردة والحرابة بالتوبة ولم يسقط حد الزنى والزندقة والسحر والشرب بالتوبة إذا آسرتهم (٦) البينة؛ لأن كل واحد من الزاني والزنديق والساحر والشارب يتهم أن يكون ذلك منهم تحيلًا لإِسقاط الحد عنه لاستتاره بذلك. قال (تعالى) (٧): ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿(حَتَّى إِذَا) (٩) أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ﴾ (١٠).
١٠٨٩ - وإنما قال في المدونة (١١) فيمن سرق لرجلين وأحدهما غائب أنه يقطع ويقضي للحاضر (١٢) بنصف قيمتها إن كانت مستهلكة ثم إن قدم الغائب والسارق عديم فإِن كان يوم القطع مليًّا بجميع القيمة رجع على شريكه بنصف ما أخذ، وقال إذا اقتضى أحد الغريمين نصيبه والغريم ملي ثم قدم الغائب أنه لا يدخل على المقتضي فيما أخذ؛ لأن السارق لم يأمنه (١٣) المسروق منه على بقاء ما وجب له في ذمته فكان يجب أن يوقف القاضي نصيب الآخر فلما جهل وغلط صارت قسمة (١٤) غير جائزة فلم يتم للقابض
стр. 675
ما قبض ولا كذلك في المسألة الأخرى لأنه هو الذي ائتمن الغريم على بقاء دينه (١) في ذمته فالقسمة جائزة، فلارجوع للغائب على القابض إذا حكم له القاضي بقبض نصيبه. قاله ابن يونس.
١٠٩٠ - وإنما قال ابن القاسم (٢) إذا هدد السارق وسجن فأقر بالسرقة أن إقراره بوعيد أو سجن لا يلزمه، وإذا قام عليه شاهد واحد أنه طلق امرأته أو أعتق (٣) عبده فتجب عليه اليمين فينكل عنها فيسجنه الحاكم فيقر في السجن أن إقراره يلزمه، والكل إقرار في السجن؛ لأن الذي قام عليه شاهد واحد بطلاق أو عتق (٤) هو قادر على اليمين فإِذا حلف لم يتعلق عليه سجن ولا ضرب فقد اختار ترك ذلك فلم يعذر بالسجن والآخر مضطر إلى ذلك لا اختيار له (٥) فيه بل الحاكم هو الذي يجتهد في سجنه وضربه حسبما يراه فيه.
١٠٩١ - وإنما اختص القطع بأخذ المال على وجه السرقة دون أخذه على وجه الغصب والاختلاس مع أن الجميع أخذ مال الغير بغير طيب نفس صاحبه، لأن مفسدة السرقة أشد لامتناع الدفع عن (٦) المال عندها بخلاف الغصب والخلسة فاختص القطع بالسرقة دون غيرها لهذا السر.
١٠٩٢ - وإنما لم يقوم الذهب والفضة بغيرهما ويقوم غيرهما بهما؛ لأن الذهب والفضة أصول الأثمان وقيم (٧) المتلفات فلا يقومان بغيرهما.
стр. 676
فروق كتاب القذف
١٠٩٣ - وإنما قال في المدونة (١) إذا قال لأجنبية زنيت (وأنت) (٢) صغيرة أو زنيت وأنت نصرانية عليه الحد وإن أقام بينة أنها زنت (٣) في حال الصبا (٤) لم ينفعه ذلك؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زنى، وإذا قال لزوجته زنيت وأنت مستكرهة أو قال (٥) ذلك للأجنبية فإِنه يلاعن الزوج ويحد للأجنبية ولو جاء في هذا ببينة لم يحد وإن لم يلحقها بالاستكراه اسم الزنى؛ لأن الذي قال زنيت وأنت مستكرهة قد علم أنه لم يرد إلا أن يخبر بأنها وطئت (٦) غصبًا فهذا (حادث) (٧) جليل عظيم يتحدث به فيحمل على الأخبار مع قيام البينة (لا) (٨) على الإِنشاء والقذف ولا كذلك في الأخرى إذ لا يتحدث بزنى الصبية. و (لا) (٢) النصرانية.
١٠٩٤ - وإنما لم (٩) يحد قاذف الصبي وإن كان مثله يطأ (١٠) ويحد قاذف الصبية إن
стр. 677
كان مثلها يوطأ (١) لأن الصبي لا عار (٢) يلحقه ولا كذلك الصبية.
١٠٩٥ - وإنما قال في المدونة (٣) إذا (قال) (٤) سمعت فلانًا يشهد أنك زان أو يقول لك فلان يا زان فإِنه يحد إلا أن يقيم بينة على قول فلان، وقال إذا نقل اثنان أو ثلاثة عن أربعة لم يجز ذلك ويحد الشهود إلا أن يقيموا أربعة سواهم، والجامع أن كل واحد (قد) (٤) لزمه أن يأتي بالمخرج وإلا حد حد (٥) القذف فجعله في هذه لا يخرجه من (حد) (٤) القذف إلا أربعة (٦) وفي الأولى يخرجه من حد القذف اثنان؛ لأن الذي يخبر عن فلان إنما يخبر عنه من غير تصديق له، وفي مسألة النقل إنما نقلوا عنهم على وجه التصديق لهم فيما قالوا وكان نقلهم تعديلًا فصاروا هم القذفة. قاله أبو إسحاق. وأيضًا النقلة (٧) عن أربعة إنما شهدوا ليوجبوا حد الزنى ولا كذلك في الأخرى إذ لم يشهد هذا ليوجب حد الزنى.
١٠٩٦ - وإنما قالوا إذا لاعن زوجته ثم قال ما كنت إلا صادقًا (لا) (٨) يحد، والقاذف (٩) إذا قال بعد ما حد ما كنت إلا صادقًا عليه الحد؛ لأن المتلاعنين أحدهما صادق فلم يحد، إذ لعله كان صادقًا (١٠)، والقاذف إنما حد تكذيبًا له، فإذا قال كنت صادقًا فهو كالقذف المبتدأ فوجب حده. قاله ابن الكاتب.
١٠٩٧ - وإنما (قال) (١١) في المدونة (١٢) من (١٣) قال في زوجته وجدتها مع رجل في
стр. 678
لحاف واحد وتجردت (١) له أو ضاجعته لم يلتعن إلا أن يدعي رؤية الفرج في الفرج، وقالوا لو قال (ذلك) (٢) لأجنبية لحد؛ لأن الزوجة لم يقل لها ذلك مشاتمة، فيظن به التعريض (٣)، وإنما قاله خبرًا، وهو مضطر إلى الخبر، كشاهد (٤) شهد به لم يحد، وهو كقوله لابن (٥) الملاعنة لست (٦) ابن فلان. وأيضًا لزوج لو أراد ذكر غير (٧) ذلك ذكره (٨)، إذ له مندوحة باللعان وأنه لو رأى غير ذلك لم يملك نفسه عن ذكره بحكم الغيرة وطباع البشر، فإِذا ذكر هذا دل أنه صادق غير معرض (٩)، ويدل عليه أنه قال في كتاب محمد: ولو أنه لما قيم عليه بالتعريض قال رأيتها تزني للاعن. قاله عياض.
١٠٩٨ - وإنما قال في المدونة (١٠) إن ثبت ما ذكر الزوج من التجرد بشاهدين لا يعاقبان، وإذا (١١) شهد الشهود وأكمل ثلاثة الصفة، وقال الرابع رأيته (١٢) بين فخذيها يحد (١٣) الثلاثة ويعاقب الرابع؛ لأن الشهود في الرجم جاؤوا ليشهدوا على الزنى، والشاهد (١٤) في هذه المسألة إنما جاء ليشهد (١٥) بما قال الزوج إذا رأى (١٦) أن العقوبة حقت عليه (١٧).
стр. 679
١٠٩٩ - وإنما قالوا إذا شهد المقذوف على حقه في القذف ليقوم به متى أحب (١) أنه يجوز له ذلك، ويكون له ولورثته القيام به، فإِن طالت المدة ولم يتقدم من المقذوف إشهاد كان للمقذوف نفسه القيام بعد (٢) يمينه أنه لم يسكت تلك المدة على الترك، وأنه كان ذلك منه على أن يقوم إن أحب ولا قيام لورثته، وقالوا إذا سكت عن طلب دينه ما أحب فله ولوارثه القيام وإن طال الأمد والجميع حق من الحقوق؛ لأن (٣) الشأن في الدين أن لا يترك، ولا كذلك في الأعراض (٤) فإِن كثيرًا من الناس لا يطلبها ولا يستحسن ذكرها ولا يحب أن يتحدث (عنه) (٥) أنه شتم فإِذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس. قاله اللخمي.
١١٠٠ - وإنما قال في المدونة (٦) فيمن قال لعربي لست من العرب (يحد) (٧) وإن قال لفارسي يا رومي أو يا حبشي أو نحو هذا لم يحد؛ لأن غير العرب لا يحفظون أنسابهم. قاله بعض الشيوخ.
١١٠١ - وإنما قالوا إذا قال لابن الأسود يا بن الأبيض لا يحد وإذا قال لابن الأبيض يابن الأسود يحد، مع أن كلًّا منهما قد أضيف إلى غير أبيه؛ لأن الأسود قد يقال له أبيض على سبيل التفاؤل كما يسمى اللذيغ سليمًا ويسمى الأعمى أبو بصير (٨) فلذلك لم يحد بخلاف الآخر.
١١٠٢ - وإنما قال في المدونة (٩) إذا قذف رجلًا ثم ارتد المقذوف أو قذفه (١٠)
стр. 680
وهو مرتد أنه لا يحد قاذفه وإذا قتل ذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل أنه يقتل به، والأشبه كان أن يراعي يوم الجناية فيقتل الكافر الذي أسلم ويحد القاذف لهذا الذي ارتد أو يراعي يوم القيام فلا يقتل الذي أسلم كما لا يحد القاذف لهذا (الذي ارتد) (١)؛ لأن المقذوف لما ارتد حبط عمله بنفس الارتداد فكان كالكافر الأصلي، فقد كشف الغيب أنه لم يزل (مرتدًا، ولا يصح أن يقال في الذي أسلم لما أسلم كشف الغيب أنه لم يزل) (٢) مسلمًا. وأيضًا لحق في (القذف) (٣) للمقذوف فلما ارتد سقطت (٤) حرمته، ولا كذلك في القاتل الذي أسلم فإِن ذلك حق عليه لغيره ولا يسقط إسلامه حق الغير فافترقا لذلك.
تنبيه: وهذا في الذمي وأما الحربي إذا قذف مسلمًا في بلد الحرب أو قتله ثم أسلم فإن ذلك كله موضوع عنه، والذمي بخلافه.
стр. 681
فروق كتاب الجنايات
١١٠٣ - وإنما قالوا إذا سب الله تعالى أو رسوله ﷺ (مسلم) (١) يقتل ولا يستتاب باتفاق واختلف إذا سب الله (تعالى) (٢) أو رسوله (٣) كافر بغير ما به كفر ثم أسلم هل يقتل أم لا، والجميع سب، لأن الكافر يعلم منه اعتقاد ذلك، وإنما يقتل على إظهاره وإفشائه ولا كذلك المسلم، فإِنه يعلم منه اعتقاد تعظيمه ( ﷺ ) (٤) فسبه له دلالة على ردته فلذلك افترقا.
١١٠٤ - وإنما قالوا فيمن قتل له ولي في الحرابة لا يجوز له العفو عن قاتله (٥)، وإذا قتل له في غير حرابة فله العفو أو القود (٦)؛ لأن الحرابة صار حدها حقًّا لله (٧) لا لآدمي (٨) بعينه من قبل أن المحارب إنما قصد الجملة لا الأعيان فصار الحق بسبب ذلك لا لواحد بعينه؛ لأنه إنما يريد القتل من أجل أخذ المال لا لعداوة فصار ضرره (٩) أعظم من ضرر (من) (١٠) قصد
стр. 682
قتل واحد بعينه فيكون أمر هذا إلى وليه، وأمر المحارب إلى الإِمام، لأنه لم يقصد واحدًا (بعينه) (١) فيقوم وليه به.
١١٠٥ - وإنما يقتل الزنديق الذي يظهر الإِسلام (٢) ويسر الكفر ولا يستتاب، ولا يقتل المرتد إلا بعد الإِستتابة (٣)، والجميع ردة لأن توبة المرتد تعلم بترك الظاهر، ولا كذلك الزنديق فإنا لا نتوصل إلى العلم بتوبته؛ لأنه لم يزل على ذلك وهكذا (٤) الحكم في كل مسر بفعله إذا أخذ فإِن توبته لا تضع عنه الحد كالسارق والزاني بخلاف المرتد والمحارب إذا تاب عن محاربته قبل القدرة عليه.
١١٠٦ - وإنما أباحوا كفر اللسان بالإِكراه حفظًا (٥) للدماء (مع كونه من أعظم المفاسد ولم يبيحوا القتل والزنى واللواط بالإِكراه) (١) مع كون (٦) مفاسدها (٧) دونه لأن المترتب عن كلمة الكفر حق لله (تعالى) (٨) وحده، والمترتب عن (٩) الزنى والقتل واللواط حق لله ولعباده فشدد (١٠) الأمر فيه. وأيضًا يمكن أن يقال مفسدة القتل والزنى واللواط تتحقق ومفسدة كفر الأقوال والأعمال لا تتحقق؛ لأن مفسدتها (١١) هي الاستهزاء والاحتقار والمكره غير (١٢) مستهزئ ولا محتقر إذ لا يتحقق ذلك مع الإكراه، وأيضًا
стр. 683
الإِكراه على الكفر أمر غالب والإِكراه على غيره من القتل والزنى واللواط نادر.
١١٠٧ - وإنما قال بعض شيوخ اللخمي في أم الولد تجني جنايات وكانت قيمتها مثل أقل الجنايات أن القيمة تكون بين المجني عليهم بالسواء (لأنه) (١) لو انفرد أحدهم كان له جميعها (٢) فلا يزيد الأكثر على الأقل وقال في المفلس يتحاصص غرماؤه فيما يوجد له وإن كان أقل الديون يغترق ما يوجد له وفي كلا الموضعين لو انفرد صاحب الأقل (٣) لكان الجميع له؛ لأن معاملة المفلس يكثر ما في يده ويقل من أجل ما أسلمه إليه كل واحد من الغرماء. وأيضًا لغريم له ذمة تتبع بعد ذلك ولا كذلك أم الولد. قالهما اللخمي ﵀.
١١٠٨ - وإنما قال سحنون في أم الولد تقتل سيدها عمدًا أنها تقتل به فإِن عفا عنها أولياء القتيل عتقت وليس ما جنت بالذي يحل منها ما عقد لها من العتق القوي، وقال في المدبرة تقتل سيدها عمدًا وعفا الأولياء عنها (لا تعتق) (٤)، والجميع جناية عمد ممن فيه عقد حرية؛ لأن المدبرة تعتق من الثلث ويلحقها الدين ويتسلط (٥) عليها الغرماء. قاله ابن رشد ﵀.
١١٠٩ - وإنما قال في المدونة (٦) إذا جنت أمة ثم وطئها السيد فحملت إن لم يعلم بالجناية أدى (٧) الأقل من قيمتها يوم حملت والأرش (٨)، وقال في أم الولد (إذا جنت) (٤) يؤدي الأقل من قيمتها أو الأرش يوم الحكم؛ لأن الأمة كانت يوم الجناية ممن تسلم ولا كذلك أم الولد فإِنها لم تكن يوم الجناية ممن تسلم فلذلك اعتبر يوم الحكم فيها.
стр. 684
١١١٠ - وإنما قال (في المدونة) (١) إذا جنت (أمة) (٢) فوطئها فحملت إن لم يعلم بالجناية ودي الأقل من قيمتها والأرش (٣) فإِن لم يكن له مال اتبع به وقال إذا لم يعلم بالجناية وأعتقها وهو عديم يرد العتق مع أن الإيلاد (٤) يجر إلى العتق، لأن الإِيلاد (٤) عنده أقوى لأنه (٥) تتعلق به أحكام منها حق الولد. ألا ترى كيف اختلف قوله في الأمة المستحقة على ثلاثة أقوال فجعل في القولين الأولين القيمة وفي الثالث يأخذها وقيمة الولد، ولم يختلف قوله (٦) في العتق إن مستحقه يأخذه. قاله الشيخ أبو الحسن.
١١١١ - وإنما اتفق ابن القاسم وغيره في هذه الأمة الموطوءة بعد الجناية ثم حملت أنها تقوم بمالها إن كان لها مال واختلفوا في تقويم أم الولد بمالها، لأن هذه الأمة تعلقت الجناية برقبتها ومالها، والوطء الذي حملت منه حادث منع من رقبتها فلا بد أن يقال كم قيمتها بمالها لأن الرقبة والمال (كان) (٧) قد وجب أن يسلما وأم الولد الجانية (٨) ولها مال من حيث جنت ممنوع (٩) من رقبتها فوقع الاضطراب في تقويمها بمالها لذلك (١٠). قاله عبد الحق (١١).
١١١٢ - وإنما قال في المدونة إذا وطئ بعد علمه بالجناية يلزمه الأرش بالغًا ما بلغ ولم يقل يحلف أنه لم يقصد التزام (١٢) الأرش وقال إذا أعتق العبد بعد الجناية فيحلف ما قصد تحمل الأرش ثم لا يلزمه؛ لأن العبد إذا أعتقه
стр. 685
بعد الجناية يحتج بأن يقول أردت أن تكون متبوعًا بالأرش (١) في ذمتك ولا كذلك في هذه لأن (٢) بعد حملها هو مخاطب بما يطرأ من جنايتها فلا مقال له. قاله عبد الحق (٣) ﵀ (تعالى) (٤).
تنبيه: قال ابن يونس إنما ألزمناه (٥) جميع الأرش (لأنه منع بوطئه من إسلامها فكأنه رضي بافتكاكها بالأرش) (٦).
١١١٣ - وإنما قال في المدونة (٧) إذا وجب تسليم الأمة وقد حملت بكون (٨) الواطئ عديمًا وعلمه (٩) بالجناية لا شيء عليه في قيمة الولد، وإذا وطئ الابن من تركة أبيه أمة فحملت فتبادر الغرماء فإِنه يلزمه قيمة الولد؛ لأن الأمة الجانية وجدناها في الأصل لا تسلم في الجناية بولدها وإن (١٠) كان حادثًا بعد جنايتها وتباع في الدين مع ولدها فلذلك افترقا. قاله عبد الحق (١١).
١١١٤ - وإنما قال في المدونة (١٢) في الذي وطئ الأمة من تركة أبيه فحملت إنما عليه (١٣) الأقل من قيمتها أو الدين وإن وطئها عالمًا (بالدين ولا يلزم (١٤) الدين كله، وقال في الأمة الجانية يطؤها سيدها عالمًا] (١٥) بالجناية يلزمه
стр. 686
الأرش كله؛ لأن الدين لا يتعلق بعينها خاصة، وإنما حكم ذلك أن يباع (١)، فيدفع للغرماء ثمنها، فإِذا كان ثمنها أقل من الدين فهو الذي أتلف على الغرماء، فلا يلزمه غيره، وإذا كان دينهم (٢) أقل فلا حجة لهم، وأما الجناية فهي متعلقة بالرقبة ولو هلكت الرقبة بطلت (الجناية) (٣)، فإِذا وطئ عالمًا بجنايتها عد ذلك منه رضي بتحمل (٤) ما تعلق بعينها من الأرش، قاله عبد الحق (٥).
١١١٥ - وإنما قال في المدونة (٦) إذا عفي عن الحر القاتل عمدًا على أن تؤخذ منه الدية لا يجبر، وإذا عفي عن العبد (٧) القاتل عمدًا على أن يؤخذ كان ذلك للعافي، وخير السيد بين إسلامه وافتكاكه بالأرش مع أنه في كلا المسألتين إنما وجب (له) (٨) الدم؛ لأن العبد سلعة تملك، فلما جاز قتله وإتلافه على سيده جاز استرقاقه وخروجه عن ملك سيده، والحر لا يتملك، فلا يجوز أخذ ماله إلا بطوعه، وأيضًا فإِنه يقول أودي (٩) قصاصي وأبقي مالي لورثتي، والعبد لا حكم له في نفسه، فلا حجة لسيده، لأن قتله (وأخذه) (١٠) عليه سواء، إلا أن يدفع الأرش، فلا حجة لورثة المقتول، لأنهم (١١) رفعوا عنه القود، فصار (١٢) فعله كالخطأ، ولا يستقيم ذلك في الحر؛ لأنه كان تكون الدية على عاقلته، وهي
стр. 687
لا تحمل شيئًا من عمده، فأمرها مفترق، قاله عبد الحق (١).
١١١٦ - وإنما قال في المدونة (٢) ليس لغرماء المكاتب والعبد في قيمتهما إذا قتلا شيء، وقال في الحر يقتل ويعفو أولياؤه على الدية أنها تورث على الفرائض، ويقضي منها دينه، مع أن الدية عوض عن الغريم المطلوب فيها؛ لأن الحر يقدر أنه ملك الدية في آخر جزء من أجزاء (٣) حياته؛ لأنه (٤) ممن يصح منه الملك، ولا كذلك (٥) العبد والمكاتب فإِنهما ممن لا يصح أن يقدر ذلك فيهما.
١١١٧ - إنما قال في المدونة (٦) إذا عجل عتق مكاتبه أو عبده على مال يكون عليهما دينًا ثم فلسا [فإنه] (٧) لا يدخل السيد مع الغرماء، وهو شيء لزم الذمة، وقال فيمن عليه دين عن أرش جناية لا يحاص المجني عليه بجنايته الغرماء، وهذا ليس أصله من بيع ولا قرض؛ لأن دين الجاني إنما وجب بسبب (٨) جنايته التي هي فعله، فأشبه ما استحدثه من ديون (٩) المبايعات، وما عجل عليه عتق عبده ومكاتبه مال (١٠) أجبر السيد العبد عليه، وأوجبه في ذمته، لا منع (١١) للعبد فيه، ففارق حكم الجناية لهذا المعنى، قاله عبد الحق (١٢). وأيضًا عتق عبده على مال يكون عليه ككتابته إياه، فكما لا يحاص (بالكتابة الغرماء فكذلك لا يحاص) (٧) بهذا قاله ابن يونس.
стр. 688
تنبيه: تعقب الشيخ أبو الحسن، ﵀، فرق ابن يونس قائلًا: وفي هذا نظر؛ لأن هذا ثابت في الذمة لما عجل عتقه، والكتابة ليست بثابتة (١) في الذمة، ألا ترى أن الحمالة لا تجوز بها؛ لأن ذلك يصيرها في الذمة، فإِذا عجل عتق المكاتب جازت الحمالة وصار دينًا ثابتًا والله أعلم (٢).
١١١٨ - وإنما قال في أول كتاب الجنايات (٣): وإذا قتل العبد رجلًا له وليان فعفا أحدهما، ثم قال: عفوت ليكون (٤) لي (٥) نصف العبد، لم يصدق إلا أن يأتي بدليل، وقال في آخر كتاب العارية (٦): ومن ركب دابة رجل إلى بلد وادعى أنه إنما أعاره إياها، وقال ربها: أكريتها (٧) منه، فالقول قول ربها، إلا أن يكون مثله ليس يكري الدواب لشرفه وقدره، والجامع أنه في كلا المسألتين ادعى عليه المعروف وهو ينكره؛ لأن الحق في مسألة الجنايات بالأصالة إنما هو القصاص، ولما أسقطه، وهو ليس (بمتمول) (٨)، فمدعي العفو (٩) على غير مال ادعى ما يشبه من إرسال ما ليس (بمتمول) (١٠) على غير مال، ولا كذلك مسألة العارية إذ هي مال.
تنبيه: قال بعض الشيوخ: لقائل أن يقول: هذا الفرق إنما يصح لو كانت المسألة في العمد نصًّا، وظاهر المدونة عمدًا أو خطأ، وقد تقرر أن الخطأ مال، فمدعي (١١) المعاوضة فيه مدع للأصل والله (تعالى) (٨) أعلم.
стр. 689
واستقرئ من تعليله للكتاب مثل ما في رسم العارية من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح فيمن أتى إلى رجل فقال: أعطني ثمن جاريتي التي بعت منك، وقد ولدت من المشتري، وقال المشتري: بل زوجتني إياها، قال ابن القاسم: إن كان مثله لا يتزوج الإِماء لشرفه وحسبه، فالقول قول ربها، ويقضي له بالثمن، وإن كان مثله يتزوج الإِماء لم يلزمه الثمن.
١١١٩ - وإنما قال في المدونة (١): من (٢) جنى عبده جناية فقال أبيعه وأدفع الأرش من ثمنه فليس له ذلك إلا أن يضمن وهو ثقة مأمون أو يأتي بضامن ثقة، وقالوا لو اشترى رجل سلعة، ولم (٣) يدفع ثمنها، وهو ملي له بيعها بغير رضي البائع، وإن خيف فلس المشتري؛ لأن الجناية تعلقت بعين العبد، ولذا (٤) سقطت بموته، ولا كذلك الثمن فإن متعلقه الذمة، فلما اختلف المتعلق اختلف الحكم لذلك، قاله ابن عرفة.
تنبيه: ولما لم يقو هذا الفرق عند الشيخ الفاضل القاضي الجليل أبي عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي ﵀ (تعالى) (٥) أجرى مسألة المشتري على مسألة الجناية، فيجوز إذا كان ثقة مأمونًا، ولا يجوز إن كان على خلاف ذلك والله [تعالى] (٦) أعلم.
١١٢٠ - وإنما قال في المدونة (٧): ومن أخدم رجلًا عبده (٨) سنين معلومة أو حياة الرجل فجنى العبد خير مالك رقبته، فإن فداه بقي في خدمته (٩) وإن أبي خير المخدم، فإن فداه خدمه، فإِذا تمت خدمته، فإِن دفع إليه السيد
стр. 690
ما فداه به أخذه، وإلا أسلمه إلى المخدم رقا، وقال بأثرها: وأما الموصي بخدمته لرجل سنة وبرقبته لآخر والثلث يحمله إذا جنى فإِن صاحب الخدمة يبدأ، وفي كلا المسألتين العبد الجاني رقبته (لرجل وخدمته) (١) لآخر، فإما أن يبدأ بصاحب الرقبة فيهما (٢) (أَوْ لَا فيهما (٢)) (٣)؛ لأن صاحب الرقبة إنما قدم في الأولى لسبقية حقه، وهو أصالة ملكه له، وهو سابق عن (٤) الخدمة، وصاحب (٥) الرقبة في الثانية سبب حقه لا حق فلا يلزم من تقديم ذي الرقبة في الأولى كونه كذلك في الثانية.
تنبيه: ولأجل ظهور هذا الفرق رد بعض حذاق المشائخ على (٦) القاضي أبي الوليد بن رشد ﵀ (تعالى) (١) تخريجه تخير ذي الرقبة من الثانية في الأولى، وتخريج وتقديم ذي الرقبة في الثانية من الأولى.
١١٢١ - وإنما قال في كتاب الجنايات (٧): إذا جنى المدبر في حياة سيده، وعلى سيده دين يغترق قيمة المدبر أو لا يغترقها، فأهل الجناية أحق بخدمته إلا أن يدفع إليهم الغرماء الأرش فيأخذوه ويؤاجروه حتى يستوفوا دينهم، فإِن لم يأخذه الغرماء وأسلم للمجني (٨) عليه بخدمته ثم مات السيد، وعليه دين، وفي قيمة (٩) المدبر (١٠) كفاف الدين والجناية وفضلة بيع منه لذلك (١١)، وبدئ (١٢) بالبيع للجناية ثم للدين ثم عتق ثلث ما بقي، وإن
стр. 691
كان لا فضل (١) في قيمته عنها أو قيمة أقل منها قيل للغرماء: أهل الجناية أحق به منكم إلَّا أن تزيدوا (٢) على قيمة الجناية فتأخذوه (٣)، ويحط عن الميت بقدر الذي زدتم، فذلك لكم، ثم إن باعوه بنقص (٤) كان منهم لا من السيد على ما فسرت به المدونة، وقال في كتاب العيوب؛ وإذا وجد أمته التي باع بيد المبتاع بعد أن فلس كان أحق بها إلَّا أن يعجل (٥) له الغرماء (٦) جميع الثمن فإِن (٧) فعلوا ثم هلكت الأمة قبل أن (٨) تباع كانت من المديان (٩)، وعليه خسارتها وله ربحها، مع أن في كل منهما فداء رقبة تعلق حق الغير بها فيهما، فجعل النقصان هناك عليه وهنا عليهم؛ لأن الغرماء في العيوب أدوا عنه ما لزمه، ولا كذلك (١٠) هنا (١١) إذ لم يؤدوا عنه شيئًا لزمه؛ لأنها متعلقة برقبة العبد، قاله بعض حذاق المتأخرين.
١١٢٢ - وإنما لم يجعل في المدونة للغرماء في مسألة الجنايات المتقدمة مقالًا (إلَّا) (١٢) بزيادة على قيمة الجناية (١٣) [وبحط عن الميت] (١٤) بقدرها، وفي مسألة التفليس لم يشترط الزيادة على الثمن، مع أن الغرماء في كلا المسألتين استلزم (١٥) دفعهم، فك ما (١٦) تعلق به حق لغيرهم؛ لأن الجناية
стр. 692
تعلقت بعين (١) الرقبة، ولذا (٢) لم يخير المجني عليه، ولا كذلك الثمن في مسألة التفليس، فإنَّه تعلق بالذمة، ولذا (٣) لو اختار صاحب السلعة المحاصة لكان مختارًا لما دخل عليه بالأصالة، قاله ابن عرفة ﵀.
تنبيه: تعقب القاضي الفاضل أبو عبد الله بن عبد السلام ﵀ (تعالى) (٤) هذا الفرق بأن الزيادة هنا ينتفع بها المدبر، فيكون المتعلق بالعين وصفًا طرديًّا، فالمدبر هنا بمنزلة المشتري والاستخـ[ـلاص هو] (٥) لهما مع النفع (٦)، وأجاب ابن عرفة ﵀ (تعالى) (٧) بأن المشتري لما (٨) خرج من يده ثمن لم يكن ضرر في دفعه له من غير زيادة عليه ولم تحصل هنا معاوضة بين المدبر والمجني عليه فلا بد من زيادة على أرش جنايته يترجح بها الذي زاد عليه، وانظر لم (٩) قال ابن القاسم في فرع مسألة المدبر هذه، لو أسقط الغرماء دينهم كان السيد كمن لم يكن عليه دين ويعتق ثلث المدبر، وقال في الزكاة: لا زكاة على الموهوب له الدين حتَّى يتم له حول من (يوم) (٧) الهبة، فلم يجعله كاشفًا لملكه (١٠) أول الحول، وجعله هنا كأنه لم يكن، وفي كلا الفرعين (١١) أسقاط حق مال (١٢) تقرر وجوبه، فناقض أصله، ولعل الفرق قوة تشوف الشرع (١٣) إلى العتق، بخلاف الزكاة، (والله أعلم) (١٤).
стр. 693
فروق كتاب الجراحات [والديات] (١)
١١٢٣ - وإنما قال مالك إذا أقر بقتل الخطأ ثم رجع عن إقراره يقبل منه، وإذا أقر بقتل العمد (ثم رجع) (٢) لم يقبل منه، وفي كلا الموضعين هو (٣) رجوع عن إقراره؛ لأن المستحق في قتل الخطأ الدية، والدية إنما تجب على غير المقر، وهم العصبة، فكأن إقراره إنما هو على غيره، فكان كالشاهد على الغير، فإذا رجع قبل منه, لأنه كالشهادة إذا رجع عنها الشاهد، وقتل العمد فيه القود، والقود إنما يستحق على القاتل، فإِذا أقر به كان إقرارًا (٤) على نفسه، فلم يقبل منه الرجوع (عنه؛ لأنه إقرار على نفسه، فلا يقبل منه الرجوع) (٥) إلَّا أن يكون له وجه في ذلك.
١١٢٤ - وإنما قال مالك (٦) الواجب في شجاج العبد الأربع قيمتها بقدر ما في الحُر من ديته، وفيما عداها من الجراح ما نقص من قيمته، وفي كلا الموضعين فهو جراح العبد؛ لأن هذه الجراح الأربع لما كان فيها شيء مسمى في الحُر وجب أن يكون ذلك فيها في العبد. وأيضًا فإذا لو لم نعتبر ذلك بالحر لأدى إلى هدرها؛ لأنها تبرأ وتزول حتَّى كان لم تكن، وليس كذلك
стр. 694
ما عداها من الجراح؛ لأنها لا بد ما (١) تؤثر تأثيرًا ما، وإن برئت، فافترقا لذلك.
١١٢٥ - وإنما أوجب مالك (٢) الدية في الأنف وإن بقي الشم ولم يوجبها في الأذنين في الصحيح عنه إلَّا مع (٣) ذهاب السمع؛ لأن الأذنين يواريهما الشعر والعمامة والقلنسوة، ولا كذلك الأنف فإِن شين الوجه به أشد وأفحش (٤)، ولا يواريه (٥) شيء.
١١٢٦ - وإنما قال مالك (٦) الواجب (٧) في عين الأعور الدية كاملة والواجب في دية اليدين إذا كانت الأخرى مقطوعة أو شلاء (٨) نصف الدية وفي الجميع تجب (٩) في كل واحد من العضوين (١٠) مع سلامة العضو الآخر؛ لأن المنفعة توجد بإِحدى العينين كوجودها بالجميع، فإِذا أتلف (١١) عليه منفعتها فكأنه أتلف منفعة كاملة توجد بالعينين، فوجبت الدية كاملة؛ لأن المنفعة كاملة وليس كذلك اليدان (١٢)؛ لأن المنفعة لا توجد (١٣) بأحدهما (١٤) كوجودها (١٥) (بهما) (١٦)، فلذلك لم يجب فيه إلَّا نصف الدية، بخلاف أحدهما (١٤)؛ لأنه لم يتلف عليه إلَّا نصف المنفعة دون المنفعة الكاملة.
стр. 695
١١٢٧ - وإنما (لا) (١) تحمل العاقلة أقل من الثلث، وتحمل الثلث فصاعدًا إذا (٢) كان خطأ؛ لأن الجراحات اليسيرة مما تكثر ولا يتأتى الانكفاف عنها، فلو جعلت على العاقلة لأضر بهم ذلك فيما يرجع إلى كثرة المنازعات عند توقع هذه الجراحات، وهذا ينظر إلى ما قالوه في أن قليل الجوائح لا توضع إذ لا ينفك الجنان من سقوط بعض الثمار، فلا يليق بالمصالح وضع القليل من ذلك.
١١٢٨ - وإنما قال مالك (٣) إذا اختلف أولياء المقتول فقال بعضهم قتل خطأ، وقال بعضهم لا علم لنا، كان لمن ادعى قتل الخطأ أن يقسم ويستحق نصيبه من الدية، وإذا قال بعضهم قتل عمدًا، وقال بعضهم لا علم لنا لم يكن لمن ادعى القتل (عمدًا) (١) أن يحلف ويستحق الدم، وفي كلا الموضعين الاختلاف موجود, لأن قتل الخطأ أخفض رتبة من قتل العمد, لأن المستحق به مال، والمستحق بالعمد نفس، فجاز في الخطأ ما لم يجز في العمد؛ لأن العمد إنما يراد لأخذ القود، وهو لا يتبعض، والخطأ إنما يراد لأخذ الدية، وهي مال، ويصح (٤) تبعيضها، فكان لكل واحد من الأولياء أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية؛ لأنه إنما يحلف على مال، فهو بمنزلة جماعة لهم قبل إنسان دين، فتوجهت عليهم اليمين، فلمن (٥) لم ينكل أن يحلف ويستحق (٦) نصيبه، وليس كذلك العمد؛ لأن الواجب فيه القود، (والقود) (١) لا يستحق إلَّا باجتماع الأولياء.
١١٢٩ - وإنما قال مالك (٧): يقبل قول الميت دمي عند فلان، ويكون لوثًا يوجب القسامة، ولا يقبل قوله عند موته لي (٨) عند فلان مال (٩)، ولا يحلف
стр. 696
الورثة بقوله، مع أنَّه في كلا الموضعين دعوى مجردة, لأن ذلك حراسة للدماء من أن يتطرق الاجتراء عليها، وقود الميت أقوى من قود الشاهد؛ لأنه عند الموت أخوف وأكثر اجتهادًا في التخلص من المظالم فيبعد (١) أن يدعي على غيره دماء تسفك، وهو من أعظم الإِجرام فقوي قوله بالقسامة التي هي أغلظ الأيمان، ولا يشبه ذلك دعوى المال؛ لأنه يمكنه أن يدعيه ليؤخذ منه الآن لغرض (٢) له فيه.
تنبيهان: الأول قال ابن العطار (٣) ﵀ (تعالى) (٤)، وقد استطال بمذهب مالك ﵀ (تعالى) (٤) أهل الشر والبطالة على أهل العافية والانقباض والصيانة، وجعلوا التدمية جنة لهم وربما (٥) بطلت (٦) بها الحقوق، فإِذا طلب الرجل منهم بدين أو بوجه من الوجوه (٧)، تراقد وتمارض وتثاقل، وقال دمي عند فلان حتَّى يفتدي الطالب بالدين (منه) (٤) بماله عنده؛ لأنه يصدق وهو بهذا الحال في تلف مهجة آخر، ولو قال أورع النَّاس في مرضه وخلال نزعه لي عند فلان درهم واحد لم يصدق ولم يؤخذ بقوله، وإنما تجب عليه اليمين في إنكاره (دعواه) (٨)، ولو أن قائلًا قال (٩) لا يصدق في مثل هذا إلَّا أهل الفضل المشهور والورع المعروف إذا ادعوا على من تأخذه (١٠). الظنة أو تقرب منه (١١) التهمة لكان حسنًا (١٢)
стр. 697
من القول. الثاني: قال شهاب الدين القرافي ﵀ (تعالى) (١) في التنبيه الثالث من الفرق الثاني (٢) والثلاثين والمائتين (٣): خولفت قاعدة الدعاوي في خمس مواطن يقبل (٤) فيها قول الطالب: أحدها اللعان يقبل فيه قول الزوج؛ لأن العادة أن الرَّجل ينفي عن زوجته الفواحش، فحيث أقدم (٥) على رميها بالفاحشة مع أيمانه أَيضًا قدمه (٦) الشرع، وثانيها القسامة يقبل فيها قول الطالب لترجحه باللوث، وثالثها قبول (قول) (٧) الأمناء في التلف، لئلا يزهد النَّاس في قبول الأمانات فتفوت مصالحها (٨) المترتبة على حفظ الأمانات، ورابعها يقبل قول الحاكم في التجريح والتعديل وغيرهما من الأحكام، لئلا تفوت المصالح المترتبة على الولاية للأحكام، وخامسها قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه لضرورة الحاجة (٩)، لئلا يخلد في الحبس. ثم الأمين قد يكون أمينًا من جهة مستحق الأمانة ومن جهة الشرع، والملتقط (١٠) ومن ألقت الريح ثوبًا في بيته.
١١٣٠ - وإنما قالوا لا يقسم الأولياء في قول الميت قتلني (١١) فلان خطأ إِلا بشاهدين،
стр. 698
وفي العمد يقسمون بشاهد واحد؛ لأن قول الميت في الخطأ يجري عندهم مجرى الشهادة؛ لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلَّا اثنان، بخلاف العمد، فإن المقتول إنما يطلب بثبوت الحكم، ولو شهد (١) على إقراره بذلك شاهد واحد كان كالمقتول (٢) والله (تعالى) (٣) أعلم.
١١٣١ - وإنما لم يجعلوا (٤) للولي إلزام الحر الدية وجعل له استحياء العبد القاتل وتملكه، وإن كره السيد إلا أن يفتكه بالدية؛ لأن الحُر الجاني يمكن أن تعمر ذمته، فلا يجوز إلزامه ذلك لخلو الذمة عما يشغلها (٥) وإذا (عفا) (٦) على أخذ العبد فإنَّه لا يشغل ذمة العبد بشيء، ولا ضرر في ذلك أَيضًا على سيده (٧)، فإن الولي (٨) لو أراد قتله لم يبق للسيد حجة في بقاء عينه واستضرار ملكه، فإذا عفا (٩) على استرقاقه لم يتضرر السيد (بذلك) (١٠)، فوجب أن لا يتمكن من منع (١١) الولي من استحيائه لاسترقاقه.
تنبيه: وهذا إذا ثبت القتل ببينة، وأما إذا لم يكن إلَّا إقرار (١٢) العبد لم يلزم العفو على الاسترقاق لتطرق التهمة في الإقرار حذارًا (١٣) من أن
стр. 699
يكون العبد طلب الفرار من السيد، فليس للولي حينئذٍ إلَّا أن يقتل أو يدع.
١١٣٢ - وإنما قالوا إذا نكل مدعو الدم عن القسامة مع قول الميت دمي عند فلان، أو مع (١) شاهد واحد على القتل، وردت (٢) الأيمان على المدعي عليهم (٣)، فنكلوا وسجنوا (٤)، ثم أقروا بالقتل أنَّهم يقتلون، وإذا كانت القسامة بجرح أو ضرب ثم مات يحلف ما من ضربي ولا (٥) من جرحي مات، فإن نكل حبس حتَّى يحلف، فإِن حلف ضرب مائة وحبس عامًا، وإن لم يحلف واعترف أنَّه من ضربه مات لم يقتل ولا بد أن يحلف؛ لأن الموت في الإِقرار مع قول الميت قتلني أو مع شاهد واحد على القتل محقق (٦) منه، ولا كذلك في الثاني؛ لأنه إنما حقق فيه الجرح والضرب مع احتمال أن يكون مات من غيره.
تنبيه: يجب على هذا التعليل أن يضرب أولًا، ويسجن (٧) عامًا، ولا يطلب اعترافه؛ إذ لا يقتل به ولا تشرع أيمانه لأن اعترافه لا ينفع (٨) فكيف بنكوله عن الأيمان، ولذا قال أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ لا يمين, لأنها غموس (فتأمله) (٩).
١١٣٣ - وإنما قالوا إذا قيل بأنه لا يقتل بالقسامة (أكثر من رجل واحد، فإِن القسامة) (١٠) لا تكون إلَّا على معين، وهو الذي يريد الأولياء قتله، وإذا
стр. 700
كان اللوث على جماعة في الخطأ، فلا يقسم الأولياء إلَّا على جماعتهم (١) وتوزع الدية على عواقل جميعهم؛ لأن من حق كل واحد منهم في الخطأ أن يقول الضرب منا (٢) أجمعين، فلا تخصوا عاقلتي بالدية، ولا حجة لمن عينوه في العمد؛ لأن الواجب دم القسامة لضعفها عن البينة والإقرار لا يستحق بها القتل (٣) أكثر من واحد فافترقا لذلك، والله (تعالى) (٤) أعلم.
١١٣٤ - وإنما قال ابن القاسم (٥) في الجنين، إذا استهل صارخًا، ولم (يتراخ) (٦) الموت، فالدية بقسامة، وفي الكبير إذا لم يتراخ، فالقود في العمد، والدية في الخطأ بغير قسامة؛ لأن المولود لضعفه يخشى عليه الموت بأدنى الأسباب ولا كذلك الكبير.
١١٣٥ - وإنما أوجبوا في جنين الأمة عشر قيمة أمه (٧)، ولم يوجبوا في جنين البهائم إلَّا ما نقص من قيمة أمه؛ لأن للآدميات مزيد حرمة على غيرها، ولذلك (٨) كان في جنين صيد الحرم والإِحرام (٩) عشر جزاء أمه لأجل الحرمة، والله (تعالى) (٤) أعلم.
١١٣٦ - وإنما وجبت الدية أو الحكومة على الزوج، إذا أفضى زوجته، ولا تجب على الزاني بها طوعًا منها؛ لأن المزني بها قد أسقطت حقها بتمكينها من نفسها، بخلاف ذات الزوج فإِنها مجبورة على التمكين شرعًا، ولا كذلك الأجنبية، فإِنه يجب عليها منعه، فلذلك افترقا.
стр. 701
١١٣٧ - وإنما لا يندرج أرش الإفضاء تحت المهر، ويندرج أرش البكارة؛ لأن البكارة لا يمكن (١) الوطء إلَّا بإزالتها, ولا كذلك الإِفضاء، والله سبحانه أعلم.
١١٣٨ - وإنما أوجبوا اليمين على ولي الدم إذا ادعى عليه القاتل العفو بمجرد الدعوى، ولم يوجبوها في دعوى المرأة الطلاق على زوجها والعبد على سيده الحرية، وفي كل منهما دعوى تبرع؛ لأن القتل (٢) أمر نادر، ولا كذلك الطلاق والعتق فإنهما يتكرران، فلو ألزمنا اليمين للزوج والسيد كما (٣) ادعت المرأة الطلاق والعبد الحرية (٤) لأدى ذلك إلى عموم الحرج.
١١٣٩ - وإنما تؤخر الموالاة في قطع الأطراف للقصاص، ولا تؤخر في قطعها للحرابة؛ لأن حد المحارب إما القطع وإما القتل، ولا كذلك غيره؛ لأن حده إنما هو القطع فقط.
١١٤٠ - وإنما يفوض السلطان القتل لمستحق النفس على المشهور، ولا يفوضه لمستحق الطرف اتفاقًا، مع أن الجميع قصاص؛ لأن المجني عليه لو تولى القصاص لحمله الغيظ (٥) وشدة الحنق (٦) والحرص على التشفي (٧) على الزيادة في المثلة، ولا كذلك القتل.
١١٤١ - وإنما قالوا إذا جنى صاحب اللسان الأبكم والأعمى على صحيح (٨) أنَّه لا يكون للصحيح (٩) عليهما إلَّا العقل على الصحيح من القول، وإذا
стр. 702
جنى صاحب اليد الشلاء على اليد الصحيحة لم يكن للصحيح علي ذي اليد (الشلاء) (١) إلَّا العقل اتفاقًا؛ لأن (في) (٢) العين العمياء جمالًا وفي لسان الأبكم الإِحساس والذوق، ولا كذلك اليد الشلاء فافترقا (٣).
١١٤٢ - وإنما قال مالك باعتبار جراح العبد بعد البرء بقيمته (٤) ولم يقل ذلك في موضحته ومنقلته ومأمومته وجائفته؛ لأن سائر الجراحات إذا برئت نقصها ثابت قائم، وهذه الأشياء إذا برئت عادت لهيئتها, ولم تنقص من العبد شيئًا، فلو روعي برؤها (٥)، لأدى (٦) ذلك إلى ذهاب جناية الجاني، ولم يتعلق عليه من أجلها شيء، فلم يكن بد (٧) من عقل المقدار الذي ذكر، قاله عبد الحق (٨).
١١٤٣ - وإنما يقتص للحر من العبد والكافر في النفس، ولا يقتص له منهما في الطرف؛ لأن أطراف العبد والكافر بالإضافة إلى طرف الحُر المسلم بمثابة اليد الشلاء أو الناقصة (٩) نقصانًا كثيرًا فإِنها لا تستوفي في اليد الكاملة، وإن رضي المجروح بذلك، فإن ذلك لا يكون في معنى القصاص، بل في معنى العذاب، وأما النفوس فلا يتصور فيها الناقص والكامل لاستواء المريض والصحيح والمزمن (١٠) وغيره، فلم يكن قتل الكافر بالمسلم ولا العبد بالحر من أبواب المثل والعذاب، بل جار على أبواب القود،
стр. 703
ولا ينعكس (١) (ذلك) (٢) حتَّى يقتل الحُر بالعبد ولا المسلم بالكافر نظرًا (٣) إلى التفاوت في الدين، وهو غاية (في) (٤) الحسن.
تنبيه: قد صار جماعة من أصحابنا المالكية إلى ترجيح قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم، وقالوا لا فرق بين النفس والطرف، وإذا كان العبد يقتل بالحر، والكافر بالمسلم، فكذلك ينبغي أن يكون في الأطراف فيخير (٥) الحُر بين أن يقتص منه (٦)، أو يأخذه بدية الجرح إلَّا أن يفيديه سيده وكلامهم قوي جدًّا، ولكن الفرق لمالك ما قدمنا.
١١٤٤ - وإنما قال ابنِ القاسم (٧): في السن تطرح خطأ ثم ترد فتثبت (٨) يغرم الجاني عقلها تامًّا، وقال في الأذن إذا ردت في الخطأ فتثبت (٨) لا دية فيها؛ لأن الأذن إذا ردت استمكنت (٩) وعادت لهيئتها وجرى فيها الدم، والسن لا يجري فيها دمها, ولا ترجع كما كانت، وإنما ترد (١٠) للجمال (١١).
١١٤٥ - وإنما قالوا في العين إذا زال بياضها وقد أخذ لها الدية قبل (السنة) (٢) أو بعدها أن عليه ردها، وإذا رد السن في الخطأ كان له العقل؛ لأن السن لا يكاد يعود (١٢) إلى هيئته ولا يرجع إلى قوته، وهو قد سقط وزال عن موضعه حقيقة، وأما البياض فلم يذهب عنه النظر، ولو ذهب لم يعد،
стр. 704
وإنما كان ساترًا فزال الساتر ورجع إلى حاله في النظر، فهذا مفترق.
١١٤٦ - وإنما قال ابن القاسم لا ينتظر بالعين الدامعة انقضاء السنة، وينتظر (١) انقضاؤها بالعين المنخسفة (٢) لأن انخسافها جرح ولا بد من برئه، فينتظر (٣) ذلك، وأما العين الدامعة فقد تبقى على حالها تدمع أبدًا، وهو موجود في النَّاس من لا يرقى دمعه (٤) البتة، فلم ينتظر فيها شيء (بعد مرور الفصول الأربع عليها) (٥).
١١٤٧ - وإنما قال ابن القاسم في العين يؤخذ عقلها ثم يذهب البياض أنَّه يرد العقل، وقال في الدابة تضل فيغرم المتعدي قيمتها ثم توجد أنها تكون له (٦)؛ لأن رب الدابة لو شاء لم يعجل بقيمتها.
١١٤٨ - (وإنما) (٧) قال في المدونة (٨): إذا قطع يمين رجل، ولا يمين له، أو له يمين شلاء، ديتها في ماله، لا على عاقلته، وقال في المأمومة (٩) والجائفة (١٠) ديتها على عاقلته (١١)، والجامع أن كل واحد منهما جراحة
стр. 705
عمدًا (١) ارتفع فيها القصاص، فوجب أن تكون (٢) في مال الجاني؛ لأن الجائفة (والمأمومة) (٣) موضعها قائم، ولا قود (٤) فيها ولا كذلك اليد.
١١٤٩ - وإنما قال في المدونة (٥): إذا طرحت من صبي ثم عادت لهيئتها أنَّه يرد العقل، وإذا طرحت من الكبير ثم عادت لم يرد؛ لأن من الصبي لا بد أن يسقط عند الإِثغار غالبًا، فكأنه لم يسقط له شيء، بخلاف الكبير.
١١٥٠ - وإنما قال في المدونة (٦) في سن الصبي إذا قلعت عمدًا لا قصاص (٧) فيها حتَّى ييئس من نباتها، وفي سن الكبير يقتص من غير استيناء؛ (لآن من الصبي لا يماثل سن الكبير) (٣)؛ لأن سن الصبي تنبت وسن الكبير لا تنبت إذا نزعت، فإِذا لم تنبت (سن الصبي) (٨)، فقد صار مثل سن الكبير فوجب القصاص.
١١٥١ - وإنما قبلت تدمية المرأة والمسخوط، ولم تقبل تدمية الصبي والعبد والنصراني؛ لأن المسخوط له أهلية الشهادة، ومن جنس من (٩) تجوز شهادته، وقد يعد له قوم آخرون، وكذلك المرأة تجوز شهادتها في بعض الأحوال، فلذلك قبلت تدميتها، والصبي والعبد والنصراني بخلاف ذلك.
تنبيه: فرق في المدونة (١٠) بين الصبي والمرأة والمسخوط بأن الصبي إذا أقام (١١) شاهدًا واحدًا على حقه لم يحلف مع شاهده. قال: ولو أن