← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20590

فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام

زكريا الأنصاري

Полный текст (693 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما خبر "تمضمضوا واستنشقوا" فضعيف.

стр. 72

والمضمضة مقدمة على الاستنشاق شرطًا لا سنة، وقدمت عليه لشرف منافع الفم على منافع الأنف، لأنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، ومحل الأذكار الواجبة والمندوبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (ثمَّ غسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُم كَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلى المِرْفَق) أي معه (ثَلاثَ مَراتٍ) والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء أفصح من كسرها. عظم الذراع مع عظم الساعد. وقيل عظم الذراع فقط (ثُم الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) أي ثلاث مرات (ثُمَّ مَسَحَ بَرأْسِهِ ثُم غسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الكَعْبَين ثَلاثَ مَراتٍ) والكعبان العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم (ثُم الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَال: رَأيتُ النبِي ﷺ تَوَضَأ وضُوءًا نَحْوَ وُضوئِي هَذَا، رواه الشيخان). قال النووي في شرح مسلم: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة، وأن الثلاث سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة وثلاثًا ثلاثًا وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين وبعضها مرة. قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله والثلاث هي الكمال.

стр. 73

والواجب في مسح الرأس مسح بعضه بشرًا أو شعرًا في حده. قال في المجموع ويسن التثليث فيه، روي في خبر علي ﵁ بإسناد حسن كما قاله البيهقي. ٣/ ١٦ - (وعن عبد الله بن زيد) هو ابن عاصم ﵄ في صفة الوضوء ثم أدْخَلَ ﷺ يَدَه في الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ) كما مر بيانهما آنفًا (مِنْ كَفٍ وَاحِدَةٍ يفعل ذلك) أي كلا منهما بغرفة واحدة (ثَلاثًا) من المرات بأن يغترف ثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق وهذه أفضل كيفيات خمس، ثانيها وثالثها أن يغترف غرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق منها ثلاثًا أو يتمضمض منها ثم يستنشق مرة كذلك ثانية وثالثة ورابعتها: أن يغترف غرفتين يتمضمض من واحدة ثلاثًا ثم يستنشق بالأخرى

стр. 74

ثلاثًا. وخامستها أن يغترف ست غرفات يتمضمض منه ثلاث ثم يستنشق بثلاث. (ثُم) أدْخَلَهَا (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُم غَسَلَ يَدَيه) إلى المرفقين (مرَّتين مرتَين ثم أخَذَ بِيَدِيِه ماء فَبَدَأ ﷺ بمقدّم رأسِه حتى ذَهَب بِهِمَا إلى قَفاهُ ثم رَدَّهُما إلى المكانِ الذِي بَدَأ منْهُ) هو مع ما قبله بعض حديث رواه الشيخان. والسنة في كيفية مسح الرأس أن يضع يديه على مقدمه ويلصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى ما بدأ منه. هذا إن كان له شعر ينقلب. وإلا فليقتصر على الذهاب وهو مخير بين أن يمسحه كله أو يمسح ما قل منه. ويتيمم بالمسح على نحو عمامته كما سيأتي في خبر المغيرة. واستشكل الحديث بحديث. "بدأ النبي ﷺ بمؤخر رأسه وموالي جهة الوجه ثم رجع من مقدمه إلى

стр. 75

المؤخر" رواه الترمذي وحسنه. ثم أجاب بأن حديث عبد الله بن زيد أصح وأجود إسنادًا. وحمل بعضهم الثاني على بيان الجواز. ٤/ ١٧ - (وعن ابن عمرو ﵄ في ذَلِكَ) أي فيما ذكر من صفة الوضوء (قَال: ثم مَسَحَ ﷺ بِرَأسِهِ، وَأدْخَلَ إِصبَعَيه السبَّاحَتَين بأُذنَيه ومَسَحَ بِإِبْهَامَيهِ ظَاهِرَ أذنَيهِ. رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه). ومسح الأذنين يكون بماء جديد غير بلل الرأس ومحل ذلك بعد مسح الرأس للاتباع والسنة في كيفيته أن يدخل مسبحتيه في صماخيه ويديرها على المعاطف ويمرانها منه على ظهريهما ثم يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استظهارًا، والمراد منهما أن يمسح برأس مسبحتيه صماخيه وبباطن أنملتيهما باطن الأذنين ومعاطفهما. ٥/ ١٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ (إِذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكم مِنْ منَامِه فَلْيَسْتَنْثِر ثَلاثًا فإنَّ الشَيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خيشُومِهِ) وهو

стр. 76

أعلى الأنف (رواه الشيخان). وفيه ندب الاستنثار ثلاثًا بعد استيقاظه من النوم، والاهتمام بتعليل الأحكام لأنه أدعى للقبول والعمل بها وأثبت في القلوب وقوله فإن الشيطان يبيت على خيشومه. قال القاضي عياض: يحتمل بقاؤه على حقيقته إذ الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها، وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه، وسوى الأذنين، وفي الحديث "إن الشيطان لا يفتح غلقًا". وجاء في التثاؤب الأمر بكظم الفم من أجل دخول الشيطان حينئذ فيه. قال: ويحتمل أن يكون استعارة فإنما ينعقد من الغبار ورطوبة الخيشوم قذارة توافق الشيطان.

стр. 77

٦/ ١٩ - (وعنه) أي أبي هريرة مرفوعًا (إذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكم مِنْ نَوْمِه) ولو بالنهار والتقييد بالليل في رواية أبي داود "إذا قام أحدكم من الليل، جرى على الغالب" (فَلا يَغْمِسْ) بالجزم (يَدَة فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا. فإِنَّه لا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ) أي صارت يده، (رواه الشيخان إلا ثلاثًا فمسلم). وقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده". سببه أن أهل الحجاز كانوا يقتصرون على الاستنجاء بالأحجار وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك المحل النجس فتتنجس. وفي الحديث فوائد نبه على بعضها النووي في مجموعه منها أن الماء القليل إذا ورد عليه نجس وإن قل ولم يغيره تنجس به لأن ما تعلق باليد ولا يرى قليل، وكان من عادتهم استعمال ما صغر من الآنية التي لا تسع قلتين، وتقدم ذلك في باب المياه ومنها الفرق بين ورود الماء على النجس وعكسه حيث تنجس الماء في الثاني دون الأول وإلا لم يكن للنهي معنى ومنها أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالحجر بل يبقى نجسًا. لكنه معفو عنه في حق الصلاة فقط حتى لو انغمس المستنجي بالحجر في ما دون قلتين نجسه.

стр. 78

ومنها ندب الأخذ بالاحتياط في العبادات وغيرها ما لم يخرج من حد الاحتياط إلى الوسوسة. ومنها ندب غسل المتنجس ثلاثًا لأنه إذا أمر به في النجاسة المتوهمة ففي المتحققة أولى. ومنها أنه يكره غمس اليد في الإِناء قبل غسلها ثلاثًا إذا قام من النوم أو شك في نجاسة يده بلا نوم كما أشار إليه بقوله "لا يدري أين باتت يده" وأن الكراهة لا تزول إلا بغسل اليد ثلاثًا، والكراهية في ذلك كراهة تنزيه لا تحريم.

стр. 79

فرع: إذا كان الماء في إناء كبير أو صخرة مجوفة لا يمكن أن يصب منه على يده وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه أو بطرف ثوبه أو باستعانة غيره ثم يغسل به كفيه. ٧/ ٢٠ - (وعن) أبي رزين (لَقِيط) بفتح اللام وكسر القاف ابن عامر (بْنِ صَبِرَةَ) بفتح الصاد وكسر الموحدة أشهر من إسكانها مع فتح الصاد وكسرها العقيلي الطائفي ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ أسْبغ الْوُضُوءَ) أي عمم أعضاء الوضوء بالماء (وَخَلَّلْ) بالماء (بَينَ الأصَابع) وهو في أصابع اليدين بالتشبيك، وفي أصابع الرجلين من أسفلهما بخنصر يده البسرى مبتدئًا بخنصر رجله اليمنى خاتما بخنصر اليسرى. (وبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ) بأن تُصَعِّدَ الماء بالنفس إلى الخيشوم (إِلا أنْ تَكونَ صَائِمًا) فلا تبالغ خوف الفطر بل تكره المبالغة له (رواه الترمذي وغيره وصححوه). وفي رواية لأبي داود "إذا توضأت فمضمض" ويبالغ غير الصائم في

стр. 80

المضمضة أيضًا للأمر به في خبر الدولابي بأن يبلغ بالماء أقصر الحنك ووجهي الأسنان واللثات، وقيل يبالغ في المضمضة وإن كان صائمًا لأنه يمكنه رد الماء فيها بإطباق حلقه عن وصوله إلى جوفه بخلافه في الاستنشاق، والمذهب الأول إذ لا يأمن سبق الماء في المبالغة في المضمضة بغفلة أو نحوها والمبالغة سنة لا واجبة والأمر بها محمول على الندب لخبر "تؤضأ كما أمرك الله" كما مر نظيره. ٨/ ٢١ - (وعن أبي عمر وأمير المؤمنين عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي المكي ثم المدني ﵁ قَال كانَ النبي ﷺ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ) بكسر اللام أفصح من فتحها في الوضوء (رواه الترمذي وغيره وصححوه). وتخليل اللحية -وهي الشعر النابت على الذقن- سنة إن كانت كثيفة، ولحيته الكريمة كانت كثيفة، وتخليلها بأن يدخل أصابعه من أسفلها بعد تفريقها، وكاللحية في ذلك بقية شعور الوجه الكثيف الخارجة عنه، وكذا غير الخارجة عنه إن كان لحية أو عارضًا لغلبة كثافتها العارض ما ينحط عن القدر المحاذي للأذن والكثيف ما لا ترى بشرته في مجلس التخاطب، والخفيف

стр. 81

بخلافه، وهذا كله في الرجل أما المرأة والخنثى فيجب غسل ذلك كلة منهما باطنًا وظاهرًا كثيفًا وخفيفًا. ٩/ ٢٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سَمعْت النَّبيَّ ﷺ (فهو مفعول سمعت (يَقولُ) حال دالة على محذوف مضاف للمفعول أي سمعت كلامه لأن الذوات لا تسمع، وقيل مفعول ثان لسمعت وأتى به مضارعًا بعد سمع الماضي حكاية لحال وقت السماع أو لإِحضار ذلك في ذهن السامع (إن أمَّتِي) أي أتباعي من المؤمنين (يدعَوْنَ) أي يسَمُون أو يطلبون إلى المحشر أو الجنة أو نحوهما، والمفعول الثاني ليدعون بمعنى يطلبون محذوف مجرور بإلى كما في قوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. ويجوز عدم اعتباره يوم القيامة أي قيام الناس من قبورهم لرب العالمين لأجل حسابه وجزائه (غُرًّا - مُحَجَّلِينَ) حال أو مفعول ثان ليدعون بمعنى يسمون، والغر جمع أغر من الغرة وهي بياض في وجه الفرس، والمحجلين من

стр. 82

التحجيل وهو بياض في قوائم الفرس أو ثلاث منها أو رجليه، سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غره وتحجيلًا تشبيهًا بالبياض في وجه الفرس وقوائمها، فالمعنى يدعون بيض الوجوه واليدين والرجلين كالفرس الأغر المحجل (مِنْ) سببية أو ابتدائية (آثَارِ الوُضُوءِ) ولا يعارض هذا خبر الترمذي "إن أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء" إذ يجوز أن يكون للغرة في الوجه سببان الوضوء والسجود (فمنِ اسْتَطَاع مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) أي وتحجيله كما في رواته وحذفه اكتفاء بالغرة كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي والبرد، أو لاقترانها به، قيل وخصت بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة ولما قيل أنها تطلق على التحجيل. (فَلْيَفْعَلْ) إطالة ذلك طلبًا لفضيلتها، (رواه الشيخان) لكن في رواية مسلم "يؤتون" بدل يدعون و "أثر" بدل آثار وفيه ندب إطالة الغرة والتحجيل، والمراد بالغرة غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائد على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه وبالتحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق، وفيه

стр. 83

أيضًا أن الوضوء مختص بهذه الأمة، ويوافقه خبر مسلم "لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون عليّ غُرًّا محجلين من أثر الوضوء" وقيل ليس مختصًا بها وإنما المختص بها الغرة والتحجيل لخبر "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي". وأجاب الأول عنه بأنه حديث ضعيف وبأنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أمتهم بخلاف هذه الأمة وفيه ما أطلعه الله تعالى لنبيه محمد ﷺ من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة. ١٠/ ٢٣ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ: كَانَ النَّبي ﷺ يعْجِبه التَّيمُّن) ويقال فيه التأمن والتيامن والمراد بالتيمن الجانب الأيمن وفعل الشيء باليمين (في تَنَعُّلِهِ) أي لبسه النعل (وَتَرَجُّلِهِ) بمعنى ترجيله أي تسريحه شعره

стр. 84

(وَطُهُورِ) أي تطهره (وَفي شَأْنِهِ كُلّهِ) أي مما كان من باب التكريم والتزيين كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والخروج كحن الخلاء، ونحوه من المستقذرات وتقليم الظفر ونتف الإِبط والتختم والاستياك، فيبدأ فيه بالجانب الأيمن من الفم ويمسك السواك بيمينه، وذلك لشرف الأيمن فخص بالفضائل، ولأن اليمين يرجى أن يؤخذ بها الكتاب يوم القيامة فقدمت في أعمال البر، بخلاف ما ليس من باب التكريم والتزيين كدخول الخلاء ونحوه والخروج من المسجد والاستنجاء ونزع الثوب والنعل فإنما يبدأ فيه بالأيسر ويفعل باليد اليسرى لمناسبتها لذلك، وعلى ما تقرر يحمل خبر أبي داود. عن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يجعل يمينه لطعامه وشرابه ويجعل يساره لما سوى ذلك، فلو عكس كأن قدم غسل اليسرى في الوضوء على اليمنى لم يؤثر في الصحة لكنه يكره كراهة تنزيه للنهي عنه في خبر ابن حبان ومنع من حمله على التحريم الإِجماع على عدم تحريمه كما منع من حمل الأمر بالابتداء في خبر ابني خزيمة وحبان "إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم" على الوجوب ويستثنى من سن التيامن فيما مر الخدان والعينان والأذنان والمنخران والكفان فلا يُسَنّ التيامن فيها بل المعية إلا أن يكون أقطع فيسن التيامن (والحديث

стр. 85

رواه الشيخان) وفيه أن التأكيد لا يرفع المجاز فإنه قد أكد عمومه بِكُلّ مع أنه خاص كما تقرر. فرعان: أحدهما لو تعارض التنعل والخروج من المسجد خرج منه بيساره ووضعها على نعله اليسرى بلا لبس، ثم خرج باليمنى ولبسها ثم لبس اليسرى. ثانيهما يستحب إذا تثائب أن يضع يده على فيه كما رواه مسلم وهل يضع اليمنى تبركًا بها كما في تنعله أو اليسرى لأنها لتنحية الأذى كالاستنجاء. فيه احتمالان للمحب الطبري ثم قال والثاني أنسب. ١١/ ٢٤ - (وعن) أبي عيسى (المُغِيرَة) بضم الميم أشهر من كسرها (بن سعيد الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ تَوَضَّأ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتهِ) وهي مقدم رأسه (وَعَلى العِمَامَةِ، رواه مسلم وغيره) وهو مما احتج به أئمتنا على أن مسح بعض الرأس كاف عن مسح جميعه إذ لو وجب جميعه لما اكتفى

стр. 86

بالعمامة عن الباقي، إذ الجمع بين الأصل والبدل في عضو واحد لا يجوز، كما لو مسح على خف واحد وغسل الرجل الأخرى كذا قاله النووي في شرح مسلم، وإنما يسن التيمم بالعمامة لتكمل الطهارة على جميع الرأس سواء عسر رفعها عن الرأس أم لا، وسواء وضعها على طهر أم حدث، ولو اقتصر عليها لم يجز لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والعمامة ليست برأس ولأن الرأس عضو طهارته المسح فلم يجز المسح على حائل دونه كالوجه واليد في التيمم، وعبر في الرأس بالباء وفي العمامة بعلى إشارة إلى موافقة الآية الدالة على أن مسح بعض الرأس كاف وإن قل وإن لم يكن بأعلى الشعر إذ الباء للإِلصاق والرأس اسم جنس فيكفي في مسحه ما قلنا. وبالثاني إلى اعتبار تعميم المسح بأعلى العمامة، وكالعمامة فيما ذكر القلنسوة ونحوها. وإنما اقتصر على العمامة لأنها الغالب فيما يراد هنا بلا تكلف. ١٢/ ٢٥ - (عَنْ أبِي عبد الله جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي المدني (رَضِيَ الله تعالى عَنْهُما) في صفة الحج (قَال النبي ﷺ ابْدَأوا بِمَا بَدَأ الله بِه. رواه النسائي بإسناد صحيح) وهو ما احتج به أئمتنا على وجوب الترتيب في أفعال الوضوء.

стр. 87

١٣/ ٢٦ - (وَعَنْ أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يَتَوَضأ بِالمُدِّ) وهو رطل وثلث بالبغدادي (وَيَغْتَسِل بِالصَّاعِ) وهو أربعة أمداد وله الزيادة (إِلَى خَمْسَةِ أمْدادٍ. رواه الشيخان، إلا قوله خمسة أمداد فمسلم). وظاهر الحديث سن الاقتصار على المد والصاع وظاهر قول الشافعي والأصحاب يسن أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد والغسل عن صاع أعم من ذلك. وصرح الشيخان بأن المد والصاع تقريب لا تحديد. وأجمعوا على أن ماء الوضوء والغسل لا يشترط فيه قدر معين بل إذا استوعب الأعضاء كفاه بأي قدر كان. قال الشافعي ﵀ وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي. ويدل على جواز النقص عن صاع ومد مع الإِجماع خبر مسلم عن عائشة "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من

стр. 88

ذلك" وخبر النسائي وغيره بإسناد حسن عن أم عمارة الأنصارية "أن النبي ﷺ توضأ من إناء فيه قدر ثلثي مد". فرع: يكره الإِسراف ولو بشاطئ البحر في ماء الوضوء والغسل كراهة تنزيه وقيل كراهة تحريم.

стр. 89

باب المسح عَلى الْخُفينِ ١/ ٢٧ - (عَن المُغيَرةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قال كُنْتُ مَع النَّبي ﷺ ) في سفر لغزوة تبِوك (فَتَوَضّأ) غير قدميه (فَأهْوَيتُ) أي مددت يدي (لأنْزعَ) بكسر الزال (خُفَّيْهِ، فَقَال دَعْهُمَا) أي اتركهما (فإني أدْخَلْتُهُمَا) يعني القدمين في الخفين (طَاهِرَتَينِ) بطهر الوضوء، والمعنى أدخلت كلا منهما في حال كونهما طاهرتين (فمَسَحَ عَلَيهِمَا) أي على الخفين (رواه الشيخان) وفيه جواز المسح على الخفين وهو جائز بإجماع من يعتد به في السفر والحضر ولو بلا حاجة. وقد روى المسح عليهما خلائق لا يحصون من الصحابة لكن غسل

стр. 90

القدمين أفضل لأنه الأصل. نعم إن أحدث لابسه ومعه ما يكفي المسح فقط وجب كما قاله الروياني أو ترك المسح رغبة عن السنة أو شكا في جوازه أو خاف فوت الجماعة أو عرفه أو إنقاذ أسير أو نحوها. فالمسح أفضل بل يكره تركه في الأولين وكذا القول في سائر الرخص. وفيه أيضًا اعتبار كمال طهارة القدمين لإِدخال كل منهما حتى لا يكفي غسل أحدهما وإدخاله ثم غسل الأخرى وادخاله خلافًا لبعضهم، وأن المسح لا يكفي إلا على أعلى الخف ولا يجوز الجمع بين الغسل والمسح بأن يغسل إحدى القدمين ويمسح على خف الأخرى. ٢/ ٢٨ - (وعن أبِي بَكْرَة) نفيع بن الحارث بن كلده بفتح الكاف

стр. 91

واللام الثقفي البصري ﵁ قَال: أرْخَصَ النّبي ﷺ لِلْمسَافِر) أي سفر القصر (ثَلاثَةَ أيامٍ وَلَيَاليهن ولِلْمقيمِ) ومثله المسافر سفر غير القصر (يَوْمًا وَلَيلَةً وَإِذَا تَطَهرَ فَلَبِس خفيهِ أنْ يَمْسَحَ عَلَيهِمَا. رواه الدارقطني وحسنه غيره) وابتداء المدة من آخر الحدث بعد لبس الخف وإن كان ابتداء تمامها من المسح حتى لو مضى قدرها من الحدث ولم يمسح انقضت مدة المسح ولم يجز المسح حتى يستأنف لبسا على طهارة ولو مسح خضرا ولو إحدى الخفين ثم سافر سفر قصر أو عكس لم يتم مدة المسافر تغليبا للحضر لأصالته، فيقتصر في الأول على مدة الحضر وكذا في الثاني إن أقام قبل مدته وإلا وجب النزع. ومحل جواز المسح المدة المذكورة في غير دائم الحدث والمتيمم لا لفقد الماء أما هما فإنما يمسحان لما يحل لو بقي طهرها الذي لبسا عليه الخف وذلك فرض ونوافل أو نوافل فقط، فلو كان حدثهما بعد فعلهما الفرض لم يمسحا إلا للنوافل، أو مسحهما مرتب على طهرهما وهو لا يفيد أكثر من ذلك،

стр. 92

فلو أراد كل منهما أن يفعل فرضًا آخر وجب نزع الخف والطهر الكامل، لأنه محدث بالنسبة إلى ما زاد على فرض ونوافل فكأنه لبس على حدث حقيقة، فإن طهره لا يرفع الحدث كما مر، أما المتيمم لفقد الماء فلا يمسح شيئًا إذا وجد الماء لأن طهره لضرورة وقد زال بزوالها، وكذا كل من دائم الحدث والمتيمم لغير فقد الماء إذا زال عذره كما في المجموع. ٣/ ٢٩ - (وعَنْ أمِير المؤْمِنينَ عَلي) بن عبد مناف أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ﵁ قَال: لَوْ كانَ الدِّين بالرّأي) أي بالاعتقاد وَحْدَه (لَكانَ أسْفَل الخف) وهو ما يمس الأرض (أوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أعْلاه وَقَدْ رَأيت النبي ﷺ يَمْسَح عَلَى ظَاهِرِ خفَّيْهِ، رواه أبو داود والبيهقي بإسناد حسن). قال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره: معنى قول علي "لكان مسح الأسفل أولى" لكونه يلاقي القاذورات لكن الرأي متروك بالنص على الاقتصار على

стр. 93

الأعلى، وقد ثبت الاقتصار عليه دون الأسفل بالنص والمعتمد في الرخص الاتباع، فالواجب الاقتصار على الأعلى وأما مسح الأسفل معه استحبابًا فعلى طريق التبع للأعلى لاتصاله به.

стр. 94

بابُ أسْبَاب الحَدَثِ هي جمع سبب وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره. وشرعًا: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدم العدم لذاته والمراد بالحدث عند الإِطلاق -كما هنا- الأصغر غالبًا. وهو لغة: الشيء الحادث وشرعًا: أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لأمر خص. وفي ذلك زيادة ذكرتها في شرح المنهج وغيره. ١/ ٣٠ - (عن عَائِشَةَ ﵂. أن فَاطِمَةً بِنْتُ أبي حُبَيشٍ) بضم المهملة وفتح الموحدة بعدها مثناة تحتية ثم شين معجمة ابن عبد المطلب (سألَت النبي ﷺ فَقَالتْ: إِني أسْتَحَاضُ) ببنائه للمفعول ولا يستعمل مبينًا للفاعل- وأصله من الحيض والزوائد التي لحقته للمبالغة كما يقال قرَّ في المكان ثم يزاد للمبالغة فيه فيقال استقر.

стр. 95

والاستحاضة: جريان الدم من الرحم في غير أوانه يخرج من عرق في أدنى الرحم يسمى بالعاذل بعين مهملة وذال معجمة على المشهور بخلاف الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم (أفَأدَعُ الصلاةَ) أي أفأتركها كما تتركها الحائض (فَقَال: لَا) تدعيها كغيرها من العبادات ما لم يمنع منه مانع فقال ﷺ (إِن دَمَ الْحَيضِ أسْوَدٌ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ) بكسر الكاف لأن الخطاب لمؤنث (فَأمْسِكي فَي الصَّلَاةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ فَإذَا كَانَ الآخَر) وهو دم الاستحاضة (فَتَوَضئِي وصَلِّي وَإِنَمَا هو عرْقٌ) بكسر أوله وإسكان ثانيه يسمى بالعاذل كما مر أي فإنما هو دم عرق وروي فإنما هو داء يعرض أو ركضة -أي دفعة من الشيطان- أو عرق انقطع". والحديث رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان والحاكم وأصله في الصحيحين).

стр. 96

وفيه ثبوت الحيض، ووجوب ترك الصلاة منه، ووجوب الوضوء من الخارج من الفرج عند انقطاعه. وفيه أن من وقعت له واقعة يستفتي عنها، وأن المرأة تشابه الرجل في استفتائها عما يتعلق بها، وأنه يجوز استماع صوتها عند الحاجة، وأن من عليه الدم لا يترك الصلاة، وأن الدم السائل من فصد أو غيره لا ينقض الطهر، ومحل بسط الكلام على حكم المستحاضة كتب الفقه وقد أوضحت ذلك في شرح الروض وغيره وسيأتي بعضه في باب الحيض. ٢/ ٣١ - (وَعَنْ أمير المؤمنين عليٍّ ﵁ قَال كنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) يحتمل أن يكون حكاية عما مضى وانقطع عنه حين اختاره ويحتمل وهو الأظهر أنه على حد قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾ وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ في أن كان للدوام أو زائدة عند بعضهم، فيكون خبرها وصفًا دائمًا للمخبر عنه، ومذاء بالتشديد والمذاء كثير المذي بمعجمة على الأفصح، وهو ماء أبيض وقيل أصفر رقيق يخرج غالبًا عند ثوران الشهوة بلا شهوة ولا دفق ولا يعقبه فتور (فَأمَرْتُ المِقْدَادَ) بن الأسود (أنْ يَسْألَ النّبي ﷺ )

стр. 97

عن حكم ذلك (فَسَألَهُ فَقَال: فيه الوُضُوء، رواه الشيخان). وفي رواية لابن حبان "فأمرت عمار بن ياسر" وفي أخرى. لابن خزيمة "أن عليًّا سأل النبي ﷺ " وجمع ابن حبان بينهما بأنه يحتمل إنه أمر عمارأ أن يسأل ثم المقداد أيضًا ثم سأل بنفسه. وفي رواية الصحيحين "كنت رجلًا مذاءً فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني فأمرت المقداد فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ. وفي الحديث أن المذي لا يوجب الغسل، وأنه يوجب الوضوء وأنه يجوز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به لأن عليًّا اقتصر على قول غيره مع تمكنه من النبي ﷺ . وفي الرواية الأخيرة نجاسة المذي لإِيجاب غسل الذكر واختلفوا هل

стр. 98

يغسل منه كل الذكر أو محل النجاسة فقط. فالشافعي والجمهور على الثاني وغيرهم على الأول لظاهر الحديث. ٣/ ٣٢ - (وعَنْ بُسْرَةَ) بضم الباء وإسكان المهملة (بِنْتِ صَفْوَانَ) بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ﵄ قالت: قَال النَّبي ﷺ مَنْ مَسّ ذَكَرَه فَلْيَتَوَضَّأْ، رواه الشافعي وأبو داود والترمذي وغيرهم). قاك الترمذي وغيره إنه حسن صحيح.

стр. 99

وفيه أن مس ذكره يوجب الوضوء وأفحش منه مس دبره ومس فرج غيره، فيجب بمس كل منهما الوضوء بشهوة أو دونها سليمًا كان العضو، أو أشل متصلًا أو منفصلًا. وأما خبر طلق بن علي سئل النبي ﷺ عن مس الذكر في الصلاة فقال: "هل هو إلا بضعة منك" وهي بفتح الباء القطعة، فضعيف أو منسوخ بخبر بسرة أو محمول على المس بحائل كما هو المناسب لحال

стр. 100

المصلي وشرط المس الموجب للوضوء: أن يكون ببطن الكف لخبر ابن حبَّان في صحيحه "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ". إذ الإِفضاء باليد لغة المس ببطن الكف، والمراد به ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع تحامل يسير. وبالفرج فرج الآدمي فلا ينقض مس فرج البهيمة، إذ لا حرمة لها في وجوب ستره، وتحريم النظر إليه ولا تعبد عليها. ٤/ ٣٣ - (وعن عبد الله بن زيد ﵄ قال شكي إلى النبي ﷺ ) ببناء شكي للمفعول وهو (الرَّجُلَ) يقال شكوت أشكو قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وقيل الياء أصلية يقال شكيت أشكي ويجوز بناؤه للفاعل ونصب الرجل بأنه مفعول وهو الأنسب، يكون الشاكي هو عبد الله بن زيد كما ذكره البخاري، وعلى هذا كان مقتضاه أن يقول شكوت أو شكيت لكنه عبر عنه

стр. 101

بلفظ الغيبة لأنه أعم، والتقدير شكي إليه حال الرجل، وذكر الرجل مثال فغيره من المرأة والخنثى كذلك. (خُيِّلَ إِلَيه) من خيل إليّ كذا أي أوقع في خيالي ونفسي أو من خلت أخاك يعني ظننت، والجملة حال من الرجل بجعل أل فيه للتعريف أو صفة له بجعل أل فيه للجنس كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]. قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ويخيل مبني للمفعول وهو (أَنَّهُ يَجِدُ) بكسر الجيم أشهر من ضمها (الشّيءَ) يعني الحركة في الدبر التي يظن بها أنها حدث وليست كذلك (فِي الصَّلاةِ. فقال ﷺ لا يَنْصَرِفُ) منها (حَتَّى يَسْمَع صَوْتًا أَوْ يَجِد رِيحًا) يعني حتى يتيقن ذلك لأنه قد يكون أصم أو أخشم، وذكر ذلك إنما هو جري على الغالب وخروج على سؤال. (والحديث رواه الشيخان) ورواه البزار بلفظ "يأتي أحدكم

стр. 102

الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنَّه أحدث ولم يحدث فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا وفيه أن خروج الخارج من القبل أو الدبر يوجب الحدث بخلاف الشك فيه، وأخذ منه قاعدة عظيمة وهي أن اليقين لا يرفع بالشك، والمراد به مطلق التردد الشامل للظن والوهم فيعمل باليقين استصحابا له، فمن تيقن الطهر وشك في ضده أخذ بالطهر سواء كان في صلاة أم لا، والصلاة إنما قدرت في الجواب لذكرها في السؤال فلا يعتبر في الحكم كما لا يعتبر فيه كونه في المسجد كما جاء في رواية. والكلام على القاعدة المذكورة مع ما يتعلق بها مبسوط في كتب الفقه.

стр. 103

باب قَضَاء الحَاجَةِ هو كناية عن إخراج البول أو الغائط من الفرج ١/ ٣٤ - (عَنْ أَنَسْ رضي الله تعالى عنه قال كان النبي ﷺ إِذَا دَخَلَ) أي أراد أن يدخل (الخَلَاء) بالفتح والمد، وأصله المكان الخالي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثمَّ غلب في موضعه، ويسمى بالكنيف لما فيه من التستر إذ معنى الكنيف الساتر، ويسمى أيضًا بالمرحاض والغائط والمذهب والمرفق والحشر والبراز، بفتح الموحدة وسمي مكانها بالخلاء لخلائه في غير أوقات الحاجة، ولأن الشيطان الموكل به اسمه خلا، والخلاء منصوب بأنه مفعول به لا بالظرفية لأنَّ دخل عدته العرب بنفسه إلى كل ظرف مكان مختص، نقول دخلت الدار ودخلت المسجد ونحوهما، كما عدّت ذهب إلى الشام خاصة فقالوا ذهبت إلى الشام، ولا يقولون ذهبت العراق (قَال اللهمَّ) أصله يا الله حذفت يا وعوض عنها الميم وشددت ليكون على حرفين كالمعوض عنه.

стр. 104

وقد يقال فيه لاهم بحذف أل (إني أعوذُ) أصله أعوذ بسكون العين وضم الواو واستثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى العين فبقيت الواو ساكنة، أي أستجير وأعتصم (بِكَ مِنْ الخُبُثِ والخَبائِثِ) أي ذكران الشياطين وإناثهم هو تفسير من زيادتي لما قبله باللف والنشر المرتب إِذْ الخبث بضم الخاء مع ضم الباء وإسكانها جمع خبيث، وهو ذكر الشياطين والخبائث جمع خبيثة وهي أنثاهم، وقيل الخبث الشياطين والخبائث المعاصي، وقيل الخبث الشياطين والخبائث البول والغائط وقيل غير ذلك واستعاذة النبي ﷺ من ذلك إنما هي إظهار للعبودية وتعليم للأمة وإلا فهو معصوم منه (والحديثُ رَوَاه الشّيخَان). وفيه استحباب الذكر المذكور لأنَّ "كان" في مثله كثيرًا ما يدل على المداومة استعمالًا مع أن ذلك مجمع عليه سواء فيه البنيان والصحراء، لأنَّ مكان قضاء الحاجة يصير مأوى الشياطين بخروج الخارج، وتسن التسمية

стр. 105

قبله، وقد جاء في رواية من حديث أنس هذا "بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". ويخالف التعوذ في القراءة في الصلاة وغيرها. فإن التعوذ مقدم ثَمَّ، لأنه ثَمَّ للقراءة والبسملة من القرآن بخلافه هنا. ٢/ ٣٥ - (وعنه أي عن أنس قال كان النبي ﷺ يَدْخُلُ) أي يريد أن يدخل الخلاء (فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ) قال الواحدي هو الشاب من الناس، وأصله من الغلمة وهي شدة طلب النكاح وهيجان شهوته (نحْوي) أي مقارب لي في السن والحرية (إِدَاوَةً) بكسر الهمزة أي مطهرة (مِنْ مَاءٍ) بيان لما تضمنته الإِداوة مما حوته، وكأنه قال فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة بما فيها من ماء (وَعَنَزَةً) بفتح العين وتاليها وهي حربة ويعبر عنها بعصي في أسفلها زج، وبرمح قصير وإنما كان ﷺ يستصحب العنزة لأنه كان إذا توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه إن كان في غير بناء ليكون حائلًا يصلي إليه، ويحتمل أن يكون استصحبها ليتقي بها من يكيده من المنافقين واليهود فإنهم كانوا يرمون قتله، ولحملها فوائد منها ما ذكر ومنها نبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خشية الرشاش ومنها تعليق الأمتعة بها، والتوكؤ عليها (فَيَسْتَنْجِي بِالماء) الذي حملته أنا والغلام (رَوَاه الشَّيخَان). وفيه خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك واستعانة الرجل الفاضل

стр. 106

ببعض أتباعه الأحرار في حاجاته واستحباب الاستنجاء بالماء ورجحانه على الحجر كما قاله النووي. والماء أفضل من الحجر والجمع بينهما أفضل وبسط ذلك يطلب من كتب الفقه. ٣/ ٣٦ - (وعن أَبِي سَعِيد الخدري ﵁ قَال: قَال النَّبي ﷺ لا) ناهية أو نافية بمعنى الناهية. (يَخْرج الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الغَائِطَ) أي يأتيان الخلاء، حالة كونهما (كَاشِفَينِ عَنْ عَوْرَتِهمَا يَتَحدَّثَانِ، فَإِنَّ الله يَمْقَتُ عَلَى ذَلِكَ، رَوَاهُ أبو دَاود وغيره) بإسناد حسن كما في المجموع وصححه

стр. 107

الحاكم والمقت البغض، وقيل أشده وفي الحديث كراهية التحدث على قضاءِ الحاجة وهي متفق عليها. فإن قلت: لا دلالة في الحديث عليها لأنَّ الذم فيه ليس على التحدث فقط قلنا: بعض موجب المقت مكروه بلا شك ويؤيده رواية الحاكم قال أبو سعيد قال النبي ﷺ في المتغوطين أن يتحدثا فإن الله يمقت على ذلك ذكر ذلك النووي في مجموعه. ٤/ ٣٧ - (وعَنْ أَبِي قَتَادة) الحارث بن ربعي بن بلدمة بفتح الموحدة والدال المهملة، وقيل بضمهما وقيل بذال معجمة مضمومة ابن خناس بضم الخاء المعجمة ثمَّ نون ابن سنان الأنصاري المدني ﵁ قَال: قَال النّبي ﷺ لا يمسكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِه، وَهُوَ يَبُولُ) قضيبه تقيد النهي عما ذكر بحالة البول وجرى عليه بعضهم، والمعتمد خلافه أخذًا برواية ترك فيها هذا القيد، لا يقال يلزم منه ترك حمل العام على الخاص لأنا نقول لا محذور فيه هنا إذ ذاك محله إذا لم يخرج القيد مخرج الغالب، ولم يكن العام أولى بالحكم من الخاص وهنا بخلافه إِذْ الغالب أن مس الذكر إنما يكون حال البول ولأنه إذا نهي عن المس باليمين حالة الاستنجاء مع مظنة الحاجة إليها فعنه في غيرها أولى مع أن كراهة مس الذكر لا تختص باليمين بل اليسار مثلها في غير

стр. 108

حالة البول والاستنجاء (وَلَا يَتَمَسَّحْ) أي يستنجي (مِنَ الخَلَاءِ) أي الغائط سمي باسم مكانه (بِيَمِينِه) بل يفعل ذلك بيساره لأنَّ اليمين لما شرف وعلا واليسار لما خس ودنئ، ولأنه إذا باشر النجاسة بها قد يذكر عند تناوله الطعام على ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك (وَلا يَتَنَفَّسْ) أي لا يخرج نفسه من الفم (فِي الإِنَاءِ) لئلا يتقذر الماء أو نحوه بذلك وليأمن خروج شيء تعافه النفس من الفم، وكل ذي رئة يتنفس بالمعنى المذكور. ودواب الماء لا رئة لها كما نقل عن الجوهري قال والرئة السَّحْرُ وفي القاموس الرئة موضع النفس والريح من الآدمي وغيره، وأما التنفس بمعنى الزيادة كما في قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] وبمعنى التصعد كما في قولهم تنفست القوس إذا تصعدت فمجاز (والحديث رواه الشيخان واللفظ لمسلم) وفيه كراهة كل من الثلاثة المذكورة فيه والجمهور على أنها

стр. 109

كراهة تنزيه ومن عبر من الأصحاب في الأولين بقوله ولا يجوز معناه لا يجوز جوازًا مستوى الطرفيين. قال أئمتنا: ويسن أن لا يستعين باليمين في أمر من أمور الاستنجاء إلا لعذر كأن فقدت يساره ولو كان يستنجي بالحجر وهو صغير جعل عقبه عليه أو أمسكه بين إبهامي رجليه لئلا يستنجي بيمينه ولا يمس ذكره بها فإن لم يكنه ذلك واحتاج إلى الاستعانة بها فالجمهور على أنَّه يأخذه بيمينه والذكر بيساره ويحركها دون اليمين فإن حرك اليمين كان مستنجيًا بها، ومن قال إنه يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويحركها لئلا يستنجي بيمينه فقد غلط لأنه منهي عن مس الذكر بيمينه، ويسن في الاستنجاء أن يستنجي قبل الوضوء للخروج من الخلاف وليأمن انتقاض طهره وأن يبدأ في الاستنجاء بالماء بقبله. ويجب أن يستعمل فيه من الماء ما يظن زوال النجاسة به فإن فعل ذلك ثمَّ شم من يده رائحة النجاسة فقيل يدل ذلك على بقاء النجاسة في محل الاستنجاء، فيجب إزالتها وعليه يسن شم الإِصبع، والأصح لا يدل على بقائها ويدل على بقائها في الإِصبع وعليه لا يسن شم الأصبع.

стр. 110

٥/ ٣٨ - (وعَنْ أَبِي أيوب) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي ﵁ قال: قال: النبي ﷺ إِذَا أَتَيتُم الغَائِط) أي موضع التغوظ (فلا تستقبلوا القبلة) أي الكعبة (بغائط) أي بخارج من الدبر ولا بول (ولا تستدبروها) بشيء من ذلك (ولكن شرِّقوا وغرِّبوا - رواه الشيخان). ورويا أيضًا "أنَّه ﷺ قضى حاجته في بيت حفصة مستقبل الشام مستدبر الكعبة. وروي ابن ماجه وغيره بإسناد حسن أنَّه ﷺ قضاها مستقبل الكعبة. فجمع أئمتنا أخذًا من كلام الشافعي ﵀ بين هذه الأخبار بحمل أولهما المقيد للتحريم على غير البنيان لأنه لسعته لا يشق فيه اجتناب الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان فقد يسن فيه اجتناب ذلك فيجوز فعله كما فعل النبي ﷺ لبيان الجواز وإن كان الأولى لنا تركه. ومحل الثاني إذا استتر بمرتفع ثلثي ذراع بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل بذراع
следующие страницы →