Полный текст (693 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
كتاب الزكاةِ
هي لغة التطهير والنماء وغيرهما، وشرعًا اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص، والأصل في وجوبها قبل الإِجماع آيات كقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾، وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وأخبار كخبر بني الإِسلام على خمس، وخبري ابن العباس ومعاذ، الآتيتين على الأثر.
١/ ٢٣٤ - عن ابن عباس ﵄ أن النَّبِيّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذا إلى اليمَن) فَذَكَر الحديث (وهو أنَّه قَال لَهُ حين بعثه إلى اليمن أنك ستأتي قومًا أهلَ كتاب، فَإذَا جئْتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بِذَلِك، فَأخبرهُم أن الله قدْ فرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يوم وليلة، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فأخْبِرهُم إلى آخِرِه وهو ما ذكرته في قولي، وفِيه فأخبرهم أن الله قد فَرَضَ عليهم صدقةً في أموالهم) أي زكاة، وعمم بقوله فرض عليهم ثم خصص بقوله (تؤخذ مِن أغنيائهم) زيادة في الاهتمام بشأن الزكاة، فذلك أبلغ من قوله ابتداء فرض على أغنيائهم (فتُرد عَلَى
стр. 317
فقرائِهِم أي فقراء المسلمين الذين فرضت عليهم الزكاة، فلا يجوز ردها على فقراء الكفار أو أي على فقراء أهل تلك البلدة، فلا يجوز نقلها إلى فقراء غير بلد المال، والمراد بالفقراء هنا ما يشمل الأصناف الثمانية المستحقين في الزكاة لا الفقراء بالمعنى الأخص. (فإنْ هُمْ أطَاعُوا) أي انقادوا لك بذلك وأطاع، يأتي متعديًّا باللام كمطاع كما هنا ومتعديًا بنفسه (فإياكَ) أي فباعد نفسك واتق (كَرَائم أمْوَالِهِم) فلا تلزمهم بها، والكريمة العزيزة عند مالكها ككونها أكولة، أي مُسَمَّنَة للأكل أو كونها رُبًا أي قريبة العهد بالولادة أو كونها مَاخِضًا أي حاملَا أو فحلًا معدًا لضراب ماشيته، والحكمة في المنع من ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في مال الأغنياء لا يناسب ذلك الإِجحاف بأرباب الأموال (واتَّقِ) في رواية وتَوَقَّ (دعوةَ المظْلُوم).
ومنه من عليه الزكاة إذا ظلم بأخذ الساعي منه ما لا يلزمه، (فإِنَّه) أي
стр. 318
الشأن (ليس بينهما) أي بين دعوة المظلوم وبين الله (حجاب، رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
وفيه دلالة على أمور لا تخفى.
منها أن الوتر ليس بواجب وقوله فإنَّه -إلى آخره كناية عن عدم رد دعوة المظلوم كما صرح به في خبر أبي داود وغيره وحسنه التِّرْمِذِيّ. "ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتَّى يفطر، والإِمام العادل والمظلوم، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر في حديث طويل -قلت: يَا رسول الله مَا كانتْ صحف إبراهيمَ، قَال: كَانَتْ أمثَالها كلها أيها الملك المبتلى المغرور- إنِّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإنِّي لا أردها ولو كانت من كافر.
٢/ ٢٣٥ - (وعن معاذ) هو ابن جبل ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ بَعَثَه إلى اليمنِ، فَأمَرَهُ أنْ يأخذ من كل ثلاثينَ بَقَرةً ذَكَرًا أو أنْثَى تبيعًا أو تبيعةً) لكل
стр. 319
منهما سنة، (ومن كل أربعينَ) بقرة (مسنةً) لها سنتان (رواه أبو داود وغيره وحسنه التِّرْمِذِيّ وصححه ابن حبان والحاكم) وسميت ذات السنتين مسنة لتكامل أسنانها.
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : ليس فيما دُونَ) أي أقل (من خمسِ أواقٍ بفتح الهمزة جمع أوقية بضمها وبتشديد الياء على الأشهر، وهي أربعون درهم بوزن مكة (من الوَرِق) بفتح الواو وكسر الراء أي الفضة، وقيل الفضة والذهب (صدَقَة) أي زكاة، وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا، (ولا فيما دون خمس ذود) بإضافة خمس إلى ذود بتنوينه وجر ذود بدلًا على قلة (صَدَقة) والزود بمعجمة أوله ومهملة آخره اسم جمع كقوم، وهي كمال قال الجوهري وغيره ما بين الثلاثة والعشرة، وهي مؤنثة لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو بعير، وشرط الزكاة فيها أن تكون سائمة لخفة المونة بخلاف المعلوفة كما هو مبسوط في كتب الفقه، (ولا فِيما دُونَ خَمْسَه أوْسُقٍ) جمع وَسَقٍ -بفتح الواو وبكسرها على قلة، وهو ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بغدادي، أي وليس
стр. 320
فيما دون خمسة أو سق من التمر والحب (صَدَقَة. رواه الشيخان).
وفيه دلالة على وجوب الزكاة في المذكورات، وعلى عدمه فيما دونها والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
٤/ ٢٣٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ لَيسَ على المسلم في عبده ولا فرسِه صَدَقَة) أي الزكاة لا في عينها ولا في قيمتها (رواه البُخَارِيّ)، وفي رواية لمسلم ليس في العبد صدقة إلَّا صدقة الفطر يرفعها بدلًا مما قبلها على الأفصح، ونصبها على الاستثناء جيد، فيجب على سيد العبد زكاة فطرية وإن كان للتثنية.
ويستثنى منه عبده المكاتب كتابة صحيحة، فلا تجب عليه زكاة فطرته
стр. 321
كما لا تجب على المكاتب، وقيس بالعبد والفرس وغيرهما ما سوى النَّعم والنقد والقوت، ومحل عدم الوجوب فيها إذا لم تكن للتجارة وإلا وجبت في قيمتها لخبر الحاكم بإسنادين صحيحين في الإِبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته، والبز يقال لا متعة البزاز والسلاح، وليس فيه زكاة عين كما في النعم والنقد، فتجب الزكاة في قيمته ويقاس به غيره وإلا تجب الزكاة في عينه، والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
٥/ ٢٣٨ - (وعن علي ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ إِذَا كَانَتْ لَكَ مائتا درهم -وحال عليها الحول- فَفِيهَا خَمْسَة دراهم -وَلَيسَ عَلَيكَ شيءٌ حَتَّى يكُونَ لَكَ عشْرونَ دِينارًا، وحَال عَلَيها الحوْل، فَفِيهَا نصفُ دِينارِ فما زَادَ
стр. 322
فبِحِسَابِ ذَلِكَ، وَلَيسَ في مالٍ) نقد أو غيره (زكاة حتَّى يَحُولَ عليهِ الحوْل. رواه أبو داود بإسناد حسن).
وفيه أن الواجب في النقدين ربع العشر، وقوله وليس في مال إلى آخره من ذكر العام بعد الخاص.
ويستثنى منه المعدن والركاز، فلا يشترط فيهما الحول لأنه إنما يعتبر للتمكن من تنمية المال، وكل من المعدن والركاز نماء في نفسه.
(وعنه) أي عن علي أن العباس (سأل النَّبِيّ ﷺ في تعجيلِ صَدَقَتِه) قبل أن تحل (فَرَخصَ لَه في ذلك، رواه أبو داود والتِّرمذيّ وغيرهما بإسناد حسن كما في المجموع).
وفيه جواز تعجيل الزكاة قبل الحول، ولا بد أن يكون بعد انعقاده، فلا يصح تعجيلها قبله، فلو عجل لعامين بعد انعقاد حلول الأول أجزأه للأول
стр. 323
فقط، وأما خبر البيهقي أنَّه ﷺ تسلف من العباس صدقة عامين فأجيب بانقطاعه، وباحتمال أنَّه تسلف في عامين.
٧/ ٢٤٠ - (وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النَّبِيّ ﷺ فيما سَقَتِ السماء) أي ماؤها وهو المطر (والعيُونُ) أي الآبار -أي ماؤها (أو كان عَثَرِيًّا) بفتح المثلثة، أي يسقى بالسيل البُخَارِيّ إليه في حفر، وتسمى الحفر عاثورًا لتعثر الماء بها إذا لم يسقَ بها (العشر وفيما سُقِيَ بالنّضْحِ) أي سقي بناضح وهو ما يسقى عليه من بعير ونحوه، والأنثى ناضحة، وفي معنى النضح الدولاب ونحوه (نِصْفُ العشْرِ رواه البُخَارِيّ).
والفرق بين الحكمين خفة المؤنة في الأول وكثرتها في الثاني كما في السائمة والمعلوفة بالنظر إلى الوجوب وعدمه، ولا عبرة بمؤنة القناة والساقية لأنها لعمارة الضيعة لا لنفس الزرع، فإذا تهيأت وصل الماء بنفسه بخلاف النضح ونحوه.
٨/ ٢٤١ - (وعن أبي يحيى سهل بن أبي جثمة بالمثلثة عبد الله بن ساعدة بن عامر بن عدي الخزرجي الأَنْصَارِيّ ﵁ قَال: أمرنا
стр. 324
النبي ﷺ بقوله إذا حَرَصْتم) أي ثمارًا زكويًّا (فَخذوا) بإعجام الذال، وحكي إهمالها أي اقطعوا ما خرصتم (وَدَعوا) أي اتركوا بلا خرص وقطع (الثلثَ، فإِنْ لم تَدَعوا الثُلُثَ فَدَعوا الربيع، رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان والحاكم).
احتج به على القول المرجوح أن الثمار التي يجب فيها الزكاة لا يخرص كلها بل يترك لمالكها القدر المذكور، وقيل يترك له نخلة أو نخلات، ويختلف ذلك باختلاف حال الرَّجل في قلة عياله وكثرتهم.
٩/ ٢٤٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ وفي الركازِ) بمعنى المركوز ككتاب بمعنى المكتوب (إِذَا بَلَغَ نصابًا) ولو بضمه إلى ما ملكه واحدة من جنسه بوجه آخر (الخمس، رواه الشيخان).
وإنما وجب فيه الخمس لا ربع العشر كالمعدن لعدم المؤنة أو خفتها فيه
стр. 325
بخلاف المعدن، والركاز- دفين جاهلي، ومحل وجوب الزكاة فيه إذا كان واجده من أهل الزكاة، ووجده بموات أو بملك جاهلي أو بملك أحياه أو بدار حرب وإن دب أهلها عن مكانه، فلا يجب عليه أو كان مكاتبًا أو كافرًا، ولأن وجده في غير ما ذكر، فإن وجده بمسجد أو شارع أو كان الدفين إسلاميًّا كان وجد عليه شيء من القرآن وعلم مالكه في الثلاثة، فهو له وإن جهل فيها أو جهل حال الدفين بأن لم يعرف أنَّه جاهلي أو إسلامي فهو لقطة، وإن وجده في أرض موقوفة، فهو لمن هي في يده، كذا قاله البَغَويّ والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
стр. 326
باب صدقة الفطر
هي واجبة، والأصل في وجوبها قبل الإِجماع أخبار كالخبرين الآتيين على الأثر.
١/ ٢٤٣ - (عن ابن عمر ﵄ قَال: فَرَضَ النَّبِيّ ﷺ زكاةَ الفطرِ صَاعًا منْ تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ على العبد والحرِ والذكرِ والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمَرَ بِهَا أنْ تَؤَدَّى قَبْلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ، رواه الشيخان).
وتقدم تفسير الصاع في الباب قبله، وتجب صدقة الفطر بأول ليلة وآخر ما قبله، وتجب على المبعض أَيضًا بقسطه حيث لا مهايأة، فإن كانت مهايأة اختصت الفطرة بمن وقع من وجوبها في نوبته، ومثله الرقيق المشترك.
стр. 327
ويستثنى من الرقيق ذكر أو أنثى رقيق بيت المال والمسجد والرقيق الموقوف ولو على معين، فلا تجب صدقة فطرتهم.
٢/ ٢٤٤ - (وعن أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ قال: كنا نُعطيهَا) أي صدقة الفطر (في زمان النَّبِيّ ﷺ صاعًا مِنْ طعام) أي بر (أو صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ أو صاعًا من زبيب، رواه الشيخان، وفي رواية لهما أو صاعًا من أقِط، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف على الأشهر لبن يابس غير منزوع الزبد، ومثله لبن وجبن لم ينزع زبدهما.
стр. 328
باب صدقة التطوع
هي سنة، والأصل في سنها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ وأخبار كالأخبار الآتية على الأثر.
١/ ٢٤٥ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: قَال النَّبِيّ ﷺ "سبعةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلهُ" فذكر الحديث -وهو إمامٌ عَادِلٌ وشابٌ نَشَأ بعبادة الله) أي فيها (ورجلٌ قلبُه معلقُ في المساجِد) أي بها (ورجلانِ تَحابَّا في اللهِ اجْتَمَعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دَعَتْه امرأةٌ ذَات منصب وَجَمالٍ فقال: إِنّي أخاف الله) إلى آخرة، وهو ما ذكرته في قولي (وفيه ورجلٌ تصدقَ بصدقة فَأخْفَاها حتَّى لا تَعْلَم شمَاله ما تُنْفق يَمينُه، رواه الشيخان).
لكن وقع في مسلم حتَّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، والصحيح المعروف الأول، والمراد بالظل الكرامة والحماية لا ظل الشَّمس وبالإمام
стр. 329
العادل من آل إليه نظر في شيء من أمور المسلمين وعدل فيه وتعلق القلب بالمساجد، حبه لها والملازمة للجماعة فيه.
٢/ ٢٤٦ - (وعنه أي عن أبي هريرة قيل يَا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جُهْدُ مُقِلِ) -أي من المال- وابْدأ بِمَنْ تَعُولُ، رواه أبو داود في بها وغيره وصححه ابنا خزيمة وحبان والحاكم.
وفيه أن الصدقة من قليل المال أفضل من الصدقة من كثيره لأنها أشق والأجر على قدر المشقة.
٣/ ٢٤٧ - (وعنه أَيضًا قال: قال النَّبِيّ ﷺ تَصدَّقُوا -فقال رَجُل: يَا رسول الله عِنْدِي دِيَنار، قَال: تَصَدَّقْ به على نَفْسِك، قال عِنْدِي آخر، قال: تصدَّقْ به على وَلَدِكَ، قال: عِنْدِي آَخرُ، قال: تصدق به على خَادِمِكَ، قال: عنْدِي آخر، قال: أَنْتَ أبْصَرُ) أي للأفقر من غيرك. (رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان والحاكم).
وفيه تقديم نفسه على عياله لأن المالك أولى بماله، فقوله في الذي قبله وابدأ بمن تعول -أي بعد نفسك، والكلام على تفاصيل صدقة التطوع مبسوط في كتب الفقه.
стр. 330
باب قَسْمِ الصدَقَاتِ
أي الزكوات على مستحقيها المذكورين في آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ أو سميت بذلك لإِشعارها بصدق باذلها، والأصل في الباب الآية المذكورة والأخبار كالأخبار الآتية على الأثر.
١/ ٢٤٨ - (عن أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : لَا تَحِلُّ الصدَقَةُ لِغَنِي إلَّا لخمسةٍ: لِعَاملٍ عَلَيهَا، أو لرجلٍ اشْتَرَاهَا بمَالِهِ، أو غارِمِ) بأن تداين لنفسه في مباح، أو في غيره وتاب، أو لإِصلاح ذات البين، أو لضمان وأعسر مع الأصيل، أو وحده وكان متبرعًا بضمانه (أو غَازٍ) متطوع (في سبيلِ اللهِ) أي الجهاد (أو مسكينٍ تُصدق عليه مِنْهَا فَأهْدَى مِنْهَا لغنيٍ، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم).
стр. 331
وفيه حل التصدق على الغني والكلام عليه مبسوط في كتب الفقه وفي إطلاق الصدقة في حلها للمشتري وللمتهب فيما ذكر تجوز.
(وعن عبد المطَّلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطَّلب ابن هاشم ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : إن الصدقةَ لا تَحِل لمحمد ولا لآل محمَّد. رواه مسلم.
وفيه تحريم الصدقة على المذكورين تشريفًا لهم لأنها أوساخ النَّاس كما رواه الطَّبْرَانِيّ، فلا يحل أخذهم لها وإن كان بسبب عمل أو فقر، وآل محمَّد مؤمنو بني هاشم وبني المطلب كما مر، ومواليهم مثلهم في ذلك.
٣/ ٢٥٠ - (وعن ابن عمر قال: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يعطي عمر العَطَاء فَيَقُول اعْطِه أفْقَرَ منِّي، فيقول خذه فتموله أو تصدق به وما جاءك من هذا المال
стр. 332
وأنت غَير مُشْرِفٍ) أي متطلع إليه، ولا سائل (فَخذْهُ، ومَا لا فَلا تَتبعهُ نَفْسَك، رواه مسلم).
وفيه منقبة لعمر وبيان زهده وإيثاره، واختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب أصحها أنَّه مندوب في عطية غير السلطان، وأما عطية السلطان فحرمها قوم وأباحها قوم وكرهها قوم، والصحيح أن غلب الحرام فيما في يده حرمت، وإلا فمباحة، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره، وقال آخرون هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. ذكره النووي في شرح مسلم.
стр. 333
كتاب الصيام
الصيام هو لغة الإِمساك وشرعًا إمساك عن المفطر على وجه مخصوص والأصل في وجوبه قبل الإِجماع مع ما يأتي آية ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ﴾.
وخبر بُني الإِسلام على خمس.
١/ ٢٥١ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ : لا تقدموا) بفتح التاء وأصله لا تتقدموا حذفت إحدى التاءين تخفيفًا وروي لا تقدموا بضم التاء وكسر الدال (رَمَضان) أي صومه (بصومِ يومٍ ولا يومينِ) بل ولا أكثر إلى نصف شعبان لخبر أبي داود وغيره الآتي في صوم التطوع "إذا
стр. 334
انتصف شعبان فلا تصوموا" (إلَّا رجلٌ) بالرفع بدلًا من الضمير وبالنصب استثناء منه كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلَّا امرأتك﴾ وفي قوله: ﴿ما فعلوه إلَّا قليل منهم﴾ (كان يصومُ صومًا فليصمْهُ، رواه الشيخان).
وفيه مع خبر إذا انتصف شعبان فلا تصوموا كراهة صوم النصف الثاني من شعبان إلَّا أن يكون لسبب كقضاء ونذر وورد فلا كراهة، والكراهة عندنا في ذلك كراهة تحريم، وسببها قيل: ضعف البدن بصوم ذلك عن صوم رمضان وقيل: تعظيم شهر رمضان بأن لا يزاد في العبادة ما ليس منها وكل منهما منتقص بصوم شهر شعبان كله فإنَّه مجمع على جوازه بل هو سنة مع أن المعنيين المذكورين موجودان فيه بل أقوى وعورض الخبر المذكور بقوله ﷺ -
стр. 335
لرجل هل صمت من سَرَرِ شعبان شيئًا قال لا قال: فإذا أفطرت فصم يومًا وفي رواية يومين رواه الشيخان والمراد بسرر شعبان آخره وقيل أوله وعليه فلا معارضة وعلى الأول جمع بينهما بأن الرَّجل كان قد نذر صوم آخر الشهر فأمره رسول الله ﷺ بوفائه أو كان عادته صوم آخره.
٢/ ٢٥٢ - (وعن عمار بن ياسر ﵄ قَال من صامَ اليومَ الذي يُشَك فيه) من رمضان (فَقَدْ عَصَى أَبا القاسم ﷺ . ذكره البُخَارِيّ تعليقًا ووصله أبو داود وغيره).
стр. 336
وفيه تحريم صوم الشك.
ومحله إذا صامه بلا سبب.
ويوم الشك يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث النَّاس برؤيته ولم يشهد بها أحد ولم يتحدثوا بها لكن شهد بها من ترد شهادته كصبيان أو نساء أو عبيد أو فسقة وظن صدقهم والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
٣/ ٢٥٣ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبِيّ ﷺ إذا
стр. 337
رَأيتُمُوه) أي هلال رمضان بقرينة السياق (فصُومُوا) من الغد (وإذا رَأيتُمُوه) أي هلال شوال (فَأفْطِرُوا) من الغد (فإِنْ غَم) بضم المعجمة وتشديد الميم أي ستر الغيم أو غيره وفي رواية غمى بزيادة ياء وتشديد الميم وتخفيفها وفي رواية أغمى بضم الهمزة أي استعجم, وفي رواية عمي. بفتح المعجمة وبموحدة مكسورة عن الغباوة وهي عدم الفطنة وفي رواية عمي بفتح المهملة وكسر الميم مخففة أي التبس أو خفي (عَلَيكُم فأكْمِلوا العدة ثَلاثين رواه الشيخان واللفظ للبخاري) وهذه الرواية مفسرة لرواية فاقدروا له بضم الدال وكسرها والمعنى قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا وفي ذلك أنَّه لا يجوز صوم يوم الشك.
стр. 338
والعبرة في رواية الهلال برؤيته بعد الغروب لا قبله، ولا يعتبر برؤية الجميع بل رؤية عدل واحد كافية كما هو مبسوط في كتب الفقه.
٤/ ٢٥٤ - (وعن أم المُؤْمنين حفصة بنت عمر بن الخَطَّاب ﵁ عنها قالت: قال النَّبِيّ ﷺ مَنْ لم يبيّتِ الصيامَ قَبْلَ الفجرِ فلا صيَام لَه، رواه أبو داود والتِّرمذيّ وغيرهما وصححه ابنا خزيمة وحبان).
стр. 339
وفيه أن نية الصوم في الليل واجبة وهي والصيام وترك المفطر أركان في الصوم والنية واجبة في كل ليلة من ليالي الصوم الواجب أما صوم النفل فتصح النية قبل الزوال وشرطها فيه أن لا يسبقها مناف له كأكل وجماع والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
٥/ ٢٥٥ - (وعن ابن العباس سهل بن سعد هو ابن مالك بن خالد
стр. 340
الخزرجي الأَنْصَارِيّ) الساعدي ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ لا يَزال النَّاس بخير مَا عَجلوا الفِطْرَ رواه الشيخان).
وفيه سن تعجيل الفطر بعد تحقق غروب الشَّمس.
٦/ ٢٥٦ - (وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ تَسحروا) مأخوذ من السحر وهو قبيل الفجر قاله الجوهري ويقرب منه قول ابن أبي الصيف اليمني إنه السدس الأخير من الليل، والصحيح كما قاله النووي وغيره دخوله بنصف الليل، والمراد الأكل أو الشرب فيه (فإِنَّ في السَّحُورِ) بفتح السين وهي ما يتسحر به وبالضم وهو الفعل وقيل هما لغتان فيهما (بَرَكَةٍ) أي نماء وزيادة (رواه الشيخان).
стр. 341
وفيه الأمر بالسحور وهو سنة، ومعنى كونه بركة، أما في الدنيا فلأنه يقوي على الصوم ويعين على الازدياد منه، وأما في الآخرة فلأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء والاستغفار في هذا الوقت الشريف الذي تنزل فيه الرحمة، وفيه أيضًا اتباع للسنة المحصل للأجور.
٧/ ٢٥٧ - (وعن سلمان بن عامر هو ابن أوس الضَّبِّيّ ﵁ قال: قال النَّبِيّ ﷺ إذا أفْطَرَ أحَدُكُم فَلْيُفْطِرْ على تمرٍ، فإِن لم يجِدْ فَلْيُفْطِرْ على ماءٍ فإِنَّه طهُورُ. رواه أبو داود وغيره وصححه ابنا خزيمة وحبان والحاكم).
стр. 342
وفيه أنَّه يسن الفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإن كان ثم رطب قدم على التمر للاتباع، رواه التِّرْمِذِيّ وحسنه.
٨/ ٢٥٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال نَهَى النَّبِيّ ﷺ عن الوصال) بكسر الواو وهو أن يصوم يومين فأكثر ولا يتناول بالليل مأكولًا ولا مشروبًا (فَقَال رجُلٌ من المسلمينَ: فإِنكَ يَا رسول الله تُوَاصِلُ فقال: وأيكُم مِثْلِي؟ إِني أبِيتُ يُطْعِمُني رَبِّي) -بضم الياء- وَيَسْقِيني) بضمها وفتحها أي تجعل في قوة الطاعم الشارب، وقيل يطعمني ويسقيني من طعام الجنة وشرابها (فلما أبَوْا) أي امتنعوا عن (أنْ يَنْتَهُوا عنِ الوصَالِ وَاصَل بِهِمْ يَوْمًا ثم يَوْمًا ثم رَأوُا الْهِلَال فَقَال) لهم (لَوْ تَأخَّرَ الهِلَالُ) -تراءى طلوع- (لَزِدْتُكُم) في الوصال (كالمُنَكلِ لَهُم حِينَ أبَوْا أنْ يَنْتَهُوا رواه الشيخان).
وفيه كراهة الوصال، وهي كراهة تحريم على الأصح عندنا، وقيده في المجموع بما إذا ترك الأكل والشرب عمدًا بلا عذر وسبب تحريمه أنَّه يضعف البدن وإنما واصل بهم عقوبة لهم حيث أبوا إلَّا الوصال، ولهذا قال
стр. 343
كالمنكل لهم يقال: نكل به إذا صنع به ما يحَذِّر غيره.
٩/ ٢٥٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال النَّبِيّ ﷺ من لم يَدَعْ) يترك (قولَ الزورِ والعملِ بِهِ) والجهل (فَلَيسَ للهِ حَاجَة في أنْ يَدع طَعَامَه وشَرَابه رواه البُخَارِيّ وأبو داود واللفظ له).
وفيه نهي الصائم عن ارتكاب شيء من ذلك وهو مكروه في حقه وحق غيره، لكنه في حقه آكد ولا يفطر به الصائم.
وأما خبر"خمس يفطرن الصائم الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة" فباطل، وبتقدير ثبوته فالمراد بطلان الثواب لا الصوم.
١٠/ ٢٦٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال النَّبِيّ ﷺ مَن نَسِيَ وَهوَ صَائِم فَأكل أو شَرِبَ) وفي رواية وشرب (فليتم صوْمَه فإِنَّما أطْعَمَه الله وَسَقَاه) أي لا دخل له في ذلك قصدًا من حيث أنَّه لم يتعمده (رواه الشيخان).
стр. 344
واقتصر فيه على الأكل والشرب لأنهما أغلب وإلا فسائر المفطرات كذلك سواء أقل ذلك أم كثر على الأصح عندنا، وفارق: بطلان الصلاة بكثير من الأكل والشرب لأن الصلاة ينقطع نظمها به بخلاف الصوم، وقضية الحديث أنَّه لا يجب بذلك القضاء، وهو كذلك كما جاء في خبز صحيح رواه ابن حبان والدارقطني والحاكم وفرق القفال بين ما ذكر وبين الحديث حيث يبطل بسهوه الوضوء بأوجه: أصحها أن الحدث ليس منهيًا عنه بخلاف الفطر يفرق فيه بين السهو والعمد.
١١/ ٢٦١ - (وعنه) أَيضًا (قال: قال النَّبِيّ ﷺ مَن ذَرَعه) بذال معجمة أي غلبه (الْقَيء فلا قضاءَ عَلَيه) فلم يبطل به صيامه لعذره (ومن اسْتَقَاء فَعَلَيه القَضَاء. رواه أبو داود وغيره وقواه الدارقطني).
стр. 345
وفيه أن الصوم لا يبطل بغلبة القيء ويبطل بتعمده وإن علم أنَّه لم يرجع شيء من القيء إلى جوفه.
١٢/ ٢٦٢ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان النَّبِيّ ﷺ يقبل إِحْدَى نسائِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ويباشرُ وَهُوَ صَائمٌ وَلَكِنه كانَ أمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) بكسر الهمزة وإسكان الراء وبفتحها الحاجة، ويطلق بفتحها على العضو (والحديث رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفيه جواز تقبيل الصائم ومباشرته حليلته لكنهما مكروهان في حقنا إن لم يحركا الشهوة وإلا حرما، والمراد بالمباشرة لمس البشرة ومعنى قول عائشة ولكنه أملككم لإِربه أنَّه ينبغي لكم الاحتراز عن ذلك ولا تتوهموا أنكم مثل النَّبِيّ ﷺ في استباحته لأنه يملك نفسه، ويأمن الوقوع في قبلة أو مباشرة يتولد منها إنزال أو شهوة وهيجان نفس أو نحوها، وأنتم لا تأمنون ذلك.
وفيه أَيضًا جواز الإِخبار عن مثل ذلك مما يجري بين الزوجين للحاجة وأما في غيرها فمنهي عنه.
стр. 346
١٣/ ٢٦٣ - (وعن ابن عباس ﵄ أن النَّبِيّ ﷺ احْتَجَمَ وَهوَ محْرِم واحْتجم وهوَ صَائِمٌ رواه البُخَارِيّ).
وفيه جواز احتجام المحرم والصائم وهو مكروه في حقنا بلا حاجة لأنه يضعف البدن.
١٤/ ٢٦٤ - (وعن أبي صالح حمزة بن عمرو هو ابن عويمر بن الحارث الأسلمي ﵁ أنَّه قال: يَا رسول الله أجِدُ بِي قوَةً على الصّيامِ في السّفَرِ فَهَلْ عليّ جنَاح؟ ) أي حرج (أنْ أصُومَ فقال ﷺ هي) أي الفطر في السفر وأنت ضميره باعتبار خبره وهو (رُخصة من اللهِ فمنْ أخَذَ بَها فَحَسنٌ وَمَنْ أَحَبُّ أنْ يصوم فلا جنَاحَ عَلَيه رواه مسلم).
وفيه جواز الفطر بل سُنَّةٌ في السفر، والمراد سفر القصر، لكنه إنما
стр. 347
يسن إن تضرر المسافر بالسفر وإلا سن له الصوم.
١٥/ ٢٦٥ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: رَخصَ) للشيخ الكبير (أنْ يَفْطِرَ ويطْعِمَ عن كل يومٍ أفْطَرَ فيه مَسْكِينًا ولا قضاءَ عَلَيه، رواه الدارقطني والحاكم وصححه).
وفيه جواز الفطر للشيخ الكبير ووجوب الفداء عن كل يوم مد لمسكين من غير قضاء وكالكبير كل عذر لا يرجى برؤه.
١٦/ ٢٦٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قَال: جَاءَ رَجلٌ) واسمه سلمة بن صخر البياضي (إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَال هَلَكْتُ) أي وقعت في الإِثم
стр. 348
بفعل ما حرم عليَّ فعله في الصوم (قال: مَا أهْلَكَكَ؟ قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأتِي) أي وطأتها (فِي رَمَضَانَ) وأنا صائم (فقال: هَلْ تَجِدُ) أي تقدر (مَا تَعْتِقُ) مفعول تجد وأبدل منه (رَقَبَة؟ ) أي مؤمنة سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضرارًا بينًا (قال: لا، قال: فَهَلْ تستطيعُ) أي تقدر (أنْ تَصُومَ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ؟ قال: لا، قال فَهَلْ تَجِدُ ما تُطْعِمُ ستين مِسْكِينًا؟ ) وهو هنا ما يشمل الفقير بخلاف ما إذا ذكر معه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (قَال لا، ثمَّ جَلَسَ فأُتِيَ) ببنائه للمفعول (النبي ﷺ بِعَرَقٍ) بفتح العين والراء، أي مكتل من الخوص (فِيهِ تَمْرٌ) خمسة عشر صاعًا، كما جاء في رواية (فقال) للرجل (تصدَّق بهذا فقال) أتصدق به (عَلَى أفْقَرَ مِنا) وفي رواية علي بحذف همزة الاستفهام وهو استفهام به تعجب. أي لا أحد أفقر منا حتى أتصدق به عليه - فوالله (مَا بَينَ لَابَتَيهَا) يعني حَرَّتَي المدينة الشرقية والغربية والحرة بفتح الحاء أرض تركَبُها حجارةُ سُودُ، وقيل للمدينة حرتان أخريان حرة بالقبلة وحرة بالجرف وترجعان إلى الشرقية والغربية لاتصالهما بهما (أهْلُ بيتٍ أحَوجُ إليه منَّا، فَضَحِكَ النبي ﷺ ) إما تعجبًا من حال السائل في كونه جاء أولًا هالكًا متأهقًا (ثم انتقل لطلب الطعام لنفسه وأهله، وإما تعجبًا من رحمته به وإطعامه الطعام بعد أن كان أمره أن
стр. 349
يتصدق به، والضحك غير التبسم وقد جاء أنه ﷺ كان ضحكه تبسمًا، فيجوز أن يكون الغالب من ضحكه التبسم وأما قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ فضاحكًا حال مقدرة والقول بأنه حال مؤكدة وَهْمٌ (حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ) وفي رواية نواجذه والمراد بها أنيابه جمعًا بين الروايتين وإلا فالنواجذ أبعد من الأنياب وذلك لأن أسنان الإِنسان غالبًا اثنان وثلاثون أربع منها ثنايا وهي مقدم الفم وتسمى سني الصغير رواضع، ثم يليها أربع رباعيات بتخفيف الباء ثم أربعة أنياب ثم أربع ضواحك ثم إثنا عشر ضرسًا ثم أربعة نواجز ثم بعد قول السائل له ما مر (قَال له: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) وهم من تلزمه نفقتهم (رواه الشيخان).
стр. 350
وفيه وجوب السؤال عن حكم ما يفعله الإِنسان مخالفًا للشريعة ووجوب الكفارة بإفساد المجاح عامدًا في رمضان، وفارق إفساد الصلاة بذلك بأنه لا دخل للجبر فيها بخلاف الصوم بدليل الشيخ الكبير وغيره.
وفيه أيضًا وجوب الكفارة مرتبة فيقدم الإِعتاق ثم الصوم ثم الإِطعام، وقوله رقبة شرطها أن تكون مؤمنة كما مر حملًا للمطلق على المقيد في كفارة القتل.
وفيه أنه لا يجب بالجماع إلا كفارة واحدة عن الرجل إذا لم يذكر له ما على المرأة وهو الأصح عندنا.
ويؤخذ مما مر أن في العرق خمسة عشر صاعًا وإنها تعطى لستين مسكينًا أي بالسوية أن لكل مسكين مدًّا لأن الصاع أربعة أمداد وتفرقة الخمسة عشر على الستين بالسوية تقتضي ذلك ويدل لذلك ما رُويَ فأتي بعرق من تمر فيه
стр. 351
خمسة عشر صاعًا نعم في أبي داود فاتي بعرق فيه عشرون صاعًا وفيه رواية أخرى قدر خمسة عشر صاعًا قال البيهقي وهو أصح من الأولى وفي رواية لمسلم فجاءه عرقان فيهما طعام فَيُحْمَلُ أن يكون في أحدهما خمسة عشر وفي الآخر عشرون وشحمى العرق أيضًا قفة وزبيلًا بفتح الزاي بلا نون وزنبيلًا بكسرها وفتحها مع نون وتسمى بذلك لأنه يحمل فيه الزبل ويسمى أيضًا سفيفة بفتح المهملة وبفائين بينهما ياء ويؤخذ من الحديث أن من ادعى عذرًا يسقط عنه شيئًا أو يبيح له أخذه يقبل قوله لا بِنِيَّةٍ لأن هذا الرجل ادعى الفقر وَقَبِلَ منه النبي ﷺ ذلك وقوله تصدق بهذا يتضمن أنه ملكه إياه ليتصدق به كقوله لغيره اعتق عبدي عنك فإنه يتضمن تمليكه له قبل العتق وقوله فأطعمه أهلك قيل هو خاص بهذا الرجل فتسقط عنه الكفارة بذلك وقيل منسوخ والأشهر أنه أطعمه وأهله لفقرهم وأبقى الكفارة عليه إلى أن يُوسِرَ فلا تسقط بعجزه قياسًا على سائر الديون.
وأما خبر الدارقطني عن علي أنه ﷺ قال له انطلق فكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك فضعيف.
стр. 352
وأما قضاء ما أفسده فواجب عليه على الأصح كالصلاة إذا أفسدها.
١٧/ ٢٦٧ - (وعن أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يُصْبحُ جُنُبًا مِن جِمَاعٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويَصُومُ ولا يَقْضي رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفيه جواز صوم الجنب حتى لو كان طلوع الفجر مجامعًا فنزع حالًا صح صومه وإن أنزل لتوالده من مباشرة مباحة.
١٨/ ٢٦٨ - (وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ من مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَام صَامَ عَنْهُ وَليُّه رواه الشيخان) وفي رواية أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها فقال: أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى، وفي رواية بدل رجل امرأة وبدل شهر نذر وفي ذلك أن من مات وعليه صوم صام عنه وليه وهو هنا قريبه وإن لم يكن عاصيًا ولا وارثًا وسواء أوصى به الميت أم لا، وفي المسألة قولان للشافعي أشهرهما أنه لا يصام عنه كما لا يصلى عنه والثاني يسن أن يصام عنه قال النووي وهو الصحيح المختار بل الصواب
стр. 353
الجزم به ولو وقف الشافعي على جميع طرق الحديث لم يخالف ذلك كما قاله البيهقي قال: وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث للأخبار الصحيحة الصريحة انتهى.
وفارق الصلاة بأن الصوم بدلًا في الجملة كما في الكفارة بخلاف الصلاة وأما الأجنبي فلا يصوم عن الميت إلا بإذن منه أو من قريبه.
стр. 354
باب صوم التطوع وما نهي عن صومه
١٩/ ٢٦٩ - (عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ سُئِلَ عن صوم يومِ عرفة قال يُكَفّرُ السنةَ الماضيةَ والباقِيةَ) أي ما وقع فيهما من الصغائر (وسُئل عن صومِ يومِ عَاشْوراءَ قَال يكفرُ السَّنَةَ الماضيةَ) أي مما ذكر، (وسُئل عن صَوْمِ يومِ الإِثْنَين قَال: ذَاكَ يَوْمٌ ولدْتُ فِيهِ وبعثْتُ فِيهِ أو نَزَلَ عليّ فيه، رواه مسلم).
وفيه سن صوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، ويوم الإِثنين، ومحل سن الأول في غير حاج ومسافر أما هما فسيأتي حكمهما في الباب وشمن صوم يوم تاسوعاء لخبر مسلم "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع فمات قبله".
٢٠/ ٢٧٠ - (وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال كَانَ كَصِيَامِ الدهر، رواه
стр. 355
مسلم) وروى النسائي خبر صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام من شوال بشهرين فذلك صيام السنة أي كصيامها فرضًا وإلا فلا يختص ذلك بما ذكر لأن الحسنة بعشر أمثالها وبذلك علم أنه يسن صوم ستة أيام من شوال وتتابعها واتصالها بيوم العيد أفضل.
٢١/ ٢٧١ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَال النبي ﷺ مَا مِنْ عَبدٍ يَصُومُ يومًا فِي سبيل اللهِ إلَّا بَاعَد الله بِذَلِكَ اليوم عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ مسيرةَ سَبْعينَ خَرِيفًا) أي سنة (رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفيه فضيلة الصيام في سبيل الله، ومحله إذا لم يتضرر به ولم يفوت حقًّا ولم يختل به فقال ولا غيره من مهمات الدين.
٢٢/ ٢٧٢ - (وعن عائشة ﵂ قالتْ: كانَ النَّبيّ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُول لا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولُ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيتهُ استَكْمَلَ صِيَامَ شَهْر قَطُّ
следующие страницы →