← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20590

فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام

زكريا الأنصاري

Полный текст (693 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وأجاب الأول بحمل الأمر بوضع الجوائح على الندب، وبأن معنى الرواية المذكورة لا يحل لك مطالبته ما دام معسرًا كما أن معنى آخر الحديث وليس لكم الآن إلا ذلك. وفيه أيضًا التعاون على البر والتقوى ومواساة المحتاج والحث على الصدقة وأن المعسر لا تحل مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه، وأنه يسلم للغرماء جميع مال المفلس إذا لم يف بدينه ولا يترك له سوى ثيابه ونحوها. ٤/ ٣٧٣ - (وعن ابن عمر ﵄ قَال: عُرضْتُ) أي ممن عرض من الجيش أيصلح للقتال فيؤذن له في الخروج له أو لا فيمنع (على النبي ﷺ يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ) ويقال له ذو عينين وهو جبل بالمدينة على أقل من فرسخ منها وبه قبر هارون ﵊. (وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشرَةَ سَنَةً. فَلَمْ يُجِزْنِي) - أي لم يأذن لي في الخروج للقتال ولم يرني بلغت (وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَوْمَ) غزوة (الْخَنْدَقِ) وتسمى غزوة الأحزاب، وسميت بالخندق لأنه ﷺ لما تحزّب لقتال الكفار أحزابًا أي طوائف حفر حول المدينة خندقًا في ستة أيام (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي) أي أذن لي في الخروج للقتال ورآني بلغت (رواه ابن حبان في صحيحه، وأصله في الصحيحين).

стр. 457

وفيه أن البلوغ بالسن محدد بتمام خمس عشرة سنة وهو مذهب الشافعي وجماعة. وفيه أنه ينبغي للإِمام استعراض الجيش قبل الحرب فمن وجده أهلًا أجازه، أو غير أهل رده، والمراد كما قال شيخنا شيخ الإِسلام الشهاب بن حجر تبعًا للبيهقي وغيره بقوله وأنا ابن أربع عشرة -أي طعنت فيها- وبقوله وأنا ابن خمس عشرة سنة أي استكملتها لأن غزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث والخندق في جمادى سنة خمس وقيل في شوال سنة أربع فعلى ما قالوه بين الغزوتين سنتان لكن صحح النووي في شرح مسلم خلافه حيث قال: وفيه- أي في الحديث دليل على أن الخندق كان سنة أربع من الهجرة وهو الصحيح وقال جماعة من أهل السير والتواريخ كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرد عليهم لأنهم أجمعوا على أن أحدًا كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة انتهى. فأخذ بظاهر الحديث فلم يؤوله، والأولون أخذوا به مؤولًا وهو أقعد لما فيه من الجمع بين متنافيين ظاهرًا. ٥/ ٣٧٤ - (وعن عَطِيَّةَ القُرَظِيّ) نسبة إلى بني قريظة يهود المدينة ﵁ قال العلماء لا نعرف له غير هذا الحديث ولا نعرف نسبه

стр. 458

(قال: عُرِضْنَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ) السبي من بني (قُرَيظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ) -بمعنى نبت شعر عانته- (قُتِلَ) كسائر الرجال لأن الإِنبات دليل لبلوغ الكافر كما سيأتي، (وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلهُ) أي لم يقتل (فَكُنْتُ ممن لَمْ يُنْبِتْ فَخلّي سَبِيلي، رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي وغيره). وفيه أن إنبات العانة دليل للبلوغ في حق الكفار ومثلهم من جهل إسلامه، وشرط ذلك أن يكون الشعر خشنًا يحتاج إزالته إلى حلق، فعلم أنه ليس بلوغًا حقيقة ولهذا لو لم يحتلم وشهد عدلان بأن عمره دون خمس عشرة سنة لم يحكم ببلوغه بالإِنبات قاله الماوردي. وقضيته أنه دليل البلوغ بالسن، وحكى ابن الرفعة فيه وجهين أحدهما: هذا وثانيهما أنه دليل للبلوغ بالاحتلام، قال الإِسنوي: ويتجه أنه دليل للبلوغ بأحدهما، قال الماوردي: وإنما يكون دليلًا في حق الخنثى إذا كان على فرجيه. ٦/ ٣٧٥ - (وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جده قَال: قَال رسول

стр. 459

الله ﷺ لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ) -أي من مال زوجها- (إِلّا بِإذْنِ زَوْجِهَا، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم). وفيه أنه لا يجوز للمرأة أن تتصرف في مال زوجها إِلا بإذنه كالأجنبي بخلاف مالها، وأما رواية "لا يجوز للمرأة أمر في مالها إِذا ملك زوجها عصمتها" فمحمول على ما إِذا كانت تحت حجره، أو معناها: لا يجوز لها ذلك جوازًا مستوى الطرفين، والمراد بالإِذن في الحديث ما يشمل الصريح مطلقًا، والمفهوم من اطراد العرف فيما تعطيه الزوجة كإعطاء السائل كسرة مع العلم برضى الزوج به وعلى ذلك يحمل خبر الصحيحين "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله" ذكر ذلك النووي في شرح مسلم.

стр. 460

بَاب الصُّلح وهو لغة قطع النزاع، وشرعًا عقد يحصل به ذلك، والأصل فيه قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيرٌ﴾ وما يأتي على الأثر. ١/ ٣٧٦ - (عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمينَ إلا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا) -كأن يصالح على نحو خمر أو من حال على مؤجل (أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا) - كأن يصالح زوجته على أن لا يطلقها أو لا يبيت عندها (رواه ابن حبان في صحيحه). وفيه جواز الصلح بين المسلمين إلا صلحًا استلزم محرمًا والكفار كالمسلمين في ذلك وإنما خصهم بالذكر لانقيادهم إلى الأحكام غالبًا. ٢/ ٣٧٧ - (وعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول

стр. 461

الله ﷺ لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عصا أَخِيهِ)، وفي رواية لا يحل مال امرئ مسلم (بِغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما) وفيه أنه يحرم على المرء أن ينتفع بمال غيره بغير إذنه كأن يضع خشبة على جداره بغير رضاه. ٣/ ٣٧٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ) وهو هنا الملاصق لداره (أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ، ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ مَا لِي أَرَآكُمْ عَنْهَا) أي عن السنة (مُعْرِضِينَ، وَاللهِ لأَرْميَنَّ بهَا) أي بالسنة (بَينَ أَكْتَافكُمْ) بالتاء الفوقية أي بينكم وروي "أكنافكم" بالنون بمعناه أيضًا، والكنف بفتح النون الجانب والمعنى لأصرحن بها بينكم وأوجعنكم بالتقريع بضرب الإِنسان بالشيء بين كتفيه" (والحديث رواه الشيخان) واحتج به للقول بأن الجار لا يمنع جاره من وضع خشبة على جداره لحاجته لذلك، والمشهور عند الشافعي وأصحابه أنه يمنعه للحديث السابق.

стр. 462

وأجابوا عن هذا الحديث بأنه محمول على الندب، وبأن الضمير في جداره لجاره لقربه -أي لا يمنعه أن يضع خشبة على جدار نفسه وإن تضرر هو به من جهة منع الضوء والهواء ورؤية الأماكن المستطرقة ونحوها والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.

стр. 463

الحوالة والضمان باب الحوالة هي -بفتح الحاء أفصح من كسرها، لغة التحول والانتقال، وشرعًا عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة والضمان وهو لغة الالتزام، وشرعًا يقال لالتزام دين ثابت في ذمة الغير أو إحضار عين مضمونة أو بدن من يستحق حضوره، ويقال: العقد الذي يحصل به ذلك. والأصل في البابين الإِجماع، وفي الأول خبر "مطل الغني ظلم" الآتي وفي الثاني أخبار كخبر المتوفى الآتي "الزعيم غارم" رواه الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه. ١/ ٣٧٩ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ مَطْلُ الغَنِيِّ) هو المتمكن من أداء الدين (ظُلْمٌ) وهو وضع الشيء في غير محله، وهو حرام، والمطل لغة المدّ من مطلت الحديدة إذا ضربتها ومددتها لتطول، وشرعًا منع أداء ما استحق أداؤه.

стр. 464

فمعنى مطله بحقه منعه منه بأن مدَّ له في الأجل زيادة على ما اتفقا عليه، (وَإذَا) وفي رواية "فإذا" (أتْبعَ) بضم الهمزة وسكون الفوقية وكسر الموحدة بمعنى أحيل كما في رواية أخرى (أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ) بالمد والهمز أي غني كما في رواية أخرى (فَلْيُتْبَعْ) بفتح الباء وسكون الفوقية وفتح الموحدة أي فليحتل كما في رواية على المليء بخفه (رواه الشيخان). والأمر فيه للندب عند الشافعي والجمهور وللإِباحة عند قوم. قالوا: لوروده بعد الحظر وهو النهي عن بيع الكالئ بالكالئ أي الدين بالدين، وللوجوب عند آخرين لظاهر الحديث والصارف له عن الوجوب على غير الأخير، قيل رجوعه إلى مصلحة دنيوية فيكون الأمر فيه للإرشاد، وقيل وروده بعد الحظر كما مر فيكون للندب أو للإِباحة على الخلاف فيه، وخرج بالغني الفقير فمطله ليس بظلم لعذره، والمطل يشعر بتقدم الطلب، وقضيته أيضًا أنه لا يكون ظلمًا إلا إذا كان للدائن طلب- بأن يكون دينه حالًا ولا عذر شرعي للمدين وإلا فلا يكون ظلمًا وهو ظاهر. واستنبط أصحابنا من الحديث أنه إذا تعذر بعد الحوالة الأخذ بفلس أو جحد أو نحوهما كموت البينة أو امتناع المحال عليه لا يرجع على المحيل،

стр. 465

ووجهه أنه لو كان له الرجوع لما كان لاشتراط الملأة -بالمد- فائدة لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به فلما شرطها علم أنه انتقل انتقالًا لا رجوع بعده. ٢/ ٣٨٠ - (وعنه أي عن أبي هريرة قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُؤْتى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيهِ الدَّينُ، يُسْألُ: هَلْ تَرَكَ لِدَينِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ ) بمعنى مقضي منه أي مال يقضي منه دينه (فإِنْ حُدِّثَ) بضم الحاء أي أخبر (أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً) بمعنى موفى منه أي مالًا يوفى منه دينه (صَلَّى عَلَيهِ، وَإلَّا) بأن حدث أنه لم يترك ذلك (قَال صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيهِ الفُتُوح قَال: أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول (وَعَلَيهِ دَينٌ ولَمْ يَتْرُكْ لَهُ وَفَاءً) بالمعنى السابق (فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ) أي أداؤه (رواه الشيخان، إلا "ولم يترك له وفاء" فالبخاري)، وفي رواية وفي آخره ومن ترك مالًا فلورثته وفيه الأمر بصلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، وجواز الضمان قال النووي في شرح مسلم: وقضاؤه ﷺ دين من توفي ولم يخلف وفاء، قيل كان من مال مصالح المسلمين، وقيل من ماله، قيل وكان ذلك واجبًا عليه، وقيل تبرعًا منه، واختلف أصحابنا في قضاء دين من ذكر، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب، ومعنى الحديث أنه ﷺ قال أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموتة وأنا وليه في الحالين فإن كان عليه أي بعد موته دين، قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإلا بأن كان له وفاء فلورثته. انتهى. وقوله في الآخر من عندي يدل بظاهر على ترجيح القول بأن قضاءه ﷺ دين من ذكر كان من ماله وتبع في قوله فلورثته الحديث، وظاهر أن محله بعد وفاء الدين.

стр. 466

الشِّرِكةِ والوَكالةِ باب الشركة: هي -بكسر الشين وإسكان الراء وبفتح الشين مع كسر الراء وسكونها- لغة الاختلاط، وشرعًا ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع. والوكالة وهي بفتح الواو وكسرها -لغة التفويض والحفظ وشرعًا تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة ليفعله في حياته. والأصل في البابين الإِجماع، وفي الأول أخبار كخبري أبي هريرة والسائب الآتيين، وفي الثاني من الكتاب آية ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾. ومن السنة أخبار كخبري جابر وعروة البارقي الآتيين. ١/ ٣٨١ - (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قَال رَسولُ الله ﷺ : قال الله أَنَا ثالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لمْ يَخُن أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. فإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينهِمَا، رواه أبو داود وصححه الحاكم).

стр. 467

وفيه جواز الشركة كما مر، والحث على الأمانة ويتضمن أن الخيانة تذهب البركة إذ المراد بقوله خرجت من بينهما نزعت البركة من مالهما. ٢/ ٣٨٢ - (وَعَنِ السَّائِبِ) بِنْ أَبِي السَائِبِ صيفي بن عابد المخزومي ﵁ أنه كان شَرِيك النَّبي ﷺ قَبْلَ البعثة. فجاء) إليه (يوْمَ الْفَتْح) لمكة (فقال) له (مَرْحَبًا بِأَخي وَشَرِيكي، رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإِسناد). وفيه جواز الشركة والافتخار بمشاركة أهل الخير، ووهم بعضهم في نسبة السائب فقال عن السائب بن يزيد وليس هو كذلك بل هو من ذكرناه. ٣/ ٣٨٣ - (وعن جابر قال: أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيبَرَ فأَتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فَقَال) لي (إِذَا أَتَيتَ وَكِيلي بِخَيبَرَ فَخُذْ مِنْهُ خَمَسَةَ عَشَرَ وَسْقًا رواه أبو داود وصححه). وفيه جواز الوكالة وتقدم تفسير الوسق وضبطه في كتاب الزكاة. ٤/ ٣٨٤ - (عَنْ عُرْوَةَ بن الجعدي البَارِقي) نسبة إلى بارق بطن من الأزد ﵁ أن النبي ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشترِي بِه أُضحيةً أَوْ شَاةً) شك من الراوي (فَاشتَرى بِهِ شَاتين فَبَاعَ إِحْدَاهُما بِدينَارٍ فأتاه بشاة ودينار، فدعا له

стр. 468

بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. رواه أبو داود وغيره وكذا البخاري في ضمن حديث). وفيه جواز الوكالة، وأن الوكيل في شراء شاة بدينار مثلًا لو اشترى به شاتين تساوي كل منهما أو إحداهما فقط دينارًا صح، وهو ظاهر لأنه حصل غرض الموكل وزاد خيرًا بخلاف ما إذا لم تساو إحداهما دينارًا وإن زادت قيمتهما جميعًا عليه، وليس له بيع إحداهما ولو بدينار ليأتي به وبالأخرى للموكل وإن فعل عروة ذلك لعدم الإِذن فيه، وأما عروة فلعله كان مأذونًا له في بيع ما يراه مصلحة من مال النبي ﷺ والوكالة في بيع ما سيملكه تبعًا لبيع ما هو مالكه صحيحة، وفيه أيضًا أنه يسن لمن صنع معه معروف أن يكافئ صانعه بالدعاء له.

стр. 469

بابُ الإقْرارِ الإِقرار: هو لغة الإثبات من قر الشيء أي ثبت، وشرعًا إخبار الشخص بحق عليه - ويسمى اعترافًا أيضًا. والأصل فيه قبل الإِجماع آيات كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإِقرار، وأخبار كالخبر الآتي على الأثر. ١/ ٣٨٥ - (عَنْ أَبي هُرَيرةَ ﵁ قال في قصة العَسِيف) الآتية في باب حد الزاني (قال النبي ﷺ واغْدُ يا أنيس إلى امرأةِ هذا فإن اعترفت فارجمها رواه الشيخان). وفيه اعتبار ثبوت الإِقرار مع فوائد أخر يأتي بيانها في باب حد الزاني إن شاء الله تعالى. ٢/ ٣٨٦ - (وعن أَبِي ذَر ﵁ قال: قَال لي رَسُولُ اللهِ ﷺ قل الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، رواه ابن حيان في صحيحه في ضمن حديث). وفيه ثبوت الإِقرار، ووجوب اتباع الحق فيه، والحق هو الحكم المطابق

стр. 470

للواقع يطلق على الأقوال والعقائد. والمذاهب، ويقابله الباطل، وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب. وفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم، فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع، ومعنى حقيته مطابقة الواقع له.

стр. 471

بابُ العَارِيةِ العارية بتشديد الياء وقد تخفف وهي اسم لما يعار، ولعقدها من عار إذا ذهب وجاء بسرعة، وقيل من التعاور وهو التناوب. والأصل فيها قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فسره جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض، وأخبار منها ما يأتي في الباب. والحاجة داعية إليها، وهي مستحبة، وقد تجب، وقد تحرم، وقد تكره كما بيناها في شرح المنهج وغيره. ١/ ٣٨٧ - (وعَنْ سَمُرةَ بْنِ جُنْدبٍ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتّى تُؤَدِّيهُ. رواه أبو داود وغيره وصححه

стр. 472

الحاكم). وفيه وجوب رد العين المعارة ونحوها على مالكها إن كانت باقية، فإن كانت تالفة بعين الاستعمال فعلى المستعير قيمتها، وإن كانت مثلية كخشب وحجر على ما جزم به بعضهم. ٢/ ٣٨٨ - (وعن أَبِي وَهب صَفْوَانَ بن أُمَيَّة) بن خَلَف بن وَهب بن حُذَافَة القرشي الجُمحِي ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استْعَار مِنْهُ دُرُوعًا) من حديد جمع درع بكسر المهملة وهي الزردية (يوم) غزوة، (حُنَينٍ فَقَال له ذلك أغصبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَال: لا بل عَارِيَة مَضْمُونَة، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم). وفيه مشروعية العارية وأنها مضمونة على المستعير، والمراد ضمان ما تلف بغير الاستعمال المأذون فيه كما مرت الإِشارة إليه آنفًا.

стр. 473

بابُ الغَصْبِ الغصب هو الاستيلاء على حق الغير بلا حق وهو حرام كما سيأتي. والأصل فيه قبل الإِجماع آيات كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، وأخبار منها ما يأتي في الباب. ١/ ٣٨٩ - (عن أَبِي الأَعْوَر سَعِيد بْنِ زَيدٍ) هو ابن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ﵁ قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ من اقتْطَعَ) أي من أخذ (شِبْرًا) مثلًا (مِنَ الأَرضِ ظُلْمًا طَوّقَه الله إِيَّاه يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) بفتح الراء أكثر من سكونها أي جعل ما اقتطعه منها في عنقه كالغل كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقيل: طوقه إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق في العنق، وقيل: حمله مثله من سبع أرضين

стр. 474

وكلفه إطاقة ذلك وطول عنقه، وقيل خسف به فيها لرواية البخاري خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين (والحديث رواه الشيخان). وفيه تحريم الغصب وتغليظ عقوبته وذكر الشبر والأرض فيه مثال فغيرها كذلك، وحكم الغصب ولو غير محرم الضمان، برد المغصوب إلى مالكه إن كان باقيًا وإلا فيرد مثله إن كان مثليًّا برد أقصى قيمة من الغصب إلى التلف إن كان متقومًا. وقد يتخلف التحريم عن الغصب كما أشرت إليه بأن يأخذ مال غيره ظانًّا أنه ماله. وفيه أيضًا أن الأرضين سبع وهو موافق لقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ وأما تأويل المسألة في القرآن بالهيئة والشكل والسبع الأرضين في الحديث بسبع أرضين مع سبع أقاليم فبعيد. ٢/ ٣٩٠ - (وعَنْ أَبِي بَكرَةَ ﵁ قال: قَال النَّبيُّ ﷺ في خُطبتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمنىً إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالكُمْ وأَعْرَاضَكُم عَلَيكُمْ حَرَامٌ) وفي رواية "حرام عليكم" أي اعتداء بعضكم على بعض في ذمته أو ماله أو عرضه حرام عليه (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذَا في شَهْرِكُمُ هذَا في بَلَدِكمُ هذَا، رواه الشيخان). وفيه تحريم المذكورات وتوكيد تغليظه.

стр. 475

بَابُ الشُّفْعَةِ الشفعة: بإسكان الفاء وحكي ضمها وهي لغة الضم وشرعًا حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض. والأصل فيها الخبر الآتي، والمعنى فيه دفع ضرر موته القسمة واستحداث المرافق كالمصعد والمنور والبالوعة في الحصة الصائرة إليه. ١/ ٣٩١ - (عَنْ جَابِرٍ قال: قَضى النبيُّ ﷺ ) بمعنى أفتى (بالشُّفْعَةِ) أي استحقاقها (في كلِّ ما لمْ يُقْسَمْ) أي من أرض مشتركة (فَإِذَا وَقَعتِ الحدُودُ) أي بينت حدود أقسام الأرض المشتركة (وَصُرِّفَتِ الطُّرقُ) بتشديد الراء وتخفيفها، أي بينت مصارفها بأن عين لكل قسم مصرفه (فَلَا شُفْعَةَ، رواه الشيخان).

стр. 476

وفي رواية لمسلم الشفعة في كل شرك أرض أو ريع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه. وفيه جواز الأخذ بالشفعة، وهي عندنا إنما تثبت في أرض مع توابعها كما علم من هذه الرواية، وشرط الأرض أن تقبل القسمة واستنبطه بعضهم من قوله في الحديث لم يقسم قال لأن النفي بلم يشعر بالقبول للنسبة المنفية بخلاف النفي بلا فيقال للبصير لم يبصر كذا ويقال للأكمه لا يبصر كذا وما قاله أكثري لا كلي بدليل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ الخ فإنه نفى فيه بلم مع عدم القبول للنسبة المنفية إلا أن يقال أن هذا مجاز وهو بعيد جدًّا، والربع -بفتح الراء وسكون الباء- الدار والمسكن والحائط البستان، والمراد بذلك الأرض بتوابعها كما مر واختصت الشفعة بها لأنها أكثر الأنواع ضررًا. وقوله في رواية مسلم "لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه" مع قوله في رواية له "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، محمول كما في شرح مسلم على كراهة التنزيه، والمعنى أن ذلك لا يحل له حلًا مستوي الطرفين والكلام على الشفعة لغير شريك ولو جارًا، وأما خبر البخاري عن أبي رافع في ضمن قصة الجار أحق بسقيه- أي قربه، أي بسببه فليس نصًّا في الشفعة لجواز أن يكون المعنى أنه أحق بالعرض عليه أو بالبيع منه أو نحوه مع أن الخبر متروك الظاهر لأنه يستلزم تقديم الجار على الشريك.

стр. 477

وهو خلاف مذهب القائل بأن للجار الشفعة، وأما خبر أبي داود وغيره "الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ" فاستغربه الترمذي بعد تحسينه له وأنكره غيره كالإِمام أحمد وابن معين وغيرهما كما نقله السبكي.

стр. 478

المُسَاقَاة والإجارة باب المساقاة مأخوذة من السقي المحتاج إليه فيها غالبًا وهي معاملة الشخص غيره على نخيل أو عنب ليتعهد بسقي وغيره، والثمرة لهما. والإِجارة بكسر الهمزة أشهر من ضمها وفتحها، وهي لغة اسم للأجرة، وشرعًا تمليك منفعة بعوض بشروط معلومة في الفقه والأصل في البابين الإِجماع والحاجة إليها، وفي الأول حديث ابن عمر الآتي، وفي الثاني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والأخيار الآتية بعد الخبر الأول. ١/ ٣٩٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَامَلَ أهْلَ خَيبَرَ) وهي بلدة على نحو أربع مراحل من المدينة أي عاملهم على نخيلها وأرضها المتخللة بينهما (بِشطْر) أي نصف (مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، رواه الشيخان).

стр. 479

وفيه جواز المساقاة والمزارعة التابعة لها بأن يتخذا عقدًا وعاملًا ويتخلل أرض الزراعة بالنخيل، وجوزت المزارعة تبعًا للمساقاة للجاجة إليها في اتحاد ما ذكر بخلاف ما إذا انفردت لا يجوز للنهي عنه في حديث ثابت بن الضحاك الآتي مع تعريفها في الكلام عليه، ففي ما قررناه جمع بين الحديثين، والمساقاة خاصة عندنا بالنخل والعنب كما علم مما مر ويشترط فيها بيان الجزاء المشروط للعامل، من نصف أو غيره كما يؤخذ من الحديث. ٢/ ٣٩٣ - (وعن ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاك بن سُفَّيان ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُزَارَعَةِ) وهي المعاملة على أرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، (وَأمَرَ بِالمُؤَاجَرَةِ) أمر إرشاد (رواه مسلم). وفيه النهي عن المزارعة، وتقدم تقييده بالمنفردة عن المساقاة، وفيه الأمر بإجارة الأرض، وهي جائزة، كإجارة غيرها، وأما خبر النهي عنها في مسلم فمحمول كما في شرحه على نهي التنزيه كما نهى عن بيع الهرِّ نهي تنزيه، أو على ما إذا أجر الأرض بجزء مما يخرج منها أو من قطعة معينة منها كالثلث والربع وهي المخابرة المفسرة بالمعاملة على أرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل. ٣/ ٣٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ -

стр. 480

قال الله ثَلاثة أَنَا خصمهُمْ) الخصم في الأصل مصدر وهو هنا بمعنى الصفة المشبهة باسم الفاعل أي مخاصم لهم بشدة يوم القيامة. (رَجُلٌ أَعْطى العهد) أي اليمين بي -أي باسمي (ثُمَّ غَدَرَ) أي نقض العهد ولم يف به (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) يعني تصرف فيه، وخص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود الانتفاعات بالمال (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فاسْتَوفَى مِنْهُ) منفعته (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ، رواه البخاري). ووقع في بلوغ المرام مسلم وهو سبق قلم وفيه جواز الإِجارة، وتحريم نقض العهد وبيع الحر وأكل ثمنه ومنع إعطاء الأجير أجرته. ٤/ ٣٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) أي تعليمه (رواه البخاري). وفيه جواز الإِجارة، وجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وأن أحق الأجر أجرة تعليمه، ومنع بعضهم جواز أخذها على تعليمه لأنه عبادة كالصلاة، وادعى بعضهم نسخ الحديث بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذها على تعليمه. ويرد الأول بأن النص مقدم على القياس، وبأن أثر النفع في المقيس مع كونه مستثنى يظهر على غير الأجير بخلافه في المقيس عليه، ورد الثاني بأنه إثبات الفسخ بالاحتمال وهو مردود بأن الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع مطلقًا بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل.

стр. 481

بابُ إحياء المَوَاتِ إحياء الموات الأصل فيه قبل الإِجماع أخبار يأتي بعضها وهو سنة لخبر ابن حبان في صحيحه "من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر"، وما أكلت العوافي أي طلاب الرزق منها فهو له صدقة، والموات أرض لم تعمر في الإِسلام ولم تكن حريم عامر. ١/ ٣٩٦ - (وعَنْ عَائِشةَ ﵂ قالت: قال النَّبيُّ ﷺ مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أَحقُّ بِهَا رواه البخاري). وفيه مشروعية إحياء الموات، وأن المحيي لشيء منه أحق به من غيره. ٢/ ٣٩٧ - (وعن الصَّعْب بن جَثَّامَةَ ﵁ قال: قال النبي ﷺ "لَا حمى إلا للهِ وَلِرَسُولِهِ" رواه البخاري). وفيه أن حمى الأرض خاص بالنبي ﷺ وإن لم يقع، ولو وقع كان لمصالح المسلمين أيضًا لأن ما كان مصلحة له كان مصلحة لهم أما غيره ﷺ فليس له أن يحمي لنفسه ولا لغيره إلا الإِمام فله ولو بنائبه أن يحمي لرعي نعم جزية أو نحوها كضالة ونعم صدقة وفي أرضها، بأن يمنع الناس من رعيها ولم يُضر بهم لأنه ﷺ حمي النقيع -بالنون لخيل المسلمين رواه ابن حبان في

стр. 482

صحيحه ويختلف الإِحياء بالغرض والكلام عليه وعلى ما يتعلق به مستوفى في كتب الفقه. ٣/ ٣٩٨ - (عن صحَابِيٍّ ﵁ قال: قال رسُول الله ﷺ النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثةٍ في الكَلأ وَالمَاءِ وَالنَّارِ، رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد). وفيه منع إحياء شيء من الثلاثة لاشتراك الناس فيها إذ المراد منها المشتركة بينهم كالأودية والأنهار والسيول في الماء.

стр. 483

بَابُ الْوَقفِ الوقف: هو لغة الحبس، وشرعًا حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح. والأصل فيه الأخبار الآتية. ١/ ٣٩٩ - (عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : إِذَا مَاتَ الإِنسان انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، رواه مسلم). وفيه أنه يسن الوقف فقد حمل عليه العلماء الصدقة الجارية وفيه الحث على تعلم العلم وتأليفه، وعلى النكاح رجاء أن يولد له ولد صالح يدعو له.

стр. 484

٢/ ٤٠٠ - (وعن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: أصَابَ عُمَر أَرْضًا بِخَيبَر فَأَتَي النّبيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُه) أي يطلب أن يأمره (فِيهَا) بشيء من أنواع البر والتقرب إلى الله وهو معنى قوله في الرواية الأخرى "فما تأمرني به فقال يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالا قط" تأكيد أي في الزمن الماضي هو أنفس -أي أجود عندي منه (قَال لهُ النَّبيُّ ﷺ إِنْ شِئْتَ حبَّسْتَ) بتشديد الموحدة- أي وقفت (أَصلهَا) أي رقبتها (وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) -أي بالأرض- أي بأصلها صدقة محرمة أو مؤيدة أو موقوفة فعطف تصدقت بها بهذا المعنى على حبست أصلها عطف تفسير غير (أَنه لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُورثُ وَلَا يُوهَبُ). قال ابن عمر: (فَتَصدَّق بِهَا) أي وقفها عمر (فِي الفُقَرَاءِ) الشاملين للمساكين (وفِي ذَوي القُرْبَى) لعمر، (وَفي الرِّقَاب) أي عتقها بأن يشترى من ريع الأرض الموقوفة أرقاء فيعتقون، (وفي سَبِيلِ الله) أي الجهاد بأن يشترى من الغلة آلات الحرب (وفي ابن السَّبِيلِ) وهو المسافر أو قاصد السفر، أطلق عليه ابن السبيل لملازمته السبيل أي الطريق ولو بالقصد، (وَفِي الضَّيفِ) -وهو نزل بغيره- (لا جُنَاحَ) أي إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهَا) أي وقف الأرض (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا) أي من بنائها (بِالمَعْرُوف) بين الناس، وأن (يُطْعِمَ

стр. 485

صَدِيقًا) له حالة كونه (غَيَرَ مُتَمَولٍ) -بكسر الواو- (مَالًا، رواه الشيخان). وفيه صحة الوقف وسنة التقرب إلى الله تعالى بأنفس الأموال، واستشارة الأكابر والائتمار بأمرهم، وأن التحبيس صريح في الوقف كالوقف وكذا الصدقة لكن بشرط أن يكون معها قرينة دالة على الوقف كما أسرت إليه آنفًا، وأن الوقف ينتقل إلى الله تعالى بحيث يمتنع انتقاله ونقله ببيع أو نحوه وكذا رهنه، وفيه أيضًا أفضلية الوقف على من ذكر من الأصناف، وجواز الوقف على الأغنياء لإِطلاق بعض الأصناف عن التقييد بالفقر وهو الأصح عندنا، وجواز وقف المشاع لأن هذه الأرض كانت مشاعة كما رواه الشافعي. وفيه أن للواقف أن ينتفع بوقفه إذا أطلقه ومحله عندنا إذا صار بصفة الموقوف عليه وإلا فلا ينتفع به كغيره من غير أرباب الوقف وأما إذا شرط انتفاعه فلا يصح الوقف لأنه في معنى الوقف على نفسه وهو باطل عندنا وفي الصورة السابقة لم يرد نفسه وإنما ذكر صفة عامة فإذا اتصف بها دخل. ٣/ ٤٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ ،

стр. 486

عُمَرَ بن الخطَّاب عَلَى الصَّدَقَةِ الوَاجِبَةِ) وهي الزكاة الحديث -بالنصب أي اذكر الحديث، وبالجر أي أذكر بقية الحديث، وبالرفع أي الحديث معروف. (وفيه) بعد ما ذكر للنبي ﷺ أن خالدًا منع الزكاة فيما يأتي (وأمَّا خَالِدٌ فقَد احْتَبَسَ) أي حبس بمعنى وقف (أَدْرَاعَهُ) جمع درع بكسر المهملة أي الزردية كما مر (وأعْتَادَهُ) بالفوقية جمع عتاد بفتح أوله وهو ما يعد للحرب من السلاح، وروي "واعتده" بضم الفوقية وكسرها جمع عتد بفتحها وكسرها، وروي "واعيده" بالموحدة وروي ورقيقه ودوابه والكل صحيح وإن زعم بعضهم أن بعضها وهم. (فِي سَبِيلِ الله) أي الجهاد كما مر (رواه الشيخان) ومعناه أنهم لما طلبوا من خالد زكاة الأشياء المذكورة لكونها كانت للتجارة وامتنع منها قال لهم النبي ﷺ معتذرًا عنه أنه احتبسها أي وقفها قبل الحول في سبيل الله فلا زكاة عليه فيها ففيه صحة الوقف وصحة وقف المنقول وأنه لا زكاة في الوقف.

стр. 487

كتابُ الهِبَةِ الهبة: أي مطلقها الشامل للصدقة والهدية لأنها تمليك تطوع في الحياة فإن ملك الاحتياج أو لثواب الآخرة فصدقة أيضًا أو نقله للمتهب إكرامًا له فهدية أيضًا فكل من الصدقة والهدية هبة ولا عكس وكلها مسنونة وشاملة للعمري والرقبي كما يعلم مما يأتي. والأصل فيها مع الأخبار الآتية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ "الآية". ١/ ٤٠٢ - (عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قال: قال النَّبيُّ ﷺ العَائِدُ في هِبَتِهِ كالعائِد في قَيئِهِ، رواه الشيخان). وفيه مشروعية الهبة وكراهة العود فيها وهي محمولة هنا على كراهة التحريم بقرينة الحديث المذكور في قوله.

стр. 488

٢/ ٤٠٣ - (وعنه أيضًا قال: قال النبي ﷺ يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها) بلا عوض كما هو المتبادر (إلا الوَالِدُ في ما يُعْطي وَلَدَهُ، رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما وصححوه). وفيه مشروعية التبرع بالعطية الصادق بالهبة والصدقة والهدية وجواز تبرع الوالد على ولده، وأما خير "أنت ومالك لأبيك" المقتضي لعدم جوازه فمؤول بأن المعنى أنت ومالك لأبيك نسبة لا ملكًا بقرينة إن الوالد لا يملك ولده. وفيه أيضًا تحريم العود في ذلك على غير الوالد، والمراد غير الأصل. أما الأصل وإن علا فلا يحرم عليه العود فيما أعطاه لفرعه ما دام باقيًا في سلطته، والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه. وذكر المسلم في الحديث جري على الغالب ولأنه أسرع إلى الامتثال. ٣/ ٤٠٤ - (وعن النُّعمان بنِ بشيرٍ ﵄ قال: تصدق عليَّ أبي ببعضِ مَالِهِ فقالت أمي -عُمرة بِنت روَاحَةَ- لا أَرضى بِهَذِه الصَّدقَة حتى

стр. 489

تشهد عليها رسول الله ﷺ فانْطَلَقَ أَبِي إِلى رَسولِ اللهِ ﷺ ) ليشهده على صدقتي (فقال له رسول الله ﷺ أَفَعَلْتَ هذَا بِولدكَ) أي بأولادك (كُلِّهمْ، قَال: لَا، قَال: اتقُوا الله واعْدِلُوا في أولادِكُمْ فَرَجَعَ أبي فَرَدَّ تِلْكَ الصدقة، رواه الشيخان) وفي رواية لمسلم: قال: فلا تشهد في إذًا -أي حينئذ- فإني لا أشهد على جور، أي حيف وظلم، وأصله الميل عن الاعتدال حرامًا كان أو مكروهًا، وفي رواية أخرى أيضًا "فأشهد على هذا غيري". فيه مشروعية الإِشهاد على ما تبرع به الوالد على ولده، والتسوية بين الأولاد في العطية فإن التفضيل يؤدي إلى الإِيحاش والتباغض وذلك لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الندب كما عليه الجمهور من العلماء واحتج القائل بالوجوب برواية لا أشهد على جور، واحتج الجمهور برواية "فأشهد على هذا غيري" إذ لا يأمر بمحرم، وامتناعه من الإِشهاد عليه على وجه التنزيه وأجابوا عن الرواية الأولى بما قدمناه من أن أصل الجور الميل عن الاعتدال حرامًا كان أو مكروهًا، فحمل على المكروه جمعًا بين الروايتين. وفيه أيضًا ندب الرجوع فيما تبرع به لبعض أولاده دون بعض،

стр. 490

والمتصدق به في الحديث كان غلامًا كما رواه الشيخان، وروي أنه كان حائطًا وجمع بينهما ابن حبان بأن الحائط كان أولًا حين ولادة النعمان والغلام كان في كبره. ٤/ ٤٠٥ - (وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رسُولَ اللهِ ﷺ يَقبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيثيبُ عَلَيهَا رواه البخاري). وفيه جواز قبول الهدية وطلب المكافأة عليها بأن يعطي المهدي له المهدي بدل ما أهداه له، وأقله ما يساوي قيمته، محل جواز قبول الهدية في غير الولاة، أما الولاة ففي جواز قبولها لهم تفصيل مذكور في كتب الفقه، وأما جوازه للنبي ﷺ مطلقًا فمن خصائصه. ٥/ ٤٠٦ - (عن جَابِرٍ قال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ العُمْرى هِبة لِمنْ وُهِبَتْ لَهُ) العين العمرة (رواه الشيخان) وصورتها أعمرتك هذا أي جعلته لك مدة عمرك وإن زاد فإذا مت عاد لي أو لورثتي فتصح الهبة ويلغو الشرط لخبر

стр. 491

الصحيحين العمرى ميراث لأهلها، وأما القيد المذكور في رواية مسلم من قول جابر "إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ إن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها فغير مفسد لأن مفاده التصريح بمقتضى العقد وهو غير مفسد له وذلك لأن ملك كل أحد إنما يكون مدة حياته فليس لي جعله له مدة حياته ما يتنافى انتقاله إلى ورثته، ومن ثم لا تضر زيادة فإذا مت عاد لي أو لورثتي كما مر، ولا يضر سقوط العمل، يقول جابر: لاحتمال أنه ليس مرفوعًا بل تأويل منه لما رواه ومثله ليس بحجة على غيره. تنبيه: الرقبى كالعمرى فيما مر كأن يقول أرقبتك هذا عمرك أي إن مت قبلي عاد لي وإن مت قبلك استقر لك والشرط فاسد غير مفسد كما مر، وكل منهما هبته في المعنى كما علم مما مر وكانا عقدين في الجاهلية فالعمرى من العمر ومنه ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي أسكنكم مدة أعماركم، والرقبى من الرقوب لأن كلا من العاقدين يرقب موت صاحبه بتقدير عود العين إلى المرقب. ٦/ ٤٠٧ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: حَمَلْتُ عَلَى فَرَس رَجُلًا) أَي وَهبتهُ له أو تصدقتُ بِهِ عَليه حالة كونه قاصدًا الغزو به في سبيل الله (فأضاعه

стр. 492

صاحبه) بتقصيره في القيام به (فظننت أنه بائعه برخص فأردت أن أبتاعه لرخصة ولأقوم بمصلحته فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك) أي عن جواز ابتياعي له (فقال: لا تَبْتَعْهُ وإِن أَعْطَاكَهُ بِدِرهم، رواه الشيخان). وفيه نهي المتبرع بشيء عن العود فيه بابتياع والنهي فيه للتنزيه لقوله في رواية فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه، لأن عود الكلب في قيئه لا يوصف بالحرمة لأنه غير مكلف وهو وإن كان لا يوصف بالكراهة أيضًا لكن التشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعة فناسب ثبوتها في الشريعة. وفيه أيضًا مشروعية الإِعانة على الغزو بكل شيء حتى بتمليك الفرس.

стр. 493

بَابُ اللقطة اللقطة: هي بضم اللام وفتح القاف وإسكانها لغة الشيء الملقوط، وشرعًا ما وجد من حق محترم غير محدد لا يعرف الواجد مستحقه. والأصل فيها قبل الإِجماع ما يأتي على الأثر. ١/ ٤٠٨ - (عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمنِ زَيدِ بن خَالِدٍ الجُهَنِيِّ) نسبةً إِلَى جُهينة قبيلة من قضاعة ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ) قيل هو بلال بن رباح المؤذن (إِلَى النبي ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ لُقَطَةِ الذَّهَب والوَرِق) أي الفضة، بإضافة لقطة إليها، وفي نسخ عن اللقطة بالتعرف بأل وأَبدل منها الذهب والورق (فَقَال لَهُ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) بكسر أوله وهو الوعاء (وَوكَاءَهَا) بكسر أوله والمد وهو ما

стр. 494

يشد به الوعاء (ثمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً) ولو متفرقة على العادة (فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي مالكها (فَأَدّهَا إِلَيه وإِلّا فَشَأْنُكَ بِهَا) أي فاحفظها عندك (قال) السائل (فَضَالَّةُ) أي فلقطة (الْغَنَمِ؟ قال) له (هِيَ لَكَ) بتملك لها (أَو لأَخِيك) أي لمالكها إن عرف (أَوْ لِلذِّئْب) إن لم يعرف بأن يأكلها فالقصد بهذا الحث على أخذها حفظًا لحق مالكها (قال) السائل (فَضَالَّةُ) أي فلقطة (الإِبِلِ؟ قال) له (مَا لَكَ وَلَهَا؟ ) استفهام إنكار (دَعْهَا) أي اتركها (فَإِنَّ مَعَهَا حِزَاؤُهَا) بكسر المهملة ثم بالمعجمة والزاي- خفها. (وسِقَاؤُهَا) بكسر المهملة وبالمد أي جوفها (تَردُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) فلا تبالي بتركك لها (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) أي مالكها (رواه الشيخان). وفيه جواز التقاط اللقطة والأمر بتعريفها سنة كما مر، ومحله إذا كانت اللقطة كثيرة أما القليلة فإن كانت بقدر ما يعرض عنه غالبًا كتمرة وزبيبة وزبل يسير فلا يعرفها واجدها بل يستبدلها وإلا فليعرفها دون سنة إلى أن يظن إعراض فاقدها عنها غالبًا وفيه الأمر بردها إذا جاء مالكها والأمر بترك التقاطه المستغنية عن الالتقاط والكلام على ذلك مستوفى في كتب الفقه.

стр. 495

٢/ ٤٠٩ - (وعن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ) بن أبي حمار بن ناجية بن عقال التميمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَي عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا، ثمَّ لا يَكْتُمْهَا - وَلَا يُغَيِّبْ بها) بأن يترك تعريفها وهو تأكيد لما قبله (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بَهَا وَإلّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ من الملتقط والمالك كما مر في الحديث قبله وتقدم فيه تفسير غالب ألفاظه. (والحديث رواه أبو داود وغيره وصححه ابن خزيمة وغيره). وفيه سن إشهاد عدلين على الالتقاط وهو أمر إرشاد.
следующие страницы →