Полный текст (693 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(مَالِي) الذي أمهرته لها (قال: إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيهَا) في ظنك (فَهُوَ) أي المال أخذ (بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيها) في ظنك (فَذَاكَ) أي الكذب (أبْعَدُ لَكَ مِنْهَا) لما في الكذب من ارتكاب المحرم بخلاف الصدق بل لو أكذبت نفسها بعد اللعان لم يسقط شيء من المهر (والحديث رواه الشيخان).
وفيه تحريم الزوجة على زوجها باللعان تحريمًا موبدًا لشدة الجريمة، وأن اللعان يكون بحضرة الحاكم وأنه يلاعن بينهما.
ومحل ثبوت جميع المهر في المدخول بها كما في القصة المذكورة، أما غيرها فيسقط منه نصفه كغيرها، وقيل لا يسقط منه شيء لأن اللعان ليس بطلاق، وقيل لا شيء لها لأنه فسخ.
٣/ ٤٨١ - (وعنه) أي عن ابن عمر (أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرأَتَه) أي قذفها بالزنا (وانتفى من ولدِها) الحاصل بذلك (في زمان رسول الله ﷺ فَأَمَرَهَا بالتَّلاعنْ) فتلاعنا كما قال أي الصفة التي قالها الله تعالى في اللعان (ثم قَضَى) أي حكم (بالولدِ للمرأةِ) لتحققه منها، والمراد أنه نفاه عن الرجل فلزم أن
стр. 562
يكون ولد المرأة فقط وإن لم يقض بأنه لها وفرق بين المتلاعنين (رواه الشيخان بمعناه).
وفيه ثبوت اللعان ولحوق الولد بالمرأة وانتفاؤه عن الرجل إذ نفاه.
٤/ ٤٨٢ - (وَعَنْ أبيِ هريرة ﵁ أَنَّ رَجُلًا) اسمه ضمضم بن قتادة (قَال يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِيِ وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ) وليس أبواه كذلك (قَال) له (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَال: نَعَمْ قَال: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَال حُمْر قَال هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَق؟ ) هو الذي فيه بياض يميل إلى سواد ومنه قيل للرماد أورق وقيل هو الذي فيه بياض يميل إلى الخضرة، وقيل هو الأسمر وبالجملة المراد أنه أغبر اللون (قَال: نَعَمْ، قَال فَأَنَّى) أي فمن أين أتاها (ذَلِكَ؟ قَال لَعَلَّهُ نزَعَه) أي جذبة (عِرْق) أي أصل ينسب إليه الإِبل (قَال فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذا نَزَعهُ عِرْق) شبه عرق النسب بعرق الشجرة، ومنه فلان معرق في النسب والحسب فالمعنى فلعل ابنك أشبهه عرق فجذبه به إليه فأظهر لونه عليه (والحديث رواه الشيخان).
وفيه أن الولد يلحق أبيه، وإن خالف لونه لونه، وفيه الاحتياط للأنساب
стр. 563
وإلحاقها بمجرد الإمكان، وإثبات القياس بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبًا للأفهام، وأن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا له، وأن التعريض بالقذف ليس قذفًا.
стр. 564
أبواب العدة والإحداد والاستبراء
العدة: وهي مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة برأة رحمها أو للتعبد أو لتفجعها على زوج.
والإحداد: هو لغة المنع، وشرعا ترك الزينة وجوبًا على معتدة وفاة وندبًا على معتدة طلاق.
والاستبراء: وهو لغة طلب البراءة، وشرعًا: التربص بالمرأة مدة بسبب ملك اليمين ولو ظنًّا لحلول حل التمتع أو دوم التزويج والأصل في الأبواب الثلاثة ما سيأتي.
стр. 565
١/ ٤٨٣ - (عن سبيعة) تصغير سبعة بنت الحارث (الأسلمية ﵂ أَنَّهَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا فَأَتَتْ النبي ﷺ فاسْتَأَذَنَتْهُ أنْ تَنْكحَ فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ، رواه الشيخان).
وفيه لزوم العدة للمتوفى عنها زوجها، وأن عدتها تنقضي بوضع الحمل وإن قصر الزمن بينه وبين وفاة الزوج.
ويدل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهو مخصص لآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾.
٢/ ٤٨٤ - (وعن فاطمة بنت قيس ﵂ قَالتْ: قَال النبي ﷺ في المطَلَّقَةِ ثَلاثًا) وفي رواية في المطلقة البتة والمراد المطلقة البائن (لها السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ، رواه مسلم).
وفيه أنه يجب للمطلقة البائن السكنى دون النفقة وهو ما عليه الشافعي،
стр. 566
وأما رواية مسلم أيضًا "ليس لها سكنى ولا نفقة" فتركها أكثر الرواة مع أنها مرسلة، وبتقدير رفعها إنما سقطت سكنى المطلقة فيها لأنها كانت لسنة على أحمائها فأمرت بالانتقال عند ابن أم مكتوم، ولأنها خائفة من الاقتحام على نفسها في مسكنها كما يأتي في الحديث بعده، واحتج الشافعي للسكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ﴾ ولعدم النفقة بخبر فاطمة مع مفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ﴾ "ولهما بالقياس على المتوفى عنها زوجها وبذلك علم أن محل ما ذكر في البائن الحائل.
أما البائن الحامل فلها السكنى والنفقة لأجل الحمل وأما الرجعية فيجبان لها مطلقًا بالإِجماع.
٣/ ٤٨٥ - (وعنها) أي عن فاطمة (بنت قيس قَالتْ قُلْتُ يا رسول الله إِنَّ زَوْجِي) واسمه عبد الحميد أبو عمرو بن حفص القرشي المخزومي (طَلَّقَنِي ثَلاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول أي يوقع علي وهو كناية عن الزنا بها (فَأَمَرَها) بالتحول (فَتَحَوَّلَتْ) إلى بيت ابن أم مكتوم لقرابة بعيدة بينهما ولأن ببيئة قليلة الطروق فتحولت إليه (رواه مسلم).
وفيه أنه يجوز للمعتدة الخروج من مسكنها للخوف مما ذكر وقدمت فيه زيادة.
٤/ ٤٨٦ - (وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالتْ: قَال النبي ﷺ لَا تُحِدَّ
стр. 567
امْرأَةٌ) من أحد أو من حد، ويجوز جزمه بالنهي ورفعه خبرًا بمعنى النهي ويأتي مثله في ما يأتي (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) من الأيام (إلا عَلَى زَوْج) فلتحد عليه (أَرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا) تفجعًا عليه (ولا تَلْبَسْ) حينئذ (ثَوْبًا مَصْبُوغًا) للزينة (إلا ثوْب عَصْبٍ) بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، أي ثياب من اليمن يعصب غزلها أي يجمع ويشد ثم يصبغ وللنسج يقال برد عصب وبرود عصب بالتنوين وبالإِضافة بالعصب بمعنى المعصوب وإضافة برد إليه من إضافة الموصوف إلى صفته، والمعنى النهي عن لبس الثياب المصبوغة للزينة إلا ثوب العصب فيحل - قال النووي في شرح مسلم وكره عروة العصب وأجازه الزهري وأجاز مالك غليظه والأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه انتهى.
يجاب بأن ثوب العصب نوعان نوع يصنع بعضه بسواد، وبعضه ببياض وعليه اقتصر صاحب العمدة، ونوع يصبغ بالسواد وعليه يحمل الحديث ومن ثم قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبغة إلا ما صبغ بسواد (وَلَا تَكْتَحِلْ) بكحل زينة كإثمد ولو كانت سود أو كحل أصفر ولو كانت بيضاء، ولا تختضب بخضاب ظاهر على البدن ولا تمتشط (ولا تَمَسَّ طِيبًا إلا إِذَا طَهُرَتْ) من نفاسها أو حيضها (نُبْذَةً) بضم النون وفتحها أي قطعة يسيرة ونصبت بمقدر أي تمس نبذة أو بالاستثناء وتقديره ولا تمس طيبًا إلا نبذة كما يأتي -ذكره إذا طهرت (مِنْ قُسْطٍ) بضم القاف وإسكان المهملة. نوع من الطيب (أَوْ أَظْفَارٍ) نوع من البخور وقيل من
стр. 568
الطيب (رواه الشيخان إلا قوله ولا تختضب فأبو داود وإلا ولا تمتشط فالنسائي).
وفيه أنه يجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا وأنه يجوز لها استعمال اليسير من القسط والأظفار بعد طهرها.
٥/ ٤٨٧ - (وعن أم سلمة رضي الله أن امْرَأَةً) اسمها عاتكة بنت نعيم (قالت يَا رسولَ الله إِنَّ ابْنَتِي) واسمها زينب (مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَينُهَا) بالرفع بالفاعلية والنصب بالمفعولية (أَفَنَكْحُلُها) بضم الحاء (قَال: لَا. رواه الشيخان).
وفيه أنه يحرم على المعتدة عن وفاة زوجها الاكتحال وإن اشتكت العين وفيه جواز استفتاء المرأة وسماع المفتي كلامهما.
٦/ ٤٨٨ - (وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ في سَبَايَا أوْطَاسٍ لا تُوطَأُ حَامِلٌ) منهن (حَتَّى تَضَعَ) حملها (ولا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيضَةً. رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم على شرط مسلم).
стр. 569
وفيه وجوب الاستبراء على الأمة التي حدث ملكها لتحل لسيدها وأن الاستبراء تارة يكون بوضع الحمل وتارة بالحيض وقد يكون بشهر كما في الآيسة من الحيض وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح المنهج وغيره.
٧/ ٤٨٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَال النبي ﷺ الوَلَدُ) تابع (لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجرُ) أي الخيبة ولا حق له في الولد وقيل الرجم بالحجر وضعفه النووي بأنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم المحصن خاصة، وبأنه لا يلزم من وجهه نفي الولد عنه (والحديث رواه الشيخان) من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة في قصة.
وفيه أن الولد يتبع الفراش، والفراش عند الشافعي يثبت في المنكوحة بالنكاح مع إمكان الوطء، وفي المملوكة بالوطء لا بالملك فإذا أتت المرأة بولد يمكن كونه من الفراش لحقه ومدة الحمل ستة أشهر من الفراش وذلك مبسوط في كتب الفقه وفيه أن للزاني الخيبة ولا حق له في الولد.
стр. 570
بَاب الرضاع
وهو بفتح الراء وكسرها لغة: اسم لمص الثدي وشرب لبنه، وشرعًا اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في معدة طفل أو دماغه.
والأصل في تحريمه قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلى آخره وما يأتي من الأحاديث.
١/ ٤٩٠ - (عن ابن عباس ﵄ قَال: قَال النبي ﷺ في بنت حمزة) وأسمها أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل سلمى، وقيل غير ذلك، وقد طلب منه تزوجها (لا تَحِلُّ لي لأَنَّه يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ) ومن في الموضعين تعليلية وجوز بعضهم كونها ابتدائية ثم تمم ﷺ تعليل تحريم بنت حمزة عليه بقوله وهي ابنة أخي من الرضاعة أي حرمت علي وإن كان أبوها حمزة عمي من النسب فقد ارتضعت معه من ثُويبه (والحديث رواه الشيخان).
стр. 571
وفيه أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأن ابنة حمزة حرمت عليه لكونها ابنة أخيه من الرضاع.
٢/ ٤٩١ - (وعن عائشة ﵂ قالت إِنَّ) أبا الجعد (أَفْلَحَ - أخا وقيل ابن أبي القعيس) بالتصغير، وكل من أفلح وأخي أبي القعيس صحابي (اسْتَأْذنَ عَلَيّ بَعْدَمَا نَزَلَ الحِجَابُ) وذلك آخر سنة خمس من الهجرة والمراد بما أنزل في الحجاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيات (فقلت والله لا آذَن لَهُ) بالمد وأصله أأذن له بهمزتين ثانيتهما ساكنة فأبدلت ألفًا (حَتَّى أَسْتَأْذِنُ رسول الله ﷺ فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُول الله إِنَّ الرَّجل ليس هو أرضعني ولكن أرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ قَال أذني لَهُ فَإِنَّه عَمُّكِ مِنَ الرَّضَاعَةِ رواه الشيخان).
وفيه ثبوت حرمة الرضاع ببنت الرضيع والرجل منسوب إليه اللبن.
وأن من شك في حكم من أحكام الشرع يقف عن العمل به حتى يراجع العلماء فيه.
٣/ ٤٩٢ - (وعنها) أي عن عائشة ﵂ قَالتْ كَانَ في مَا أُنْزِلِ مِنَ الْقُرْآن عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوفِّي رسول الله ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ رواه مسلم).
стр. 572
ومعناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًّا حتى أنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات لكونه لم يبلغ نسخ تلاوتها لقرب عهده فلما بلغهم النسخ رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنها لا تتلى.
والنسخ ثلاثة أنواع ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات وما نسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وما نسخ حكمه دون تلاوته وهو الأكثر كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
стр. 573
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية.
والقدر الذي يثبت به حكم الرضاع عند الشافعي ومن وافقه خمس رضعات لحديث عائشة المذكور وعند جمهور العلماء رضعة واحدة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وعند أبي ثور وداود وغيرهما ثلاث رضعات لمفهوم خبر لا يحرّم المصّة والمصّتان وقد أطال الكلام على ذلك النووي في شرح مسلم.
стр. 574
باب النفقات
جمع نفقة من الإِنفاق وهو الإِخراج وجمعت لاختلاف أنواعها من نفقة زوجة وقريب ومملوك فيه حديث معاوية السابق في عشرة النساء وقد شرحناه ثم فراجعه وهو يتعلق بنفقة الزوجة.
١/ ٤٩٣ - (وعن عائشة ﵂ قَالتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة امْرأَةُ أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ) من الشح قال الجوهري وهو البخل مع الحرص وفي رواية مسيك بفتح الميم وتخفيف السين وفي أخرى مسيك بكسر الميم وتشديد السين وهما بمعنى الشحيح قال القرطبي المراد أنه شحيح بالنسبة لامرأته وولده لا مطلقًا، لأن الإِنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته لأنه يرى غيرهم أحوج، وإلا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل فلا يستدل بالحديث على أنه بخيل مطلقًا (لَا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِن مَالِه بِغَيرِ عِلْمِهِ) وهو استثناء منقطع لأن ما تأخذه بغير علمه ليس من إعطائه (فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ) أي مأثم وميل عن الحق (فقال لها خُذِي مِنْ مَالِهِ) اختلف في هذا هل
стр. 575
كان إفتاءً حتى يعمها وغيرها، فيستدل به على مسألة الظفر أو قضاء على أبي سفيان.
قال النووي في شرح مسلم والأصح الأول لأن أبا سفيان كان بمكة، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبًا عن البلد، أو مستترًا لا يقدر عليه، أو متعذرًا، ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا ووقع للرافعي في ذلك اضطراب والأمر على القولين، في خزي للإِباحة بدليل رواية لا حرج عليك أن تنفقي عليهم (بالمعرُوفِ) أي القدر الذي عرف بالعادة أنه كفاية (مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ، رواه الشيخان).
وفيه حجة للقول بأن نفقة الزوجة لا تتقدر بمدين للموسر وبمد للمعسر، وبمد ونصف للمتوسط، بل بالكفاية كالقريب وإن كان الصحيح عند الشافعي التقدير بالأمداد في الزوجة وبالكفاية في القريب، ويجاب بأن الكفاية استعملت في حقيقتها ومجازها فيفسر في كل بحسبه فتفسر في الزوجة بكفاية مقيدة وفي القريب بكفاية مطلقة.
٢/ ٤٩٤ - (عن أبي هريرة ﵁ قال: - قال رسول الله ﷺ لِلْمَمْلُوكِ) من حيوان غير مكاتب على مالكه (طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ) من غالب عادة
стр. 576
مماليك البلد (وَلَا يُكَلِّفُه مِنَ الْعَمَلَ إلَّا مَا يُطيقُ. رواه مسلم).
وفيه أنه يجب على المالك كفاية مملوكه من طعام وغيره ولو كان أعمى زمنًا أو أم ولد أو آبقًا، وأنه لا يكلف ما لا يطيقه على الدوام وقد بسطت الكلام عليه في شرح المنهج وغيره، ولا شيء عليه للمكاتب ولو كتابة فاسدة لاستقلاله بالكسب فهو مستثنى من الحديث.
٣/ ٤٩٥ - (وعن ابن عمر ﵄ قَال: قال رسول الله ﷺ كَفَى بِالمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ. رواه النسائي). وهو في مسلم بلفظ "كفى إثمًا أن تحبس عمن تملك قوته".
وفيه أنه يحرم على المالك أن يقطع عن مملوكه كفايته.
٤/ ٤٩٦ - (وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال قُلْتُ يا رسول الله مَنْ أَبَرُّ) بفتح الهمزة (قال: أُمَّكَ) (قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمَّكَ. قُلْت ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أُمَّكَ قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَال: أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فالأَقْرَبَ. رواه أبو داود والترمذي وحسنه).
стр. 577
وفيه الحث على بر الوالدين والأقربين، وعلى التأكيد في بر الأم حيث كرره ثلاث مرات وفي ذلك ثواب عظيم.
٥/ ٤٩٧ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ عُذِّبَتْ امْرأَةٌ في هِرّةٍ) أي بسببها (سَجَنَتْهَا) أي حبستها (حَتَّى مَاتَتْ فدخلت النار فيها) أي في الهرة (لَا هيَ أَطْعَمَتْهَا) ولا سقتها إذ هي حبستها (ولَا تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مَن خَشاشِ الأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة أي هوامها وحشراتها (رواه الشيخان).
وفيه أن هذه المرأة عذبت بسبب حبسها الهرة وترك أكلها وسقيها.
стр. 578
بَابُ الحَضَانة
بفتح الحاء لغة الضم مأخوذة من الحضن بكسرها وهو الجنب لضم الحاضنة الطفل إليه وشرعًا تربية من لا يستقل بأموره بما يصلحه ويقيه عما يضره.
١/ ٤٩٨ - (عن عبد الله بن عمرو ﵄ أَنَّ امْرَأَةً قالت: يا رسول الله إِنَّ ابْنِي) هَذا (كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءً وثَدْيي لَهُ سِقَاءً وحِجْرِي لَهُ حِوَاءً وإِنَّ أَبَاهُ طَلقنِي وَأرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنتِ أَحَقُّ بِه مَا لَمْ تَنْكحِي غيرَه. رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم).
وفيه ثبوت الحضانة، وأنها تثبت للأم والأب، وأنهما لو اجتمعا قدمت الأم عليه.
٢/ ٤٩٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّ امْرأةً قَالتْ: يَا رسُول اللهِ إِنَّ زَوْجِي يُريدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي) أي ينزعه مني (وقَدْ نَفَعَنِي وسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبي عِتَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا. فَقَال النبي ﷺ ) للغلام وقد ميّز (يا غُلامُ هَذا أَبُوكَ
стр. 579
وَهذِهِ أُمُّكَ، فَخْذ بِيَدِ أَيِّهمَا شِئْتَ فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فانْطَلَقَتْ بِهِ. رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي).
وفيه ثبوت الحضانة، وأنها تثبت للأم والأب كالذي قبله وأن الولد إذا ميز يخير بينهما إذا اجتمعا.
٣/ ٥٠٠ - (وعن أبي عمارة) البراء بتخفيف الراء على الصحيح ابن عازب.
هو ابن الحارث بن عدي بن حارثة الأنصاري الأوسي ﵄ أَنَّ النبي ﷺ قَضَى في ابنة حَمْزَةَ لِخَالتِهَا وقَال الخَالةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمَّ) علل به حكم الحضانة لخالة فشبهها بالأم لإِدلائها بها. (والحديث رواه البخاري).
وفيه ثبوت الحضانة، وأنها تثبت للخالة حيث لا أم لها ولا أخت لأنها تدلي بالأم.
стр. 580
كتاب الجنايات
جمع جناية: وهي الشاملة للجناية بالجارح وغيره كشجر ومثقل.
١/ ٥٠١ - (وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لَا يَحِلُّ دمُ) أي سفك دم (امْرِئٍ مُسْلِمٍ) والمراد لا يحل قتل مسلم ولو بلا دم (يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلا الله وأني رسول اللهِ) صفة موضحة لمسلم إذ المسلم من يشهد ذلك (إلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّب الزاني) بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي أحدها، وبالنصب بفعل مقدر كأعني، وبالجر بدلًا من مسلم أو امرئ والمراد بالثيب الزاني المحصن كما ورد في رواية وهو هنا من وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل (والنَّفْسَ بِالنَّفْس) ما لم يمنع منه مانع لعدم كفاءة كقتل الحر بالعبد (والتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ) أي جماعة المسلمين والمراد به المرتد ولو امرأة (رواه الشيخان).
وفيه تحريم قتل الآدمي إلا ما استثني ولا يرد على الحصر في الثلاثة جواز قتل نحو الصائل لأن قتله ليس مقصودًا أصالة وإنما المقصود دفعه، نعم يرد عليه
стр. 581
جواز قتل من أخرج الصلاة عن أوقاتها.
٢/ ٥٠٢ - (وعن عمر ﵁ قال: قَال رسول الله ﷺ لا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ رواه الترمذي وغيره وصححه البيهقي).
وفيه أن الوالد لا يقاد بقتل ولده والمراد به الأصل وإن علا ذكرًا كان أو أنثى.
٣/ ٥٠٣ - (وعن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) في الحرمة (وَيَسعَى بذِمَّتِهِم) أي أيمانهم وعهدهم (أَدْنَاهُم) فإذا أمن أدنى المؤمنين من حر وعبد رجل أو امرأة العدو جاز ذلك على جميع المؤمنين (وَهُمْ) أي المؤمنون (يَدٌ) أي ذوو قوة والمراد كما قال ابن الأثير أنهم مجتمعون (عَلَى مَنْ سِوَاهُم) من أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضًا على جميع الأعداء (ولا يُقْتَلُ مُؤمن بكَافِرٍ ولَا) يقتل (ذُو عَهْدٍ في) حال (عَهْدِهِ) أي أمانة وفاء بالعهد (رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم).
стр. 582
وفيه أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم في الحرمة وإن امتنع القصاص في بعضهم لانتفاء الكفاءة الخاصة المعلومة في الفقه. وأنه يكفي عن أمانهم أمان واحد منهم، وأنه لا يقتل مؤمن بكافر لعدم المكافأة، ولا ذو عهد في عهده أي بلا سبب.
٤/ ٥٠٤ - (وعن أنس ﵁ أنَّ جَارِيَةً) من الأنصار تطلق الجارية على الأمة وعلى الحرة ما لم تبلغ (وُجِدَ رَأْسُهَا قد رُضَّ) أي دق (بَينَ حَجَرَينِ، فَسَأَلُوهَا: ) في رواية في الصحيحين أنه ﷺ سألها (مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ، فُلانٌ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَتْ) أصله فأومأت (بِرَأْسِهَا) أيِ نعم (فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ. فَأَقَرَّ) بأنه صنع بها ذلك (فَأَمَرَ رسُولُ الله ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَينَ حَجَرَين. رواه الشيخان واللفظ لمسلم).
وفيه ثبوت القود وقتل الرجل بالمرأة وهو إجماع من يعتد به وجواز قتل الكافر الذي له عهد وأمان بالمسلم وجواز سؤال الجريح من جرحك لفائدة
стр. 583
تعرف الجارح من بين المتهمين ليطالب فإن أقر ثبت عليه القود وإلا فالقول قوله بيمينه ولا يلزمه بمجرد قول المجروح شيء وهو قول جمهور العلماء.
وفيه أيضًا أن الإِشارة بالرأس أو نحوه قائمة مقام النطق ووجوب القود في القتل بالمثقل كالمحدد وهو ظاهر واعتبار المماثلة في استيفاء القود.
٥/ ٥٠٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: اقْتَتَلْتِ امْرَأَتَان مِنْ هُذَيلٍ) كانتا زوجتين لحمل بن النابغة واسم المضروبة مليكة والضاربة أم عطيف بضم المهملة (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى بَحَجَرٍ) وفي رواية "فضربت إحديهما الأخرى بمسطح وهو عود من أعواد الخباء وفي رواية "بعمود" ولا منافاة لاحتمال أن يكون الضرب وقع بالحجر والعمود والعود فذكر بعض الرواة أحدها وبعضهم آخر والباقون الثالث (فقتلتها وما في بطنها) وقد أجهضته قبل موتها كما ورد في رواية (فَاخْتَصَمُوا) أي أهل المقتولة مع القاتلة وأهلها (إلى رسول الله ﷺ فَقَضَى) أي حكم وألزم (رسول الله ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْد أوْ وَلِيدَة) أي أمة، (وقَضَى بِدِيةِ المرْأةِ) المقتولة (عَلَى عَاقِلَتها) أي عاقلة القاتلة وهم العصبة ما عدا الأصل والفرع والعاقلة جمع عاقل جمع الجمع عواقل والعقل الدية سميت به لأن مورثها يعقلها بفناء أولياء المقتول والعقل أيضًا مصدر بمعنى تحمل الدية وإعطائها (وَوَرَّثَهَا) بتشديد الراء (وَلَدَهَا) بالنصب بالمفعولية وبتخفيفها، ورفع الولد بالفاعلية والمراد بالولد الجنس فلهذا قال: (وَمَنْ مَعَهُمْ) ولم يقل معه (فَقَال) أبو فضلة
стр. 584
(حَمَل) بفتح الحاء والميم (ابن مَالك بن النَّابِغَةِ ﵁ الهزلي) وكان ابن عم الضاربة (يا رسول الله كَيفَ يُغْرَمُ) أي الشخص.
وفي رواية كيف أغرم أي أناديه (مَنْ لا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ) أي رفع صوته بالصياح (فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ) بضم أوله مضارع ولازمه أي هدر وهو من الأفعال التي لم تستعمل إلا مبنية للمفعول كجن ومنهم من قال يقال أطل الحاكم دمه أي أهدره ويروى بالموحدة مفتوحة من البطلان (فقال: رسول الله ﷺ إنَّما هذا) القائل لهذا الكلام (مِنْ إخْوانِ الكُهَّانِ) جمع كاهن وهو من يخبر عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار كما مر مع زيادة في البيع (مِنْ أَجْل سجعه الَّذِي سَجَعَ) والسجع بفتح السين المهملة كلام يشبه الشعر (رواه الشيخان).
وفيه رفع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام بغرض الفصل ووجوب الغرة بالجناية على الجنين إن انفصل منها بعد موته وكذا إن ظهر بلا انفصال عند الشافعي وأن الغرة تسمى دية وأنه لا فرق في وجوب الغرة بين الذكر والأنثى، ويجبر مستحقها على قبولها من أي نوع كان بعد وجود ما اعتبره جمهور الفقهاء من كونها مميزةً سالمةً من عيب المبيع، وأن تكون قيمتها عشْر دية الأم فإن فقدت الغرة وجب خمسة أبعرة، وفيه أيضًا ذم الكهَّان وسجعهم والتشبه بهم وأن السجع لا يذم مطلقًا بل إذا شبه بسجع الكهان في القصد به إلى إبطال حق شرعي كما هنا أو كان منه فحش.
تنبيه: الضرب بالحجر وبالعمود ظاهر في أنه كان بما يقتل غالبًا لكن
стр. 585
يعارضه رواية أبي داود والنسائي لأن الحذق الرمي بحصاة أو بنواة أو نحوها تؤخذ بين السبابتين أو بين الإِبهام والسبابة فالأوجه حمل الحجر والعمود في الخبر السابق على صغيرين لا يقتلان غالبًا ليوافق هذه الرواية -وقوله وقضى بدية المرأة على عاقلتها لأن القتل حينئذٍ شبه عمد ولا يصح حمله على ما يقتل غالبًا ليكون القتل عمدًا وقضى بقتل قاتل المرأة ثم عفا عنه فقضى بالدية لأن القضاء بالدية حينئذ لا يكون على العاقلة.
٦/ ٥٠٦ - (وعن أنس) هو ابن مالك ﵁ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء (بِنْتَ النَّضرِ - عمته) أي عمة أنس (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ) أي سن (جَارِيَةٍ) أي شابة حرة (فَطَلَبُوا) أي قوم الربيع (إِلَيهَا) أي إلى الجارية أي منها والمراد من أهلها (العَفْوَ) مجانًا (فَأَبَوْا) أي فامتنعوا (فَعَرَضُوا) عليهم (الأَرْشَ) أي الدية (فَأَبَوْا. فَأَتُوا رسول الله ﷺ فَأَبَوْا إلا الْقِصَاصَ فقال أنس بن النضر يا رسول الله أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا والذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنيَّتَها) إذ إنه قاله قبل أن يعرف أن كتاب الله القصاص على النصين لظنه التخير بين القصاص والدية أو المراد الاستشفاع من رسول الله ﷺ إليهم ولم يرد به الإِنكار بل توقعًا، ورجاء للعفو من فضل الله لما كان له عند الله من القرب والثقة، ويدل له آخر الحديث (فَقَال رسُول الله ﷺ يَا أنَسُ كِتَابُ اللهِ القَصَاصُ) رفعهما بالابتداء أو الخبر وبنصبهما يجعل المصدرين بدلًا من اللفظ بفعلهما وبنصب الأول بالإِغراء ورفع الثاني خبر مبتدأ محذوف أو نصبه بالبدلية أو بفعل مقدر أو بدلا من اللفظ بفعله (فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا فَقَال
стр. 586
رسول الله ﷺ إِنَّ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه (رواه الشيخان واللفظ للبخاري).
وفيه ثبوت القصاص بين النساء وجواز الحلف فيما يظن وقوعه والقضاء على من لا يخاف الفتنة به، وندب العفو عن القصاص والشفاعة في العفو، وأن السن يتصور فيه القصاص بأن يقلع أو يكسر ويكون الكسر مضبوطًا.
стр. 587
باب الديَات
جمع دية: وهو المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها.
وهاؤها عوض من فاء الكلمة وهي مأخوذة من الودي وهو دفع الدية يقال وديت القتيل أديه وديا.
والأصل فيها قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ والأخبار الآتية.
١/ ٥٠٧ - (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ . أَلَا إِنَّ دِيةَ الخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ) بالجر نعتًا للخطأ أو بدلًا أو عطف بيان وشبه العمد (-ما كان بالسوط والعصا-) الخفيفتين اللذين لا يقتلان غالبًا (مِائَةٌ مِنَ الإِبلِ مِنْها أَرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) والبقية ثلاثون
стр. 588
حِقة- وثلاثون جزعة. (رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان) وخرج بشبه العمد الخطأ المحض فواجبه مائة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جزعة.
٢/ ٥٠٨ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : دِيةُ أَصَابع اليَدَينِ والرِّجْلَينِ سَوَاءٌ) لا تفاوت بينهما فتحب (عَشَرَةٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ، رواه ابن حبان في صحيحه)
وفيه ثبوت دية الأصابع وأن لكل إصبع عشرة من الإِبل.
٣/ ٥٠٩ - (وعنِ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ في المَوَاضِحِ خمْسٌ مِنَ الإِبِلِ رواه أبو داود وغيره وصححه
стр. 589
ابن خزيمة).
وفيه ثبوت دية الموضحة وأن فيها خمسًا من الإِبل والموضِحة جرح بما يصل إلى العظم، ومحل وجوب الخمس فيها أن تكون في الرأس أو الوجه وإلا. فالواجب فيها حكومة.
стр. 590
بَابُ دَعْوَى الدم
أعني القتل وعبر عنه به للزومه له غالبًا، والقسامة بفتح القاف أي الأيمان الآتي بيانها مأخوذة من القسم وهو اليمين.
١/ ٥١٠ - (عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمةَ ﵁ قال: انطلق عبد الله بن سهل ومُحَيِّصَةَ بن مَسْعُودٍ إِلى خَيبَرَ) وهي يومئذ صلح بعد فتحها وإبقاء أهلها عليها فتفرقا (فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ إلى عَبْدِ الله بْنِ سَهْلٍ وَهَو يَتَشَحَّط فِي دَمِهِ) أي يتخبط فيه ويضطرب (قَتِيلًا) حال، فدفنه ثم قدم المدينة (فانْطَلَقَ عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحُوَيِّصَةَ) بتشديد الياء فيها على الأشهر ابنا
стр. 591
مسعود (إلى النبي ﷺ فذهب عبد الرحمن) وفي رواية محيصة (يَتَكَلَّم) فيجوز أن يكون كل منهما ذهب يتكلم وكان حويصة أكبر منهما (فقال النبي ﷺ كبِّرَ كَبِّرْ) راع الكبر (يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ مُحَيِّصَةُ) وهذا الكلام إنما كان لمعرفة الحكاية لا للدعوى لأن الدعوى إنما هي لعبد الرحمن أخي القتيل (فقال رسول الله ﷺ أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ الدَّم) أي دمه دم صاحبكم وإنما قال ذلك مع أن الذي يحلف ويستحق واحد لأن الواحد قد يخاطب بخطاب الجمع أو لأن المراد أن يكون الحلف من جهتكم لا من جهة المدعى عليه (قالوا وكَيفَ نَحْلِفُ ولَمْ نَشْهَدُ) أي نحضر قتله ولم نر ما يعرف به قاتله قال (فَتبرئكم يهود) من ذلك بخمسين يمينًا (فقالوا كَيفَ تَأْخُذُ بِأيمَان قَوْمٍ كفَّارٍ) استبعاد لصدقهم وتقريب لإِقدامهم على الكذب (فعقله النبي ﷺ ) أي أعطى عقله أي دينه من عنده ولا ينافي هذا رواية أنه رواه بمائة من إبل الصدقة لجواز أن يكون اشتراها من إبل الصدقة فبعث إليه مائة ناقة. قطعًا للنزاع وإصلاحًا لذات البين (رواه الشيخان).
стр. 592
وفيه ثبوت القسامة وأن الواجب بها الدية لا القود عن الشافعي وإن كان ظاهر الحديث وجوبه.
وفيه فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، والبداءة في القسامة بيمين المدعي وتعدد الأيمان في القسامة وأنها خمسون والحكمة في تعددها تعظيم شأن الدم ولأن الأصل فيها تقديم يمين المدعي وتصديقه على خلاف الظاهر وفيه صحة يمين الكافر وأنها جارية في النفس لا في الأطراف وأن اليمين جائز بالظن.
стр. 593
بَاب قتال البغاة
جمع باغٍ: سموا بذلك لمجاوزتهم والأصل فيه آية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ والأخبار الآتية وليس في ذلك ذكر الخروج على الإِمام صريحًا لكنها تشمله لعمومها أو تقتضيه لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة فللبغي على الإمام أولى.
١/ ٥١١ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ مَنْ حَمَلَ عَلَيَنا السِّلَاحَ) أي حمله لقتالنا (فَلَيسَ مِنَا) لأن حامله إن كان كافرًا فذاك وإلا فليس هو على ملتنا أو على طريقنا بل إن استحل تحليل المحرم كفر (والحديث رواه الشيخان).
وفيه تحريم قتالنا، وتغليظ الأمر فيه، وتحريم حمل السلاح لغير مصلحة شرعية، وقد نهى الشارع عن تعاطي السيف مسلولًا، وأمر بالإِمساك على
стр. 594
السلاح ومنع من الإِشارة بالحديد ونحوه خوف نزغ الشيطان من يده إلى أخيه المسلم وكل ذلك دليل على احترامه.
٢/ ٥١٢ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ) - أي طاعة الله ورسوله والإِمام (وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ) أي جماعة المسلمين فيما عقدوه موافقًا للكتاب والسنة (وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ) بكسر الميم (مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ) أي يموت على ما مات عليه أهل الجاهلية من الضلال والجهل (رواه مسلم).
وفيه الحث على موافقة الجماعة وعدم الخروج عما عقدوا عليه أمرهم كما مر.
٣/ ٥١٣ - (وعن ابن شريح) بضم المعجمة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول من أَتاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ) أي معقود على ما يرضي الله ورسوله (يُريدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتُكُمْ) وكان كافرًا واستحل ذلك (فاقْتُلُوهُ. رواه مسلم) وفيه ما مر في الذي قبله.
стр. 595
قتال الجاني عمدًا وقتل المرتد
باب قتال الجاني عمدًا
وهو أن يقصد عين من وقعت به الجناية بما يتلف غالبًا وقتل المرتد عن الإِسلام، وإنما عبر في الثاني بالقتل لأنه المراد فيه بعينه، وفي الأول بالقتال ليعم القتل وغيره مما يأتي كفقء العين.
١/ ٥١٤ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ من قُتِلَ دُونَ مَالِه) أي عند دفعه عنه (فَهُوَ شهيدٌ) في الآخرة لا في الدنيا فإنه يغسل ويصلى عليه بخلاف من قتل في معركة الكفار بسبب القتال (والحديث رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي).
стр. 596
وفيه أن من قتل للدفع عن ماله فهو شهيد أي في الآخرة.
٢/ ٥١٥ - (عن عِمْرَانَ بن حُصَين قال: قَاتَلَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَنَزَعَ ثنيَّتَهُ) وفي رواية ثنيتيه بالتثنية ولكل إنسان ثنتيان في مقدم فيه كما مر في الصيام (فاخْتَصَمَا إلى النبي ﷺ فَقَال أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ) أخاه (كمَا يَعَضُّ الفَحْلُ) من الإِبل أو غيره (لا دِيَةَ لَهُ) في سنه (رواه الشيخان).
وفيه تحريم العض وأنه ليس من شيم بني آدم وأنه لا ضمان على المنتزع في ما لو عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه بشرط أن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب شدقٍ أو فكٍ لحييه وإلا خلصهما بأيسر ما يمكن فإن انتقل إلى الأثقل ضمن فإن لم يمكنه إلا به كبعج بطن وفقء عين فلا ضمان.
وفيه أيضًا تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان غير الناطق للتنفير عن مثل فعله.
стр. 597
٣/ ٣١٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبُو القَاسِم ﷺ : لَوْ أنَّ امْرأ اطَّلَع عَلَيكَ) من شق الباب أو نحوه (بِغَيرِ إِذْنٍ) منك له (فَخَذَفْتَهُ) بالخاء والذال المعجمتين (بِحَصاةٍ) والخذف بالمعجمة الرمي بين الإِصبعين بحصاة أو نحوها كما مر، وبالمهملة الرمي بالعصا (فَفَقَأْتَ عَينَهُ) أي عورتها بخذفك (لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ) أي إثم ولوم (رواه الشيخان).
وفيه أنه إذا فقأ عينه فيما ذكر لم يلزمه دية ولا قصاص ولا إثم وهو قول الشافعي، وحكمته الاحتياط للحريم والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها، وفيه أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره وهو الأصح عند أئمتنا بقيدين يأتيان، وأنه لا يرمى الناظر إلا بخفيف كحصاةٍ وبندقةٍ، فلو رماه بثقيل كنشاب ضمن، ولا يلحق بالنظر السمع على الأصح عن أئمتنا لأن السمع ليس كالبصر في الاطلاع على العورات، ومحل جواز الرمي أن لا يقصّر صاحب الدار فإن قصر كأن جعل بابه مفتوحًا أو كانت كوة واسعة في الدار أو نحوها ولم يسدها لم يجز رميه وإن تعمد النظر، ومحله أيضًا أن لا يكون للناظر ثم محرم أو زوجة أو متاع فإن كان ثم شيء منها لم يجز رميه لأن له شبهة في النظر فلو كان محرمًا لحرم صاحب الدار لم يرمه إلا أن تكون متجردة ولو لم يكن في الدار إلا صاحبها فله الرمي إن كان متجردًا وإلا فلا على الأصح، ولو كانت الحُرم في الدار مستترات ولو ببيت جاز رميه [في] الأصح لإِطلاق الأحاديث ولأن أوقات الستر والتكشف لا تنضبط فالاحتياط حسم الباب.
٤/ ٥١٧ - (وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال قَضَى) أي حكم (رسول الله ﷺ أنَّ) أي بأن (حِفْظَ الحَوَائِط) أي البساتين (بِالنَّهَارِ عَلَى أهْلِهَا
стр. 598
وأن حِفظَ المَاشِيةِ) من نعَم وغيرها (بِاللَّيلِ عَلَى أهْلِهَا وَأنْ عَلَى أهْلِ المَاشِيَةِ مَا أصَابَتْ) أي أتلفت (مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيلِ) حيث قصروا في حفظها (رواه أبو داود وصححه ابن حبان) وهو على وقف العادة الغالبة في حفظ البساتين ونحوها نهارًا، والماشية ليلًا فلو جرت عادة بلدة بحفظ الحوائط ليلًا والمواشي نهارًا انعكس الحكم في الأصح، والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه.
٥/ ٥١٨ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) من الإِسلام إلى الكفر (فاقْتُلُوهُ رواه البخاري)
وفيه قتل المرتد، ومحله إذا لم يتب فإن تاب قبلت توبته وكذا قتل من تهود أو تنصر ومحله إذا لم يسلم.
٦/ ٥١٩ - (وعنه) أي عن ابن عباس (أنَّ أعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَد تَشْتِمُ) بكسر التاء وضمها أي تسبّ النبي ﷺ (وَتَقَعُ فِيهِ) أي تذمه وتعيبه
стр. 599
وتغتابه (فَيَنْهاها) عن ذلك (فَلَا تَنْتَهي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيلَةٍ أَخَذَ المِعْوَلَ) أي الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر (فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا واتَّكَأ عَلَيها فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي ﷺ فَقَال ألَا اشْهَدُوا) أي اعلموا (أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) أي باطل (رواه أبو داود بإسناد صحيح).
وفيه أن من سب النبي ﷺ أو ذمه هدر دمه.
стр. 600
كتاب الحدود
جمع حد: وهو لغة المنع وشرعًا عقوبة مقدرة تجب بارتكاب ذنب وسميت الأنواع المذكورة حدودًا لأنها تمنع المعاودة وغير المحدود من الوقوع في الفعل المحدود فيه والأصْل فيه ما يأتي في أبوابها.
следующие страницы →