← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20590

فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام

زكريا الأنصاري

Полный текст (693 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفيه أن من قتل للدفع عن ماله فهو شهيد أي في الآخرة. ٢/ ٥١٥ - (عن عِمْرَانَ بن حُصَين قال: قَاتَلَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَنَزَعَ ثنيَّتَهُ) وفي رواية ثنيتيه بالتثنية ولكل إنسان ثنتيان في مقدم فيه كما مر في الصيام (فاخْتَصَمَا إلى النبي ﷺ فَقَال أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ) أخاه (كمَا يَعَضُّ الفَحْلُ) من الإِبل أو غيره (لا دِيَةَ لَهُ) في سنه (رواه الشيخان). وفيه تحريم العض وأنه ليس من شيم بني آدم وأنه لا ضمان على المنتزع في ما لو عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه بشرط أن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب شدقٍ أو فكٍ لحييه وإلا خلصهما بأيسر ما يمكن فإن انتقل إلى الأثقل ضمن فإن لم يمكنه إلا به كبعج بطن وفقء عين فلا ضمان. وفيه أيضًا تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان غير الناطق للتنفير عن مثل فعله.

стр. 597

٣/ ٣١٦ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبُو القَاسِم ﷺ : لَوْ أنَّ امْرأ اطَّلَع عَلَيكَ) من شق الباب أو نحوه (بِغَيرِ إِذْنٍ) منك له (فَخَذَفْتَهُ) بالخاء والذال المعجمتين (بِحَصاةٍ) والخذف بالمعجمة الرمي بين الإِصبعين بحصاة أو نحوها كما مر، وبالمهملة الرمي بالعصا (فَفَقَأْتَ عَينَهُ) أي عورتها بخذفك (لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ) أي إثم ولوم (رواه الشيخان). وفيه أنه إذا فقأ عينه فيما ذكر لم يلزمه دية ولا قصاص ولا إثم وهو قول الشافعي، وحكمته الاحتياط للحريم والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها، وفيه أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره وهو الأصح عند أئمتنا بقيدين يأتيان، وأنه لا يرمى الناظر إلا بخفيف كحصاةٍ وبندقةٍ، فلو رماه بثقيل كنشاب ضمن، ولا يلحق بالنظر السمع على الأصح عن أئمتنا لأن السمع ليس كالبصر في الاطلاع على العورات، ومحل جواز الرمي أن لا يقصّر صاحب الدار فإن قصر كأن جعل بابه مفتوحًا أو كانت كوة واسعة في الدار أو نحوها ولم يسدها لم يجز رميه وإن تعمد النظر، ومحله أيضًا أن لا يكون للناظر ثم محرم أو زوجة أو متاع فإن كان ثم شيء منها لم يجز رميه لأن له شبهة في النظر فلو كان محرمًا لحرم صاحب الدار لم يرمه إلا أن تكون متجردة ولو لم يكن في الدار إلا صاحبها فله الرمي إن كان متجردًا وإلا فلا على الأصح، ولو كانت الحُرم في الدار مستترات ولو ببيت جاز رميه [في] الأصح لإِطلاق الأحاديث ولأن أوقات الستر والتكشف لا تنضبط فالاحتياط حسم الباب. ٤/ ٥١٧ - (وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال قَضَى) أي حكم (رسول الله ﷺ أنَّ) أي بأن (حِفْظَ الحَوَائِط) أي البساتين (بِالنَّهَارِ عَلَى أهْلِهَا

стр. 598

وأن حِفظَ المَاشِيةِ) من نعَم وغيرها (بِاللَّيلِ عَلَى أهْلِهَا وَأنْ عَلَى أهْلِ المَاشِيَةِ مَا أصَابَتْ) أي أتلفت (مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيلِ) حيث قصروا في حفظها (رواه أبو داود وصححه ابن حبان) وهو على وقف العادة الغالبة في حفظ البساتين ونحوها نهارًا، والماشية ليلًا فلو جرت عادة بلدة بحفظ الحوائط ليلًا والمواشي نهارًا انعكس الحكم في الأصح، والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه. ٥/ ٥١٨ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) من الإِسلام إلى الكفر (فاقْتُلُوهُ رواه البخاري) وفيه قتل المرتد، ومحله إذا لم يتب فإن تاب قبلت توبته وكذا قتل من تهود أو تنصر ومحله إذا لم يسلم. ٦/ ٥١٩ - (وعنه) أي عن ابن عباس (أنَّ أعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَد تَشْتِمُ) بكسر التاء وضمها أي تسبّ النبي ﷺ (وَتَقَعُ فِيهِ) أي تذمه وتعيبه

стр. 599

وتغتابه (فَيَنْهاها) عن ذلك (فَلَا تَنْتَهي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيلَةٍ أَخَذَ المِعْوَلَ) أي الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر (فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا واتَّكَأ عَلَيها فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي ﷺ فَقَال ألَا اشْهَدُوا) أي اعلموا (أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) أي باطل (رواه أبو داود بإسناد صحيح). وفيه أن من سب النبي ﷺ أو ذمه هدر دمه.

стр. 600

كتاب الحدود جمع حد: وهو لغة المنع وشرعًا عقوبة مقدرة تجب بارتكاب ذنب وسميت الأنواع المذكورة حدودًا لأنها تمنع المعاودة وغير المحدود من الوقوع في الفعل المحدود فيه والأصْل فيه ما يأتي في أبوابها.

стр. 601

باب حد الزاني ١/ ٥٢٠ - (عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأعْرَابِ) هم سكان البوادي واحدهم أعرابي (أتَى رسول الله ﷺ فَقَال يا رسول الله أنْشُدَكَ) بفتح الهمزة وضم المعجمة أي أسألك (الله إلا قَضَيتَ لِي بِكِتَابِ الله) أي بما دل عليه القرآن صريحًا أو إشارة (فقال) خصمه (الآخر -وَهُوَ أفْقَهُ منه-) أي لحسن مخاطبته وأدبه باستئذانه أولًا في التكلم حذرًا من الوقوع في النهي في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أو أنه كان أفقه منه في ذاته (نعم، فاقْضِ بَينَنَا بِكِتَابِ اللهِ وأْذَنْ لي) أن أتكلم (فَقَال قُلْ: قال: إِنْ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) بفتح العين وكسر السين المهملتينِ أي أجير (عَلَى) بمعنى عند (هذا) أو لهذا (فَزَنَى بامْرأَتِهِ، وإِني أخْبِرْتُ أنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فافْتَدَيتُ مِنْهُ) أي بدله (بمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ) أي أمة (فَسَألْتُ أهْلَ العِلْم) عن ذلك (فَأخْبَرُوني إِنَّما عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وتَغْرِيبَ عَامٍ وأن عَلَى امْرأةِ هذا الرَّجْمَ، فَقَال ﷺ والذِي نفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَينَكم بِكِتَاب اللهِ) أي بما دل عليه القرآن صريحًا أو إشارة (الْوَلِيدَةُ والغنمُ رَدُّ) أي مردودَ (عَلَيكَ وعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) هذا يتضمن أن ابنه كان بكرًا

стр. 602

وأنه أقر بالزنا، فإن إقرار الأب عليه لا يقبل إلا أن يكون هذا من باب الفتوى فيكون معناه إن كان ابنك زنى وهو بكر فحدُّه ذلك. (واغدُ يا أُنَيسُ إِلَى امْرَأةِ هذا فإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزنا (فارْجُمْهَا، رواه الشيخان). وفيه جواز استفتاء غير الشارع في زمنه، وجواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل، وأنه لا بد في الحد من الإِقرار إن لم يكن بينة، ورد الصلح الفاسد ورد المال المأخوذ فيه، وأن الحدود لا تقبل الفداء، وأن استنابة الإِمام في إقامة الحدود جائز. ٢/ ٥٢١ - (وعن أبي هريرة قَال أتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ) وهو ماعز بنِ مالك (رسول الله ﷺ -وَهُوَ في المسجِدِ- فَنَادَاه، فَقَال يَا رسولَ اللهِ إِنِّي زَنيتُ فَأعْرَضَ عَنْهُ) لعله يرجع (فَتَنَحَّى) أي انتقل من الناحية التي أعرض عنه فيها وأتى إليه (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) أي من قبل وجهه فنصب تلقاء وجهه على الظرفية وأصله مصدر أقيم مقام الظرف أي مكان تلقاء خذف مكان وأقيم المصدر مقامه (فَقَال يا رسول الله إِنِّي زَنَيتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى ثَنَّى) أي كرر وفي رواية البخاري ردد (ذَلِكَ عَليه أرْبَعَ مَرَّاتٍ) والتكرار هنا ليس لكونه معتبرًا في وجوب الرجم بل للاستثبات والتحقق والاحتياط فِي درء الحد بالشبهة بدليل

стр. 603

رجم الغامدية ورجم المرأة التي في حديث العسيف السابق إذا لم يتصل فيها تكرار فالمعنى كما أقر على نفسه بالزنا (دَعَاهُ رسول الله ﷺ فَقَال أبِكَ جُنُونٌ؟ ) حملك على إقرارك بذلك (فقال لا) والسؤاك المذكور للثيب أيضًا لأن الشخص غالبًا لا يصر على الإِقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال مع أن له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتوبة وهو أستر له أو أنه يبرز واقعته في صورة استفتاء ويفعل ما أمر به (قَال: فَهَلْ أحْصَنْتَ) أي تزوجت (قَال: نَعَمْ) ووجه سؤاله عن الإحصان لأنه لما بين حد المحصن وحد غيره ولا يقدم على شيء منهما إلا بتحقيق سببه (فقال رسول الله ﷺ اذْهَبُوا بِهِ فارْجُمُوهُ. رواه الشيخان). وفيه جواز الإِقرار بالزنا عند الأئمة لإقامة الحد عليه، والحدود إذا وصلت إلى الإِمام يقيمها ولا يهملها، وفيه إعراض الإِمام عمن أقر بما يوجب عليه حدًّا ليرجع عن إقراره أو يثبت عليه وأن إقرار المجنون باطل. تنبيه: ما تقدم من أن ماعز هو الذي بدأ النبي ﷺ بالسؤال هو المشهور لكن في مسلم من حديث ابن عباس ما يدل على أن البادئ به إنما هو رسول الله ﷺ حيث قال إن النبي ﷺ قال لماعز بن مالك أحق ما بلغني عنك؟ قال وما بلغك قال بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان قال نعم قال فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم.

стр. 604

بَابُ حَد القذف هو بمجمعة لغة الرمي، وشرعًا: الرمي بالزنا في معرض التعيير. ١/ ٥٢٢ - (عن عائشة ﵂ قالت لمَّا نَزَلَ عُذْرِي) أي برأني مما رميت به (قَامَ رسول الله ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وتلا القرآن) المتعلق بالإِفك من قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ [النور: ١١] الخ (فَلَمَّا نَزَلَ) عن المنبر (أمَرَ بِرَجُلَينِ) هما عبد الله بن أبي بن سلول وحسان بن ثابت (وامْرَأةٍ) هي حمنة بنت جحش (فَضُرِبُوا الحَدَّ. رواه أبو داود

стр. 605

وغيره) وأشار إليه البخاري. وفيه ثبوت حد القذف وأن الذي حد ممن قذف عائشة ثلاثة لكن روى البغوي في تفسيره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآيات حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة بضم الهمزة وبثاء مثلثة مكررة، وحمنة بنت جحش ولا منافاة على أن مفهوم العدد غير معتبر. ٢/ ٥٢٣ - (وعن أنس ﵁ قال أوَّلُ لِعَانٍ كَانَ في الإِسْلامِ أنَّ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ) (٤) بفتح السين وإسكان الحاء المهملتين اسم أمه واسم أبيه عبدة بن مُعتب بضم الميم وفتح المهملة (قَذَفَه هِلَالُ بن أُمَيَّةَ) ابن عامر بن قيس (بامْرأتِهِ فَقَال له رسول الله ﷺ : البَيِّنَةَ) بالنصب أي احضر البينة وبالرفع فاعل أو مبتدأ أي يلزمك أو عليك البينة (وإِلَّا) لزمك (حَدُّ في ظَهْرِكَ. رواه

стр. 606

أبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح) ونحوه في البخاري من حديث ابن عباس وفي ذلك ثبوت حد القذف حيث لا بينة تشهد بالزنا.

стр. 607

بَاب حَد السرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها، مع فتح السين وكسرها وهي أخذ المال خفية من حرز مثله (٢). والأصل في القطع بها قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وغيره مما يأتي: ١/ ٥٢٤ - (عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَا في رُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا) وأصله دنّار بنون مشددة فأبدلت إحدى النونين ياءً فصاعدًا حال مؤكدة لأن قولهم مَثَلًا أخذته بدرهم فصاعدًا تقديره فزاد الثمن صاعدًا، أو معلوم أنه إذا زاد الثمن لا يكون إلا صاعدًا عن الدرهم وفي قولها ربع دينار ما يشعر بترجيح مذهب الشافعي ومن تبعه من إناطة وجوب القطع بمقدار ربع (٥) دينار إن كان المسروق ذهبًا وبما قيمته ذلك إن لم

стр. 608

تكن ذهبًا وأما خبر "لعن الله السارق يسرق البيضة أو الحبل فتقطع يده" فللتنبيه على ضعف المسروق بالنسبة إلى قيمة يده وشرفها فإن ربع دينار يشارك البيضة في الحقارة أو للتنبيه على أن السارق يتمرن بعد سرقة البيضة، فيسرق ما يقطع فيه يده فيؤول أمره إلى قطع يده لا أن القطع مستحق لسرقة البيضة أو الحبل أو أن المراد جنس البيض والحبال التي تبلغ نصابًا. ٢/ ٥٢٥ - (وعنها أي عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهَمَّهُمْ أي صيرهم ذوي هم شأن المخزومية التي سرقت واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد فقالوا أي أهلها من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا أي الذين جاءوا أهلها إليهم يستشفعون بهم ومن يجترئ أي يتجاسر عليه بطريق الإِدلال إلا

стр. 609

أسامة بن زيد حب بكسر الحاء أي محبوب رسول الله ﷺ فكلمه أسامة في ذلك (فقال: أتَشْفَعُ في حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللهِ، ثمَّ قَامَ فاختطب) أي خطب كما في رواية للبخاري (فقال) بعد أن أثنى على الله تعالى بما هو أهله (إِنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) بسبب المحاباة في حدود الله وفي رواية للبخاري (إنما ضل من قبلكم أَنَّهُم) بفتح الهمزة وفي رواية للبخاري أن بني إسرائيل (كانُوا إذَا سَرَقَ فِيهمُ الشَّريفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهمُ الضعيفُ أقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وأَيم اللهِ) قسم بالنية عندنا لا مطلقًا إذْ لا يعرفه إلا الخواص (لَوْ أنَّ فَاطَمَة بِنْت محمد سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. رواه الشيخان واللفظ لمسلم). وفيه ثبوت قطع يد السارق رجلًا كان أو امرأة وجواز الحلف من غير استحلاف وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم أمر المطلوب كما في الحديث. وفيه المنع من الشفاعة في الحدود وهو إجماع بعد بلوغه إلى الإِمام، أما قبله فجائز عند أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه ذا أثر وأذى للناس فإن كان لم يشفع فيه، أما المعاصي التي لا حد فيها فيجوز الشفاعة فيها بشرطه السابق وإن بلغت الإِمام لأنها أهون. وفيه مساواة الشريف وغيره في أحكام الله وحدوده وعدم مراعاة الأهل والأقارب في مخالفة الدين، وفيه جواز تعليق الأمر بلو، وأما المنع منه

стр. 610

للخبر الصحيح "لو تفتح عمل الشيطان" محمول على فعل أمر قد فات أو فعل محذور. ٣/ ٥٢٦ - (وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لَيسَ عَلَى خَائِنٍ) في أموال الناس أو فيما لزمه (ولا مُنْتَهِبٍ) وهو من يأخذ مال الناس عيانًا ويعتمد القوة والغلبة (ولَا مُخْتَلِسٍ) وهو من يأخذ ذلك عيانًا ويعتمد الهرب (قَطْعٌ. رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي وابن حبان). وفيه أنه لا قطع على واحد من الثلاثة بل يرفع أمرهم إلى الحاكم ليحكم عليهم بحكم الله تعالى.

стр. 611

باب حد الشارب للمسكر وبيان المسكر ١/ ٥٢٧ - (عن أنس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ. قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ) أي ضربه فأصاب جلدة كرأسه أصاب رأسه (بِجَرِيدَتَينِ) أي مقردتين فكان مجموع ما حصل بهما (نحو أرْبَعينَ) عبر بنحو لعدم التساوي في الضرب والآلة وإلا فالحدود لا تكون إلا مقدرة. قال أنس (وَفَعَلَة) أي جلد الشارب أربعين (أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَر) أي زمن خلافته (اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَال عَبْدُ الرَّحْمنِ بْن عَوْفٍ أخَفُّ الحُدُودِ) المنصوص عليها في كتاب الله تعالى (ثَمانُونَ) جلدة لأن حد السرقة القطع والزنا مائة جلدة. والقذف ثمانون فهو الأخف ووافق عبد الرحمن غيره على نحو ذلك (فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. رواه الشيخان). وفيه تحريم شرب الخمر وهو إجماع ووجوب الحد على شاربها وإن شرب قليلًا، وأن حد الخمر أربعون وللإِمام أن يبلغ به ثمانين لفعل عمر والصحابة ﵃.

стр. 612

قال أصحابنا والزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإِيذاء وترك الصلاة وغير ذلك. فيه استشارة الإِمام والقاضي والمفتي أصحابه في الأحكام وجواز القياس والعمل به ويحصل الجلد في حد الخمر بالجريد وبالسوط وبالنعل وبأطراف الثياب بعد لينها. ٢/ ٥٢٨ - (وعن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ إِذَا ضَرَبَ أحَدُكُمْ) أي في حد أو غيره (فَلْيَتَّقِ) أي فليحذر (الوَجْهَ. رواه الشيخان). وأبو داود واللفظ له من حديث أبي هريرة ولمسلم من حديث جابر. وفيه وجوب اجتناب ضرب الوجه لأنه مجمع المحاسن فيعظم أثر شينه وإنما لم يتق الرأس لأنه مستور بالشعر غالبًا. ٣/ ٥٢٩ - (وعن ابن عباس ﵄ قَال: قَال رسول الله ﷺ -

стр. 613

لا تُقامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ. رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم). وفيه النهي عن إقامة الحدود في المساجد تنزيهًا لها ولاحتمال أن تتلوث من جراحة تحصل. ٤/ ٥٣٠ - (وعن عمر ﵁ قَال: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخمْرِ وَهِيَ خَمْسَة: مِنَ الْعِنَبِ، والتَّمْرِ، والْعَسَلِ، والحِنْطَةِ والشَعِيرِ) قال النووي اتفق أصحابنا على تسمية جميع هذه الأنبذة خمرًا لكن قال أكثرهم هو مجاز وإنما حقيقة الخمر عصير العنب وقال جماعة منهم هو حقيقة لظاهر الأحاديث أي كحديث مسلم الآتي (والْخَمْرُ مَا خَامَرَ) أي غطى (الْعَقْلَ) وهو آلة التمييز (رواه الشيخان). وفيه تحريم الخمر وإلحاق ما عداها من المسكر بها والتنبيه على شرف

стр. 614

العقل وفضله وقد بسطت الكلام عليه في شرح آداب البحث وغيره. ٥/ ٥٣١ - (وعن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال النبي ﷺ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكلُّ خَمر حَرامٌ. رواه مسلم). وفيه القياس وإلحاق حكم الشيء بنظيره. ٦/ ٥٣٢ - (وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ مَا أسْكَرَ كثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) وإن لم يسكر (رواه أبو داود (٣) وغيره (٤) وصححه ابن حبان) وفيه تحريم المسكر وإن ما أسكر كثيره حرام قليله وإن لم يسكر.

стр. 615

لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ. رواه ابن حبان وصححه). وفيه الحث على اجتناب التداوي بما حرم من خمر أو نحوه.

стр. 616

التعزير والصيال بَاب التعزير من العزر أي المنع وهو لغة التأديب وشرعًا تأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة غالبًا. وحكم الصيال وهو الاستطالة والوثوب والأصل فيهما الإِجماع وفي الأول آية ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] والأخبار الآتي بعضها وفي الثاني آية ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والأخبار الآتي بعضها. ١/ ٥٣٤ - (عن أبي بُرْدَةَ الأنصاريِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا يُجْلَدُ) بالبناء للفاعل أي الحاكم وبالبناء للمفعول أي أحد (فَوْقَ

стр. 617

عَشَرَةِ أسْواطٍ) أي عشر ضربات بسوط (إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ) المقدرة (رواه الشيخان). وفيه إثبات التعزير في المعاصي التي لا حد فيها وأنه لا يجوز الزيادة فيه على عشرة، لكن هذا مما اختلف فيه فمنهم من أخذ بظاهره مطلقًا، ومنهم من جوز الزيادة مطلقًا منيطًا ذلك بحسب ما يراه الإِمام، ومذهب الشافعي جواز الزيادة لكن لا يبلغ به أدنى الحدود في حق المعزر فلا يزاد في تعزير الحرّ على تسع وثلاثين ضربةً ولا في تعزير العبد على تسع عشرة ضربة، وقيل لا يبلغ به أدنى الحدود مطلقًا فلا يزاد في حد الحر على تسع عشرة، وقيل لا يبلغ به أدنى حدود الحر فيبلغ بالحر والعبد تسعًا وثلاثين وبكل حال فجمهور الصحابة والتابعين والأئمة على جواز الزيادة وأجابوا عن ظاهر هذا الحديث بوجوه منها أن عمل الصحابة بخلاف يقتضي نسخه وَضُعِّفَ بأنه لا يلزم من مثل ذلك النسخ، ولهذا قال بعضهم حمله على الأولوية بعد ثبوت العمل بخلافه أهون في حمله على النسخ ما لم يتحقق، ومنها أنها واقعة عين بذنب معين أو رجل معين قاله الماوردي وفيه نظر كما قال غيره. ٢/ ٥٣٥ - (وعن عائِشَةَ ﵂ قالت قال النبي ﷺ أقيلُوا ذَوي الهَيئاتِ عَثَراتِهِمْ) أي التي وقعوا فيها (إلَّا الحدودَ رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد).

стр. 618

وفيه أن للإِمام أن يترك التعزير عن ذوي الهيئات، قال ابن الأثير، وهم الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلَّة قال والهيئة صورة الشيء. وشكله وحالته والمراد بهم ذوو الهيئات الحسنة الذين يلزمون هيئة واحدةً وسَمْتًا واحدًا ولا تختلف حالاتهم بالتنقُّل من هيئة إلى هيئة انتهى. ٣/ ٥٣٦ - (وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ انْصُرْ أخاكَ ظالمًا أوْ مظلومًا رواه البخاري وكذا مسلم من حديث جابر). وفيه الأمر برفع الصائل لأنه ظالم فيمنع منه ظلمه لأن ذلك نصره. ٤/ ٥٣٧ - (وعن أبي عبد الله خباب بن الأرَت) بالمثناة الفوقية المشددة ﵁ قال سَمِعْت رسولَ اللهِ ﷺ يقول تكون فِتَنٌ فَكُنْ فيها عبد اللهِ المقتول ولا تَكنْ عَبْد اللهِ القاتل رواه الدارقطني وغيره). وفيه الإِخبار بأنه ستقع فتن آخر الزمان والحث على أن العابد لا يكون فيها من القاصدين لقتل الصائل عليه بل من المقتولين لينال الشهادة.

стр. 619

كتاب الجهاد المتلقى تفصيله من سير النبي ﷺ في غزواته والأصل فيه قبل الإِجماع آيات كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وأخبار كالأخبار الآتية: فيه حديث (عائشة قالت: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ على النساءِ جهادٌ) السابق في الحج. وتقدم الكلام عليه. ١/ ٥٣٨ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَال رسول الله ﷺ مَنْ ماتَ وَلَمْ يَغْز وَلَمْ يُحَدِّثْ به نفسه) أي ولم ينوه (مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفاقٍ. رواه مسلم).

стр. 620

وفيه وجوب الجهاد وأن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها. وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها من أثنائه فمات قبل فعلها أواخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى فمات قبل فعله هل يأثم أولًا، والأصح عندهم أن يأثم في الحج دون الصلاة لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج. ٢/ ٥٣٩ - (عن أنس ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ جاهِدوا المشركينَ بأمْوالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ وَألْسِنَتِكُمْ رواه النسائي وغيره وصححه الحاكم). وفيه وجوب الجهاد بكل من الأمور المذكورة عند المتمكن. ٣/ ٥٤٠ - (عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال جاءَ (٤) رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ يَسْتَأذِنُهُ في الجهادِ فَقَال أحَيٌّ والداكَ؟ قال: نَعَمْ قَال: فَفيهِما) دون غيرهما (فَجَاهِدْ رواه الشيخان).

стр. 621

وفيه الإِشارة إلى وجوب الجهاد وأن بر الوالدين مقدم عليه. ٤/ ٥٤١ - (وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لا هِجْرَةَ) مشروعة إلى المدينة من مكة (بَعْدَ الفَتْحِ) أي فتحها لأنها صارت دار إسلام أبدًا وأما مطلق الهجرة فبأن حكمها من بلاد الكفار للقادر كما هو مفصل في كتب الفقه (ولَكِنْ جِهادٌ وَنِيَّةٌ) أي مع نية خالصة أو لكن جهاد للقادر غير المعذور ونية للمعذور، وقال النووي معناه ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة وذلك بالجهاد ومنه الخير في كل شيء. ٥/ ٥٤٢ - (وعن أبي موسى الأشْعَرِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ قَاتَلَ لتكونَ كَلِمَة اللهِ) وهي كلمة الشهادة (هِيَ العُلْيَا) مؤنث الأعلى ولامه واو لكنها قلبت ياء كالدنيا من الدنو لأن لام فعلى إذا كانت صفة يجب القلب إلا ما شذ قياسًا كالقصوى (فَهُوَ) أي فقتاله (في سَبِيلِ اللهِ) أي طريقه أي هو الخالص (رواه الشيخان).

стр. 622

وفيه وجوب الإِخلاص وهو العمل على وفق الأمر وأن القتال المتصف بالإِخلاص هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا بخلاف القتال رياء بالمد على الأكثر شجاعة أو حمية أي أنفةً وغيرة وغضبًا. ٦/ ٥٤٣ - (وعن سَهْلِ بن سعد الساعِدِيّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ رباطُ يَوْمٍ في سبيلِ اللهِ) أي ثوابه (خَيرٌ من نَعِيم الدُّنْيا وَمَا عَلَيهَا) لو ملكه إنسان وأنعم به لأنه زائل ونعيم الآخرة باق وإن لم يكن منه إلا النظر إلى وجهه الكريم وفي ذلك تنزيل الغائب منزلة المحسوس تقريبًا للفهم وإلا فليس شيء من الآخرة بينه وبين الدنيا توازن حتى يقع فيه التفاضل والرباط مراقبة للعدو في حركاته وسكناته وهو مصدر رابط ووجه الفاعلة فيه أن كلا من المسلمين والكفار ربطوا أنفسهم على حماية طرق بلادهم من عدوهم وراقبوه في أفعاله (وَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ) أي ثوابه (خَيرٌ مِنْ نعيمِ الدُّنْيا ومَا عَلَيها) لو ملكه إنسان إلى آخر ما مر (والرَّوْحَةُ) بفتح الراء المرة من الروح وهو غالبًا السير بين الزوال والغروب (يَرُوحُها العَبْدُ في سَبيلِ اللهِ) أو الغدوة بفتح المعجمة أي المرة من الغدو وهو السير بين أول النهار والزوال أي ثواب ذلك (خَيرٌ مِنْ نَعيمِ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيهَا رواه الشيخان).

стр. 623

وفيه الحث على الرباط في سبيل الله والتنبيه على فضله وهو أحد شعب الجهاد والتنبيه على حقارة الدنيا وما فيها. ٧/ ٥٤٤ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ تَضَمَّنَ الله) أي حق ما وعد به (لِمَنْ خَرَجَ في سَبيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهاد) برفعه مع ما عطف عليه استثناء مفرغ وبنصبه كذلك كما في مسلم، مفعولًا له. والفاعل مقدر أي لا يخرجه مخرج إلا الجهاد وما عطف عليه (في سَبيلي) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم (وإيمانٌ) بي أي بوعدي لك بمجازاتي له بالجنة (وَتَصْديقٌ بِرُسُلي) أي بما جاء به عني (فَهُوَ) أي من خرج كذلك (عَلَيَّ ضامِنٌ) أي مضمون لعيشة راضية أي مرضية والمراد أوجبت على نفس لا لزومًا بل تفضلًا وإنعامًا (أنْ ادْخِلَهُ الجَنَّةَ) يحتمل أن يريد إدخال روحه أثر موته كما قيل به في الشهداء أو أن يريد إدخالهُ مع السابقين من غير حساب ولا عقاب (أَوْ أرْجِعَهُ) بفتح الهمزة وكسر الجيم على المشهور (إِلَى مَسْكَنِهُ) بفتح الكاف وكسرها (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نائِلًا) حال أي معطى (مَا نال) أبهمه للتعظيم نحو ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (مِنْ أجْرٍ أو غنيمة) بيان لما قبله والغنيمة فعيلة من الغنم وهو أخذ الشيء قهرًا والقياس فيما ترك التاء كريح وقتيل لكنها لم تجر على موصوف فصارت كالاسم فأتي فيها بالتاء، وأو مانعة خلو فلا ينافي الجمع بين الأمرين، وقيل أو بمعنى الواو كما جاء في رواية لمسلم وقيل أنها للتقسيم بمعنى أنه يرجع بأجر فقط إن لم يكن ثم ما يغنم أو

стр. 624

أعرض عنه أو بالأجر مع الغنيمة إن كان ثم غنم ولم يعرض عنه (والحديث رواه الشيخان). وفيه الحث على الإِخلاص في الجهاد، وأن الله هو الذي يتولى أجر المجاهد بما ذكر. ٨/ ٥٤٥ - (وعنه أي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ما من مَكْلومٍ) أي مجروح من الكلم بفتح الكاف وإسكان اللام الجرح وقد يطلق على محله كما يأتي (يُكْلَمُ) أي يجرح (في سبيلِ اللهِ إلا جاءَ يَوْمَ القيامةِ وَكَلْمُهُ) أي محل جرحه (يَدْمي) بفتح أوله أي يسيل دمه (اللَّوْنُ) أي لون دمه في الآخرة (لَوْنُ الدم) له في الدنيا (والرِّيحُ) أي وريحه (ريحُ المِسْكِ. (والحديث رواه الشيخان). وفيه فضل الجراحة في سبيل الله وإن الشهيد لا يزال عنه الدم إظهارًا لفضيلة وأنه يبعث على حالته التي خرج عليها من الدنيا. ٩/ ٥٤٦ - (وعن أبي عبد الله كعب بن مالك هو ابن عمرو الأنصاري

стр. 625

الخزرجي ﵁ قال: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أرادَ غَزْوَةً وَرَّى بغيرِها) أي سترها وكنى عنها وأوهم أنه يريد غيرها لئلا يتيقظ العدو فيستعد للدفع وأصله من الورا أي ألقى البيان وراء ظهره والحديث (رواه الشيخان). وفيه الحث على أن من أراد غزوة ورى بغيرها لما ذكر. ١٠/ ٥٤٧ - (وعن أنس ﵁ قال قضى رسول الله ﷺ بالسَّلَبْ) بفتح السين واللام بمعنى المسلوب وهو ما يأخذه أحد الفريقين في الحرب من الآخر مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ونفقة ودابة وغيرها للقاتل (رواه أبو داود) وأصله في مسلم. وفيه أن السلب يختص به القاتل منا لارتكابه العذر في قتل قرنه. ١١/ ٥٤٨ - (وعنه أي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دَخَلَ مَكة وعلى رأسه المِغْفَر) وهو شبه البيضة من الحديد وهو الخوذة (فَلَمَّا نَزَعَه جَاءَهُ

стр. 626

رَجُلٌ) قيل هو أبو برزة الأسلمي (فقال) هذا (ابنُ خَطَلٍ) واسمه هلال أو غيره (مُتَعَلِّقٌ بأستارِ الكَعْبَةِ) وقد كان يذكره ولحق بمكة بعد إسلامه وهجرته (فقال اقْتُلوهُ) وإن تعلق بأستار الكعبة (رواه الشيخان). وفيه أن من ارتد قتل، وإن دخل المسجد وتعلق بأستار الكعبة، وأما قوله في الحديث الآخر من دخل المسجد فهو آمن فمعناه من دخله بغير ردة مع أنه مستثنى مع جماعة آخر أمر بقتلهم فإنه ﷺ أمر بقتل جماعة أخر سلك مسلك ابن خطل وتعلقوا بأستار الكعبة كما رواه أبو داود والنسائي. وفيه أيضًا جواز لبس المِغْفَر ونحوه من السلاح. تنبيه: عورض الحديث بما في رواية لمسلم أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء وجمع بينهما بأنه يمكن أن تكون العمامة تحت المغفر وبأن يكون أول دخوله مكة كان على رأسه المغفر ثم نزعه ولبس العمامة وخطب بها لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح. ١٢/ ٥٤٩ - (وعن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ فَدا رَجُلَينِ مِنَ المُسْلِمينَ أسرهما المشركون برجل من المشركين أسرناه

стр. 627

رواه الترمذي وصححه وأصله في مسلم). وفيه جواز فداء المسلمين بالكافر، وهو جائز سواء تعدد الجانبان أم اتحدا أم اختلفا. ١٣/ ٥٥٠ - (وعن ابن عمر ﵄ قال: بَعَثَ النبي ﷺ سريةً) أي قطعةً من الجيش أربعمائة ونحوها غالبًا سميت بذلك لأنها تسري في الليل وتخفي أمرها فعيلة بمعنى فاعلة وتقال أسري وسرى إذا ذهب ليلًا، (وأنَا فِيهِمْ قبلَ نجْد) أي جهته (فَغَنِمُوا إِبِلًا كثيرةً فكانت سُهْمَانُهم) منها بضم السين جمع سهم وهو النصب (اثني عَشَرَ بَعيرًا) وهو صحيح على لغة من يعرب المثنى بالألف مطلقًا والمعنى أن سهم كل من الغانمين من الإِبل بلغ اثني عشر (وَنُفِّلُوا بَعيرًا بعيرًا) فبلغ بذلك سهم كل منهم ثلاثة عشر بعيرًا (رواه الشيخان).

стр. 628

وفيه سن بعث السرايا للجهاد وإثبات النفل، وهو زيادة يدفعها الإِمام باجتهاده من مال المصالح لمن ظهر منه في الحرب أمر محمود أو يشرطها لمن يفعل ما ينكي الحربيين والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه. وفيه وجوب قسمة الغنائم على أهلها وأن ما غنمته السرية قبل عودها إلى الجيش الذي خرج معها من البلد يكون مشتركًا بينهما لأنه ردء لها. ١٤/ ٥٥١ - (وعنه أي عن ابن عمر ﵄ قال قَسَّمَ رَسولُ الله ﷺ يَوْمَ خيبر للفَرَس سَهْمَين وللرجل سهمًا) أي أعطى الرجل الفارس ثلاثة أسهم سهمًا لنفسه وسهمين لفرسه أي له بسببها (رواه الشيخان واللفظ للبخاري). وفيه أن الفارس يستحق ثلاثة أسهم على الوجه الذي تقرر، سواء تعددت الأفراس أم لا، وأما الرجل غير الفارس فله سهم واحد. ١٥/ ٥٥٢ - (وعن معن بن يزيد السلمي ﵄ قال: قال

стр. 629

رسول الله ﷺ لا نَفْلَ إلا بعد الخُمْسِ) يعني من خمس الخمس (رواه أبو داود وغيره وصححه الطحاوي). وفيه أن النفل يكون من خمس الخمس لا من الخمس ولا من أصل المغنم كما هو مبسوط في كتب الفقه. ١٦/ ٥٥٣ - (وعن حبيب بن مسلمة ﵁ قال: شهدت رسول الله ﷺ نَفَّلَ الربع في البَدْأةِ والثُّلُثُ في الرجْعَةِ رواه أبو داود وغيره

стр. 630

وصححه ابن حبان والحاكم). وفيه أن للإِمام أن ينفل السرية التي بعثها ابتداء لدار الحرب طليعة الربع مما غنمه وأن ينفل السرية التي أمرها بالرجوع بعد توجه الجيش لدارنا الثلث، ونقص في البداءة لأنهم مستريحون إذ لم يطل سهم السفر، ولأن الكفار في غفلة، ولأن الإِمام من ورائهم يستظهرون به بخلاف الرجعة في كل ذلك. ١٧/ ٥٥٤ - (وعن ابن عمر ﵄ قال (كُنَّا) أيها الغانمون ولو أغنياء (نُصيبُ في مغازينا العَسَلَ والعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ ولا نَرْفَعُهُ) أي لا ندخره (رواه البخاري). وفيه أنه يجوز للغانمين التبسط على سبيل الإِباحة لا التمليك بما يعتاد أكله غالبًا من الغنيمة بدار الحرب، وفي العود منها إلى عمران غيرها كدارنا. ودار أهل الذمة، والكلام على ذلك مبسوط في كتب الفقه. ١٨/ ٥٥٥ - (وعن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأخْرِجَنَّ) اللام للقسم (اليَهُودَ والنَّصَارىَ من جزيرةِ العرب حتى لا أدَع) أي أترك (إلا مسلمًا رواه مسلم) وفي رواية له وللبخاري (أخرجوا المُشْرِكينَ من

стр. 631

جزيرةِ العَرَبِ). وفيه جواز القسم في الأمور المهمة والمراد بجزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة واليمن ولكن خص الشافعي الحكم هنا ببعضها وهو مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره. ففي الحديث وجوب إخراج الكفار منها لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وقيس بالمسجد الحرام بقية ذلك والمسألة مبسوطة في كتب الفقه.

стр. 632

١٩/ ٥٥٦ - (وعنه أي عن عمر ﵁ قال: كانت أمْوالُ بَنِي النَّضِير) بفتح النون وكسر المعجمة -قبيلة من اليهود بالمدينة (مِمَّا أفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ) من فاء أي رجع ثم استعمل في المال الراجع من الكفار إلينا (ممَّا لَمْ يُوجِفِ) أي يسرع (المسلمون عَلَيهِ بَخِيلٍ ولا ركابِ) أي إبل ومثلها البغال والسفن والرّجالة فهذا بيان لكون المال المذكور فيئًا لا غنيمة وإن كان أحدهما قد يطلق على الآخر- والركاب لا واحد له من لفظه بل واحدة راجلة وجمع الركاب رُكُبْ ككتاب وكتب (فَكَانَتْ) أي الأموال أي معظمها على المشهور (لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةٍ) لأن له ﷺ مما أفاء الله عليه أربعة أخماسه وخمس الخمس الباقي فله أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (فَكَانَ) ﷺ بعد أن اتسع عليه الحال بتلك الأموال (يَعْزِلُ منها على أهلِهِ نَفَقَة سنةً) تطييبًا لقلوبهم وتشريعًا للأمة (ثمَّ يَجْعَل ما بَقِيَ في الكُراعِ) بضم الكاف الخيل (والسِّلاحِ) وهو ما أعد للحرب من آلات الحديد مما يقاتل به (عُدَّةً) بضم العين ما يستعان به في حوادث الدهر من مال وسلاح في سَبِيلِ اللهِ ، (رواه الشيخان).

стр. 633

وفيه بيان ما أكرم الله به نبيه من خصائص الدنيا والآخرة وتقديمه بها على جميع المخلوقات، وجواز الادخار لنفس أو العيال قوت سنة، وإن ذلك غير قادح في التوكل مع أنه ﷺ لم يدخر لنفسه بل لعياله كما مر، والبداءة بالإِنفاق على العيال والتوسعة عليهم.

стр. 634

الجزية والهدنة باب الجزية تطلق على العقد وعلى المال الملتزم وهي مأخوذة من المجازاة لكفنا عنهم، وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي لا يقضى. والهدنة من الهدون أي السكون وهي لغة المصالحة وشرعًا مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو بغيره وتسمى موادعة ومهادنة ومعاهدة ومسالمة والأصل فيهما الإِجماع وفي الأدلة آية ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وبعض الأحاديث الآتية وفي الثاني قوله تعالى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١] الآية وبعض الأحاديث الآتية. ١/ ٥٥٧ - (عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ أخَذَها) يعني الجزية (من مَجُوسِ هَجَرْ، رواه البخاري).

стр. 635

وفيه أنه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر- والمراد هجر البحرين، وقيل غير ذلك، فعلم أن ذلك جائز لنا وهو إجماع. ٢/ ٥٥٨ - (وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بَعَثَنِي النبيُّ ﷺ إلى اليمنِ وأمَرَنِي أنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حالمٍ) أي بالغ وإن لم يحتلم (دينارًا أو عِدْلَهُ) أي مثله (مَعافِريًا) فتح الميم برود باليمن منسوبة إلى معافر قبيلة باليمن (رواه أبو داود وغيره وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم وفيه ثبوت أخذ الجزية وأنها تكون من النقد ومما يعادله في القيمة. ٣/ ٥٥٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا تَبْدَأوا اليهودَ والنَّصارىَ بالسلامِ وإِذَا لَقيتُمْ أحَدَهُمْ في طريقٍ ضَيِّقٍ فاضطروهُ) أي ألجئوه (إلى أضْيقه رواه مسلم). وفيه تحريم ابتدائهم بالسلام لأنه مودة لهم وهي محرمة علينا، وسائر المشركين كاليهود والنصارى في ذلك بل أولى.
следующие страницы →