مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، سَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، وَأَهْلًا يَا ابْنَ أَخِي سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَجَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا يَعْنِي ثَوْبًا مُلَفَّقًا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، فَصَلَّى بِنَا وَرِدَاؤُهُ
===
الملاحف منسوج كأنها سميت بالمصدر، يقال: نسجت نسجًا ونساجة (١) وروي "ساجة" بحذف النون وهي الطيلسان قيل: هو الصحيح، وليس كذلك بل كلاهما صحيح.
قوله: "يعني ثوْبًا ملفقًا" تفسير للنساجة "على المشجب" بميم مسكورة فشين معجمة ساكنة فجيم فموحدة أعواد تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها وتوضع عليها الثياب (٢)، و"الحجة" بكسر الحاء وفتحها وجهان، "فقال بيده" أي أشار بيده. "مكث تسع سنين" بعد الهجرة "ثم أذن" بالتشديد أي نادى والمراد أمر بالنداء، أو بالتخفيف ومد الهمزة أي أعلم وأظهر، "حاج" (٣) أي إلى الحج، "يلتمس" أي يطلب ويقصد، "يأتم" بتشديد الميم أي يقتدي، وقوله: "يعمل بمثل عمله" تفسير له "اغتسلي" أي للتنظيف لا للصلاة والتطهير، "واستذفري" الاستذفار بالذال المعجمة هو الإستثفار بالثاء المثلثة، قيل تقلب الثاء
стр. 1054
إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أُذِّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَذْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، قَالَ: جَابِرٌ نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
===
ذالًا وهو أنَّه تشد فرجها بخرقه ليمنع سيلان الدم، ثم "ركب القصواء" بفتح القاف والمد، قال القاضي عياض وروي بضم القاف وهو خطأ (١)، وهي لغة الناقة التي قطع طرف أذنها، وهاهنا اسم لناقته صلى الله تعالى عليه وسلم بلا قطع أذن، وقيل: بل للقطع (٢)، "حتَّى إذا استوت به ناقته" أي علت به أو قامت مستوية على قوائمها، والمراد أنَّه بعد تمام طلوع البيداء لا في أثناء طلوعه، و"البيداء" المفازة وهاهنا اسم موضع قريب من مسجد ذي الحليفة وجوابه إذا.
قوله: "فأهل" والفاء زائدة مثل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (٣) في
стр. 1055
مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ، عَمِلْنَا بِهِ فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ لَسْنَا
===
جواب: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ (١) وجملة: "قال جابر نظرت" إلخ معترضة إلى "مد بصري" أي منتهى بصري وأنكر بعض أهل اللغة ذلك، وقال: الصواب "مدى بصري" بفتح الميم قال النووي: ليس بمنكر بل هما لغتان والمد أشهر (٢) قوله: من "بين يديه" أي قدامه "من راكب وماشي"، أي فرأيت من راكب وماشي ما لا يحصى "وعن يمينه مثل ذلك"، أي ورأيت عن يمينه مثل ذلك أو كان عن يمينه مثل ذلك، وعلى الأول مثل ذلك بالنصب وعلى الثاني بالرفع، و"عليه ينزل القرآن" إلخ وهو حث على التصد بما أخبر به عن فعله، "فأهل بالتوحيد" قيل: بالإفراد وهو غير صحيح بل المراد بتوحيد الله، أي لا تلبية أهل الجاهلية المشتملة على الشرك، و"لبيك" إلخ تفسير له بتقدير قال بهذا الَّذي يهلون به، قال القاضي: كقول عمر لبيك ذا النعماء والفضل لبيك مرهوبًا منك ومرغوبًا إليك وعن ابن عمر: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك
стр. 1056
نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. قَالَ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ قَالَ: ابْنُ نُفَيْلٍ، وَعُثْمَانُ وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ سُلَيْمَانُ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَكَبَّرَ اللَّهَ وَوَحَّدَهُ وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ،
===
والعمل، وكقول أنس: لبيك حقًّا تعبدًا ورقًا (١).
قلت: وكقول القائل: لبيك عدد الرمال والتراب ونحو ذلك، "فلم يرد" أي فهو منه تقرير للزيادة فلا كراهة فيها، نعم حيث لزم تلبيته فهي أفضل "لسنا ننوي" أي غالبنا وإلا ففيهم من أعتمر كعائشة على ما سبق في حديث جابر نفسه أو قارن "فقرأ ﴿وَاتْخِذُوْا﴾ (٢) " أي ليعلم تفسيره بالفعل الَّذي يباشره، "قال" أي جابر فكان أبي هو الأب المضاف إلى ياء المتكلم في الحج وهذا من كلام جعفر بن محمد يقول: إن محمدًا ذكر السورتين من قراءة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا من قراءة جابر، "ولا أعلمه" إلخ قال النووي: ليس شكا في رفعه لأن
стр. 1057
يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا صَعَدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَنَعَ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ الطَّوَافِ عَلَى الْمَرْوَةِ، قَالَ: «إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
===
لفظة العلم تنافي الشك بل هو جزم برفعه (١)، وقد روى البيهقي بإسناد صحيح (٢) بصيغة الجزم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ﴾ (٣) أي في الركعة الأولى، بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٤) وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ بعد الفاتحة، "نبدأ بما بدأ الله به" يفيد أن بداية الله ذكرًا يقتضي اليداية عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب البداية عملًا لا وجوبها، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر، "فرقي" بكسر القاف، "ثم دعا بين ذلك" أي بين مرات هذا الذكر بما شاء وقال: هذا الذكر ثلاث مرات "انصبت قدماه" بتشديد الباء أي انحدرت بالسهولة حتَّى وصلت إلى بطن الوادي إذا صعد أي خرج من البطن إلى طرفه الأعلى، "مشى" أي سار على السكون "لو استقبلت" إلخ، أي لو كان سفري بعد ما ظهر لي عزم فسخ الحج
стр. 1058
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ فِي الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» هَكَذَا مَرَّتَيْنِ «لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ، لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ» قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁، مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ عَلِيٌّ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا، فَقَالَتْ: أَبِي، فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: بِالْعِرَاقِ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي صَنَعَتْهُ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الَّذِي ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ، أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ
===
وجعله عمرة؛ أراد تطييب قلوبهم بالفسخ وعدم الوفاق معه صلى الله تعالى عليه وسلم. "جعشم" بفتح الجيم وضم الشين المعجمة وفتحها كذا ضبطه السيوطي في حاشية مسلم (١)، وضبط في المفاتيح بضم الجيم والشين (٢)، "هذا" أي التمتع عند الجمهور والفسخ عند أحمد والظاهرية، فعلى الأول دخلت العمرة في الحج، أي في أشهر الحج وصحت، وعلى الثاني: دخلت نية العمرة في نية الحج بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة "لا" لا في هذا العام وحده بل لا بد بديل إلى آخر الدهر، "ببدن" بضم فسكون أو بضمتين جمع بدنة، "محرشًا" من التحريش وهو الغراء، قيل: أريد به هاهنا ذكر ما يوجب عتابه لها،
стр. 1059
عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، فَقَالَ: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ مَاذَا، قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ» قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحْلِلْ» قَالَ: وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مِائَةً فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ ،
===
"حين فرضت الحج" أي ألزمته نفسك بالإحرام، "ووجهوا" بتشديد الجيم أي توجهوا كما في رواية مسلم (١) أي وجهوا وجوههم أو رواحلهم، "بنمرة" بفتح النون وكسر الميم، "المشعر الحرام" جبل بمزدلفة، "فأجاز" أي جاوز مزدلفة، "زاغت الشمس" أي زالت، "فرحلت" بتخفيف الحاء أي جعل عليها الرحل، "بطن الوادي" هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء ونون، "إن دماءكم وأموالكم" قيل تقديره. سفك دماءكم وأخذ أموالكم؛ إذ الزوات لا توصف بتحليل ولا تحريم فيقدر في كل ما يناسبه.
قلت: يمكن أن يقدر واحد عام فيحمل بالنظر إلى كل على ما يليق به كتناول دمائكم وتعرضها، ثم ليس الكلام من مقابلة الجمع للجمع لإفادة التوزيع حتَّى يصير المعنى أن دم كل أحد وماله حرام عليه، بل الأول لإفادة العموم أي دم كل أحد حرام عليه وعلى غيره، والثاني لإفادة أن مال كل أحد حرام على غيره، ويمكن أن يقال: المعنى فيهما أن دم كل أحد وماله حرام على غيره، وأما حرمة الدم على نفسه فليس بمقصودة في هذا الحديث وإنما هو معلوم من خارج، وذلك لأن تعرض المرء دم نفسه ممنوع طبعًا فلا حاجه إلى ذكره إلا نادرًا.
стр. 1060
وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ بِنَمِرَةٍ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةٍ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ
===
"كحرمة يومكم" تأكيد للتحريم وتوضيح له بناء على زعمهم، "تحت قدمي" إبطال الأمور الجاهلية بمعنى أنَّه لا مؤاخذة بعد الإسلام بما فعله في الجاهلية ولا قصاص ولا دية ولا كفارة بما وقع في الجاهلية من القتل، ولا يؤاخذ الزائد على رأس المال بما وقع في الجاهلية من عقد الربا، "بأمانة الله" أي أن الله ائتمنكم عليهن فيجب حفظ أمانته وصيانتها عن الضياع بمراعاة الحقوق، "بكلمة الله" أي بإباحته وحكمه، قيل: المراد بها الإيجاب والقبول أي بالكلمة التي أمر الله تعالى بها، وقيل: بالإباحة المذكورة في قوله: ﴿فَانْكِحُوا﴾ (١) أو قيل: كلمة التوحيد؛ إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم، وقيل: كلمه الله هي قوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحْسَانْ﴾ (٢) "ألا يوطئن" إلخ صيغة جمع الإناث من الإيطاء، قال ابن جرير في تفسيره معناه: أن لا يمكن من أنفسهن أحدًا
стр. 1061
حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دِمَاؤُنَا: دَمُ". قَالَ عُثْمَانُ: دَمُ ابْنُ رَبِيعَةَ " وَقَالَ سُلَيْمَانُ: دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وقَالَ: بَعْضُ هَؤُلَاءِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا: رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ،
===
سواكم، ورد بأنه لا معنى حينئذ لا شتراط الكراهة؛ لأن الزنا حرام على الوجوه كلها (١).
قلت: يمكن الجواب بأن الكراهة في جماعهن يشمل عادة في الكل سوى الزوج، ولذلك قال ابن جرير: أحدًا سواكم. نعم لا يناسبه.
قوله: "ضربًا غير مبرح" وقال الخطابي: معناه أن لا يأذنّ لأحد من الرجال (٢) لا النساء، وقوله: "تكرهونه" أي تكرهون دخوله سواء أكرهتموه في نفسه أم لا، وقال النووي: المختار لا يأذنّ لأحد تكرهون دخوله في بيوتكم سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا أو امرأة أو أحدًا من محارم الزوجة (٣)، و"مبرح" بكسر الراء المشددة بعدها حاء مهملة أي غير شديد ولا شاق، "وينكبها" بموحدة في آخره أي يميلها إليهم يريد بذلك أن يشهد الله عليهم
عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمُسَ وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ قَالَتْ: فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضُ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى
١٩١١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ الضَّبِّىُّ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى».
١٩١٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ، قَالَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَقَالَ: «بِمِنًى» قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ ، قَالَ:
===
تحمسوا في دينهم أي تشددوا، فذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ أي ادفعوا إنفسكم أو مطاياكم أيها القريش ﴿مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١) أي غيركم وهو عرفات والمقصود: أي ارجعوا عن ذلك المكان، ولا شك أن الرجوع من ذلك المكان يستلزم الوقوف فيه لأنه مسبوق بالوقوف فلزم من ذلك الأمر بالوقوف من حيث وقف الناس وهو عرفة.
стр. 1067
«بِالْأَبْطَحِ»، ثُمَّ قَالَ: «افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ».
بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَةَ
١٩١٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ، وَهِيَ مَنْزِلُ الْإِمَامِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَجِّرًا فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ».
===
بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى عَرَفَةَ
١٩١٣ - قوله: "مهجرًا" من التهجير أي مبكرًا مبادرًا، "ثم خطب الناس" يدل على أن الخطبة كانت بعد الصلاة، وحديث جابر الطويل المتقدم يدل على خلافه وعليه عمل العلماء، قال ابن حزم: روايه ابن عمر لا تخلو عن أحد وجهين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خطب كما روى جابر ثم جمع بين الصلاتين، ثم كلم صلى الله تعالى عليه وسلم الناس ببعض ما يأمرهم به ويعظهم فيه فسمي ذلك الكلام خطبة، فيتفق الحديثان بذلك وهذا أحسن لمن فعله فإن لم يكن هذا فحديث ابن عمر والله تعالى أعلم، وهم من بين أحمد بن حنبل وابن نافع والله تعالى أعلم.
стр. 1068
بَابُ الرَّوَاحِ إِلَى عَرَفَةَ
١٩١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا أَنْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَيَّةُ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرُوحُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَالَ: «إِذَا كَانَ ذَلِكَ رُحْنَا» فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ، قَالُوا: لَمْ تَزِغِ الشَّمْسُ، قَالَ: «أَزَاغَتْ»، قَالُوا: لَمْ تَزِغْ أَوْ زَاغَتْ، قَالَ: " فَلَمَّا قَالُوا: قَدْ زَاغَتْ ارْتَحَلَ.
بَابُ الْخُطْبَةِ [عَلَى الْمِنْبَرِ] بِعَرَفَةَ
١٩١٥ - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ».
===
بَابُ الرَّوَاحِ إِلَى عَرَفَةَ
١٩١٤ - قوله: "لما أن قتل" بفتح الهمزة زائدة بعد لما، وقوله: "إذا كان ذلك" أي ذلك الوقت.
بَابُ الْخُطْبَةِ [عَلَى الْمِنْبَرِ] بِعَرَفَةَ
١٩١٥ - وقوله: "على المنبر بعرفة" قيل: لم يكن بعرفات منبر في وقته صلى الله تعالى عليه وسلم بلا شك وخطبته كانت على ناقته كما في حديث جابر وسيجيء، فقوله: "وهو على المنبر" إما أن يكون كناية عن كونه في الخطبة أو سهوًا والله تعالى أعلم.
стр. 1069
١٩١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْحَيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُبَيْطٍ، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ».
١٩١٧ - حَدَّثَنَا هنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ - قَالَ: هَنَّادٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبِي عَمْرٍو - قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْعَدَّاءِ بْنِ هَوْذَةَ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمٌ فِي الرِّكَابَيْنِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ وَكِيعٍ كَمَا قَالَ: هَنَّادٌ.
١٩١٨ - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو عَمْرٍو، عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بِمَعْنَاهُ.
بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٩١٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ
===
١٩١٧ - "قائم في الركابين" لعله ﷺ قام في الركابين في بعض ما يهتم في تبليغه من جملة الخطبة ليبلغهم، وأما القيام كذلك في تمام الخطبة فلا يخلو عن مشقة والله تعالى أعلم.
بَابُ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
١٩١٩ - قوله: "في مكان يباعده عمرو عن الإمام" من باعد بمعنى بعد
стр. 1070
الْأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِي مَكَانٍ يُبَاعِدُهُ عَمْرُو عَنِ الْإِمَامِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ».
بَابُ الدَّفْعَةِ مِنْ عَرَفَةَ
١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، ح وحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ الْمَعْنَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَرَدِيفُهُ أُسَامَةُ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ» قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا عَادِيَةً
===
مشددًا، وعمرو هو المخاطب بهذا الكلام أي مكانًا تبعده أنت أقوله تعده بعيدًا والمقصود تقرير بعده، وأنه مسلم مسند المخاطب، ويحتمل أن هذا من كلام الراوي من عمرو بمنزلة؛ قال عمرو؛ وكان ذلك الموقف بعيدًا عن الإمام أو من كلام عمرو، وإرساله ﷺ الرسول بذلك لتطيب قلوبهم؛ لئلا يحزنوا ببعدهم عن موقف رسول الله ﷺ ، ويروا ذلك نقصًا في الحج، أو يظنوا أن ذلك المكان الذي هم فيه ليس بموقف، ويحتمل أن المراد: بيان أن هذا خير مما كان عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم والذي أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة والله تعالى أعلم.
بَابُ الدَّفْعَةِ مِنْ عَرَفَةَ
١٩٢٠ - قوله: "ليس بإيجاف الخيل" هو الإسراع في السير، "فما رأيتها"
стр. 1071
حَتَّى أَتَى جَمْعًا، زَادَ وَهْبٌ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى.
١٩٢١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ زُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، أَنَّهُ سَأَلَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ فَعَلْتُمْ أَوْ صَنَعْتُمْ عَشِيَّةَ رَدِفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: جِئْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمُعَرَّسِ فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ، ثُمَّ بَالَ، وَمَا قَالَ: زُهَيْرٌ أَهْرَاقَ الْمَاءَ، ثُمَّ دَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ جِدًّا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةُ، قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» قَالَ: فَرَكِبَ حَتَّى
===
أي ناقة رسول الله ﷺ ، "رافعة يديها" أي مشرعة يديها في المشي وضعًا ورفعًا من رفع دابته أسرع بها، وعادية من العدو.
١٩٢١ - قوله: "ردفت" أي ركبت خلفه، "جئنا الشعب" بكسر معجمة وسكون مهملة: الطريق المعهود للحاج، نزل فيه ﷺ وتوضأ بماء زمزم كما ثبت عند أحمد (١)، وأصل الشعب ما انفرج بين الجبلين، وقيل؛ الطريق، والمراد "بالذي" المكان ولذلك أضيف إليه الشعب، "والمعرس" بفتح الراء التعريس أو موضعه، التعريس نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، و "ما
стр. 1072
قَدِمْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَحِلُّوا، حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ، وَصَلَّى، ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ، زَادَ مُحَمَّدٌ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ فَعَلْتُمْ حِينَ أَصْبَحْتُمْ؟ قَالَ: رَدِفَهُ الْفَضْلُ وَانْطَلَقْتُ أَنَا فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ عَلَى رِجْلَيَّ.
١٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ فَجَعَلَ يُعْنِقُ عَلَى نَاقَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ الْإِبِلَ يَمِينًا، وَشِمَالًا، لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: «السَّكِينَةَ أَيُّهَا النَّاسُ» وَدَفَعَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ.
===
قال أهراق الماء" (١) يريد أن من الناس من يكره التصريح بنسبة البول فيكني بإهراق الماء، لكن أسامة ما رأى بتصريح النسبة بأسًا، "ليس بالبالغ جدًّا" يعني خفف ذلك الوضوء، "الصلاة" أي صلّ الصلاة، و"لم يحلو" أي يفكوا ما على الجمال من الأدوات.
١٩٢٢ - قوله: "يعنق" من أعنق أي يسير سيرًا وسطًا، وأصله العنق بفتحتين وهو سير سريع معتدل، وقوله: "لا يلتفت إليهم" أي لا يلتفت إلى مشيهم ولا يشاركهم في فعلهم، وفي رواية الترمذي: يلتفت، بدون كلمة: لا، وهي أقرب (٢).
стр. 1073
١٩٢٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ ، قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ». قَالَ هِشَامٌ: النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ.
١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ».
١٩٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، قُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى
===
١٩٢٣ - قوله: "فجوة" بفتح الفاء وسكون الجيم الموضع المتسع بين الشيئين، "نصّ" أي حرك الناقة ليستخرج أقصى سيرها.
١٩٢٤ - قوله: "دفع رسول الله على الله تعالى عليه وسلم" وهو متعد لكن شاع استعماله بلا ذكر المقعول في موضع رجع لظهوره، أي دفع نفسه أو مطيته حتى أنه يفهم من معنى اللازم، وقيل: سمي الرجوع من عرفات ومزدلفة دفعًا؛ لأن الناس في سيرهم ذلك مدفوعون يدفع بعضهم بعضًا.
стр. 1074
الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
بَابُ الصَّلَاةِ بِجَمْعٍ
١٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا».
١٩٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَقَالَ: بِإِقَامَةٍ إِقَامَةِ جَمْعٍ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَحْمَدُ، قَالَ وَكِيعٌ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِإِقَامَةٍ.
١٩٢٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، ح، وحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ الْمَعْنَى، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ ابْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ حَمَّادٍ، وَمَعْنَاهُ قَالَ: بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يُنَادِ فِي
===
بَابُ الصَّلَاةِ بِجَمْعٍ
١٩٢٨ - قوله: "لم يناد في الأولى" ففي الثانية بالأولى وهذا خلاف ما يقتضيه حديث جابر والاعتماد عليه؛ إذ ما ذكره ابن عمر في ترك الأذان أيضًا، والحاصل أن المثبت مقدم على النافي ثم هذه الروايات تفيد تعدد الإقامة، وأن تكون كل صلاة بإقامة وهو الموافق لحديث جابر، والروايات التي تأتي تفيد وحدة الإقامة للصلاتين فحصل التعارض في روايات حديث ابن عمر، فالوجه الأخذ
رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عُمَرَ صَنَعَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِثْلَ هَذَا، وَقَالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا فِي هَذَا الْمَكَانِ».
١٩٣٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ، مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، حَتَّى أَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، أَوْ أَمَرَ إِنْسَانًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ» فَصَلَّى بِنَا الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عِلَاجُ بْنُ عَمْرٍو بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا.
١٩٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيَادٍ، وَأَبَا عَوَانَةَ، وَأَبَا مُعَاوِيَةَ،
===
١٩٣٤ - قوله: "ما رأيت رسول الله على الله عليه وسلم على صلاة ألا لوقتها إلا بجمع" استثناء مما بقي من الاستثناء الأول أي ما صلى لغير وقتها، واستدل به من ينفي جمع السفر كعلمائنا الحنفية، لكلن الاستدلال به فرع تصور معناه، ومعناه خفي؛ إذ ظاهره يفيد أنه صلى الفجر قبل وقته وهو مخالف للإجماع، وقد جاء خلافه في روايات حديث ابن مسعود أيضًا وفي حديث جابر، أجيب بأن المراد أنه صلى قبل الوقت المعتاد بأن غلس، ورد بأن هذا يقتضي أن المعتاد الإسفار وهو خلف ما يفيده تتبع الأحاديث الصحاح الواردة في صلاة الفجر، أجيب بأن المراد التغليس الشديد، والحاصل أنه صلى يومئذ أول ما طلع الفجر، والمعتاد أنه كان يصلي بعد ذلك بشيء، فلا يراد أنها صارت حينئذ
стр. 1077
حَدَّثُوهُمْ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عِمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِوَقْتِهَا إِلَّا بِجَمْعٍ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنَ الْغَدِ
===
لوقتها، فكيف يصح عدها لغير وقتها حتى تستثنى من قوله: "ما رأيت" إلخ، أجيب بأن المراد بقوله: لغير وقتها المعاد.
قلت: فيلزم من اعتبار العموم في الحديث أنه ما صلى صلاة في غير الوقت المعتاد أبدًا لا بتقديم شيء ولا بتأخيره لا سفرًا ولا حضرًا سوى هاتين (١) الصلاتين، بل كان دائمًا يصلي في وقت واحد، وهذا خلاف ما يعرفه كل أحد بالبديهة وخلاف ما يفيده تتبع الأحاديث: وخلاف ما أول به علماؤنا (٢) جمع السفر من الجمع فعلًا؛ فإنه لا يكون إلا بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر الوقت فيلزم كونها في الوقت لغير المعتاد، ثم هو مشكل بجمع عرفة أيضًا وحينئذ فلا بد من القول بخصوص هنا الكللام بذلك السفر مثلًا، وبقي بعض جمع عرفة قيقال: لعله ما حضر ذلك الجمع فما رأي فلا ينافي قوله ما رأيت، أو يقال: لعله ما رأى صلاة خارجة عن الوقت المعتاد غير هذين الصلاتين فأخبر حسب ما رأى ولا اعتراض عليه، ولا حجة للقائلين بنفي الجمع، والأحسن منه ما يشير كلام بعض وهو أن مراده بقوله: "ما رأيت" هو أنه ما رأي صلى صلاة لغير وقتها المعتاد؛ يقصد تحويلها عن وقتها المعتاد وتقريرها في غير وقتها المعتاد لما في صحيح البخاري من روايته أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وصلم قال: "إن هاتين
стр. 1078
قَبْلَ وَقْتِهَا».
١٩٣٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَوَقَفَ عَلَى قُزَحَ فَقَالَ: «هَذَا قُزَحُ وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ».
١٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقَفْتُ هَا هُنَا بِعَرَفَةَ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَا هُنَا بِجَمْعٍ وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَرْتُ هَا هُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ».
===
حولتا عن وقتهما في هذا المكان" (١) وهذا معنى وجيه لا يرد عليه شيء إلا الجمع بعرفة ولعله كان يرى ذلك للسفر. والله تعالى أعلم.
١٩٣٥ - قوله: "هذا قزح" كعمر غير متصرف للعدل والعلمية، رسم لموقف الإمام بمزدلفة، وقوله: "وهو الموقف" أي الموقف الأكمل وجمع بفتح قسكون اسم مزدلفة "كلها موقف" دفع لما يتوهم من خصوص الوقوف بموقفه ﷺ .
١٩٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ عُثْمَانُ الْأَمْوَالَ بِالطَّائِفِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ بِهِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ.
١٩٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ لِأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ.
بَابُ الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ
١٩٦٥ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْتَ عُمَرَ فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ،
===
باب الصلاة بمنى
١٩٦٤ - قوله: "لأنهم كثروا عامئذ" قيل: وقد بلغه عن بعضهم أنه صلى طول السنة ركعتين بعد أن صلى معه في الحج السابق ركعتين فرأى أن الإتمام أقرب.
بَابُ الْقَصْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ
١٩٦٥ - قوله: "والناس أكثر ما كانوا" أي وجود الناس معه صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك السفر أكثر ما وجدوا معه صلى الله تعالى عليه وسلم في أسفاره أي أكثر وجود رآه، على أن ما مصدرية ونسبته الكثرة إلى الوجود مجاز مشهور، وإلا فالمطلوب أن الناس يومئذ أكثرهم في سائر الأسفار والغرض أنه لم يكن هناك خوف فيتقيد القصر بالخوف في قوله تعالى: ﴿وإذَا ضرَبْتم في
стр. 1090
قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَارِثَةُ بْنُ خُزَاعَةَ: وَدَارُهُمْ بِمَكَّةَ.
بَابٌ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَرَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ يَسْتُرُهُ، فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ، فَقَالُوا: الْفَضْلُ بْنُ
===
الأرْضِ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١) إنما وقع على المعتاد في ذلك الزمان لا لأن القصر لا يجوز بلا خوف، وأما فهم المصنف القصر لأهل مكة فمعني على أن الراوي وهو حارثة مكي فقصره يدل على جواز القصر لأهل مكة؛ لكن قد يقال: لادلالة في الحديث على أنهم قصروا، إنما يدل الحديث على أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى به ركعتين فيجوز أنه صلى معه صلى الله تعالى عليه وسلم ركعتين وأتم لنفسه بعد ذلك ركعتين كما هو شأن كل مقيم يصلي خلف مسافر، فإن الإمام المسافر يصلي به ركعتين ثم يقوم فيتم لنفسه فيكون الإمام قد قصر والمقتدي قد أتم والله تعالى أعلم.
بَابٌ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ
١٩٦٦ - قوله: "لا يقتل بعضكم بعضًا" أي بالزحام وبالرمي بالحصى