بَابٌ فِي ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
١٤٥٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
١٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ زَبَّانِ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟ ».
===
بَابٌ فِي ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
١٤٥٢ - قوله: "خيركم من تعلم القرآن" إلخ يراد بمثله أنه من جملة الأخيار لا أنه أفضل من الكل، وبه يندفع التدافع بين الأحاديث الواردة بهذا العنوان، ثم المقصود في مثله بيان أن وصف تعلم القرآن وتعليمه من جملة خيار الأوصاف، فالموصوف به يكون خيرًا من هذه الجهة أو يكون خيرًا إن لم يعارض هذا الوصف معارض، فلا يرد أنه كثيرا ما يكون المرء متعلمًا أو معلمًا القرآن ويأتي بمنكرات، فكيف يكون خيرًا، والله تعالى أعلم.
وقد يقال: المراد "من تعلم القرآن وعلمه" مع مراعاته عملًا وإلا فغير المراعي يعد جاهلًا.
стр. 812
١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ».
١٤٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
===
١٤٥٣ - قوله: "ألبس والده تاجًا" التاج ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر، وقوله: "في بيوت الدنيا" متعلق بضوء الشمس، وقوله: "لو كانت الشمس فيكم" أي في بيوتكم وعندكم، أي لو كانت الشمس في الأرض لكان الذي لها من الضوء في بيوتكم ضوء ذلك التاج أحسن منه وأكثر.
١٤٥٤ - قوله: "ماهر به" أي حاذق بقراءته، "مع السفرة" هم الملائكة جمع سافر، وهو الكاتب؛ لأنه يبين الشيء، ولعل المراد بهم: الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (١)، والمعية في التقرب إلى الله تعالى، وقيل: يريد أنه يكلون في الآخرة رفيقًا لهم في منازله أو هو عالم بحملهم، وقوله: "فله أجران" قيل: يضاعف له الأجر على الماهر؛ لأن الأجر بقدر التعب، وقيل: بل المضاعفة للماهر لا تحصى؛ فإن الحسنة قد تضاعف إلى سبعمائة وأكثر، والأجر شيء مقدّر وهذا له أجران من تلك المضاعفات، والله تعالى أعلم.
١٤٥٥ - قوله: "في بيت من يوت الله" أي في مسجد من المساجد، وقوله:
стр. 813
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
١٤٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ - أَوِ الْعَقِيقِ - فَيَأْخُذَ نَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللَّهِ ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ » قَالُوا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ،
===
"إلا نزلت علهم السكينة" قيل: الرحمة، ويضعفه عطف الرحمة، قيل: والأظهر أنها الملائكة، وقيل: هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية.
١٤٥٦ - قوله: (إلى بطحان) بضم الباء أو فتحها وهو والعقيق واديان بالمدينة، "وكومامين" بفتح الكاف تثنية كوماء وهي ناقة عظيمة السنام، وقوله: "زهراوين" أي سمينتين مائلتين إلى البياض من كثرة السي، وقوله: "فلان يغدو" بفتح اللام مبتدأ خبره خير، أي هو خير في الآخرة من ناقتين في الدنيا، وقوله: "وإن ثلاث" إن حصلت له ثلاث آيات في المسجد فيقابلها ثلاث ناقات في الخيرية، أو إن حصلت ثلاث ناقات من الذهاب إلى بطحان والعقيق فيقابلها
стр. 814
خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَإِنْ ثَلَاثٌ فَثَلَاثٌ مِثْلُ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ».
بَابُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
١٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي».
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَدَعَاهُ، قَالَ: فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ، قَالَ: فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟ »، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ - أَوْ فِي الْقُرْآنِ،
===
ثلاث آيات في "الخيرية وإجماله" أنه يقال: بل الآيات مثل أعدادهن من الإبل.
بَابُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
١٤٥٨ - قوله "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ ومطلق الأمر وإن كان لا يقتضي النور لكن هاهنا التقييد بقوله: ﴿إذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) يفيد حمل الأمر على الفور، وضمير دعا "للرسول" فيفيد أن ذكر الله لتشريف الرسول، وإفادة أن الاستجابة له استجابة لله تعالى، وقوله: "قولك" أي راع قولك أو احفظه أو وفّ عهدك، إطلاق القرآن العظيم على الفاتحة من إطلاق القرآن على جزئه
عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا»، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ.
بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا.
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «كَانَ يَمُدُّ مَدًّا».
===
و"الأبواء" بفتح همزة وسكون باء ومد: جبل، و "غشيتنا" أي أحاطتنا.
بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ
١٤٦٤ - قوله: "وارتق" أي ارتفع في درجات الجنة وفي بعض الروايات "ارق" من رقى يرقى كسمع، والرقي الصعود والارتفاع، قال الخطابي: جاء في الأثر: عدد آي القرآن على قدر درج الجنة، يقال للقارئ: اقرأ وارق في الدرج على قدر ما كنت من آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة، ومن قرأ جزءًا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة (١).
١٤٦٥ - قوله: "كان يمد مدًّا" أي يطيل الحروف الصالحة للإطالة.
стр. 819
١٤٦٦ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَصَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: «وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتَهُ؟ كَانَ يُصَلِّي وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، حَتَّى يُصْبِحَ، وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا».
١٤٦٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفَتْحِ، وَهُوَ يُرَجِّعُ».
١٤٦٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ
===
١٤٦٦ - قوله: "ونعتت قرآته" أي وصفت وبينت بأن قالت: كانت قراءته كيت وكيت, أو بأن قرأت مُرتلة مبينةً كقراءة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقوله: "حرفًا حرفًا" حال؛ لأنه في معنى مرتلة.
١٤٦٧ - قوله: "يُرَجَع" من الترجيع، وهو الترديد والتكرار.
١٤٦٨ - قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" أي بتحسين أصواتكم عند القراءة؛ فإن الكلام الحسن يزيد حسنًا وزينة بالصوت الحسن وهذا مشاهد، ولما رأى بعضهم أن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت بل الصوت أولى (١) بأن
стр. 820
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ».
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ، بِمَعْنَاهُ، أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - وَقَالَ: يَزِيدُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ فِي كِتَابِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ
===
يحسن بالقرآن؛ قال معناه: "زينوا أصواتكم بالقرآن" هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث وزعموا أنه من باب القلب، وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث: "زينوا القرآن بأصواتكم" ورواه معمر عن منصور عن طلحة: "زينوا أصواتكم بالقرآن" (١) وهو الصحيح، والمعنى: اشتغلوا بالقرآن واتخذوه شعارًا وزينة.
١٤٦٩ - قوله: "من لم يتغن بالقرآن" أي لم يحسن صوته به، أو من لم يستغن به عن غير الله وعن سؤال، أو من لم يكثر قراءته كما تكثر العرب التغني عن الركوب على الإبل، وعند النزول وحال المشي، أو من يرفع به صوته ولم يعلن به، أو من لم يتحزن بالقرآن وليس التحزن طيب الصوت بأنواع النغم، ولكن هو أن يقرأ القرآن متأسفًا على ما وقع من التقصير متلهفًا على ما يؤمل من التوقير، فإذا تألم القلب وتوجع تحزن وسال العين بالدموع فيستلذ القارئ ويفر من الخلق إلو جناب الرب ﵎.
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ، مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ».
بَابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ
١٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنَ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ يَنْسَاهُ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ».
بَابُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
١٤٧٥ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ،
===
وسماعه تعالى لا يختلف قالوا: هو كناية عن تقريب القارئ وإجزال ثوابه (١).
بَابُ التَّشْدِيدِ فِيمَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ
١٤٧٤ - قوله: "أجذم" قيل: مقطوع اليد، وقيل: ساقط الأطراف من الجذام، وأنكره الجوهري وقيل: مقطوع الحجة واللسان. ليس له عذر أو منقطع السبب؛ لأن (٢) القرآن سبب بيد الله، فمن نسيه فقد قطع سببه أو خالي اليد من الخير صفرها من الثواب، وقد قال العلماء: إن نسيان القرآن كبيرة، لكن ذلك إذا صار بحيث لا يقدر أن يقرأ بالنظر، والله تعالى أعلم.
بَابُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ
١٤٧٥ - قوله: "فكدت أعجل عليه" أي أن آخذه وأجره وهو في الصلاة،
стр. 823
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ»، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ لِيَ: «اقْرَأْ»، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ».
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: «إِنَّمَا هَذِهِ الْأَحْرُفُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ».
١٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ،
===
و"لببته" بالتشديد، يقال: لببت الرجل إذا جعلت في عنقه ثوبًا وجررته به، وقوله: "على سبعة أحرف" أي على سبع لغات مشهورة بالفصاحة، وكان ذاك رخصة أولًا تسهيلًا عليهم، ثم جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه حين خاف الاختلاف عليهم في القرآن وتكذيب بعضهم بعضًا على لغة قريش التي أنزل عليها أولًا، والله تعالى أعلم.
١٤٧٧ - قوله "إِني أقرئت القرآن" على بناء المفعول، وقوله: "فقيل لي:
стр. 824
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أُبَيُّ، إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفٍ، أَوْ حَرْفَيْنِ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ: عَلَى حَرْفَيْنِ، قُلْتُ: عَلَى حَرْفَيْنِ، فَقِيلَ لِي: عَلَى حَرْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي: قُلْ: عَلَى ثَلَاثَةٍ، قُلْتُ: عَلَى ثَلَاثَةٍ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ "، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ، إِنْ قُلْتَ: سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ.
١٤٧٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﷺ ، فَقَالَ: يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ: «أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ»، ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا حَتَّى
===
على حرف أو على حرفين ... " إلخ أي خيرني الملك بين أن يقرئني على حرف أو حرفين مثلًا، فقال لي الملك المصاحب لي: اختر على حرفين، فقلت: على حرفين فقال الملك: المخير حرفين أو ثلاثة، وقوله: "إن قلت سميعًا عليمًا" إلخ هذا يفيد أنه كان رخص لهم في اللغات السبع، كذلك رخص لهم في رؤوس الآي بما يناسب المقام من أسماء الله تعالى من غير تقييد ببعض، والله تعالى أعلم.
١٤٧٨ - قوله: "أضاة بني عفار" الأضاة بوزن الحصاة: الغدير.
стр. 825
بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَصَابُوا».
بَابُ الدُّعَاءِ
١٤٧٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، ﴿قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
١٤٨٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ، عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَنِي أَبِي، وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَنَعِيمَهَا، وَبَهْجَتَهَا، وَكَذَا، وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَسَلَاسِلِهَا، وَأَغْلَالِهَا، وَكَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ
===
بَابُ الدُّعَاءِ
١٤٧٩ - قوله: "الدعاء هو العبادة" هو من قصر الدعاء على كونه عبادة لا أن شيئًا آخر لا يكون عبادة، والاستدلال بالآية بتمامها، وذلك لأن أول الكلام مسوق للدعاء، فالمناسب به أن يقال: إن الذين يستكبرون عن الدعاء، فإطلاق العبادة موضع الدعاء يدل على أن الدعاء عبادة.
١٤٨٠ - قوله: "وبهجتها" أي نضارتها وحسنها ومافيها، وقوله: "يعتدون في الدعاء" أي يتجاوزون الحدود فيها، والإكثار قد يؤدي إلى ذلك، فخاف سعد
стр. 826
مِنْهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ».
١٤٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ».
١٤٨٢ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ».
===
ذلك.
١٤٨١ - قوله: "عجَّل هذا" في الدعاء؛ حيث بدأ به قبل أن يأتي بمقدماته، وبما يتوسل بتقديمه إلى استجابته.
١٤٨٢ - قوله: "يستحب الجوامع من الدعاء" أي ما كان قليل اللفظ كثير المعنى، وقوله: "ويدع" عطف علي ما يفهم أي فيدعو بها ويدع ما سواها، والإشارة بذلك إلى الجوامع بتأويل ما ذكر.
стр. 827
١٤٨٣ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ.
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي.
١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
١٤٨٣ - قوله: "اغفر لي إن شئت" أي بالتفويض إليه خشية الوقوع في إيهام الإكراه؛ إذ لا يمكن له مكره فلا يتوهم الإيهام المذكور، وإنما يتضمن إيهام الاستغناء والغير اللاثق بمقام الدعاء والسؤال فاللائق بالمقام تركه، والله تعالى أعلم.
١٤٨٤ - قوله: "ما لم يعجل" بفتح الجيم من عجل كسمع، وقوله: "فيقول" بالنصب؛ لأن القول مسبب عن العجلة في الاستجابة.
١٤٨٥ - قوله: "لا تستروا الجدر" بضمتين جمع جدار وذلك لأنها أحجار لا تستحق اللباس ولا يخاف عليها من الحر والبرد فسترها ضياع للثياب، وقوله: "فإنما ينظر في النار" أي فليحذر هذا الصنيع كما يحذر النظر في النار بناء على أن النظر فيما يضر بالبصر أو المراد بالنظر فيها الدنو منها والدخول بها؛ إذ النظر
стр. 828
قَالَ: «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ، فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا».
١٤٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُهُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ، عَنْ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَةَ، أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيِّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: «لَهُ عِنْدَنَا صُحْبَةٌ - يَعْنِي مَالِكَ بْنَ يَسَارٍ».
١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
منها إنما يتحقق بالقرب إليها ويحتمل أنه على حذف المضاف، أي إنما ينظر في سبب النار الذي يؤدي فيه النظر إليها، قيل: أريد به الكتاب الذي فيه أمانة أو شيء يكره صاحبه أن يطلع عليه، وأما كتاب العلم فلا يحل له منعه ولا يجوز كتمانه، وقيل: بل هو عام في كل كتاب؛ لأن صاحب الشيء أولى بماله وأحق بمنفعة مكان، وإنما الإثم بكتمان العلم الذي يسئل عنه، وأما منع الكتاب فلا يظهر له إثم.
١٤٨٧ - قوله: "بباطن كفيه" أي تارة كما في الدعاء بالخير، وظاهرهما
стр. 829
يَدْعُو هَكَذَا بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ، وَظَاهِرِهِمَا».
١٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ، صَاحِبَ الْأَنْمَاطِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا».
١٤٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ، أَوْ نَحْوَهُمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا».
١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: وَالِابْتِهَالُ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ.
===
أخرى كما في الدعاء لدفع الشر، والله تعالى أعلم.
١٤٨٨ - قوله: "حَيِيٌّ" بكسر الياء الأولى وتشديد الثانية فعيل من الحياء أي لا يترك العطاء كصاحب الحياء يمنعه الحياء من تركه العطاء، ولا يخفى أن الكرم والحياء إذا اجتمعا يكون صاحبهما كمن يستحيل عليه أن يترك العطاء عن السائلين الضعفاء، و "صفرًا" بكسر الصاد وسكون الكاء أي خلوًا.
١٤٨٩ - قوله: "الابتهال" أي التضرع والمبالغة في السؤال.
خَلِيفَةَ، عَنْ حَفْصٍ يَعْنِي ابْنَ أَخِي أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢].
١٤٩٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُرِقَتْ مِلْحَفَةٌ لَهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ سَرَقَهَا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، يَقُولُ: «لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَا تُسَبِّخِي: أَيْ لَا تُخَفِّفِي.
===
١٤٩٧ - قوله: "لا تسبخي" بسين مهملة ثم باء موحدة مشددة ثم خاء معجمة هو مثل لا تخففي وزنًا ومعنى، أي لا تخففي عنه السرقة، أي إذا أكثرت في الدعاء عليه يعدل دعاؤك سرقته فقط عنه في مقابلته سرقته فصار دعاؤك عليه تخفيفًا، فلا تدعي عليه حتى يخفف عنه السرقة، والله تعالى أعلم.
стр. 832
١٤٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ»، فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا، قَالَ شُعْبَةُ، ثُمَّ لَقِيتُ عَاصِمًا بَعْدُ بِالْمَدِينَةِ، فَحَدَّثَنِيهِ، وَقَالَ: «أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ».
١٤٩٩ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَدْعُو بِأُصْبُعَيَّ، فَقَالَ: «أَحِّدْ أَحِّدْ»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
بَابُ التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى
١٥٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
===
١٤٩٨ - قوله: "يا أخي" بضم الهمزة على تصغير الترقيق أو بفتحها، وقوله: "بها الدنيا" أي بدلها.
١٤٩٩ - قوله: "أحِّد أحِّد" أي أشر بواحدة ليوافق التوحيد المطلوب بالإشارة.
بَابُ التَّسْبِيحِ بِالْحَصَى
١٥٠٠ - قوله: "تسبح به" أي تحفظ عدد التسبيحات وتضبطها به، وقوله: "عدد ما بين ذلك" أي بين ما ذكر من السماء والأرض ومثله قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ (١) وقوله: "عدد ما هو خالق" أي حالا لا في المستقبل
стр. 833
عَمْرٌو، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ، حَدَّثَهُ، عَنْ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى - أَوْ حَصًى - تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَالَ: «أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا - أَوْ أَفْضَلُ -»، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ،
===
لمقابلته بالماضي، ونصب عدد ما خلق في السماء وغيره على نزع الخافض أي بعدد جميع مخلوقاته في السحاء، وقيل: بعدد كل واحد؛ وأنت خبير بأن عدد كل واحد واحد وهو لا يناسب المقام، وقوله: "مثل ذلك" يحتمل أن يكون بالرفع على أن المراد: لفظ الله أكبر مثل لفظ سبحان الله في أن يذكر معه الأعداد التي ذكرت مع سبحان الله، وعلى هذا لفظ الله أكبر مبتدأ بالتأويل ومثل ذلك خبره، ويحتمل أنه بالنصب وهو الأظهر، وحينئذ يحتمل أن المطلوب أن القائل يقول عين هذا اللفظ أعني الله أكبر مثل ذلك، أو المطلوب أنه يقول: الله أكبر عدد ما خلق في السماء ... إلخ، والله تعالى أعلم، فإن قلت: كيف يصح تقييد التسبيح ونحوه بالعدد المذكور مع أن التسبيح هو التنزيه عن جميع ما لا يليق بجنابه الأقدس، وهو أمر واحد في ذاته لا يقبل التعدد وباعتبار صدوره عن المتكلم لا يمكن اعتبار هذا العدد فيه؛ لأن المتكلم لا يقدر عليه، ولو فرض قدرته عليه أيضًا لما صح تعلق هذا العدد بالتسبيح إلا بعد أن صدر منه هذا العدد أو عزم على ذلك، ولا ما بمجرد أنه قال مرة: سبحان الله لا يحصل منه هذا العدد فكيف
стр. 834
وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ».
١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ هَانِئِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ، عَنْ يُسَيْرَةَ، أَخْبَرَتْهَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ
===
يقول: سبحان الله هذا العدد؟ .
قلت: لعل التقييد بملاحظة استحقاق ذاته الأقدس، الأظهر أن يصدر من المتكلم التسبيح بهذا العدد، فالحاصل أن العدد ثابت لقول المتكلم، لكلن لا بالنظر إلى أنه تحقق منه التسبيح بهذا العدد باعتبار أنه تعالى حقيق بأن يقول المتكلم التسبيح في حقه بهذا العدد.
١٥٠١ - قوله: "حُميضة" بضم الحاء، و"يسيرة" بضم الياء وهما بصيغة التصغير.
قوله: "أمرهن" أي النساء، إما لكونها معلومة بالمقام، أو تقدم لهن ذكر في الكلام، ويكون في هذا الكلام اختصار لعدم الحاجة إلى ذكر الكل، و"أن يراعين" مضارع على بناء الفاعل من المراعاة، والمراد أمرهن أمر استحباب بمراعاة التكبير ومحافظته، فالباء في قوله: "بالتكبير" زائدة، ويحتمل أن يقال: أمرهن بمراعاتهن أنفسهن بالتكبير، فالباء للآلة ومفعول التكبير محذوف، وقوله: "وأن يعقدن" أن يحفظن عدد التسبيح بالأنامل كما هو المتعارف، أو ما عليه أهل الحساب، فمفعول يعقدن محذوف، و "مستنطقات" بفتح الطاء، أي يطلب منها النطق ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا
стр. 835
مَسْئُولَاتٌ، مُسْتَنْطَقَاتٌ».
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، فِي آخَرِينَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ»، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: بِيَمِينِهِ.
١٥٠٣ - حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِ جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ اسْمُهَا بُرَّةَ، فَحَوَّلَ اسْمَهَا، فَخَرَجَ وَهِيَ فِي مُصَلَّاهَا وَرَجَعَ وَهِيَ فِي مُصَلَّاهَا، فَقَالَ: «لَمْ تَزَالِي فِي
===
يَعْمَلُونَ﴾ (١) فينبغي استعمالها في صالح الأعمال لتشهد بها والله تعالى أعلم.
١٥٠٣ - قوله: "فخرج" أي لصلاة الصبح، وقوله: "فرجع" أي بعدما ارتفع وانتصف النهار كذا عند الطبراني (٢).
قوله: "قلت بعدك" أي بعد الذهاب من عندك، ونصب "أربع كلمات" على أنه مقول القول، ولا يضر فيه الإفراد لفظًا لكونها عبارة عن الجملات الأربع، معنى: "ووزنت" على بناء المفعول، وضميره لأربع كلمات، "ولوزنتهن" على بناء الفاعل أي عادلتهن أو غلبتهن في الوزن وزادت عليهن، وذلك لأن "سبحان الله وبحمده" إذا كان مجردًا عن العدد يحمل على مرة
стр. 836
مُصَلَّاكِ هَذَا؟ »، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «قَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ لَوَزَنَتْهُنَّ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ».
١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالٍ يَتَصَدَّقُونَ بِهَا، وَلَيْسَ لَنَا مَالٌ نَتَصَدَّقُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تُدْرِكُ بِهِنَّ مَنْ سَبَقَكَ، وَلَا يَلْحَقُكَ
===
واحدة، وإذا كان مع عدد كان مجملًا قائمًا مقام المفصل فيقاربه ويساويه، ولا شك أنه لو قال ذلك العدد تفصيلًا لغلب في الوزن فكذا الإجمال، ونصب عدد خلقه وما عطف عليه على نزع الخافض كما تقدم؛ أي بعدد جميع مخلوقاته وبمقدار رضى ذاته الشريفة، أي بمقدار يكون سببًا لرضاه تعالى، وفيه إطلاق النفس عليه تعالى من غير مشاكلة، وبمقدار ثقل عرشه وبمقدار زيادة كلماته، أي بمقدار يساويهما، وقيل: نصبها على الظرفية بتقدير قدرًا أي قدر عدد مخلوقاته وقدر رضى ذاته.
١٥٠٤ - قوله: "أصحاب الدثور" بضم الدال أي أصحاب الأموال الكثيرة، وقوله: "من سبقك" أي فضلًا وكذا "من خلفك" أي فضلًا، ولا عبرة بالسبق والتأخير الزمانيين، وقوله: "غفرت له" أي لقائل هذا الذكر، والجملة استئناف
مُخْبِتًا، أَوْ مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي».
١٥١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ: «وَيَسِّرِ الْهُدَى إِلَيَّ»، وَلَمْ يَقُلْ: هُدَايَ.
١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعَ سُفْيَانُ مِنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالُوا: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا.
١٥١٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
===
العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، والمعنى ألحق مكرك بأعدائي لا بي، و "مطواعًا" بكسر الميم وسكون الطاء صيغة مبالغة من الطاعة أي كثير الطاعة، و "مختبًا" أي من الإخبات، وهو الخشوع والتواضع، و"منيبًا" من الإنابة، وهو الرجوع إلى الله بالتوبة, و "حوبتي" بفتح الحاء وتضم أي إثمي، و "اسلل سخيمة قلبي" بفتح السين المهملة وكسر الخاء المعجمة هي الحقد.
١٥١٣ - قوله "استغفر ثلاث مرات" قال السيوطي: قال بعض الصوفية: الحكمة في ذلك الاستغفار مما عساه وقع فيها من نقص ومن رؤية فعلها.
стр. 841
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
بَابٌ فِي الِاسْتِغْفَارِ
١٥١٤ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ وَاقِدٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةٍ».
١٥١٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُسَدَّدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ،
===
قلت: هو على وجه التشريع؛ فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم منزه عن الأمرين. اهـ.
بَابٌ فِي الِاسْتِغْفَارِ
١٥١٤ - "ما أصر مَن استغفر" من أصر على الشيء إذا داومه وثبت عليه، وأكثر ما يستعمل في الشرور والذنوب، والذنب بالإصرار يعظم حتى تعد الصغيرة بالإصرار كبيرة، يعني من أتبع الذنب بالاستغفار فليس بمصرّ عليه وإن تكرر منه فلا يعد صغيرته كبيرة، والله تعالى أعلم.
١٥١٥ - قوله: "ليغان على قلبي" على بناء المفعول من الغين وأصله الغيم لغة، وحقيقته بالنظر إلى قلب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا تُدري، فإن
стр. 842
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ، - قَالَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ».
١٥١٦ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».
١٥١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُرَّةَ الشَّنِّيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ، مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُنِيهِ عَنْ جَدِّي، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ
===
قدره صلى الله تعالى عليه وسلم أجل مما يخطر في كثير من الأوهام، فالتفويض في مثله أحسن، نعم القدر المقصود بالإفهام مفهوم، وهو أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحصل له حالة داعية إلى الاستعفار فيستغفر كل يوم مائة مرة، فإذا حصل الداعي إلى الاستغفار للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فكيف غيره، ولا حاجة في فهم هذا القدر إلى معرفة حقيقية ذلك الداعي بالتعين، فلا ينبغي البحث عنه، والله تعالى أعلم.
١٥١٧ - قوله: "الحي القيوم" منصوب على أنه صفة الله أو مرفوع على المدح
стр. 843
إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ.
١٥١٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».
١٥١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ح وحَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، الْمَعْنَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَأَلَ قَتَادَةُ، أَنَسًا، أَيُّ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا رَسُولُ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ، قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً،
===
أو على أنه بدل من "هو".
١٥١٨ - قوله: "من لزم الاستغفار" أي بالإكثار والمداومة.
١٥١٩ - قوله: "أكثر" أي أكثر أوقاته أو أحواله أو دعا أكثر، وقوله: "حسنة"، أي عظيمة أو كثيرة، وقوله: "وقنا عذاب النار"؛ لأن الحسنة قد تكون مسبوقة بالنار، فزيد الوقاية من النار لتخلص الحسنة عن سبق النار، وقوله: "أن يدعو بدعوة" أي واحدة، لأن الفعلة بالفتح للمرة كالجلسة، والمراد بالدعاء هو الكثير؛ فإن المصدر للجنس فيصح إطلاقه على الكثير أيضًا، وأريد هاهنا ذلك بقرينة المقابلة بالدعوة، والحاصل أن أنسًا كان يلازم الدعاء بقوله: "اللهم آتنا" إلخ سواء كان دعاؤه قليلًا أو كثيرا؛ ففي القليل يكتفي بهذا، وفي الكثير يضم
стр. 844
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، وَزَادَ زِيَادٌ، وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدَعْوَةٍ دَعَا بِهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهَا.
١٥٢٠ - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».
===
إليه غيره.
١٥٢٠ - قوله: "من سأل الله الشهادة صادقًا" (١) أي بصدق عزيمة ونية، ولم يرد صدق القول حتى يقال: إن السؤال إنشاء فلا يتصف بالصدق، واستشكل سؤال الشهادة بأن حاصله أن يدعو الله أن يمكن منه كافرًا يعصي الله بقتلٍ قيقل عدد المسلمين وتُسر قلوب الكافرين؟ أجاب عنه ابن المنيَّر بأن المدعو به قصدًا إنما هو نيل الدرجة المعدة للشهداء، وأما قتل الكافر للمسلم فليس بمقصود أصالة، إنما هو من ضرورات الوجود؛ لأن الله أجرى حكمته بألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد.
قلت: المقصود بالذات موت الإنسان على أحسن حال، وفناؤه في سبيل الرب الجليل المتعال والموت متحتم، وكون تلك الحال لا يتوسل إليها إلا بمعصية كافر لا نظر إليه في السؤال، وبهذا يظهر دفع الإشكال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
стр. 845
١٥٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
١٥٢٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ يَزِيدَ
===
١٥٢١ - قوله: "نفعني الله منه ... " إلخ أي بالمبادرة إلى العمل به حتى أعمل به، وإن لحقه النسخ قريبًا كما روي في العمل بالتصدق بين يدي النجوى، وقوله: "إذا حدثني ... " إلخ ظاهره أنه لا يصدقه بلا حلف، وهو مخالف لما علم من قبول خبر الواحد العدل بلا حلف، فالظاهر أن مراده بذلك زيادة التوثيق بالخبر والاطمئنان به؛ إذ الحاصل بخبر الواحد العدل الظن وهو مما يقبل الضعف، والشدة والزيادة فيه مطلوبة، فمعنى قوله: "صدقته" أي على وجه الكمال، وإن كان القبول الموجب للعمل حاصل بدونه، وقوله: "صدق أبو بكر" أي علمت صدقه في ذلك بلا حلف.
١٥٢٢ - قوله: "والله إني لأحبك" فيه مزيد تشريف منه صلى الله تعالى عليه