غَنَمَهُمَا، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
١٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، - قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: «هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ، وَفِي الْغَنَمِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ»، - وَسَاقَ صَدَقَةَ الْغَنَمِ مِثْلَ الزُّهْرِيِّ - قَالَ: «وَفِي الْبَقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ» - وَفِي الْإِبِلِ
===
نقصان الصدقة، أي ليس له إذا رأى نقصانًا في الصدقة على تقدير الاجتماع أن يفرق، أو رأى نقصانًا على تقدير التفريق أن يجمع.
١٥٧٢ - وقوله: "خشية الصدقة" متعلق بالفعلين على التنازع أو بفعل يعم الفعلين، أي لا يفعل بشيء من ذلك خشية الصدقة وأما عند أبي حنيفة لا أثر للخلطة، فمعنى الحديث عنده على ظاهر النفي على أن النفي راجع إلى القيد، وحاصله نفي الخلط لنفي الأثر، أي لا أثر للخلط والتفريق في تقليل الزكاة وتكثيرها، أي لا يفعل شيء منها خشية الصدقة؛ إذ لا أثر له في الصدقة، والله تعالى أعلم.
وقوله: "وما كان من خليطين" إلخ معناه عند الجمهور أن ما كان متميزًا
стр. 877
فَذَكَرَ صَدَقَتَهَا كَمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ - قَالَ: «وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ إِلَى سِتِّينَ» - ثُمَّ سَاقَ مِثْلَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ - قَالَ: «فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً يَعْنِي وَاحِدَةً وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِبِلُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ،
===
لأحد الخليطين من المال فأخذ الساعى من ذلك المتميز، يرجع إلى صاحبه بحصته بأن كان لكل عشرون، وأخذ الساعي من مال أحدهما يرجع بقيمة نصف شاة، وإن كان لأحدهما عشرون وللآخر أربعون مثلًا، فأخذ من صاحب عشرين يرجع إلى صاحب أربعين بالثلثين، كان أخذ منه يرجع على صاحب عشرين بالثلث، وعند أبي حنيفة يحمل الخليط على الشريك؛ إذ المال إذا تميز فلا يؤخذ زكاة كل إلا من ماله، وأما إذا كان المال بينهما على الشركة بلا تميز، وأخذ من ذلك المشترك فعنده يجب التراجع بالسوية أي يرجع كل عنهما على صاحبه بقدر ما يساوي ماله، مثلًا لأحدهما أربعون بقرة وللآخر ثلاثون، والمال مشترك غير متميز، فأخذ الساعي عن صاحب أربعين مسنة، وعن صاحب ثلاثين تبيعًا، وأعطى كل منهما من المال المشترك، فيرجع صاحب أربعين بأربعة أسباع التبيع على صاحب الثلاثين، وصاحب ثلاثين بثلاثة أسباع المسنة على صاحب أربعين، والله تعالى أعلم.
وقوله: "في الرقة" بكسر الراء أصلها الورق بكسر الراء حذفت الواو
стр. 878
وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَفِي النَّبَاتِ مَا سَقَتْهُ الْأَنْهَارُ، أَوْ سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سَقَى الْغَرْبُ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ»، وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ، وَالْحَارِثِ: «الصَّدَقَةُ فِي كُلِّ عَامٍ»، قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ مَرَّةً، وَفِي حَدِيثِ عَاصِمٍ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ، وَلَا ابْنُ لَبُونٍ، فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ.
١٥٧٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَسَمَّى آخَرَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَعْضِ أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي - فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ»، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَعَلِيٌّ يَقُولُ: فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، أَوْ رَفَعَهُ
===
وعوض عنها الهاء أي في الفضة، وتطلق على الدراهم المضروبة خاصة، والله تعالى أعلم.
قوله: "فقرنه بسيفه" من فوائد بعض المشايخ: أن فيه إشارة إلى أن من منع ما في هذا يقاتل بالسيف، وقد وقع المنع والقتال في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه وثباته على القتال مع مدافعة الصحابة أولًا يشير إلى أنه فهم الإشارة، والله تعالى أعلم.
١٥٧٣ - قوله: "وما سقي الْغَرْبُ" هي الدلو الكبيرة يريد ما سقي بالسواقي،
стр. 879
إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، إِلَّا أَنَّ جَرِيرًا، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ «يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ».
١٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵇، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، كَمَا قَالَ
===
وما في معناه مما يحتاج إلى مؤنة الآلة، والله تعالى أعلم.
١٥٧٤ - قوله: "قد عفوت عن الخيل والرقيق" أي تركت لكم أخذ زكاتها وتجاوزت عنه، وهذا لا يقتضي سبق وجوب ثم نسخه، والله تعالى أعلم.
١٥٧٥ - قوله: "في أربعين بنت لبون" لعل هذا إذا زاد الإبل على مائة وعشرين فيوافق الأحاديث المتقدمة، وقوله: "لا يفرق (١) إبل عن حسابها" أي تحاسب الكل في الأربعين ولا يترك هزال ولا سمين ولا صغير ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط، وقوله: "مؤتجرًا" بالهمزة أي طالبًا للأجر، وقوله: "وشطر ماله" المشهور رواية سكون الطاء من شطر على أنه بمعنى النصف، وهو بالنصب عطف على ضمير "آخذوها"؛ لأنه مفعول، وسقط نون الجمع للاتصال، أو هو مضاف إليه إلا أنه عطف على محله، ويجوز جره أيضًا،
стр. 880
أَبُو عَوَانَةَ، وَرَوَاهُ شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَى حَدِيثَ النُّفَيْلِيِّ، شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَرْفَعُوهُ، أَوْقَفُوهُ عَلَى عَلِيٍّ.
١٥٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا - قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ مُؤْتَجِرًا بِهَا - فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ،
===
والجمهور على أنه حين كان التعزير بالأموال جائزًا في أول الإسلام ثم نسخ فلا يجوز الآن أخذ الزائد على قدر الزكاة، وقيل: معناه أنه يؤخذ منه الزكاة وإن أدى ذلك إلى نصف المال، كان كان له ألف شاة فاستهلكها بعد أن وجب عليه فيها الزكاة إلى أن بقي له عشرون، فإنه يؤخذ من عشر شياه لصدقة الألف، وإن كان ذلك نصفًا للقدر الباقي، وردّ بأن اللائق بهذا المعنى أن يقال: إنا آخذوا شطر ماله لا آخذوها وشطر ماله بالعطف كما في الحديث، وقيل: والصحيح أن يقال: "وشطر ماله" بتشديد الطاء وبناء المفعول، أي يجعل المصدق ماله نصفين ويتخير عليه، فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة، وأما أخذ الزائد فلا، ولا يخفى أنه قول بأخذ الزيادة وصفًا، وتغليط للرواة بلا فائدة، والله تعالى أعلم.
وقوله: "عزمة من عزمات ربنا" أي حق من حقوقه وواجب من واجباته.
أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَقَرَأْتُ فِي عَهْدِهِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «رَاضِعَ لَبَنٍ».
١٥٨١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِيِّ - قَالَ الْحَسَنُ: رَوْحٌ يَقُولُ: مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبِي عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ، قَالَ: فَبَعَثَنِي أَبِي فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَأَتَيْتُ
===
خطأ من وكيع، والصواب (مسلم بن شعبة).
قوله: "استعمل ابن علقمة أبي" (١) بالإضافة إلى ياء المتكلم، "على عرافة قومه" بكسر العين أي القيام بأمورهم ورياستهم، وقوله: "ممتلئة محضًا وشحمًا" أي سمينة كثيرة اللين، والمحض: بحاء مهملة وضاد معجمة هو اللين، و "الشافع" الحامل لأن ولدها شفعها وشفعته هي، وإضافة الشاة إلى الشافع كإضافة مسجد الجامع، و"عناقًا" قال بفتح العين المراد: ما يكون دون ذاك، "جذعة" بفتحتين قيل: هي من الغنم ما تمت لها سنة، و "الثنية" ما دخلت في الثانية، وقوله: "معتاط" قيل: هي التي امتنعت عن الحمل لسمنها، وهو لا يوافق ما في الحديث إلا أن يراد بقوله: "وقد كان ولادها" الحمل أي أنها لم تحمل وهي في سن يحمل فيه مثلها.
وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيَّ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي، وَايْمُ اللَّهِ مَا قَامَ فِي مَالِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ، فَجَمَعْتُ لَهُ مَالِي، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ فِيهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ، وَذَلِكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ، وَلَا ظَهْرَ، وَقَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فَأَبَى عَلَيَّ، وَهَا هِيَ ذِهْ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَاكَ الَّذِي عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ»، قَالَ: فَهَا هِيَ ذِهْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ جِئْتُكَ بِهَا فَخُذْهَا، قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْضِهَا، وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ.
١٥٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي
===
١٥٨٤ - قوله: "فادعهم إلى شهادة لا إله إلا الله" إلخ أراد أن يدعوهم إلى الإسلام بالتدريج؛ لأنه أقرب إلى الطاعة والقبول، بخلاف ما لو عرض عليهم دينًا مخالفًا لدينهم في أشياء كثيرة فإن ذلك ينفرهم ويبعدهم عن القبول، فلا دلالة في الحديث على أن التكليف بالفروع بعد الإيمان، كيف وقد أخر الدعوة إلى الزكاة عن الدعوة إلي الصلاة مع أن التكليف بالزكاة لا يتأخر عن التكليف بالصلاة، والله تعالى أعلم.
قوله "فأعلمهم" من الإعلام، وقوله: "تؤخذ من أغنيائهم" إلخ يدل على
стр. 887
قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
١٥٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
===
وجوب رد الزكاة إلى فقراء من أخذت منهم، وأنه لا يجوز إخراجها إلى غيرهم إلا لضرورة كعدم فقير فيهم إلا أن يجعل الضمير للمسلمين مطلقًا والله تعالى أعلم.
و"كرائم أموالهم" جمع كريمة وهي خيار المال وأفضله، وقوله: "اتق دعوة المظلوم" أريد به: اتق الظلم خوفًا من دعوته عليك؛ وهذا لزيادة التأكيد وإلا فلا بد من اتقاء الظلم لكونه حرامًا وإن لم يخف دعوة صاحبه، وقوله: "بين الله" أي بين وصولها إلى محل الاستجابة والقبول، وقد جاء في بعض الحديث: "ولو كان كافرًا".
١٥٨٥ - قوله: "المعتدي" قيل: هو الذي يعطي الصدقة في غير المصرف؛ وقيل: هو الساعي يأخذ أكثر أو أجود من الواجب؛ لأنه إذا فعل كذلك سنة فصاحب المال ربما يمنعه في السنة الأخرى فيكون سببًا للمنع فيشارك المانع إثم
стр. 888
قَالَ: «الْمُعْتَدِي الْمُتَعَدِّي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا».
بَابُ رِضَا الْمُصَدِّقِ
١٥٨٦ - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، يُقَالُ لَهُ: دَيْسَمٌ، وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي سَدُوسٍ، عَنْ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَّةِ، - قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ: وَمَا كَانَ اسْمُهُ بَشِيرًا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّاهُ بَشِيرًا -، قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ «لَا».
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَ الصَّدَقَةِ، يَعْتَدُونَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «رَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ».
===
المنع.
بَابُ رِضَا الْمُصَدِّقِ
١٥٨٦ - قوله: "يعتدون علينا" كأنه صلى الله تعالى عليه وسلم علم أنهم لحبهم المال طبعًا يرون الحق اعتداء، وإلا فلا يصح مجئ الاعتداء من عامليه صلى الله تعالى عليه وسلم؛ ولذلك سمى صلى الله تعالى عليه وسلم العاملين مبغضين كما سيجيء، فلذلك قال لهم: "لا" وأمرهم بالترحيب بالعاملين والإرضاء، وإلا فلا يجب إعطاء الزيادة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ومن سئل فوقها فلا يعطه"، والله تعالى أعلم.
لَهُمْ وَادِيَيْهِمْ.
١٦٠٢ - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ بَطْنًا مِنْ فَهْمٍ بِمَعْنَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ: مِنْ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ، وَقَالَ: وَادِيَيْنِ لَهُمْ.
بَابٌ فِي خَرْصِ الْعِنَبِ
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ السَّرِيِّ النَّاقِطُ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا».
١٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «سَعِيدٌ
===
بَابٌ فِي خَرْصِ الْعِنَبِ
ظاهر كلام القاموس (١) وغيره أنه بفتح المعجمة وسكون الراء، وضبطه في المجمع وغيره بضم الخاء المعجمة وقد تكسر وبصاد مهملة، والاسم الخرص بالكسر وهو تقدير ما على النخل من الرطب تمرًا وما على الكرم من العنب زبيبًا ليعرف مقدار عشره ثم يخلى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها، وهو جائز عند الجمهور خلافًا للحنفية لإفضائه إلى الربا، وحملوا أحاديث الخرص على أنها كانت قبل تحريم الربا.
стр. 897
لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَتَّابٍ شَيْئًا».
بَابٌ فِي الْخَرْصِ
١٦٠٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، إِلَى مَجْلِسِنَا، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَصْتُمْ، فَجُذُّوا، وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا، أَوْ تَجُذُّوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبْعَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «الْخَارِصُ يَدَعُ الثُّلُثَ لِلْحِرْفَةِ».
===
بَابٌ فِي الْخَرْصِ
١٦٠٥ - قوله: "ودعوا الثلث" من القدر الذي قررتم بالخرص، وبظاهره قال أحمد وإسحاق وغيرهما، وحمل أبو عبيدة الثلث على قدر الحاجة، وقال: يترك قدر احتياجهم، ومشهور مذهب الشافعي وكذا مذهب مالك ألا يترك لهم، وقال ابن العربي: المتحصل من صحيح النظر أن يعمل بالحديث، وقال الخطابي: إذا أخذ الحق منهم مستوفى أضر بهم؛ فإنه يكون من الساقطة والهالكة وما يأكله الطير والناس (١)، وقيل: معنى الحديث: إن لم يرضوا بخرصكم فدعوا لهم الثلث والربع ليتصرفوا فيه ويضمنوا لكم حقه وتتركوا الباقي إلى أن يجف فيأخذ حقه لا أنه يترك لهم بلا خرص ولا إخراج، وقيل: اتركوا لهم ذلك ليتصدقوا منه على جيرانهم، ومن يطلب منهم لا أنه لا زكاة عليهم في ذلك، والله تعالى أعلم.
١٦١٤ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
===
١٦١٤ - قوله: "أو سلت" بضم المهملة وسكون اللام نوع من الشعير يشبه البر، وقوله: "فلما كان عمر" مخالف لما هو المشهور من أن معاوية هو الذي جعل كذلك، فلعل عمر جوز ذلك أولًا إلا أنه ما اشتهر إلى أن جاء معاوية فوافقَ اجتهاده اجتهاد عمر فحكم به فاشتهر نسبته إلى معاوية، والله تعالى أعلم، والظاهر أن اجتهادهما ذلك مبني على عدم نص صريح من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحنطة بالصاع، بل ولا بالنصف عندهما وعند من حضر حكمهما، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفا أو بنصف الصاع لما احتاجا إلى الاجتهاد بل حكما بذلك، ولعل ذلك هو التقريب لظهور عزة البر وقلته في المدينة في وقته صلى الله تعالى عليه وسلم، فمن الذي يؤدي صدقة الفطر منه حتى يتبين به أمره أنه صاع أو نصفه، وأما حديث أبي سعيد فظاهره أن بعضهم كانوا يخرجون صاعًا من بر أيضًا، لكلن لعله قال ذلك بناء على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شرع لهم صاعًا من غير البر ولم يبين لهم حال البر، فقاس عليه أبو سعيد حال البر، وزعم أنه إن ثبت من أحد الإخراج في وقته البر؛ فلا بد أنه أخرج الصاع لا نصفه، أو لعل بعضهم أدى أحيانًا البر فأدى صاعًا بالقياس فزعم أبو سعيد أن المفروض في البر ذلك، وبالجملة قد علم بالأحاديث أن إخراج البر لم يكن معتادًا متعارفًا في وقته صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد روى ابن خزيمة في مختصر المسند الصحيح عن ابن عمر قال: "لم تكن الصدقة
стр. 903
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سُلْتٍ، أَوْ زَبِيبٍ»، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ﵁، وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ، جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ.
١٦١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «فَعَدَلَ النَّاسُ بَعْدُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ»، قَالَ: «وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِي التَّمْرَ فَأُعْوِزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ التَّمْرَ عَامًا فَأَعْطَى الشَّعِيرَ».
١٦١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا
===
على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة" (١)، وروى البخاري عن أبي سعيد: "كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الفطر صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والأقط والتمر" (٢) والله تعالى أعلم.
١٦١٦ - قوله: "إذ كان" إلخ أي في وقته وحال حياته صلى الله تعالى عليه وسلم ونصب صاعًا على الحالية أو البدلية من زكاة الفطر، واسم الطعام مطلقًا يطلق على البر، وقد قوبل هاهنا بغيره فيتعين حمله على البر، و"الأقط" بفتح
«لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا، إِنَّا كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ أَقِطٍ، أَوْ زَبِيبٍ»، هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى، زَادَ سُفْيَانُ: أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، قَالَ حَامِدٌ: فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهْمٌ مِنَ ابْنِ عُيَيْنَةَ».
بَابُ مَنْ رَوَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ
١٦١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ مُسَدَّدٌ: عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ
===
بَابُ مَنْ رَوَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ
١٦١٩ - قوله: (قال مسدد عن ثعلبة بن أبي صعير) (١) قد اختلف في اسمه كما ذكره المصنف وفي نسبته، أهو العدوي نسبة إلى جده الكبير عدي أو العذري بضم الذال المعجمة والراء كما سيجيء في كلام المصنف، وفي متن الحديث أهو: "أدوا صدقة الفطر صاعًا من تمر وقمح عن كل رأس" (٢) أو هو كما ذكره المصنف، ولذا قال الفاضل بن العز في حواشي الهداية هو حديث مضطرب الإسناد والمتن، وقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وضعفوه، ففي بعض طرقه لم يذكر البر، وفي بعضمها ذكر مقدرًا بصاع، وفي بعضهما مقدرًا بنصف
стр. 906
ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ، فَيَرُدُّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا
===
صاع، وفي بعضها بصاع بين كل اثنين، والله تعالى أعلم.
قوله: "من بر أو قمح" هو بفتح القاف وسكون الميم البر، فكلمة "أو" للشك من الرواة، وقوله: "على كل اثنين" قيل: لعل فيه تحريفًا وكان الأصل "على كل رأس" كما في بعض الروايات فحرف الرأس وجعل اثنين، ورد بأنه لا يوافق رواية "بين اثنين"، وأيضًا ليس في لفظ اثنين ما يقوم مقام الراء في رأس، فلا يستقيم الحكم بالتحريف، وقيل: بل الأولى أن يقال: حُرف لفظ اثنين فجعل لفظ رأس؛ لأنه صح في رواية هذا الحديث "بين اثنين"، فالأوفق به الحكم بتحريف لفظ اثنين إلى رأس لا العكس.
قلت: لفظ: "أدوا صاعًا بين اثنين" بظاهره يقيد لزوم المشاركة في الأداء وهو منتف بالاتفاق، وخلاف المعهود في سائر الأحاديث، فالظاهر أن التحريف وقع فيه، فلعل كلمة "بين" محرفة عن كلمة "عن" و "من" والمراد باثنين: نوعين أعني الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والغني والفقير لما في رواية أحمد: "أدوا صاعًا من قمح أو صاعًا من تمر -وشك حماد- عن كل اثنين صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غني أو فقير" (١)، فالمعنى أن هذه الصدقة لا تختص بنوع واحدٍ من هذين النوعين بل تعمهما، ويؤدى الصاع عن كل واحد من أفرادهما، ولا يخفى أن هذا التأويل أقرب من إبقاء الحديث على
مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا، فَقَالَ: «مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ»، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ، قَالَ: «قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»، قَالَ حُمَيْدٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ صَامَ.
بَابٌ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
١٦٢٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَمَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ
===
بَابٌ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
١٦٢٣ - قوله: "فمنع ابن جميل" الخ أي منعوا الزكاة ولم يؤدوها إلى عمر، وقوله: "ما ينقم" بكسر القاف أي ينكروا أو ما يكره الزكاة إلا لأجل أنه كان فقيرًا فأغناه الله فجعل نعمة الله سببًا لكفرها، "وأدراعه" جمع درع الحديد، و "أعتده" بضم المثناة الفوقية جمع عتد بفتحتين، هو ما يعده الرجل عن الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة، وروي بالموحدة جمع عبد والأول هو المشهور، ولعلهم طالبوا خالدًا بالزكاة عن أثمان الدروع والأعتد بظن أنها للتجارة، فبين
стр. 909
كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ الْأَبِ» أَوْ
===
لهم صلى الله تعالى عليه وسلم أنها وقف في سبيل الله فلا زكاة فيها، أو لعله أراد أن خالدًا لا يمنع الزكاة إن وجبت عليه؛ لأنه قد جعل أدراعه وأعتده في سبيل الله تبرعًا وتقربًا إليه تعالى ومثله لا يمنع الواجب، فإذا أخبر بعدم الوجوب أو منع فيصدق في قوله ويعتمد على فعله، والله تعالى أعلم، وقوله: "فهي علي" أي فزكاته، عليّ قيل: إنه صلى الله تعالى عليه وسلم استلف منه صدقة عامين أو هو عجل صدقة عامين إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعنى "عليّ": عندي، ويحتمل أن معنى عليّ أنه ضامن متكفل عنه وإلا فالصدقة عليه وهو الموافق لرواية: "فهي عليه صدقة ومثلها معها" (١)، ولذلك قيل: إنه ألزمه بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، والمعنى: فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليها مثلها كرمًا، وقيل في التوفيق بين الروايتين: إن الأصل عليّ وهاء عليه ليست ضميرًا بل هي هاء السكت، فالياء فيها مشددة أيضًا.
قلت: والأقرب منه في التوفيق أن يجعل ضميرًا "عليه" على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فافهم، والله تعالى أعلم، وقوله "صنو أبية" بكسر صاد وسكون أي مثله فلا بد لك من مراعاته في الطلب وغيره، وأصل الصنوان: تطلع نخلتان في عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو