الصَّدَقَةِ - يَعْنِي - دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ».
١٦٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا».
بَابُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ
١٦٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ
===
كان شجر بين الأنصار وأهل خيبر في دم القتيل الذي وجده بخيبر من الأنصار، وإلا فلا مصرف لمال الصدقات في الديات (١).
١٦٣٩ - قوله: "كدوح" بضمتين أي آثار القشر، وقوله: "أبقى" أي الكدوح بالسؤال، وقوله: "ترك" أي السؤال وهذا ليس بتخيير بل هو توبيخ مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢) وقوله: "ذا سلطان" قال الخطابي: هو أن يسأله حقه من بيت المال الذي في يده (٣).
بَابُ مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ
١٦٤٠ - قوله: "تحملت حمالة" أي تكفلت مالًا لإصلاح ذات البين، قال
стр. 919
حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا»، ثُمَّ قَالَ: " يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ " - أَوْ قَالَ: «سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» - " وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا الْفَاقَةُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - ثُمَّ يُمْسِكُ، وَمَا
===
الخطابي: هي أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال. ويخاف من ذلك الفتن العظيمة فيتوسط الرجل فيما بيهم ويسعى في إصلاح ذات البين، ويضمن لهم ما يترضاهم بذلك حتى يسكن الثائرة (١)، وقوله: "إلا لإحدى (٢) ثلاثة" أي إلا لإحدى أحوال ثلاثة، قوله: "رجل" أي حال رجل، والمراد أنها لا تحل إلا لضرورة ملجئة كهذه الأحوال، والله تعالى أعلم، وقوله "أصابته جائحة" أي آفة فاجتاحت أي استأصلت ماله كالغرق والحرق وفساد الزرع، "قواما" بكسر القاف أي ما يقوم بحاجته الضرورية، و "السداد" بكسر السين: ما يكفي حاجته، والسداد بالكسر: كل شيء سددت به خللًا، و "أو" شك من بعض الرواة، قوله: "حتى يقول" أي أصابته فاقة إلى أن ظهرت ظهورًا بينًا، وليس المراد حقيقة القول بل الظهور، والمقصود بالذات أنه أصابته فاقة بالتحقيق،
стр. 920
سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ، يَا قَبِيصَةُ، سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا.
١٦٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: «أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ » قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: «ائْتِنِي بِهِمَا»، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ » قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا»، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ، »، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ
===
و"الحجا" بكسر المهملة كساء يفرش على ظهر البعير تحت القتب (١).
١٦٤١ - قوله: و "قعب" بفتح فسكون هو قدح من خشب، و "القدوم" قيل: بالتخفيف والتشديد، ولا أرينك ليس المراد نهي النفس عن الرؤية بل المراد نهيه عن الحضور هناك، أي لا تحضرني خمسة عشر يومًا، "نكتة" بضم النون وسكون الكاف ومثناة فوقية أثر كالنقطة، وقوله: "فقر مدقع" بدال وعين مهملتين بينهما قاف أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء وهو التراب، و"الغرم"
إِلَّا سَعِيدٌ».
١٦٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ ثَوْبَانَ - قَالَ: وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ »، فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا.
بَابٌ فِي الِاسْتِعْفَافِ
١٦٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفَدَ عِنْدَهُ، قَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ
===
المتحمل عنه فيوجعه قتله.
بَابٌ فِي الِاسْتِعْفَافِ
١٦٤٤ - قوله: "حتى إذا نفد" بكسر الفاء وإهمال الدال أي فرغ، وقوله: "ما يكون" ما موصولة لا شرطية، وإلا لوجب يكن بحذف الواو وألفا، قوله: "فلن أدخره عنكم" لتضمن المبتدأ معنى الشرط أي لن أحبسه عنكم ولا أتفرد به دونكم، وقوله: "ومن يستعفف يعفه الله"، من شرطية في المواضع الثلاثة والفعلان مجزومان أي من يطلب العفاف، وهو ترك السؤال يعطه الله العفاف، ومن يطلب الغنا من الله يعطه، وقيل: ومن يطلب من نفسه العفة عن السؤال،
стр. 923
يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ».
١٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ طَارِقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ، بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ».
١٦٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ، أَنَّ
===
ولم يظهر الاستغناء (١) يصيره الله غنيًّا، ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى وهو إظهار الاستغناء عن الخلق يملأ الله قلبه غنى، لكن إن أعطي شيئًا لم يرده، وقوله: "ومن يتصبر" أي يتكلف في تحمل مشاق الصبر، وفي التعبير بباب التكلف إشاره إلى أن ملكة الصبر تحتاج في الحصول إلى الاعتياد وتحمل المشاق من الإنسان، وقوله: "يصبره الله" من التصبر، أي جعله صابرا.
١٦٤٥ - قوله: "فأنزلها بالناس" أي طلب منهم قضاء فاقته.
١٦٤٦ - قوله: "أسأل" أي المال عن غير الله المتعال وإلا فلا منع للسؤال عن الله، بل هو مطلوب، وقوله: "فاسأل الصالحين" أي القادرين على قضاء حاجتك أو
стр. 924
الْفِرَاسِيَّ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا، وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لَا بُدَّ، فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ».
١٦٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ».
١٦٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا، وَالْمَسْأَلَةَ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ
===
أخيار الناس لا يحرمون السائلين.
١٦٤٧ - قوله: "أمر لي بعُمالة" بضم عين مهملة رزق عامل، وقوله "فعملني" من التعميل وهو تولية العمل، يقال: عملت فلانًا على البصرة، والمراد هاهنا أعطى العمالة؛ لأنه مسبب عن التعميل.
١٦٤٨ - قوله: "المنفقة" أي المعطية قيل عليه كثيرًا ما يكون السائل خيرًا من المعطي، فكيف يستقيم هذا التفسير وليس بشيء؛ إذ الترجيح من جهة الإعطاء
стр. 925
الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ: الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ، وَقَالَ: أَكْثَرُهُمْ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَقَالَ وَاحِدٌ عَنْ حَمَّادٍ: الْمُتَعَفِّفَةُ.
١٦٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الْفَضْلَ، وَلَا تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ.
===
والسؤال إلا من جميع الوجوه، والمطلوب الترغيب في التصدق والتزهيد في السؤال.
قوله: "المتعففة" رجحه الخطابي بأنه أشبه بمورد الحديث الذي ذكره ابن عمر بقوله: "وهو يذكر الصدقة والتعفف" (١)، وقال وقد وهم من قال أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه من علو الشيء فوق الشيء وليس ذلك عندي بالوجه، وإنما هو من علا المجد والكرم يريد الترفع عن المسألة والتعفف عنها، قلت: مدح المنفقة مناسب لمورد الحديث أيضًا، ففيه حث على الصدقة، وقد قال ابن عمر يذكر الصدقة، أي يحث عليها، والله تعالى أعلم.
١٦٤٩ - قوله: "فأعط الفضل" أي الفاضل عن نفقة نفسك وعيالك ولا تعجز عن نفسك، أي عن ردها إذا منعتك عن الإعطاء، والله تعالى أعلم.
١٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَعَثَنِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي إِبِلٍ، أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ».
١٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ زَادَ أَبِي: «يُبَدِّلُهَا لَهُ»
بَابُ الْفَقِيرِ يُهْدِي لِلْغَنِيِّ مِنَ الصَّدَقَةِ
١٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ،
===
١٦٥٣ - قوله: "أعطاها إياه" أي أعطى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الإبل عباسًا يحتمل أنه ما أعطاه تمليكًا، بل أعطاه ليفرقه في بعض مصارف الصدقة، فأراد عباس أن يفرق الجياد مثلًا أو أنه يحمل حمالة فأعطاه لقضاء الحمالة منها، وقال الخطابي لا شك في حرمة الصدقة على العباس، فلا أدري لهذا وجهًا، فإن ثبت يحمل على أنه أعطاه قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة فقد جاء بعض ذلك، فلعل الراوي اختصر وترك السبب (١)، وقال البيهقي: يحتمل أن يكون الأمر كما قال الخطابي، ويحتمل أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ثم نسخ الإباحة وحرمت الصدقة.
بَابُ الْفَقِيرِ يُهْدِي لِلْغَنِيِّ مِنَ الصَّدَقَةِ
١٦٥٥ - قوله: "لها صدقة" الصدقة: ما يقصد به التقرب إلى الله تعالى،
стр. 928
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ، قَالَ: «مَا هَذَا؟ »، قَالُوا: شَيْءٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا
١٦٥٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ، قَالَ: «قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ».
بَابٌ فِي حُقُوقِ الْمَالِ
١٦٥٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ،
===
والثواب، والهدية: ما يقصد به التودد والتقرب إلى المعطي، وذاك من حيث مما أمر الله به يكون طاعة له فيستحق به الأجر أيضًا إذا كان في محله، وفي الحديث دلالة على أن مدار الحل والحرمة هو الأسباب لا الأموال.
بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا
١٦٥٦ - قوله: "بوليدة" هي الجارية الحديثة السن، قد وجب أي لزم وابن من الزوال، وذلك بمقتضى الوعد، وإلا فلا يجب على الله تعالى شيء، وقوله: "في الميراث" أي بسبب ليس في اختيارك حتى يخاف منه نقص في أجرك بخلاف نحو البيع فلذلك منع منه عمر والله تعالى أعلم.
بَابٌ فِي حُقُوقِ الْمَالِ
١٦٥٧ - قوله: "نعد الماعون" الذي ورد الذم بمنعه في قوله تعالى:
стр. 929
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَوَرَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ».
١٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ، إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ
===
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١) وقوله: "عارية الدلو" أي عارية ما لا يمنع عادة.
١٦٥٨ - قوله: "لا يؤدي حقه" صفة كاشفة للكنز أو صاحبه، وقوله: "يحمل عليها" الضمير راجع إلى الكنز لكونه عبارة عن الدراهم والدنانير، وقوله: "أوفر ما كانت" أي أكثر ما كانت في الدنيا أو أسمن ما كانت، "فيبطح لها" أي يلقى على وجهه، و "القاع" المكان الواسع، و "القرقر" بفتح القافين المكان المستوي، و "تنطحه" بكسر الطاء ويجوز فتحها، والأول هو المشهور رواية، "العفصاء" هي الملتوية القرن، "الجلحاء" هي التي لا قرن لها.
قوله: "من حقها" أي المندوب، والله تعالى أعلم، "يوم وردها" بالكسر الماء الذي نرد عليه.
стр. 930
بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
١٦٥٩ - حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، قَالَ: فِي قِصَّةِ الْإِبِلِ بَعْدَ قَوْلِهِ «لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا» قَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا».
١٦٦٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُ: يَعْنِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ؟
===
١٦٦٠ - قوله: "تعطى" أي في الزكاة أو في سبيل الله "الكريمة" أي النفيسة، و "تمنح" أي تمنح ليشرب لبنها ما دام فيها، "الغريزة" بتقديم المعجمة على المهملة أي الكثيرة اللبن، و "تفقر" بضم أوله أي تعيره للركوب، و "تطرق" من أطرق إذا أعار للضراب أي تعيره ولا تأخذ عليه أجرًا، والظاهر أن هذه الحقوق كلها
стр. 931
قَالَ: تُعْطِي الْكَرِيمَةَ، وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ، وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ، وَتُطْرِقُ الْفَحْلَ، وَتَسْقِي اللَّبَنَ.
١٦٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ «وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا».
١٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشْرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ».
١٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ
===
مندوبة، والله تعالى أعلم.
١٦٦٢ - قوله: "أمر من كل جاد" من جد بتشديد الدال إذا قطع ومن زائدة، وقيل: المراد قدر من النخل يجد منه عشرة أوسق فهو فاعل بمعنى مفعول، و "القنو" بكسر القاف العذق بما عليه من الرطب، و "البسر"، قال الخطابي: هذا من المعروف دون الفرض (١).
١٦٦٣ - قوله: "فجعل يصرفها" إلخ أي متعرضًا لشيء يدفع به حاجته،
стр. 932
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يُصَرِّفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ».
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، قَالَ: كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ، فَانْطَلَقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ، إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ»، فَكَبَّرَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ».
بَابُ حَقِّ السَّائِلِ
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ
===
والأقرب بأن الناقة أعجزها السير، فأراد أن يرى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك فيعطيه غيرها، وقوله: "فليعد به" من العود أي فليقبل به وليحسن به على من لا ظهر له.
بَابُ حَقِّ السَّائِلِ
١٦٦٥ - قوله: "للسائل حق وإن جاء على فرس" حكم بعض بوضع هذا
стр. 933
مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِلسَّائِلِ حَقٌّ، وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ».
١٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ شَيْخٍ - قَالَ: رَأَيْتُ سُفْيَانَ عِنْدَهُ - عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
===
الحديث (١) ورد بأن الطريق الأولى حسنة؛ فإن مصعبا وثقه ابن معين وغيره، وقال فيه أبو حاتم: صالح ولا يحتج به، وتوثيق الأولين أولى بالاعتماد، ويعلى قال فيه أبو حاتم: مجهول ووثقه ابن حبان فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله، وسماع حسين من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أثبته بعض ونفاه آخرون، وعلى الثاني هو مرسل صحابي وهو مقبول عند الجمهور، والطريق الثانية تبين أن الواسطة علي وشيخ زهير، وإن كان مجهولًا في الطريق الثانية، لكن الظاهر أنه يعلى المتقدم؛ فالحديث حسن لا يجوز نسبته إلى الوضع. قيل: معناه الأمر بحسن الظن بالسائل إذا تعرض، وأن لا يجيبه بالتكذيب والرد مع إمكان الصدق في أمره، يقول: لا تخيب السائل إذا سألك، وإن رابك منظره فقد يكون له فرس يركبه ووراء ذلك دين يجوز له معه أخذ الصدقة، وقد يكون من أصحاب سهم السبيل فيباح له أخذها مع الغني، وقد يكون صاحب الحمالة وغرامة. اهـ.
стр. 934
١٦٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ، وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي، فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ لَمْ تَجِدِي لَهُ شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا، فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ».
بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ
١٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ،
===
١٦٦٧ - قوله: "إِلا ظلفًا" بكسر الظاء المعجمة وإسكان اللام وبالفاء هو للبقر والغنم، كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير وقيد بالإحراق؛ لأنه مظنة الانتفاع به بخلاف غيره، والظاهر أن هذا مبالغة في المنع عن رده محرومًا، وقوله: "محرقًا" تتميم لتلك المبالغة، أي لا ترديه محرومًا بلا شيء مهما أمكن حتى إن وجدت شيئًا حقيرًا مثل الظلف المحرق أعطيه إياه، وتوهم أن الظلف المحرق له قيمة عندهم بعيد، أشار إليه الطيبي.
بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ
١٦٦٨ - قوله: "راغبة" أي طالبة بري وصلتي، وقولها: "في عهد قريش" أي في صلح الحديبية متعلق بقدمت، ومعنى: "راغمة": كارهة للإسلام ساخطة
стр. 935
وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَصِلِي أُمَّكِ».
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ
١٦٦٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: بُهَيْسَةُ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ أَبِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمَاءُ»، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «الْمِلْحُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: «أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ».
بَابُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسَاجِدِ
١٦٧٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا
===
عليّ، وقوله: "أفأصلها" من الوصل.
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مَنْعُهُ
١٦٦٩ - قوله: "إن تفعل الخير خير لك" من قبيل ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾ (١) يريد أن الإعطاء مطلقا خير مطلوب، سواء كان إعطاء ما لا يحل منعه فكل ما تقدر عليه فافعل ولا تتقيد بما لا يحل منعه فقط.
بَابُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَسَاجِدِ
١٦٧٠ - قوله: "دخلت المسجد فإِذا أنا بسائل" إلخ قال السيوطي: فيه
стр. 936
مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ »، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ.
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى
١٦٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقِلَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ التَّمِيمِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ،
===
استحباب الصدقة على من سأل في المسجد، ذكره النووي في شرح المهذب وغلط من أفتى بخلافه ورددت عليه في مؤلف.
قلت: قد يؤخذ كراهته من حديث: "من نشد ضالة في المسجد" (١)؛ ففيه "أن المساجد لم تبن لهذا" والأقرب حل الإعطاء وكراهة السؤال إلا إذا أفضى الإعطاء إلى إيذاء المصلين بازدحام الفقراء وغيره، فينبغي الحكم بكراهته، والله تعالى أعلم.
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى
١٦٧١ - قوله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"؛ إذ كل شيء حقير دون عظمته تعالى، والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له، نعم الجنة أعظم مطلب
стр. 937
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ، إِلَّا الْجَنَّةُ».
بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».
بَابُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
===
فصار التوسل به تعالى فيها مناسب، والله تعالى أعلم.
بَابُ عَطِيَّةِ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ
١٦٧٢ - قوله: "فكافئوه" بهمزة في آخره، أي افعلوا به ما يساوي فعله، وردوا عليه بمثل عطيته.
بَابُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ
بفتح ياء يخرج أي يعطى ماله كله فيبقى خارجًا عنه، وحاصل ما ذكره أنه ممنوع إلا لمثل أبي بكر في الصبر والتوكل.
١٦٧٣ - قوله: "من معدن" بكسر الدال وما في "ما أملك" نافية "من قيل
стр. 938
الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ، فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى.
١٦٧٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ،
===
ركنه" شقه، وقوله: "فحذفه" بحاء مهملة وذال معجمة، أي رماه بما يملك أي بكل ما يملك "يستكف" بكسر الكاف وتشديد الفاء مضارع استكف، أي يتعرض للصدقة ويمد كفه إليها أو يسأل كفًّا من الطعام أو يكف الجواع، وقوله: "عن ظهر غنى" أي ما يبقى خلفها غنى لصاحبه قلبيّ كما كان للصديق رضي الله تعالى عنه أو قالبيّ فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان وراء الإنسان، فإضافة الظهر إلى الغنى بيانية؛ لبيان أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغنى بعدها إما لقوة قلبه أو لوجود شيء بعدها يستغني به عما تصدق فهو أحسن، وإن كانت بحيث يحتاج صاحبها بعدها إلى ما أعطى ويضطر إليه فلا ينبغي لصاحبها التصدق به، والله تعالى أعلم.
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْخَازِنَ الْأَمِينَ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، حَتَّى يَدْفَعَهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ».
بَابُ الْمَرْأَةِ تَتَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
١٦٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُ مَا
===
نفسه" أن يكون راضيا بذلك، قال ذلك؛ إذ كثيرًا ما لا يرضى الإنسان بخروج شيء من يده وإن كان ملكًا لغيره، والمنصوبات أحوال من ما أمر به، وقوله: "حتى يدفعه" مترتب على الأمانة أي فسبب أمانته يصرفه في محله أو هو غاية لطيب نفسه به، أي طابت به من حين أمر إلى أن دفع في محله، وقوله: "أحد المتصدقين" أي شارك صاحب المال في الصدقة فيصيران متصدقين، ويكون هو أحدهما، و "الخازن" مبتدأ خبره أحد المتصدقين.
بَابُ الْمَرْأَةِ تَتَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
١٦٨٥ - قوله: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها" محمول على ما إذا علمت رضاه بإذن صريح أو بإذن مفهوم من اطراد العرف، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، إذا علمت أن نفس الزوج كنفوس غالب الناس في السماحة، إن شكت في رضاه فلا بد من صريح الإذن، وأما إعطاء الكثير فلا بد
стр. 944
أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ، وَلِخَازِنِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ».
١٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمِصْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: " لَمَّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءُ، قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأُرَى فِيهِ: وَأَزْوَاجِنَا - فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " الرَّطْبُ: الْخُبْزُ وَالْبَقْلُ وَالرُّطَبُ "، قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يُونُسَ.
١٦٨٧ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
===
فيه من صريح الإذن أيضًا، وقوله: "غير مفسدة" أي ليس من قصدها إفساد بيت الزوج ولا تعطي شيئًا يفضي إلى ذلك ودخل فيه إعطاء الكثير الغير معتاد، و "الخازن" هو الذي يكون بيده حفظ الطعام ونحوه.
١٦٨٦ - قوله: "جليلة" أي جسيمة، و "كلٌّ" بفتح الكاف وتشديد اللام أي عيال، و "الرطب" بفتح الراء وسكون الطاء ضد اليابس؛ لأنه يسرع إليه الفساد إذا ترك؛ فالتصرف فيه أهون على احتراز عن الضياع بخلاف اليابس.
١٦٨٧ - قوله: "من غير أمره" أي الصريح، وأما الإذن المفهوم دلالة فلا بد
١٦٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ الْخَيْوَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٌ، وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
١٦٩٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا
===
١٦٩٢ - قوله: "من يقوت" من قاته أي أعطاه قوته، ويمكن أن يجعل من التفعيل، وهو الموافق لرواية "من بقيت" من أقات أي من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيده.
١٦٩٣ - قوله: "ويُنسأ" على بناء المفعول مهموز الآخر من نسأته وأنسأته، أي أخرته أي يؤخر في أجله إما بتطويل حياته أو بإحياء ذكره بعده.
١٦٩٤ - قوله: "وهي الرحم" أي وهذه القرابة الواجبة صلتها هي الرحم وتعيين المرجع بدلالة المقام أو بآخر الكلام، والحديث يقتضي مراعاة الاتفاق في الأسماء، وأن ذلك نوع من الإخاء، وفي المثل: اتفاق الكنى إخاء، فإن الله تعالى راعى للرحم اتفاق اسمها مع اسمه تعالى في وجه انتظام الحروف الأصلية؛ إذ النون زائدة، وقوله: "فمن وصلها" أي من راعى حقوقها وفيت
стр. 948
اسْمًا مِنَ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ.
١٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ الرَّدَّادَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَاهُ.
١٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ».
١٦٩٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِطْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ: سُفْيَانُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُلَيْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَفَعَهُ فِطْرٌ، وَالْحَسَنُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي
===
وفيت ثوابه، ومن قصر في حقوقها "بتَّته" أي قطعته عن الرحمة مع السابقين أو عن ثواب وصل الحقوق، والله تعالى أعلم. قيل: وفي الحديث دلالة على صحة القول بالاشتقاق في الكلمات، وعلى أن اسم الرحمة عربي لا عبراني.
١٦٩٦ - قوله: "لا يدخل الجنة قاطع" أي قاطع رحم، ولعل المراد: لا يستحق الدخول مع من دخل أولًا أو المراد: من يستحل القطع، والله تعالى أعلم.
١٦٩٧ - قوله: "بالمكافئ" بالهمزة أي الذي يحسن في مقابلة الإحسان، والمعنى أن المكافأة وصل ناقص بحيث لا يعد صاحبه وأصلًا، وإنما الذي يعد
стр. 949
إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
بَابٌ فِي الشُّحِّ
١٦٩٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا».
١٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لِي شَيْءٌ
===
واصلًا من وصل حين القطع.
بَابٌ فِي الشُّحِّ
١٦٩٨ - قوله: "إياكم والشح" قال الخطابي: هو أبلغ في المنع من البخل وهو بمنزلة الجنس يشمل تمام أنواع المنع والبخل كالنوع منه، يقال في أفراد الأمور: وضمير أمرهم للشح (١)، وقوله: "بالفجور" أي لتحصيل الأموال، قال الخطابي: أريد بالفجور هاهنا الكذب (٢).
١٦٩٩ - قوله: "ما أدخل على الزبير" قيل: ما أعطاني قوتًا لي، وقيل: بل
стр. 950
إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ بَيْتَهُ، أَفَأُعْطِي مِنْهُ؟ قَالَ: «أَعْطِي، وَلَا تُوكِي، فَيُوكَى عَلَيْكِ».
١٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةِ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ عِدَّةً مِنْ مَسَاكِينَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُهُ أَوْ عِدَّةً مِنْ صَدَقَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَعْطِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصَى عَلَيْكِ».
"آخر كتاب الزكاة"
===
المراد أعم لكن المراد إعطاء ما علمت بالإذن فيه دلالة، وقوله: "ولا توكي" بضم المثناة من فوق وكسر الكاف صيغة نهي المخاطبة من الإيكاء بمعنى الربط والشد، يقال: أوكيت السقاء إذا شددته بالوكاء، هو الخيط الذي يشد به رأس القربة، وقوله: "فيوكى" على بناء المفعول منه منصوب تقديرًا على جواب النهي بالفاء، والمعنى: لا تدخري ولا تشدي ما عندك فتنقطع، مادة الرزق عنك.
١٧٠٠ - قوله: "ولا تحصي" قال الكرماني: الإحصاء: العد، قالوا: المراد منه عد الشيء للتبقية والادخار وترك الإنفاق في سبيل الله.
قلت: ويحتمل أن يكون المراد ولا تحصي ما تعطي؛ لأنه يقضي إلى الاستكثار والمنع في المآل، ثم قال: وإحصاء الله يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويق لله بقطع البركة حتى يصير كالشيء المعدود، والآخر: أنه يناقشك في الآخرة عليه، وقال النووي: هذا من باب المشاكلة في اللفظ ومعناه: يمنعك كما منعت ويقتر عليك كما قترت (١).