← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في الدِّين والقِبلة، وإنَّما جمع الأهواء، ولم يقل: هواهم؛ لأنَّ فِرقَ الخلاف لم يكونوا على هوًى واحدٍ، بل لكلِّ فرقةٍ هوى، فأخبرَ أنَّه لا يُرضِي الكُلَّ إلَّا باتِّباع أهواءِ الكلِّ. ثمَّ قيل: هذا خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ ظاهرًا، والمرادُ (١) أمَّتُه، وهو معهودٌ أن يُخاطَب رأسُ القوم بما يَلزمُ القومَ. وقيل: هذا الخطابُ ليس للنبيِّ ﷺ ، بل معناه: أيُّها المتَّبع رضاهُم إنْ اتَّبعت أهواءَهم. والصَّحيح أنَّه خطابٌ للنبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ما قبلَه وما بعده خطاب له. فإن قيل: كيف نهى رسولَه عنِ اتِّباع ملَّتهم على علمٍ منه أنَّه لا يَتَّبع؟ هذا سؤالُ الإمام أبي منصور ﵀، فأجاب عنه فقال: إنَّ العصمةَ لا تُزيلُ المحنةَ ولا تَدْفعُها، بل المحنةُ إنَّما تَقعُ في العصمة لوجهين: أحدهما: أنَّ عِصْمَتَه لما مضى لا توجب عصمتَه في الحادث. والثاني: أنَّ أحقَّ مَن يُنهى عن الأشياء مَن أُكرِمَ بالعصمة؛ إذ على زوالِ النَّهي عنه تَرتفعُ عنه جهةُ العصمة؛ لأنَّه يصيرُ برفع النَّهي عنه (٢) مباحًا، وفي إزالةِ الأمر والنَّهي إزالةُ فائدةِ العصمة؛ لأنَّ العصمةَ هي أن يُعصَمَ في الأمر حتَّى يؤدِّيَه، وفي النَّهي حتَّى ينتهي عنه (٣).

стр. 1017

وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: بيانِ حقِّيَّةِ (١) الإسلام وبطلانِ الكفر، وأنَّ القِبلةَ هي الكعبة. وقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ كان وعدُه التأييدَ بنصره وبالمؤمنين بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، فأخبرَ بهذه الآية أَنَّه لو اتَّبع أهواءَهم، لم يكن له مِنَ اللَّه وليٌّ؛ أي: حبيبٌ يتولَّى عنه الدفاع، ولا ناصرٌ يمنع عنه العذاب. وقيل: يَنصرُك؛ أي: يعينُك؛ فيغلبُ به سلطانَ اللَّه فيما نريدُ تعذيبَك (٢). * * * (١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ مَدَحَ بهذه الآية الذين أسلموا من أهلِ الكتاب بعدما ذمَّ في الآيات المتقدِّمة الذين عاندوا فلم يسلموا (٣)، فالذين آمنوا (٤) هم عبدُ اللَّه بن سلام، وأسدٌ، وأُسيدٌ، ويامين بن يامين، وثعلبةُ الخشنيُّ، وجماعة. وقيل: هم الأربعون الذين قَدِموا مِنَ الحبشة مع جعفر بن أبي طالب؛ اثنان وثلاثون منهم مِنَ اليمن، وثمانيةٌ مِن علماء الشام (٥).

стр. 1018

وقيل: هم تسعةٌ وثلاثون رجلًا مِن بقايا قوم عيسى؛ آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ قول عيسى، وثبتوا عليه حتَّى خرج النبيُّ ﵊، قال اللَّه عزَّ وعلا: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] الآية. وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ، وإنَّما خصَّهم (١) بذكرِ الإيتاء؛ لأنَّهم هم الذين عملوا به، فكأنَّهم خُصُّوا (٢) به. وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال مجاهدٌ: أي: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] أي: تبعها (٣)، واتِّباعُه حقَّ اتِّباعه: هو العملُ بمحكمِه والإيمان بمتشابهه. وقال ابن عبَّاسٍ وابنُ مسعود ﵃: هو أنْ يُحِلَّ حلالَهُ، ويُحرِّمَ حرامَهُ، ويَعملَ بأوامرِه، ويَنتهي بنواهيه (٤). وقيل: معناه: يقرؤونه حقَّ قراءتِه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]؛ أي: واقرأ (٥)، وقراءتُه حقَّ قراءته: التدبُّرُ، والتفكُّر، والتَّرتيلُ، وتركُ التَّحريفِ والتَّبديل. وقيل: أي: يصفونه حقَّ صفتِه؛ أي: يقولون: هو كلامُ اللَّه عزَّ وعلا، غير مخلوقٍ، ولا محدثٍ، ولا حادثٍ، ويصدِّقون بما فيه مِن نعت محمَّدٍ ﵊. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ للمبتدأ، فإنَّ قوله تعالى:

стр. 1019

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا خبرٌ، وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ (١)، وهو كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ. وقيل: الواوُ مضمرةٌ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ﴾؛ أي: ويتلونه، ويتمُّ المبتدأ عند قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ خبرًا لذلك المبتدأ، وبيانًا أنَّ مَن أوتيَ التَّوراة، واتَّبعها، وعَمِلَ بها، فهو الذي يُؤمِنُ دون غيره. وقيل: الآية في شأن الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، والكتابُ: القرآن (٢)، وهذا مدحٌ لهؤلاء بعد ذمِّ أولئك. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بالكتاب. وقوله تعالى (٣): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون المَغبونون، و"أولئك" جمعٌ، والمذكورُ قبلَهُ موحَّد، لكنَّه في معنى الجمع، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ لأنَّه للجنس، و ﴿وهُمُ﴾ (٤) عماد، ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبرُ المبتدأ. وأثبت الخسران لِمَن كفر به، لا لمن يتَّبعه حقَّ اتِّباعه، وهذا لطفٌ من اللَّه بعباده. * * * (١٢٢ - ١٢٤) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

стр. 1020

(١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. قد مرَّ تفسيرُ الآيتين، وبدأ قصَّة بني إسرائيل بهما، وفي الآية الأولى تذكيرُ النِّعمة، وفي الأخرى تخويفُ العقوبةِ، وبهما ختمَ القصَّة، والتكَريرُ للتقرير، ووصلَ بها قصَّة إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه عليه، وكان بنو إسرائيل يدَّعون أنَّهم على ملَّة إبراهيم، فقال ﷻ : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وشرحَ حالَه ها هنا، فقال عزَّ وعلا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ أي: واذكروا (١) إذ أمرَ إبراهيم، قدَّم المفعولَ ثمَّ ذكرَ الفاعل، فقال: ﴿رَبُّهُ﴾ وإنَّما فعل ذلك إيجازًا؛ لأنَّه لو قدَّم الفاعل فقال: رب إبراهيم (٢)، تكرَّر ذكرُ إبراهيم في موضع المفعول، والإيجازُ أبلغ. والابتلاءُ في الأصل: هو الاختبار، واوامرُ اللَّه تعالى ونواهيه ابتلاءٌ، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، والاختبارُ منَّا لظهور ما لم نعلم، ومن اللَّه لإظهارِ ما قد عَلِمَ، وعاقبةُ الابتلاءِ [ظهورُ] الأمرِ الخفيِّ (٣) في الشَّاهد والغائب جميعًا، فجاز تسميةُ ذلك مِن اللَّه تعالى ابتلاءً؛ لهذه العاقبة؛ لأنَّه في هذا المعنى كابتلاءِ العباد.

стр. 1021

وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: بأوامر مناسكِ الحجِّ (١)، وعنه أيضًا: إنَّ الكلمات عشرُ خصالٍ؛ خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في البدن؛ أمَّا التي في الرأس؛ ففَرْقُ (٢) الرَّأس، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسِّواكُ، وقصُّ الشَّارب، وأمَّا التي في البدن؛ فقَلْمُ الأظافير، ونتْفُ الإبطِ، وحَلْقُ العانةِ، والاستنجاءُ بالماء، والختان (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: عملَ بهنَّ، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وهو كهذا. ورُوِيَ أنَّه اختتنَ وهو ابنُ ثمانين سنة بالقَدُّوم (٤)؛ وهي قريةٌ بالشام. وعلى القول الأوَّل ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾؛ أي: أدَّى مناسكَ الحجِّ على التَّمام، وهذه الخصالُ العشرُ كانت عليه فرائض، وهي لنا سننٌ. وقال محمدُ بنُ عليٍّ الترمذيُّ: الكلماتُ: هي الخصال التي بُنِيَ عليها الإسلام، وهي اثنان وثلاثون سهمًا (٥)؛ عشرٌ منها في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، وعشرٌ منها في سورة الرعد: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ

стр. 1022

مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (١) [الرعد: ١٩] الآيات، وستٌّ في (سورة: قد أفلح) (٢) إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]، وستٌّ في أوَّل سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إلى قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]. وقيل: الكلماتُ: هي الدَّعوات المحكيَّةُ عنه في القرآن: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (٣) [إبراهيم: ٤١]، ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، ونحو ذلك. وقيل: هي الأوامرُ والنَّواهي؛ لأنَّها بالكلام. وقوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: أتمَّ إبراهيمُ أداءَهنَّ. وقيل: أي: فأتمَّهنَّ اللَّه تعالى لإبراهيم، ولم يُتمَّها لأحدٍ قبله. وقيل: ابتلاهُ بكلماتٍ؛ أي: امتحنَه بالشَّدائد والمكاره، كإلقائه في النَّار، وإسكانِ ولده بوادٍ غير ذي زرعٍ ولا ماءٍ، والأمرِ بذبحِ الولدِ، والهجرةِ من بلادِ قومه، ومحاجَّةِ الكفرةِ عبدةِ الشَّمسِ والقمر والكواكب، ومحاجَّةِ نمرود، سمَّاها كلمات؛ لأنَّها أعاجيب، وقيل لعيسى: كلمة اللَّه تعالى لذلك. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: استسلم للَّه تعالى فيهنَّ، وصبرَ عليهنَّ. قال الحسن: ابتلاهُ اللَّه بهذه الأشياء فأتمَّهنَّ، فشكرَها اللَّهُ تعالى له (٤)، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾؛ أي: رسولًا يَقتدِي بك جميعُ مَن بعدك. والإمام: فِعَالٌ، مِن الأَمِّ؛ أي: القصد، والمقتدي يَقْصِدُ قَصْدَ المُقتَدَى ويتَّبعه،

стр. 1023

وقد أنجزَ اللَّه هذا الوعدَ، فقال لمحمَّدٍ ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، وقال لنا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وهو نصبٌ على الإغراء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: قال إبراهيم: يا رب، واجعل مِن ذرِّيَّتي أيضًا أئمَّةً. والذُّرِّيَّة: الأولاد، فُعْلِيَّة (١) مِن الذَّرِّ، أو فُعُّولَةٌ (٢) مِن الذَّرءِ (٣)؛ أي: الخلق، تُرِك همزُها في اللَّفظ، كما في البَرِيَّة والخابِيَة. و (مِن) للتجنيس هاهنا، لا للتبعيض (٤)؛ أي: اجعلْهم كلَّهم أَئِمةً يُقتَدَى بهم، وهذا شفقةٌ منه على أولاده على الخصوص؛ أُكْرِمَ بكرامةٍ فأحبَّ أن يُشارِكَهُ فيها أولادُه، وشفقةُ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ كانت في درجةِ الكمال، أُكرم ليلةَ المعراج بالسَّلامِ والرَّحمةِ والبركة، فقال: "السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّه الصَّالحين" (٥)،

стр. 1024

فأشرك (١) فيها كلَّ أهل السَّماء والأرض مِن أهل التوحيد. وقوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تصيبُ الإمامةُ أهل الظُّلم مِن ولدك، وهم أهل الكفر؛ أخبر أنَّ إمامةَ المسلمين لا تثبتُ لأهل الكفر، وأنَّ مِن أولاده (٢) المسلمين والكافرين، قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، والمحسن: المؤمن، والظالم: الكافر. وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهر الآية في نفي صلاحيةِ الإمامةِ للفاسق، لكن نقولُ: الظَّالم أُرِيد به الكافر هاهنا. وقيل: إنَّه سأل أن يكون ولدُه إمامًا نبيًّا كما كان هو، فأُخبرَ أنَّ الظالمَ لا يكون نبيًّا إمامًا (٣). وقال الحسن: ليس لهم عند اللَّه عزَّ وعلا عَهْدٌ يعطيهم عليه خيرًا في الآخرة، فأمَّا في الدنيا فقد يعاهدون فيوفي لهم (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فإن قيل: كيف كان قولُه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وكانت الرسالة في ذرِّيَّته، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]؟ قيل: يَحتملُ قولُه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أنَّه أحبَّ أن تكون الرسالةُ تدومُ في ذرِّيَّته

стр. 1025

أبدًا، حتى لا يكون بين الرُّسُل فتراتٌ، فأخبرَ أنَّ في ذرَّيته مَن هو ظالمٌ، فلا ينالُ الظالمُ عهدَهُ (١). * * * (١٢٥) - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ أي: واذكروا أيضًا (٢) إذ جعلنا الكعبةَ، و ﴿الْبَيْتَ﴾ معرَّفًا بالألف واللام اسمُها، وقد ذُكِر هذا في القرآن على وجوه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]، ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿مَثَابَةً﴾ أي: مرجعًا، مِن: ثابَ يثوب ثوبًا؛ أي: رجعَ. قال الحسن: يثوبون إليه كلَّ عام؛ أي: ليس هو في الزمان مرَّة فقط (٣). وقال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ﵃: لا ينصرفُ عنه أحدٌ، وهو يرى أنَّه قد قضى منه وطرًا فهم يعودون إليه (٤). وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ أي: مأمنًا؛ وهو موضعُ الأمن؛ وهو (٥) ضدُّ الخوف، قال تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ (٦) [القصص: ٥٧]، وقال النبيُّ ﷺ : "ألا إنَّ مكَّةَ حرامٌ مِن

стр. 1026

حرام اللَّه عزَّ وعلا، لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد مِن بعدي، وإنَّما أُحلَّت لي ساعة من نهار، ثم عادت بعدُ حرامًا إلى يوم القيامة" (١). وقيل: أمنًا من الجنونِ والجُذامِ والبَرَص. وقيل: أمنًا مِن يدِ (٢) الجبابرة، فإنَّه ما قصدَ قومٌ تخريبَهُ إلَّا هَلَكوا، كأصحاب الفيل، ولذلك سُمِّي عتيقًا؛ لأنَّه أعتقَ مِن أيدي الجبابرة. وقيل: أي: أمنًا للصُّيود، حتَّى إنَّ الأسدَ يَتبعُ الظَّبيَ، فيدخلُ الظَّبيُ الحرمَ، فيرجعُ الأسد. وقيل: أمنًا لسكَّانِ الحرم، فإنَّهم يُسمَّونَ أهلَ اللَّهِ ولا يُتعرَّض لهم. وقيل: أمنًا لمن جنى ثمَّ لجأ إليه، فإنَّه لا يُتعرَّض له إلى أنْ يخرجَ. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ بفتح الخاء على الفعل الماضي (٣)؛ أي: جعلناهُ مثابةً للنَّاس، فاتَّخَذوا ذلك (٤) مصلَّى. وقراءةُ الباقين على الأمر، وهو عطفٌ على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا ذلك. وقيل: قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فيه (٥) إضمارُ القول، أي (٦): وقلنا لهم: اتَّخِذوا، أو قيل لهم ذلك.

стр. 1027

وقيل: قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ يقتضي قوله: ثوبوا إليه، فيكون ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ عطفًا عليه. وقوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ المقامُ: موضعُ القيام، والْمُقام بالضمِّ: موضعُ الإقامة، ونفسُ الإقامة أيضًا. وقال ابنُ عباس ﵄: الحرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم (١)، فمَن كان فيه استقبلَ البيتَ، ومَن كان خارجًا منه استقبلَ الحرمَ، فهو المصلَّى. وقال عطاء: هو المناسك؛ أي: مواضع أفعال الحجِّ؛ كعرفات والمزدلفة ومنى ومكَّة (٢). وقيل: هو مكَّة، وقيل: هو المسجد، وقيل: هو البيت، وقيل: هو موضعٌ يُقابِلُ بابَ الكعبة يتوجَّه منه (٣) إليها. وقال السُّدِّيُّ ﵀: هو الحَجَرُ الذي كانت زوجةُ إسماعيلَ وضعتهُ تحت قدمَي إبراهيم حين غَسَلَتْ رأسَهُ وهو راكبٌ، وضعَ عليه قدمًا، فغسلت شِقًّا، ثمَّ حوَّلت إلى الشِّقِّ الآخر، ففعل كذلك، جعلَه اللَّهُ تعالى مِن شعائرِه (٤). وقيل: هو الحجرُ الذي وَضَع عليه قدمَهُ حين نادى بالحجِّ فقد رُوِيَ أنَّه لمَّا فَرغ من بناء الكعبة؛ قيل له: أذِّن في الناس بالحجِّ، فقال: كيف أُنادي وأنا بين الجبال، وليس بحضرتي (٥) أحد؟ فقال اللَّه عزَّ وعلا: عليك النداء وعليَّ البلاع، فصعِد أبا

стр. 1028

قُبيس، وصعد هذا الحجر، فارتفع هذا الحجرُ حتَّى علا كلَّ حجرٍ في الدُّنيا، وجمعَ اللَّهُ تعالى له الأرضَ كالسُّفْرَة، فنادى: يا معشر المسلمين؛ إنَّ ربكم بنَى لكم بيتًا، وأمرَكم أنْ تحجُّوه، فحُجُّوه، فأجابَه النَّاسُ مِن أصلابِ الآباء وأرحام الأمَّهات، فمَن أجابه مرَّة حجَّ مرَّةً، ومَن أجابه عشرًا حجَّ عشرًا. وقال ابنُ عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: كان إبراهيمُ ﵇ يبني الكعبة، وإسماعيلُ ﵇ يناولُهُ الحجارةَ، فلمَّا ارتفعَ البناءُ وضَعُفَ عن رفعِ الحجارة إليه؛ قام على حَجَرٍ، فهو مقام إبراهيم (١). وقوله: ﴿مُصَلًّى﴾ أي: موضعَ دعاء، فإنَّ الصلاة هي الدُّعاء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، واسمُ الموضع مِنَ الأفعال المنشعبة (٢) يكون على صيغة المفعول منها. وقيل: هو موضع الصلاة المعهودة. ورُوِي أنَّه ﵊ انتهى إلى مقام إبراهيم ﵇، فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: أفَلَا نتَّخذه مصلَّى، فنزلت الآية، فكان عمر ﵁ يقول: وافقني ربي ﷻ في ثلاثة؛ أي: وقع مرادي و (٣)

стр. 1029

على وفاقِ حكم اللَّه تعالى في ثلاثةٍ، الخمر، والحجاب، ومقام إبراهيم (١). وقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي: أمرناهما، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ هو قال عطاء: كنتُ عند ابنِ عبَّاس، فسألَهُ رجلٌ عن قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ (٢)، قال ابنُ عبَّاس (٣): أما واللَّه ما أمرَهم أن يبخِّروه بالبَخُّور، ولا أن يُصَفِّروه بالخلوق، ولكن أمرَهم أن يطهِّروه مِنَ الأوثان والمعاصي، وممَّا لا يُحِبُّه اللَّه تعالى. وقال قتادةُ ومجاهدٌ وسعيدُ بن جبير ﵏: أي: طهِّرَا بيتي مِنَ الشِّركِ وعبادة الأوثان (٤)، وكان عليها المشركون قبل أن تصيرَ في أيديهما. وقيل: كانوا يتقرَّبون إلى اللَّه تعالى بالقرابين، وكانوا (٥) يلطِّخون الجُدُر بالدِّماء، فأمرَهما اللَّه تعالى بالتَّطهير (٦). وقيل: هو تطهيرُه عن المكاسب فيه.

стр. 1030

وقيل: معناه: دُوْمَا على تطهيره، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]؛ أي: دُمْ على التَّقوى، فهذا كذلك، وهو أمرٌ أن يُبقِّياهُ (١) على الطَّهارة، لا (٢) أن يكون فيه نجاسة، فيُزيلا تلك النَّجاسةَ (٣)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مبقَّاةٌ على الطهارة الأصليَّة. وقوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ أي: بالكعبة، ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ أي: المجاورين في المسجد الحرام، والعُكوف والاعتكاف: الإقامةُ، والاحتباس، والعَكْفُ: الحَبْسُ والوقفُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمع الرَّاكع، و ﴿السُّجُودِ﴾ جمع السَّاجد؛ وأراد بـ ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: المصلِّين. والصَّلاة تشتملُ على أفعالٍ، أقربُها إلى الخشوعِ هذان، فالطَّوافُ في الحجِّ والعمرة، والعكوف: ملازمة المسجد، والرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة، وهي العباداتُ المتعلِّقةُ بالبيت، فأمرَهما بتطهيرِه لهؤلاء. وقيل: الطَّوافُ للغرباء، والعكوفُ لأهلِ مكَّةَ، والصَّلاةُ لكلِّ مَن قَرُبَ منها ومَن بَعُدَ عنها، فتوجُّههم في الصَّلاة إليها. * * * (١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: واذكر أيضًا إذ دعا (٤)

стр. 1031

إبراهيمُ فقال: يا ربِّ، حَذفَ حرفَ النِّداء، وهو جائزٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾؛ أي: يا يوسف. وقوله: ﴿هَذَا﴾ أي: هذا الوادي، فقد قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ سألَ اللَّهَ تعالى قبل أن يصيرَ الوادي بلدًا أن يجعله بلدًا آمنًا، وفي سورة إبراهيم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وكان هذا الدُّعاء بعد ما صار بلدًا، سألَهُ أن يجعلَهُ آمنًا. وقيل: معناهما واحدٌ، أو (١) تمام الكلام: اجْعَلْ هَذَا [البلد] (٢) بَلَدًا آمِنًا، الأوَّل إشارةٌ إلى المعرفة، والثاني مفعولٌ؛ أي: مفعولٌ (٣) ثانٍ، ويُذكَرُ على طريق النَّكرة؛ ففي آيةٍ حذفَ المعرفةَ وبقَّى النَّكرة، وفي آيةٍ أخرى حذفَ النَّكرة وبقَّى المعرفةَ. وقوله: ﴿آمِنًا﴾ أي: ذا أمْنٍ؛ كقوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذات رضا، والأمنُ للأهلِ ممَّا ذكرنا في قوله: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾. فإن قالوا: إنَّ مكَّة كانت حرامًا قبل هذا، قال ﷺ : "ألَا إنَّ مكَّة كانت حرامًا حرَّمها اللَّه تعالى (٤) منذ خلق اللَّه السَّماوات والأرض" (٥)، فما معنى سؤال الأمن؟ قلنا: كان الأوَّل أمنًا عن الاصطلام وإثباتًا في (٦) النفوس تعظيمَها واحترامَها،

стр. 1032

وكان هذا (١) سؤالَ وقوع الأمن عن الحوادثِ والعوارض. وقيل: هذا كان سؤالَ دوامِ ذلك الأمن، وأجابَ اللَّهُ تعالى دعوتَه فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ هي جمعُ ثمرة؛ وهي جميعُ ما يخرجُ مِن الأراضي والأشجار، فهو سؤالُ الطَّعامِ والفواكه، وقد حققنا (٢) ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقيل: هي الفواكه، وإنَّما خَصَّ هذا بالسُّؤال؛ لأنَّ الطَّعام المعهود ممَّا يكونُ في كلِّ موضع، وأمَّا الفواكه فقد تَعِزُّ، فسَألَ لأهلِها الأمنَ والسَّعة؛ وبهما يَطيبُ العيشُ، وتَقومُ المصالح، فاستجابَ له في ذلك أيضًا بنقل قريةٍ من قرى فلسطين كثيرةِ الثِّمار إليها، فأتى جبريل ﵇ فقلعها (٣)، وجاء بها، وطاف بها حول البيت سبعًا، ثمَّ وضعها على ثلاث مراحلَ من مكَّة؛ وهي الطَّائف، ولذلك سُمِّيت به، قاله الزُّهريُّ (٤)، وقال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿مَنْ﴾ بدلٌ مِن (٥) قوله: ﴿أَهْلَهُ﴾ أي: ارزق مَن آمن، خصَّ المؤمنين بسؤالِ توسِعَة الرِّزق لهم لمعانٍ أربعة: أحدها: أنَّ اللَّه تعالى لمَّا أمرهما بتطهير البيتِ للطَّائفين والعاكفين والمصلِّين دون غيرهم؛ وافقَ اللَّهَ تعالى؛ فسألَ سَعَةَ الرِّزقِ للمؤمنين دون غيرِهم.

стр. 1033

والثاني: أنَّه أراد أن يجعلَ ذلك آيةً تُرَغِّبُ (١) الكفَّارَ في الإسلام. والثالث: أَنَّه لمَّا عَمَّ سؤالَ الإمامة، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؟ أُجِيب بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فتأدَّب، ولم يَعُمَّ في سؤالِ (٢) سَعَة الرِّزق، بل خَصَّ كما خَصَّ اللَّهُ تعالى له في إجابة سؤال الإمامة. والرابع: ما قال (٣) الإمام أبو منصور ﵀: فلعلَّه خشي أن يخرج ذلك مخرج المعونةِ لهم على العصيان، وفي ذلك دليلٌ على أَنَّه لا بأس ببيعِ الطَّعام مِنَ الكفَرة (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: قال اللَّه تعالى: والذي كفرَ لا أمنعُهُ عن هذا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: أرزقُهُ الثَّمراتِ أيضًا كما أرزقُ المؤمنَ، أخبرَهُ أنَّ أمْرَ الرِّزق ليس كأمْرِ الإمامة، فأعلمه أنَّ الدنيا ومتاعَها بأسرِها لا خطرَ لها. وقوله ﴿قَلِيلًا﴾ أي: متاعًا قليلًا، هو نعتُ مصدرٍ محذوفٍ دلَّ عليه الفعلُ المذكور، وأصلُ المتاع فسَّرناهُ في قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]. وقيل: أُمَتِّعه زمانًا قليلًا، والدنيا كلُّها قليلة، ومدَّتها كذلك، وقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ قراءةُ ابن عامر بالتخفيف؛ مِن: أمتَع يُمتِع؛ أي: جعلَهُ (٥) ذا متاعٍ، وقراءةُ الباقين بالتَّشديد (٦)، ومعناه: أُمهِلهُ و (٧) أُعطيه المتاع.

стр. 1034

والمرادُ بهذا القليل عندَ بعضهم هو أيَّام عمرهم. وقال الحسن: أي: أمهِلُهُم إلى وقتِ خروج محمَّدٍ ﷺ ؛ فمَن آمنَ به بقَّيتُه (١)، ومن كفرَ به عاقبتُه بالقَتلِ والإجلاءِ والسَّيف، وكان ذلك (٢) يوم بدر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ أي: أُلجِئُه إلى عذاب النار يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، وفي قراءة ابن عباسٍ ﵄: (فأَمْتِعْهُ)؛ بقطع الألف وجزم العين على الدُّعاء، وكذا قوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾، أي: بإدراج الألف وفتحِ الطَّاء والرَّاء على الدُّعاء (٣)؛ أي: سألَ إبراهيمُ اللَّهَ تعالى أن يُمتِّعَ الكافرَ قليلًا، ثمّ يجعلَ مصيرَه إلى النَّار. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر الاضطرار؛ كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ (٤) [الدخان: ٤٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [مريم: ٨٦]، وقولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، فأخبرَ أَنَّهم يُنْقَلون إليها إجبارًا، لا أنَّهم يأتونها طوعًا واختيارًا (٥). * * * (١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

стр. 1035

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ أي: واذكر أيضًا إذ يرفعُ إبراهيم؛ أي: إذ كان يرفعُ؛ أي (١): يبني (٢). وقيل: أي: يُظهِر، وكان مختفيًا، فرفعَهُ وأظهَرهُ. وقيل: رَفعُه: بناؤه على وجه الأرض، ويُطلَقُ ذلك في كلِّ بناءٍ وإنْ قصُر؛ لرَفعِهِ على وجهِ الأرض (٣). والقواعدُ: الجدران عند الكسائي (٤)، وعند غيرِه: الأُسس، واحدتُها قاعدة، والقَواعد مِنَ النساء؛ جمع قاعد بغير هاء؛ وهي التي قَعدت عن التَّزوُّج، وعن الحيض والولادة، وهي مِن صفاتِ النِّساء على الخصوص، فلم يُحْتَج فيها إلى الهاء؛ كما في الحائل (٥) والحائض والطَّالق والطَّامث. والقاعدة التي هي الأساس، سُمِّيَت بها للثبوت، وقعود الإنسان -وهو الجلوس- ثبوتٌ على الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ أي: وإسماعيلُ كان يشاركُهُ في ذلك. وقيل: كان يُعينُه فيه، ويناولُه الحجرَ، وكان بناءُ البيت مِن خمسة أجبل؛ طورِ سيناء، وطور زَيْتَا، وطورِ لُبنان، والجُودِيِّ، وحِرَاء، وكان أوَّل بنائه مِن آدمَ ﵇، ثمَّ اندرسَ ذلك، فرفعَ إبراهيمُ قواعدَه (٦).

стр. 1036

وخلقَ اللَّهُ تعالى موضعَ البيت قبل سائرِ الأرض بألفَي عامٍ، فكانت زبدةً بيضاء على وجه الماء، فدُحِيت الأرضُ مِن تحتِها (١). فلمَّا أهبطَ اللَّهُ تعالى آدمَ إلى الأرض؛ كان رأسه تمسُّ السماء حتى صلع، وأورثَ أولادَه الصَّلعَ، فنَفرَتْ مِن طولِه دوابُّ الأرضِ، فصارت وحشًا (٢) من يومئذٍ، وكان يسمعُ كلامَ أهلِ السَّماء ودعاءَهم وتسبيحَهُم، فيَأنسُ إليهم، فهابتهُ الملائكةُ، فنَقصَهُ اللَّهُ تعالى إلى ستِّين ذراعًا، فلمَّا فقدَ آدمُ أصوات الملائكة استوحشَ، وشكى إلى اللَّه تعالى ذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى ياقوتةً مِن يواقيت الجنَّة، لها بابان مِن زُمُرُّدٍ أخضرَ؛ بابٌ شرقيٌّ وبابٌ غربيٌّ، وفيه قناديلُ من الجنَّة، فوضعَه على موضعِ البيت الآن، ثمَّ قال: يا آدم؛ إنِّي أهبطتُ لك بيتًا تطوفُ به كما يُطافُ حول عرشي، وتُصلِّي عندَه كما يُصَلَّى عند عرشي، فأنزلَ عليه الحَجرَ ليمسحَ به دموعَه، وكان أبيض، فلمَّا لمسته الحُيَّضُ في الجاهليةِ اسودَّ (٣). وتوجَّه آدمُ مِن أرض الهند إلى مكَّة ماشيًا، وسلَّط اللَّه تعالى له ملَكًا يَدُلُّه على البيت.

стр. 1037

وقيل لمجاهد: لِمَ لَمْ يركبْ؟ فقال: وأيُّ شيءٍ كان يحمله؟! إنَّ خطوتَهُ مسيرةُ ثلاثة أيَّامٍ، فكلُّ موضعٍ وَضَعَ فيه قدمَه عمران، وما تَعدَّاهُ (١) مفاوز، فأتى مكَّة، وحجَّ البيتَ، وأقام المناسكَ، فلمَّا فَرَغَ؛ تلقَّتهُ الملائكة، فقالوا: بَرَّ حجُّك يا آدم، لقد حَججنا هذا البيتَ قبلَك بألفي عامٍ (٢). وحجَّ آدمُ أربعينَ حجَّةً مِنَ الهند إلى مكَّة على رجليه، وكانت الكعبةُ على ذلك إلى أيَّام الطوفان، فرفعَها اللَّهُ إلى السَّماء الرَّابعة، فهو البيت المعمور، يدخلُه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ ملَكٍ، ثمَّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وهو (٣) حيال الكعبة، فلو أُرسِلَ من السَّماء لنَزلَ على ظهرِ الكعبةِ، وبعث اللَّه تعالى جبريل حتى خبأ الحجرَ الأسود في جبل أبي قبيس؛ صيانةً له عن الغَرق، فكان موضعُ البيت خاليًا عن البِناء إلى زمن إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه (٤). ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ جبلًا مِن جبال فلسطين حتَّى جاءَ وسترَ موضعَ البيت، فلم يُصِبهُ الطُّوفان، فأمرَ اللَّهُ تعالى إبراهيمَ بعد ما وُلدَ له إسماعيل وإسحاق ببناءِ بيتٍ له يُذكَر ويُعبَد فيه، فلم يَدْرِ إبراهيم أين يبني، فسألَ اللَّهَ تعالى أن يبيِّن له موضعه، فبعث اللَّهُ تعالى إليه السكينة لتدلَّ (٥) على موضعه، ولها رأسان تشبه الحيَّة، فتبعَها إبراهيمُ صلوات اللَّه عليه حتَّى أتيا مكَّة، فتطوَّت (٦) السَّكينةُ على

стр. 1038

موضع البيت كتطوِّي (١) الحَجَفة (٢)، فأمرَ إبراهيمُ أن يَبنيَ حيث تَستقِرُّ السَّكينةُ (٣). وفي روايةٍ: بعث اللَّهُ سبحانه سحابةً على قدر الكعبةِ، فجعلَت تسيرُ، وإبراهيمُ يمشي في ظلِّها، حتَّى أتت مكَّة، ووقفت على موضعِ البيت، ونُودِيَ منها إبراهيم: ابنِ على ظلِّها (٤)، فجعلَ يبني، وإسماعيلُ يناولُه الحجارةَ (٥). وتمَّت القصَّة (٦). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، أضمر القول فيه - ومثلُه في القرآن كثيرٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]؛ أي: يقولون: أخرجوا أنفسكم - سألا اللَّه تعالى قبولَ ذلك العمل منهما. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ﴿السَّمِيعُ﴾ دعواتنا، ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ أي: بنيَّاتنا. * * * (١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

стр. 1039

وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: ثابتين على الإسلام والاستسلام (١)؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أي: ثبِّتنا عليه، وهذا تعليمٌ منهما النَّاسَ الدُّعاءَ للتثبيت على الإيمان، فإنَّهما لمَّا سألا ذلك كان (٢) مع أمنِهما عن زواله؛ فكيف غيرهما مع خوفِه؟ وسألا أيضًا الثَّباتَ على الانقياد، فأُجِيبا إلى ذلك، حتَّى أسلمَ إبراهيمُ للإلقاء في النار، وإسماعيلُ للأمرِ بالذَّبح. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ أي: واجعل من أولادِنا جماعةً مخلصةً لك بالعبادةِ والطَّاعة، وإنَّما خصَّا (٣) البعضَ (٤) بالدُّعاء؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، فأجيبا إلى ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، فكانت في ولد إسحاق -وهم بنو إسرائيل- إلى أن حرَّفوا، ثمَّ في ولد إسماعيل -وهو محمد ﷺ وأمَّته- إلى قيام الساعة. وإنَّما دعَوا لأولادِهما بذلك شفقةً على الأولاد، ليكثر ثوابهما بهم، قال النبيُّ ﷺ : "ما مِن رجلٍ مِنَ المسلمين يُخلِّفُ مِن بعدِه ذُرِّيَّةً يعبدونَ اللَّه تعالى، إلَّا جعل اللَّه تعالى له مثلَ أجورِهم ما عَبَدَ اللَّهَ تعالى منهم عابدٌ حتَّى تقومَ السَّاعة" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قيل: هو سؤالُ إراءَةِ العين، وعلى هذا تكونُ

стр. 1040

المناسكُ مواضعَ أفعالِ الحجِّ مِن عرفات والمزدلفة، والصَّفا والمروة وما بينَهما، ومواضعِ رمي الجمرات. وقيل: معناه: علِّمنا؛ وهي رؤيةُ القلب، وتُستعمَلُ في العِلم (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ (٢)، ويقال في مسائل الفقه: أرأيت، والمناسكُ على هذا عينُ أفعال العباد الحجَّ (٣). والنُّسُكُ في الأصل: العبادة، والنَّاسِكُ: العابدُ، والتَّنَسُّك: التَّعبُّدُ، ويُخَصُّ للقربان ولأفعالِ الحجِّ، وواحدُ المناسك: منسَك ومنسِك (٤)، وهو اسمٌ للمصدر والمكانِ جميعًا. وقوله: ﴿وَأَرِنَا﴾ ينصرفُ إليهما وإلى ذرِّيَّتِهما، لا إليهما على الخصوص، وهو سؤالُ ذلك إلى قيامِ السَّاعة، وفي مصحف عبدِ اللَّه بن مسعودٍ ﵁: (وأرهم مناسكَهم) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قيل: معناه: تجاوزْ عنَّا التقصيرَ الواقعَ في مثلِ هذا العمل. وقيل: لمَّا كان قولُه: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ واقعًا عليهما وعلى ذرِّيَّتِهما، وفيهم مَن له ذنوبٌ؛ كان سؤال التوبة في حقِّهم.

стр. 1041

وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّ سؤالُ التَّوبةِ أنَّ الأنبياء قد يكون منهم الزَّلَّاتُ والعَثَراتُ على غير قصدٍ منهم. ثمَّ فيه الدَّليلُ على أنَّ العبد يُسأَل عن زلَّةٍ لم يتعمَّدها؛ لأنَّهم سَألوا التَّوبةَ مُجمَلًا، ولو كان سبقَ منهم شيءٌ عَلِموا (١) به وعرفوه؛ لذكرُوه، فدلَّ سؤالُهم التَّوبةَ مجملًا على أنَّ العبدَ مسؤولٌ عن زَلَّاتٍ لم يَتعمَّدها (٢). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ قال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمل قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ وجوهًا ثلاثة: يَحتملُ الانصرافَ إلى الأمَّة المسلمةِ، فقد ذُكِرت قبلَه؛ لأنَّه أخبر أنَّ عهدَه لا يَنالُ الظالمَ، فلم ينصرفْ إلى قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾. ويَحتملُ ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن جنسِهم مِنَ البشر؛ لأنَّه أقربُ إلى المعرفة والصِّدقِ ممَّن كان مِن غير جنسهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]. ويَحتملُ ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: مِن قومِهم، مِن جنسهم وبلسانهم، لا مِن غيرهم، ولا بغير لسانهم (٣). سأل ربَّه لأهلِ مكَّة ما يتمُّ به مرافق الدِّين والدُّنيا فيها، وهي الثَّمراتُ، والأمن، ومبيِّنُ الدِّين والشرائع (٤).

стр. 1042

وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ أي: يقرأ عليهم كتابَك هذا الرسول، ويبيِّن آياتِ وحدانيَّتك، ويبيِّن ما كان مِنَ الآيات؛ أي: المعجزات لمن مضى مِنَ المرسَلين، فتَحتملُ الآيات هذه الأوجهَ الثلاثة. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال الحسن: الحكمة: القرآن (١)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]، والتَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير. وقال مالك: الحكمةُ: الفقه، وهو فهمُ معاني القرآن، وهو استخراجُ مودعاتِه التي يتعلَّق بها الأحكام (٢). وقيل: هو بيانُ ما في الكتاب مِن الأحكام؛ مِن الحلالِ والحرامِ وشرائعِ الإسلام، وبه يقعُ الاستحكام. وقيل: هي "فِعْلَةٌ" مِن الحكم، ومعناها: ويعلِّمهم الأحكام. وقال قتادة: الحكمةُ: السُّنَّة (٣)، وفي كثيرٍ من الآياتِ جمعَ بين الكتاب والحكمة، و ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الأحاديث، وفيهما علومُ الشَّرع. وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: ظاهرُ القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: باطنُه. وقال مقاتل: الحكمةُ: مواعظُ القرآن (٤).

стр. 1043

وقال القفَّال: يُعلِّمهمُ الكتابَ المنزلَ، والوجوهَ (١) التي بها يُدرِكون صوابَ القولِ والعمل، فإنَّ الحكمةَ هي ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: بِأخْذِ زكاةِ أموالهم (٢). ويجوز أن يكون معناه: يُطَهِّرهم عن الآثام بأخذ زكواتهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقيل: يزكِّيهم؛ أي: يدعوهم إلى ما به زكاةُ أنفسِهم؛ أي: نماؤها وطُهرُها. وقيل: أي: يَجعلُهم أزكياءَ بالعمل الصَّالح الذي يَدعوهم إليها، ويحملهم عليها، ثمَّ هذا بخلافِ المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٩]، ذاك مِن اللَّه تعالى في العبد (٣): التَّخليقُ والإيجاد، وهذا من الرَّسول: الدعوةُ والإرشاد. وقيل: ويزكِّيهم؛ أي: يُعَدِّلُهم يومَ القيامةِ عند الشَّهادة للأنبياء. وقال ابنُ جُرَيج: يطهِّرهم من الشِّرك (٤)، قال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]؛ أي: تتطهَّر بالإسلام. وقال محمد بن عليٍّ التِّرمذيُّ: أي: ينمِّيهم، فأنماهم حتَّى صاروا أئمَّة الهدى، فبَليت أجسادُهم، وبَقيت آثارُهم (٥).

стр. 1044

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾: القويُّ الذي لا يُعجِزُه شيءٌ. وقيل: هو القادرُ الذي لا يَمتنعُ عليه ما أرادَهُ. و ﴿الْحَكِيمُ﴾: هو الذي يُحكِم الصَّنعةَ بحسنِ التَّدبيرِ. وذكر الاسمين هاهنا على معنى أنَّه متَّصلٌ بالدُّعاء، فكأنَّهما قالا: فَزِعنا إليك في دعائنا؛ لأنَّك (١) القادرُ على إجابتِنا، العالمُ بما في ضمائرنا، وبما هو أصلحُ لنا ممَّا لا يبلغه علمنا، فأجابَهما اللَّه تعالى إلى ذلك، فبعثَ محمَّدًا ﷺ فيهم على هذه الصفات، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٢]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (٢) [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨]، وقال النبيُّ ﷺ : "أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبشارةُ أخي عيسى -يعني: قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] - ورؤيا رأتها أمِّي آمنة، خرج منها نورٌ أضاءَت له قصورُ بصرى" (٣)؛ موضع بالشام (٤). * * * (١٣٥) - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ﴿مَن﴾ استفهامٌ

стр. 1045

بمعنى التَّوبيخ على وجهِ النَّفي، وموضعُه رفعٌ بالابتداء، ومعناه: ولا يرغب عن دين إبراهيمَ إلَّا السفيه؛ أي: ولا يكرهُها، يقال: رَغِبَ في الشَّيء رغبةً، إذا (١) أحبَّه وأرادَه، ورغبَ عنه؛ أي: كرهَه وصدُّه، زهدَ في الشيء؛ أي: كرهَهُ وأباه، وزهدَ عنه: أرادهُ وأحبَّه، والمِلَّة: الدِّين والطريقةُ. وقوله: ﴿سَفِهَ﴾ (٢) يسفه (٣)، السَّفهُ والسَّفاهةُ: الجهلُ وخِفَّة العقل. قال يونس (٤): ﴿سَفِهَ﴾ لازمٌ، وهو لغةٌ في المتعدِّي، فمعناه: سَفَّهَ نفسَه؛ أي: جعلها سفيهة، وعلى هذا قيل: معناه: أهلكَ نفسَه. وقيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: طاب نفسًا، وقرَّ عينًا، وضاق ذرعًا. قلت: وأكثرُ الاستعمال في النَّكرات، وفي المعارف جائزٌ؛ لأنَّ أصل الفعل لها، ثمَّ يُنقَلُ إلى غيرها، ثمَّ يُذكَرُ الفاعلُ نصبًا؛ ليُعلَمَ أنَّ الفعلَ لها، يقال: وَجِعَ زيدٌ رأسَه، وآلمَ عمروٌ بطنَه. وقيل: معناه: سَفِهَ في نفسه؛ كما في قوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]؛ أي: في معيشتها، وحَذْفُ حرف الجرِّ جائزٌ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ أي: لأولادكم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ

стр. 1046

النِّكَاحِ﴾ (١) [البقرة: ٢٣٥]؛ أي: على عقدةِ النكاح (٢). وقال الزجَّاج: وهذا (٣) عندي مذهبٌ صالحٌ، والقولُ الجيِّد عندي: أنَّ معناه: إلَّا مَن جَهِلَ نفسه؛ أي: لم يفكِّر فيها، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] (٤)، وقال النبيُّ ﷺ : "من عَرَفَ نفسه فقد عرف ربَّه" (٥)، وإنَّما يُؤتَى الناسُ ما يُؤتونَ؛ بجهلهم (٦) أنفسَهم. ونزولُ الآية في مهاجر (٧) ابن أخي عبد اللَّه بن سلَام، وكان لعبد اللَّه بن سلَام ﵁ ابنا أخٍ، سلمةَ، ومهاجر، دعاهما إلى الإسلام، وقال لهما: اتَّبِعا دينَ محمَّدٍ ﷺ الذي كنَّا نقرؤه في التَّوراة أنَّه مِن ولد قيدار بن إسماعيل العربيّ راكب الجمل، اسمُه أحيد، يُحَيِّدُ أمَّته عن النار، ملعون من تركَ شريعتَه ومنهاجَ دِينه، فأمَّا سلمة، فأسلم، وأمَّا مهاجرٌ، فأبى، فأنزل اللَّه فيه هذه الآية (٨). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ السَّفهُ: غَلَبةُ الجهلِ وركوب الهوى.

стр. 1047

وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: إلَّا من جَهِلَ قدرَ نفسه، فعبدَ صنمًا هو دونه، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: اخترناهُ بالإسلام والنبوَّة. ويقال: بالسَّخاوة والخُلَّة، وقيل: بالعهدِ والإمامة، وقيل: بالكلماتِ وبناء الكعبة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: أجبنا دعوتَه: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]؛ أي: الأنبياء الماضين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥]، وقال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦] وقيل: أي: مِن الفائزين لصلاحه. وقيل: أي: مِن المُستحِقِّين ثوابَ الصَّالحين بوعدِ اللَّه. وقيل: معناه: وإنَّه في الآخرة لمن الصَّالحين (١)؛ أي: مع آبائه المرسلين في الجنَّة. وقيل: أي: من الباقين على الصَّلاح في الدُّنيا، حتَّى يكونَ كذلك في العُقْبى، فكم مِن صالحٍ في أوَّل حاله، ذهبَ صلاحُه في مآله، وكان (٢) في الآخرة لعذابه ونكاله؛ كبلعام (٣) وبرصيصا (٤) وقارون وثعلبة (٥).

стр. 1048

(١٣١) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: واذكر يا محمَّدُ إذ قال له ربُّه أسلم. وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ إذ قال (١)، ثمَّ قوله: ﴿قَالَ﴾ مغايبة بعد قوله: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ وهو إخبارٌ عن نفسه، وهذا توسُّعٌ في الكلام. وقوله تعالى: ﴿أَسْلِمْ﴾ أي: اثبتْ على إسلامك. وقيل: أي: استسلمْ لِمَا يجري عليك. وقيل: أي: أخلص نفسَك لي، مِن قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ (٢) [الزمر: ٢٩]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكون وَحْيًا أُوحي إليه أن قلْ كذا، فقالَ به، وكان هذا تسليمًا للنفس والقلب. ويحتمل أن يكون هذا أمرًا بابتداء الإسلام أوَّلَ ما عقلَ، وهو في قوله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وقوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] هو جوابُ قوله:

стр. 1049

﴿أَسْلِمْ﴾ (١). وقالوا: على هذا يكون (٢) إلهامًا لا وحيًا ظاهرًا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ امتثلَ ما أُمِرَ به، واستقامَ على ما قال، فسَلَّم القلبَ والنَّفسَ والولدَ والمالَ، ولمَّا قال له جبريلُ ﵇: هل لك من حاجةٍ؟ قال: أمَّا إليك فلا، فقال له: أَلَا تسأل ربَّك؟ فقال: حسبي مِن سؤالي (٣) علمُه بحالي (٤). فإن قالوا: لمَّا (٥) قيل لإبراهيم: أسلم قال: أسلمت، ولمَّا قيل لمحمَّد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]؛ لم يقل: علمتُ! قلنا: قد قال ذلك، فقد رُوِيَ أنَّه قال: "أنا أعلمكم باللّه وأخشاكم للَّه" (٦)، وكان

стр. 1050

هذا الأمرُ له في (١) القرآن، ثمَّ لم ينزل بعدَه كتابٌ ليَذكُرَ فيه لغيرِه (٢): أنَّا قلنا له ذلك، فقال كذا. وجوابٌ آخر: أنَّه قال في آيةٍ أخرى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهو العلمُ بأنَّه لا إله إلَّا هو، فقد أخبر عنه أنَّه قد علم كما أمرناه. وآخرُ: أنَّ إبراهيم لمَّا قال: أسلمت؛ اقترن به البلوى، ونبيُّنا ﷺ تحرَّز عمَّا هو في صفةِ الدَّعوى، فحُفِظَ وكُفِي. وآخر: أنَّ إبراهيمَ ﵇ أُمِرَ بما يجري مجرى الأفعال، فإنَّ الاستسلام هو المراد، ونبيُّنا ﵊ أُمِرَ بالعلم، ولأقسام الإسلام حَصرٌ، وما لِلَطَائف العلم قصرٌ. * * * (١٣٢) - ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الوصيَّة: الدعة (٣) إلى الطَّاعة، والوَصَاةُ كذلك، والوِصايةُ والوَصايةُ مصدرُ الوصيّ، والفِعلُ: أوصى يُوصي (٤) إيصاءً، ووَصَّى توصيةً، وتَواصى القومُ بكذا، واستَوصيتُ فلانًا؛ أي: سألتُه

стр. 1051

ذلك، وقوله: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: أمركم (١)، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يَفرِضُ. وقولُه: ﴿بِهَا﴾ قال الزجاج: أي: بالمِلَّة (٢). وقيل: بالكلمة؛ وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال (٣): والأوَّل أصح؛ لأنَّها مذكورة، والثانية مدلولٌ عليها. وقوله: ﴿بَنِيهِ﴾ أي: أولادَهُ الذُّكورَ الأربعةَ؛ إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومداين، و ﴿بَنِيهِ﴾ حذف نون جمعِه للإضافة، وكذا في قوله (٤): ﴿يَابَنِيَّ﴾، فاجتمع ياءُ الجمع وياء الإضافة، فأُدْغِمَتا، وفُتِحَت الآخرة؛ لأنَّها حركةٌ ضروريَّةٌ صِيْرَ إليها لاجتماع السَّاكنين، فاخْتِيرَ الفتحُ الذي هو أخفُّ الحركات. وقوله: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: أوصى يعقوبُ أيضًا بنيه الاثنَي عشر بذلك، وقُرِئ في الشاذِّ: (ويعقوبَ) بالنصب (٥)؛ أي: أوصى إبراهيمُ بنيهِ وحافدَه يعقوبَ، فقد أدرك جدَّه، فأدخلهم جميعًا في وصيَّته. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سُمِّي يعقوب؛ لأنَّه مع أخيه عيص كانا توأمين، فخرجَ عند الولادة عيصُ أوَّلًا، ويعقوب آخذٌ بعقب عيصَ بعد عيص. وقيل: سُمِّي به لكثرةِ عَقبه، وهم كلُّ بني إسرائيل؛ فإنَّهم أولادُه.

стр. 1052

وقوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ "أن" مقدَّرةٌ هاهنا؛ كأنَّه قال: أوصِي أنْ يا بنيَّ (١)، وجاز الحذفُ؛ لأنَّ الوصية قولٌ، وفي القول يصحُّ بغير "أن"، ومثلُها الوعدُ والرِّسالةُ والإبلاع والإنذار، يجوزُ فيها الوجهان؛ إثباتُها وإلغاؤها، وكذا الأذانُ والدَّعوى وما يَجري مجراها، يجوز فيها إدخالُ "أن" وإلغاؤها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، ولم يقل: أن لهم مغفرةً؛ لأنَّ العِدَة قولٌ، وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وقال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (٢) [يونس: ١٠]، ففي كلِّ هذا يجوزُ إثباتُها؛ لاعتبار الفعل، ويجوزُ حذفُها؛ لتقدير القول، وفي قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]، لا يَجوزُ حذفُها؛ لأَنَّه ليس فيه معنى القول. وفي صريحِ القول وإضمارِه لا يَجوزُ إيرادُها، تقول: قلت له: زيدٌ في الدَّار، ولا يَجوزَ قلت له: أنْ زيدٌ في الدار، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] لا يجوز في مثله: أنْ أخرجوا أنفسكم؛ لأنَّ القول مضمرٌ، وأنشدَ الكسائيُّ: إنِّي سأبدي لك فيما أبدي لي شجنانِ شجنٌ بنَجْدِ وشَجَنٌ لي بِبلادِ السِّنْدِ (٣)

стр. 1053

لأنَّ الإبداءَ قولٌ. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختارَ لكم الدِّين، والألف واللام ليس للاستغراق، بل لتعريفِ المعهود، وله ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه أُريدَ به الإسلام؛ لأنَّ الدِّينَ عند اللَّهِ الإسلامُ، وهو الدِّينُ المطلقُ المرضيُّ المشروعُ المأمورُ به. والثَّاني: أنَّه بدلُ الإضافة، وهو مضافٌ إليهم؛ أي: اختارَ لكم دينكم الذي تَدينون به، وهو دينُ الإسلام (١) أيضًا. والثَّالث: أنَّه مضافٌ إلى اللَّه؛ أي: اختارَ لكم دينَه، وهو دينُ الإسلام أيضًا. وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: دوموا على الإسلام، حتَّى إذا أدركَكُم الموتُ وجدَكم مسلمين. وقيل: أي: لا تموتوا إلَّا منقادين مفوِّضين الأمرَ إلى اللَّه. وقال الفضيلُ بنُ عياض: أي: لا تَموتُنَّ (٢) إلَّا وأنتم محسنون بربِّكم الظَّنَّ (٣). قال النبيُّ ﷺ : "لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهو يحسن الظنَّ باللَّه (٤)، فإنَّ قومًا أساؤوا بربِّهم الظنَّ فهلكوا"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] (٥).

стр. 1054

(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾. أي: أكنتُم حضورًا؟ و"أم" إذا لم يتقدَّمه ألف الاستفهام؛ كان بمنزلة مجرَّد ألف الاستفهام، وهو استفهامٌ بمعنى الاستنكار (١)، والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ؛ وهو الحاضر. وهذا خطابٌ لأهل الكتاب المدَّعين أنَّ دينَهم دينُ إبراهيم، يقول: ما كنتم حضورًا تعلمونَ ما جرى هناك، فلا تتعلَّقوا بما لم تَشهدُوه، ولا تَدْعوا أولادَه إلى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، فإنَّه كان على دينِ الإسلام، وبه أوصى أولاده. وقال الزجَّاج: "أم" في الابتداء بمنزلة "بل"، وهو خطاب لهؤلاء، والمراد: سلفهم؛ أي: بل شهد آباؤكم يعقوبَ حين أوصى بالإسلام دون ما قلتم (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي: حضر الموتُ يعقوبَ؛ أي: قَرُب خروجُه من الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ كرَّر كلمة "إذ"، والأُولى لبيان وقتِ حضور الموت، والثانيةُ لبيان وقتِ الإيصاء. وقوله: بَنِيْهِ، قيل: هم الأسباط، وهم الأولادُ الاثنا عشر.

стр. 1055

وقيل: أولادُه وحوافده، وكانوا يومئذٍ ثمانين نفسًا. وقيل: مئتين (١) وخمسين، وهم بمصر. وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون بعد موتي؟ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، ومحلُّ "ما" رفعٌ بإضمار الهاء العائدةِ عليه؛ أي: ما تعبدون به (٢)، أو نصبٌ بإيقاع الفعل عليه بلا إضمار الهاء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي: أجابَهُ أولاده، قالوا (٣): نعبدُ اللَّهَ الذي تعبدُه أنت وتَلتَجِئُ إليه. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: وهو اللَّهُ الذي كان يعبدُه آباؤك الأنبياء، وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ هو بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾. و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ كان جدًّا له، والجدُّ أبٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يُسمَّى أبًا، وله حُرْمَةُ الأب، قال النبيُّ ﷺ في حقِّ العبَّاس: "هذا بقيَّة آبائي" (٤)، وقال أيضًا: "ردُّوا عليَّ
следующие страницы →