← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

عن الأبصار، نأتِ بخيرٍ منها أو مثلِها؛ أي: أقوى منها في إلزام الحُجَّةِ، أو مثلِها في القوَّة. وهذا كلام الإمام أبي منصورٍ ﵀، قال: يَحتملُ ذلك (١)، معَ ما قرَّرَ مِن المقالاتِ المُتقدِّمة. ثمَّ المنسوخاتُ على ثلاثة أوجه: ما نُسِخَ حكمُه وتلاوتُه، كقول عائشة ﵂: كان ممَّا يُتلَى عشرُ رَضَعاتٍ، ثم نسخ بخمس رضعات يُحَرمنَ (٢). وما نُسِخت تلاوتُه وبَقيَ حكمُه، وهو المرويُّ عن عمرَ ﵁: (الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارْجموهُما البتَّة نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم) (٣). وما نُسِخَ حكمُه وبَقِيت تلاوتُه وهي الآياتُ التي فيها الأمرُ بتركِ القتال، نُسِخَت بآية السَّيف، وبَقيت تلاوتُها، وفائدةُ البقاءِ حصولُ الثَّواب بقراءتِها. * * * (١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قيل: هو خطابُ محمَّدٍ ﵇ ردًّا على اليهودِ لعنةُ اللَّه عليهم أجمعين، كما قالوا في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ

стр. 982

لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] هذا خطابٌ لعيسى صلوات اللَّه عليه يومَ القيامة ردًّا على النَّصارى. وقيل: هو خطابُ مَن كان يُجادِلُ رسولَ اللَّه ﷺ في النَّسخِ، ويَدلُّ عليه أنَّه قال بعده: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وهذا خطابُ اليهود. والصَّحيحُ أنَّه خطابُ المؤمنين، فإنَّه يَتضمَّنُ الوعدَ لهم بالولاية والنُّصْرة. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد عَلِمتَ، كقولك لصاحبِك: ألم أُعطِك كذا؛ أي: قد أعطيتُكَ. وقيل: هو استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: اعلم، كقولك لصاحبك: ألم تَعلَم أنَّ زيدًا قَدِمَ؛ أي: اعلم، وهو كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتَهُوا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يَقدِرُ على أنْ يَتَعبَّدَ عباده بما شاء مِن العبادات المختلفة، ويَنقُلَهم من عبادةٍ إلى غيرِها، على حسب ما يَعلمُهُ صلاحًا لهم. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وله وجهان أيضًا كما للأوَّل؛ أي: قد عَلِمتَ، أو: اعلم، وهذا تفسيرُ قولِه: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالملكُ تمامُ القدرةِ واستحكامُها؛ أي: قد علمتُم أنَّه مالكُ السَّماوات والأرضِ وقادرٌ عليها، وأنَّه مالككُم فله الخَلْقُ والأمر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وكلمةُ ﴿مِنْ﴾ لتأكيد الجَحْدِ، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ عطفٌ على الجَحدِ، ولو لم تدخل "لا" لوَقعتِ الشُّبهةُ أنَّه ليس لهم هذان جميعًا؛ الوليُّ والنَّصير، إنَّما لهم أحدهما، فقال: ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ نفيًا لكلِّ واحدٍ منهما قصدًا.

стр. 983

والوليُّ: القيِّم بالأمر، من: ولَّيتُ الشَّيء إليه. والنَّصيرُ: المعينُ والمانعُ. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: سوى اللَّه، وفي هذه الجملة ثلاثُ معانٍ: أحدها: التَّحذيرُ مِن سَخَطِ اللَّه وعقابِه، إذ لا أحدَ يَمتنعُ منه. والثاني: التَّسكينُ لقلوبِهم بأنَّ اللَّهَ تعالى وليُّهم وناصرُهم دونَ غيرِه. والثالث: التَّفريقُ بين حالِهم وبين حالِ عبدةِ الأوثان؛ مدحًا لهم، وذمًّا لأولئك. * * * (١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال الزَّجَّاجُ كلمة "أم" إذا لم تكن للعطفِ على ألف الاستفهام، كانت بمعنى "بل"، فتقديرُه: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم؟ (١) وهذا استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. ونزولُ الآية في شأن اليهود لعنَهم اللَّهُ؛ فإنَّهم قالوا: ائتنا بكتابِ اللَّه جملةً واحدةً، كما جاء موسى بالتَّوراة جملةً (٢). وقولُه تعالى: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ هو ما ذُكِرَ في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾. وقيل: نَزَلت في المشركين، منهم: عبدُ اللَّه بن [أبي] أميَّة المخزوميُّ (٣)، حين

стр. 984

قال: يا محمَّد، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات [الإسراء: ٩٠]، فأخبر اللَّهُ تعالى أنَّهم سَلكوا في اقتراحِهم على نبيِّهم طريقةَ اليهود في اقتراحِهم على موسى بما ذكَرنا (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ التَّبديلُ والاستبدالُ أخذُ الشَّيء بدلًا عن الشَّيء، وأرادَ اختيارَ الكفرِ بمحمَّد ﷺ على الإيمان به. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: أخطأ وسطَ الطَّريقِ السَّويِّ الذي هو بين الغُلُوِّ والتَّقصير، وهو الحقُّ؛ يقال: احتجمَ فلان على سواءِ رأسه؛ أي: وسطه، وقال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]؛ أي: وسط الجحيم. * * * (١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾؛ أي: أحبَّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ؛ اليهودِ، وتمنَّوا أن يصرفوكم بعد الإيمانِ إلى الكفرِ، وهذا بيانُ شِدَّةِ عداوتهم وحَسدِهم للمؤمنين. وقال الزُّهريُّ وقتادة: هو كعبُ بن الأشرف وأصحابه.

стр. 985

وقال ابنُ عباس ﵄ هو حيي بن أحطب وأمثالهما (١). وقال مقاتل: إنَّ نفرًا من اليهود، منهم فنحاص بن عازورا وزيد بن قيس، دعَوا حذيفةَ بنَ اليمانِ وعمَّارَ بنَ ياسرٍ إلى دينهم بعد قتالِ أحد، فقالوا لهما: إنَّكما لم تصيبا خيرًا؛ للذي أصابَهم يومَ أُحُدٍ مِن البلاء، وإنَّ دينَنا أفضلُ من دينِكم، ونحنُ أهدى منكم سبيلًا، فقال لهم عمَّار: كيفَ نقضُ العهدِ فيكم؟ قالوا: شديدٌ، فقال: إنِّي عاهدتُ ربِّي ألَّا أكفرَ بمحمَّدٍ، ولا أتَّبعَ دينًا غيرَ دينِه، فقالوا: أما عمار فقد صبأ وضلَّ عن الهُدى بعد إذْ أبصرَه، فكيف أنت يا حذيفة، ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: اللَّهُ ربِّي، ومحمَّد نبيِّي، والقرآنُ إمامي، أطيعُ ربِّي، وأقتدي برسوله حتَّى يأتيني اليقين، فقالوا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَت قلوبُكما حبَّ محمَّدٍ (٢). فأخبرا النبيَّ ﷺ بما قِيل لهما وبما ردَّا عليهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أصبتُما إذًا الخيرَ، وأفلحتُما"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية (٣). ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾، ونظيرُه ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٦٩]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ الحسد: الأسفُ على مَن له خيرٌ بخيرِه، والتمنِّي أنْ يزولَ عنه إليه. و ﴿حَسَدًا﴾ نصبُه لوجهين: أحدهما: أنَّه مفعولٌ له؛ أي: يفعلون ذلك لأجلِ حسدِهم.

стр. 986

والثاني: أنَّه نصبٌ على الحال وهو مصدرٌ أريدَ به نعتُ الجمعِ؛ أي: حاسدينَ لكم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من قِبَلِ أنفسِهم مِن غيرِ أنْ يُؤمَروا به. وتعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهرِه أنَّ المعصيةَ مِن جهة العبد، لا فعلَ للَّه تعالى فيها، ونحن نقولُ: لا حجَّة لكم فيه؛ فإنَّا نقولُ: الإيمانُ والكفرُ والطَّاعاتُ والمعاصي أفعالُ العباد، وهي مخلوقاتُ اللَّهِ تعالى، والفِعلُ مِن العبدِ، والتَّخليقُ مِن اللَّه، والآيةُ لا تَنفي ما قُلنا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: بعد ما ظهرَ لهم أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، وأنَّ الإسلامَ دينُ اللَّه، قاله قتادةُ والرَّبيعُ بن أنس (١). وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ العفوُ: التَّركُ، والصَّفحُ: الإعراض. وانتظامُها بما قبلَها أنَّه رُويَ عن الصَّحابة رضوانُ اللَّه عليهم استأذنوا رسولَ اللَّه أنْ يَقتلُوا هؤلاء اليهودَ الذين كفروا بأنفُسِهم، ودَعَوا المسلمين إلى الكفر، فنزلت الآيةُ أن اتركوا قتالَهم، وأعْرِضوا عن مكافأتِهم، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي، يَحكُمَ بحكمِه في بني قريظةَ والنَّضير، فحكمَ في بني قريظةَ بالقتل، وفي بني النَّضيرِ بالإجلاء. وقيل: هو نهيٌ عن القتالِ، نُسِخَ بآيةِ السَّيف، ومعنى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: يأمرَ بالقتال. فإن قالوا هذه السُّورةُ مدنيَّةٌ، والأمرُ بالقتال كان سابقًا، فما معنى الأمرِ بترك القتال؟

стр. 987

قلنا: هذا أمرٌ بتركِ قتال هؤلاء على الخصوص؛ لأنَّهم كانوا مُعَاهَدين. ومعنى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ هو ما ذَكَرنا في الحكم بقتلِ هؤلاء وإجلاءِ هؤلاء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل أن يكون هذا نهيًا عن مكافأتهم على إيذائهم في الدُّنيا، ثم لم ينتسخ (١). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بعذابِهِ في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: مِن التَّعذيبِ والانتقامِ وكلِّ شيءٍ. وقيل: ﴿قَدِيرٌ﴾ على تفريجِكم عن أذاهم من غير قتالٍ، فانتظروا الفرجَ، واشتغلوا الآن بالصَّلاة والزَّكاة، ولذلك وَصَل هذه الآيةَ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) [يونس: ٨٧] أي: بالفَرَج. * * * (١١٠) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: أدُّوهما شكرًا لنعمةِ سلامةِ النَّفسِ وثروةِ المال؛ ليكونَ الشُّكر سببًا لبقاءِ نعمةِ الإيمان، فلا تقدر اليهودُ على صرفِكم عنه.

стр. 988

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "ما" كلمةُ شرطٍ، ولذلك جُزِمَ ﴿تُقَدِّمُوا﴾، وحُذِفَ النُّونُ منه لذلك، و ﴿تَجِدُوهُ﴾ جزاؤه، وهو مجزومٌ به، وحُذِفَ نونُه لذلك؛ أي: وكلُّ شيءٍ قدَّمتموهُ إلى الآخرة مِن الخيرات؛ من الصَّلواتِ، والزَّكواتِ، وسائرِ الطَّاعات، وجدتُم ثوابَها عند اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: يرى ما عمِلتُم مِن خيرٍ أو شرٍّ، وهو وعدٌ على الطَّاعةِ، ووعيدٌ على المعصية، بأبلغ وجهٍ. * * * (١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ أي: قال يهودُ المدينة -لعنهم اللَّه-: لن (١) يَدخلَ الجنَّة إلَّا اليهودُ، وقال نصارى بني نَجْران: لن يدخلَها إلَّا النَّصارى، فهذا على التفصيل، ليس أنَّهم جميعًا اجتمعوا على دعوَاهم دخولَهم جميعًا فيها، وبيَّن ذلك بقولِه بعد هذا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، فظهرَ أنَّ أحدَ الفريقين لا يَشهدُ للآخرِ بالجنَّة، وإنَّما جمعَهم في أوَّل الآية؛ لأنَّهم مجتمعون على الإيمان بالتَّوراة (٢)، ثم ذكر عنهم قولًا، وكان لكلِّ ذلك القولِ قائلٌ منهم، على التَّفصيل، فصحَّ الإجمالُ على إرادة التَّفصيل، كما في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾، اجتمعَ اللَّيلُ والنَّهارُ في كونِهما برحمتِه، ثم قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾

стр. 989

[القصص: ٧٣] فانصرفَ السُّكنى إلى اللَّيل، وابتغاءُ الفضلِ إلى النَّهار، وصحَّ هذا التفصيل مرادًا بالإجمال، فهذا كذلك. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمعُ أمنية، والتمنِّي: التَّشهِّي؛ أي: يَتَشهَّون ذلكَ بغيرِ حجَّةٍ، والعربُ تسمِّي الكلامَ العاريَ عن الحجَّةِ: تمنِّيًا، وغرورًا، وضلالًا، وأحلامًا؛ مجازًا. وقيل: الأماني: الأكاذيب هاهنا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ (١)؛ أي: قل: يا محمد؛ أقيموا حجَّتكم على دعواكم إنْ كنتُم صادقين فيها، ولم يقل (٢): براهينَكم، والخطاب للجمع، ولا بُرْهَانَيْكم على التثنية، وهم فريقان؛ لأنَّ الدَّعوى كانت واحدةً، وهي نفيُ دخول غيرهم الجنَّة، والحجَّةُ على تلك الدَّعوى واحدةً. وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على أنَّ النَّافي عليه الدَّليل، ولا يقال: إنَّهم أثبتوا الدُّخولَ لأنفسهم، فطولبوا بالبرهان عليه؛ لأنَّا نقول: ليس كذلك، بل نَفَوا دخولَ غيرهم صريحًا، وثبت دعواهم دخولَ أنفسهم دلالةً، والبرهانُ يُطْلَبُ على صريح الدَّعوى دون الدلالة، فإنَّ مَن قال: لا نكاح إلَّا بشهود؛ لا يقال له: لِمَ قلتَ: إنَّ النِّكاح يجوز بالشُّهود؟ بل يقال له: لِمَ قلت: إنَّه لا يجوزُ إلَّا بالشُّهود (٣)، ولذلك ردَّ اللَّه على هؤلاء نفيَ دخول غيرهم، لا دعواهم دخولَهم، حيث قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: بل يَدخلُ هؤلاء الذين أسلموا، الذين ينفون دُخولَهم (٤).

стр. 990

ثمَّ إنْ كان هذا أمرًا بأن يأتوا بالبرهان على أنَّ (١) المسلمين لا يدخلون الجنَّة، فهذا أمرُ تعجيزٍ؛ لأَنَّه لا برهانَ على هذا، وإن كان على دعوى دخولِهم الجنَّة؛ فإنَّه يجوز أنْ يكون برهانُهم ما قال في هذه السورة: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، ويجوز أن يكون هو الإيمان بمحمَّدٍ ﵇ وكتابه، قال ﵊: "ثمنُ الجنَّة لا إله إلا اللَّه" (٢)، وقال (٣): "مفتاح الجنَّة لا إله إلا اللَّه" (٤). ويجوزُ أن يكون برهانُهم ما ذُكِرَ بعدَه؛ وهو قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية، ﴿بَلَى﴾ ردّ لما قبله، وإثباتٌ لما بعده؛ أي: ليس كما يقول اليهودُ والنَّصارى، ومَن انقاد للَّه تعالى بالتوحيد بكلِّيته. والوجه: عبارةٌ عن كلِّ البدن، وخُصَّ بالذِّكر؛ لأنَّه أشرفُ الأعضاء، ولهذا يُخَصُّ بالتَّحيَّة (٥) فيقال: حيَّا اللَّه وجهك، وكرَّم اللَّه وجهك، وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٦) [طه: ١١١]، ولأنَّ أثرَ الانقياد والخضوعِ يَظهرُ في الوجه، فيجوزُ إضافةُ الفعلِ إليه.

стр. 991

ويقال: أسلم وجهه؛ أي: أخلصَ دينَه للَّه، وقد سَلِمَ هذا الشيءُ لفلانٍ، وأسلمتُه أنا له، وقال تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَالمًا لِرَجُلٍ﴾ (١) [الزمر: ٢٩]، ووجه المسلم: دينُه الحقُّ، فيه جمالُه وعليه إقبالُه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الواو للحال؛ ومعناه: أن يُحَسِّنَ أفعالَه مع صِحَّة اعتقاده وإقراره. وقيل: الإحسان: أداءُ ما أُمِر به، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقيل: هو الإحسانُ ببذلِ المال، قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقيل: هو إحسانُ المعاملةِ، وبذلُ المال والنَّفس، قال تعالى خبرًا عن صاحبَي السجن: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٨]. وقيل: هو كظمُ الغيظِ، والعفوُ عن المظالم (٢)، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ وأضمر هاهنا: وهم محسنون، ثمَّ قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقيل: الإحسانُ: ما فسَّره النبيُّ ﵇ لجبريل ﵇: "الإحسانُ: أن تعبدَ اللَّهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراك" (٣).

стр. 992

وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: فله ثوابُ عملِه في الآخرة عند اللَّه، وهو موحَّدٌ؛ لرجوعه إلى كلمة ﴿مِنَ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على الجمعِ؛ لأنَّه اسمُ جنسٍ، والمراد به الجمع، فرجعت الكنايةُ في الآخر (١) إلى المعنى، ومعناهُ: فلهم ثوابُ الإيمان والأعمال الصَّالحة عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يَستقبِلُهم مِنَ العذاب، ولا هم يَحزنون على ما خَلَّفوا من الدُّنيا، وله معانٍ أُخَرُ ذكرناها فيما مرَّ. * * * (١١٣) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ نزلَت الآيةُ في شأن يهودِ المدينة ونصارى بني نجران، اختصَموا عند النبيِّ ﷺ ، فقالت اليهودُ للنَّصارى: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حَقِّيَّة عيسى والإنجيل، وقالت النَّصارى لليهود: ما أنتم على شيءٍ، وجَحدوا حقِّيَّة موسى والتَّوراة، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وانتظامُ هذه الآية بما قبلَها: أنَّ في الآيةِ الأولى ذكرَ مقالةِ الفريقين في حقِّ غيرهم، وذكرَ في هذه الآية مقالةَ كلِّ فريق منهما للآخر. وقوله: ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدِّين الحقِّ، وهو كقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨].

стр. 993

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: كلُّ فريقٍ يتلو في كتابِه تصديقَ ما ينكره (١) لو رجع إلى الكتاب، فكفرَ اليهودُ بعيسى، وعندهم التَّوراةُ، وفيه بيانُ حقِّيَّة عيسى والإنجيل، وكفر النَّصارى بموسى، وعندهم الإنجيلُ، وفيه بيان حقِّيَّة (٢) موسى والتَّوراة. وقال الزَّجَّاج: يعني: أنَّ الفريقين يَتْلُوان (٣) التَّوراةَ، وقد وقعَ بينهم هذا الاختلافُ وكتابُهم واحدٌ، فدلَّ هذا على ضلالتِهم (٤). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي: كذلك قال مشركو العربِ (٥)، وَصَفَهُم بأنهم لا يعلمون؛ لأنَّهم ليسوا أهلَ الكتاب (٦)، ولا كان فيهم رسولٌ، قالوا لمحمَّدٍ وأصحابه: إنَّهم ليسوا على شيءٍ من الدِّين الحقِّ؛ كما أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. وهذا تقريعٌ لأهل الكتاب أنَّهم مع علمهم بالتَّوراة قالوا كقول أهل الشِّركِ الجاهلين، وهو مذمَّةٌ للمشركين أيضًا بما قالوا. وقيل: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم الذين لا يتلون الكتابَ منهم، وهم العوامُّ منهم. ثمَّ هذا إكذابٌ لهم على إطلاق كلامِهم، وردٌّ عليهم؛ أي: مَن أسلم من أوائلهم ولم يغيِّر (٧)؛ فهو على شيء.

стр. 994

وقيل: معنى قوله: ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: من الجنَّة، ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ فيعلمون كَذِبَ دعواهم، ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي: قالوا: ليس المسلمون على شيءٍ من الجنَّة، ونحن أولى بها منهم؛ كما أخبر اللَّه عزَّ وعلا عمَّن قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: يريهم مَن يَدخلُ الجنة عيانًا، ويَدخلُ النَّار عيانًا، فيظهرُ المُحِقُّ من المُبْطِلِ، وهو الحكم الفاصل (١) فيما يَصيرُ إليه كلُّ فرقةٍ؛ فأمَّا الحكمُ بينهم بالحُجَّة؛ فقد بيَّنه اللَّه تعالى فيما أظهره من حُجَج المسلمين، ومِنْ عجزِ الخلقِ عن (٢) أن يأتوا بمثل هذا (٣) القرآن. * * * (١١٤) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّ الآيةَ الأولى في ذكر قبح مقالهم، وهذه في ذكرِ قبح فعالهم. ووجهٌ آخر: كيف يدَّعون أنَّهم أهلُ الجنَّة وهم يمنعونَ عباد اللَّه عن عبادة اللَّه في بيوت اللَّه؟! و ﴿ومَن﴾ كلمة استفهامٍ، وهي بمعنى النَّفي هاهنا؛ أي: لا أحدَ أظلمُ مِن فاعل

стр. 995

هذا الفِعل، والظُّلمُ: وضعُ الشَّيءِ في غير موضعِه، و ﴿مَنَ﴾ (١) رفع بالابتداء، و ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، و ﴿مَسَاجِد﴾ نصب بوقوعِ فعل المنع عليها، و ﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، ومحلُّه نصبٌ (٢)؛ لأنَّه بدلٌ عن قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: مِمَّن منع أن يُذكر في مساجد اللَّه، وهو كتفسير منع المسجد، فإنَّ مَنْعَ الذاكرَ عن المسجد منعُ المسجد عن الذَّاكر. ويجوز نصبُ ﴿أَنْ يُذْكَرَ﴾ على تقدير: لأنْ يذكر، فيكونُ مفعولًا له. وقيل: تقديرُه: من أن يَذكرَ؛ أي: منعَ المساجدَ مِن أنْ يُذكَر فيها اسمه، وَذِكْرُ اسمِ اللَّه ذكرُ اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] أي: واذكر ربَّك. وقوله تعالى: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ﴿وَسَعَى﴾ كلمةٌ تختلف معانيها باختلاف مصادرها؛ يُقال: سَعى سعيًا (٣)؛ إذا عَمِلَ، وإذا كَسَب، وإذا غَدا. وسَعى مَسْعاةً؛ إذا جاد وتكرَّم، وجمع المسْعاة: المساعي. وسَعى سِعايةً؛ إذا أخذ الصَّدقات، وهو عاملُها. وكذا: سَعى به إلى السُّلطان سِعايةً؛ أي: وشى به. وكذا سَعى (٤) المكاتَبُ ومُعتَقُ البعضِ في أداءِ ما عليهِ سِعايةً. وساعى الرَّجُلُ الأمَةَ -أي: فَجَر بها- مُساعاةً، ولا يقال ذلك في الحُرَّة.

стр. 996

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الجمع، والمذكورُ قبلَه الواحد، وهو مَن منع وسعى؛ لأنَّ معناه الجمع، و ﴿يَدْخُلُوهَا﴾ كنايةٌ عن المساجد، وهي مؤنَّثة؛ لأنَّها جمعٌ، و ﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: لا يكون، و ﴿خَائِفِينَ﴾ نصبٌ على الحال، واختلف في المرادِين بذلك. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ ططوس بنَ اسبسيانوس (١) الروميَّ، وكان ملكَ الرُّوم، غزا بالرُّوم بيتَ المقدس، وخرَّبهُ، وألقى فيه الجيفَ، فلم يزل خرابًا لم يُعمر، وقَتَل مقاتلتهم، وسبى ذرارِيهم، وأحرقَ التَّوراة، فلم يزل خرابًا حتَّى بناهُ أهلُ الإسلام في زمان عمرَ رضي اللَّه تعالى عنه. وقال مقاتل: كان اسمُ الملك أنطياخوس بنَ بكيس (٢) الرُّوميَّ. وقال الحسنُ والسدِّيُّ وقتادةُ: خرَّبه بختنصَّر البابليُّ المجوسي، وأعانَهُ على ذلك أعداءُ اللَّه الروم (٣)، حملَهم على ذلك بغضُ اليهود. ولمَّا استولى عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه على ولاية كسرى، وغنمَ أموالهم، عمَّر بها بيتَ المقدس، وسأل عن حدوده، فلم يَعرفهُ أحدٌ غير يهوديَّةٍ، فشارطَت عمرَ ﵁ أن يكون واحدٌ مِن ذرِّيَّتِها فيه بعد العمارة أبدًا،

стр. 997

فأجابَها عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه إلى ذلك، فبيَّنت، وعَمروه ووفَّوا (١) لها بالشَّرط. ثمَّ ذكر المساجد جمعًا، وإن أُريدَ بها (٢) الواحدُ لوجهين: أحدهما: أنَّ كلَّ موضعٍ منه مسجدٌ؛ أي: موضعُ سجودٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ (٣) [المجادلة: ١١]. والثاني: أنَّه تشريفٌ له وتعظيمٌ؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] في حقِّ محمدٍ ﷺ ، وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] في حقِّ جبريلَ صلوات اللَّه عليه. وقولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ وذلك أنَّ الواحدَ منهم لا تُسَلَّم له الرئاسةُ، ولا يُجعَل من الرُّهبان ما لمْ يَزُر بيتَ المقدس، ولا يمكنُه ذلك ظاهرًا؛ لأنَّ اليهودَ يقتلونه، فيتنكَّرُ، ويدخلُ خائفًا على نفسه أن يُعْرَف فيَتْلَف. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ وقيل (٤): هو القتلُ إنْ كان حربيًّا، وأخذُ الجزيةِ عن صَغارٍ إن (٥) كان ذمِّيًّا، قاله الزَّجاجُ وقتادة (٦).

стр. 998

وقيل (١): هو قطعُ أيدي النَّصارى عن بيتِ المقدس بعد أنْ كانوا ممكّنين (٢) منه. ويقال: ما مِن يومٍ إلَّا ويؤسَرُ فيه من الرُّوم أو يُقتَل؛ لوعيد اللَّه تعالى فيهم. وقال السُّدِّيُّ: خزيُهم عند خروج المهديِّ، وقتله إيَّاهم، وفتحِ القُسْطَنْطِينيَّة (٣). وقال مقاتل (٤): هو فتحُ مدائنهم الثَّلاث، قُسْطَنْطِينيَّة وعمورية ورومية (٥). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ تقدَّم ما سردناهُ من الأقاويل على خزي الدُّنيا، وعذاب الآخرة (٦): النَّارُ الكبرى، والعذابُ بها أشدُّ من كلِّ عذابٍ؛ لأنَّه لا يَنقطع. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيد بنِ أسلم: هم مشركو العرب حين صدُّوا رسولَ اللَّه ﷺ عن دخول مكَّة عام الحديبية (٧). والمرادُ بالسَّعيِ في خرابه هو المنعُ عن الصَّلاة فيه، دون تخريبِه حقيقةً، فإنَّ عمارةَ المسجدِ تكونُ بالعبادة فيه لا بالبناء، قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]؛ أي: بالعبادةِ، لا بالبناء، ولأنَّ منعَهم عن العبادة فيه وتفريقَهم يَمنعُهم عن تفقُّده (٨)، فيتخرَّبُ أبنيتُه.

стр. 999

ومعنى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ أي: بعد فتحِ مكَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وخزيُهم في الدُّنيا: فتحُ مكَّة، والعذابُ العظيم في الآخرة لمن ماتَ على الشِّركِ. وكانوا يمنعون في الابتداء عن الصَّلاة فيه أيضًا، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠]، وهو أبو جهل لعنه اللَّه تعالى، نهى (١) محمدًا ﷺ عن الصَّلاة في المسجد الحرام، وقصَّته معروفةٌ (٢)، والأمرُ بالمخافتة في بعض الصَّلاة كان لذلك، وكانوا يَعبدون سرًّا، حتَّى أعلنَهُ عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه. والمساجدُ ذُكِرَت جمعًا في هذا؛ لِمَا مرَّ في بيت المقدس. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هم جميعُ الكفَّار، يُقَاتلون المسلمين لأجل الدِّين، ومنعهم (٣) عن الصَّلاة وسائرِ العبادات. والمساجدُ أُرِيدَ بها جميعُ الأرض، قال النبيُّ ﷺ : "جُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا" (٤). والسَّعيُ في خرابها: هو تخريبُ بلادِ المسلمين، نعوذُ باللَّه تعالى، و (٥)

стр. 1000

خزيُهم (١) أنَّه لا يمكنُهم دخولُ دار الإسلام إلَّا بأمانٍ فإذا دخلوا بغيرِ أمانٍ قُتِلوا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ومَنْ أظلمُ ممَّن خرَّبَ بالشَّهواتِ أوطانَ العبادة (٢)، وهي نفوسُ العابدين، وخرَّبَ بالمُنى والعلاقاتِ أوطانَ المعرفة، وهي قلوبُ العارفين، وخرَّب بالحظوظ والمساكنات أوطانَ المحبَّة، وهي أرواحُ الواجِدين، وخرَّب بالالتفاتِ إلى القُرُبات أوطانَ المشاهدات، وهي أسرار الموحِّدين (٣). * * * (١١٥) - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وانتظامُها بما قبلها أنَّ معناه: لا يَمنعْكُم تخريبُ مَن خرَّبَ المساجدَ أن تُصلُّوا له حيث كنتُم، فلله (٤) المشارقُ والمغارب، وأينما تَوجَّهتُم ففيه رضاءُ اللَّه تعالى. و"أينما" كلمةُ شرطٍ، وهي جازمةٌ، وعلامة الجزم هاهنا سقوطُ النُّون. و ﴿تُوَلُّوا﴾ أي: توجِّهوا وجوهَكم، والتَّوليةُ متعدِّيةٌ (٥)، وجوهكم مضمره، وقوله: ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك. وقوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: قبلةُ اللَّه، فإنَّ الوجهَ والوِجهةَ والجِهةَ بمعنًى (٦)، والقبلةُ تسمَّى بذلك؛ لورودِ الأمر بالتوجُّه إليها.

стр. 1001

وقيل: أي: رضاءُ اللَّه تعالى، يقال: فعلَ ذلك لوجهِ اللَّه، وأعتقَ عبدَه لوجهِ اللَّه؛ أي: لرضاء اللَّه. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀ مع ذكر هذين القولين: قيل (١): معناه: فثمَّ اللَّه، والوجهُ يُذْكَرُ ويُرَادُ به الذَّات، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ أي: ربُّك، ومعناه: ليس (٢) عنهم بغائبٍ (٣)، وفي نزول الآية أقاويل: قال قتادةُ: كان للمسلمين التوجُّه في الصَّلاة إلى حيث شاؤوا بهذه الآية، ثمَّ نُسِخَ بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية (٤). وقال ابنُ عباس ﵄: نزلت ردًّا على اليهود لمَّا استنكروا تحويلَ القبلةِ إلى الكعبة (٥). وقال الكلبيُّ ومقاتلُ بنُ سليمان: إنَّ ناسًا مِن أصحاب الرَّسول ﵇ كانوا في سفرٍ قبل تحويل القِبلةِ إلى الكعبة (٦)، فأصابَهُمُ الضَّبابُ، وحَضَرتِ الصَّلاةُ، فتَحرَّوا (٧) القبلةَ إلى بيتِ المقدس؛ فمنهم مَن صلَّى قِبَلَ المشرق، ومنهم مَن صلَّى قِبَلَ المغرب، فلمَّا طَلَعَتِ الشَّمسُ، عَرَفوا أنَّهم قد صلَّوا لغير القِبلة، فلمَّا قَدِموا المدينةَ أخبروا النبيَّ ﵊ بذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٨).

стр. 1002

وروى عبدُ اللَّه بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه قال: كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في ليلةٍ مظلمةٍ في سفرٍ، فلم نَدرِ أين القِبلةُ؟ وصلَّى كلُّ رجلٍ منَّا على حِيَالِهِ، ثمَّ أصبحنا، فذكرنا ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنَزلَت هذه الآية (١). وفي بعض الرِّوايات: فخطَّ كلُّ واحدٍ منَّا خطًّا (٢). وفي بعضها: فجعلَ كلُّ رجلٍ منَّا مسجدًا أحجارًا بين يديه، فلمَّا أصبحنا إذا نحن على غيرِ القِبلة (٣). وقيل: هذا في الصَّلاة النافلةِ على الراحلة، قال ابنُ عمر: كان النبيُّ ﵊ يُصلِّي على راحلتِه تطوُّعًا أينما توجَّهت به وهو جاءٍ مِن مكَّةَ إلى المدينة، وفي هذا أنزلت الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤). وقال الحسنُ ومجاهدٌ والضَّحَّاك: لما نزلت قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: أين ندعوهُ؟ فنزلت هذه الآية، فقالوا: كيف ندعوه؟ فنزلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٥).

стр. 1003

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الواسعُ: الجَوَادُ الذي يسعُ عطاياهُ السَّائلين، والواسع: الغنيُّ، والسَّعَة: الغَناء؛ أي: هو غنيٌّ عن عبادةِ العباد، فلا يُؤاخِذُهم بمراعاتها على وجهٍ واحدٍ، جوادٌ يتقبَّلُ منهم عمَلهم إذا أرادوا به رضاهُ، ومُوسِّعُ الأمور على المؤمنين بفضلِه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بعجزِهم وضعفِهم. وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قَصدوا ونووا. وقيل: وهو -على قولِ ابن عبَّاس ﵄ الذي ذكرناه؛ أنَّه ردٌّ على اليهود في إنكارِهم نقلَ القِبلة إلى الكعبة- أنَّ اللَّهَ واسعٌ؛ أي: غنيٌّ، لم يَنقلْكم إلى الكعبةِ حاجةً إلى عبادتِكم، ولا ازديادًا في ملكه؛ بل لأنَّه عليمٌ بمصالِحكم فيتعبَّدُكم بما هو أصلحُ لكم. وعلى هذا القولِ يكونُ معنى قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: من حيث توجَّهتُم إلى مكَّةَ فهناكَ قبلةُ اللَّه؛ أي: توجَّهوا إليها دونَ غيرِها، فإنَّه ممكنٌ لكم حيث كنتُم بالاستدلال. وقيل: نزلت في النَّجاشيِّ حيث أَسلمَ، وتوجَّهَ إلى المدينة، فمات في الطَّريق، فأخبرَ جبرئيلُ رسولَ اللَّه ﵊ به، فصلَّى على النَّجاشيِّ مع أصحابِه، فقالوا: كيف نُصلِّي عليه، وإنَّه لم يصلِّ إلى قبلتنا؟! فنزلَت هذه الآية (١). * * * (١١٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.

стр. 1004

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ أي: قالت اليهود: عزيرٌ ابن اللَّه، وقالت النَّصارى: المسيحُ ابنُ اللَّه، وقال بنو مليح مِن مشركي العرب: الملائكة بنات اللَّه. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّهَ نفسَه عن ذلك، والتَّسبيحُ: التَّنزيه. وقيل: هو على الأمر بلفظة المصدر؛ أي: نَزِّهُوه عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فكلُّ ذلك مملوكٌ له مربوب، فكيف يكونُ عزيرٌ أو عيسى أو الملائكةُ ولدًا له، وكلٌّ منهم عبدٌ له مربوبٌ مخلوق؟ والولَدُ لا يكون إلَّا مِن جنس الوالد، ولا يكون الصُّنع مِن جنسِ الصَّانع. وقال الإمام أبو منصور ﵀: اتِّخاذُ الولد لا يكون إلَّا لأحد وجوهٍ أربعة (١): إمَّا لشهواتٍ (٢) تغلبُه، فيقضيها به. وإمَّا لوَحْشَةٍ تأخذُه (٣)، فيَحتاجُ إلى مَن يَستأنِسُ به. أو لدفعِ عدوٍّ يقهرُه، فيَحتاجُ إلى مَن يَستنصِرُه ويَستغيثُ به (٤). أو لخوف (٥) حِدْثان الدَّهرِ والموت؛ ليرثَ ملكَه، ويَقومَ مقامَه، واللَّهُ تعالى مُتعالٍ عن هذه العِلَل كلِّها. وأمَّا اتِّخاذُ الحبيبِ والخليلِ فإنَّه جائزٌ مِن اللَّه جلَّ وعلا؛ لأنَّ المحبَّةَ تقعُ على غير جوهر المحَبّ، وأمَّا الولدُ فلا يكون إلَّا مِن جنسِه وجوهرِه، واعتَبِرهُ بمحبَّةِ الإنسانِ أشياء سوى البشر.

стр. 1005

ولأنَّ الخُلَّةَ تَقعُ لأفعالٍ (١) تُكتسَب، فيعلو بها أمرُه، فيَستوجِبُ بها الخلَّةَ بمعنى الجزاء، فأمَّا البنوَّة فلا تكون لأفعالٍ تُكتسَب، بل بدؤها مِن مولده، وقد نَفى اللَّهُ تعالى عن نفسِه ما به يكونُ الولدُ بقولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. ولأنَّ الخلَّةَ يَجوزُ القولُ بها تحقيقًا وتسميةً؛ أمَّا التَّحقيقُ؛ فلأنَّها إيثارٌ ورِضى واختصاصٌ من اللَّه، وهو جائزٌ، والتَّسميةُ وردَ بها الشَّرعُ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فأمَّا البنوَّة فلا تجوزُ تحقيقًا؛ لأنَّها تدلُّ على الجنسيَّة والبعضيَّة، وهي نقيصةٌ منفيةٌ، ولم يَرِد بإطلاقِها الشَّرع، فبَطَل القولُ بها. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قيل: أي: عزيرٌ وعيسى والملائكةُ كلُّهم مُطيعونَ له، مُقِرُّون له بالعبوديَّة. والقُنوتُ: الطَّاعة، وإنْ صُرِفَ إلى كلِّ مَن في السَّماوات والأرض؛ فالمسلمُ له مُطِيعٌ طَوْعًا، والكافرُ كرهًا، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، ولأنَّ المسلمَ مطيعٌ له اختيارًا، والكافرُ (٢) اضطرارًا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقيل: القُنوتُ: الدُّعاء، ومنه قنوتُ الوتر، والمؤمنُ يَدعو اللَّهَ تعالى أبدًا، والكافرُ عند الضَّرورة، كما تلونا من الآية. والقنوتُ أيضًا: القيامُ، قال النبيُّ ﷺ : "أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القنوت" (٣)،

стр. 1006

والكلُّ قائمون دائمون على ما خلقَهم، لا يَملكُ أحدٌ أنْ يُبَدِّلَ نفسَه ويُغيرَها (١). وقال السُّدِّيُّ: كلٌّ له قانتون يومَ القيامة (٢). وقيل: ذُكِرَ الكلُّ، وأريدَ به البعضُ، كما في قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ (٣) [البقرة: ٢٦٠]، وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. وقال الإمام أبو منصور بعد ذكره أكثرَ هذه الأقاويل: ويحتملُ تنزيهَ الخلقة؛ لأنَّ خلقةَ كلِّ أحدٍ تُنَزِّهُ ربَّهُ عن جميعِ ما يَقولون فيه (٤). أو يقال: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ في الجملة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (٥). * * * (١١٧) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: البديعُ والمبدعُ والمبتدعُ واحدٌ، وهو الذي لم يَسبقهُ أحدٌ في إنشاء مثلِه، ولذلك سُمِّيَ صاحبُ الهوى مبتدعًا؛ لمَّا لم يسبقهُ في مثلِ قولِه أحدٌ. وهذا رد على الذين قالوا: اتخذ اللَّه ولدًا؛ أي: مَنْ قَدَرَ على خلق السَّماوات والأرض من غير شيءٍ، كيف لا يَقدِرُ على خلق عيسى مِن غير أبٍ (٦).

стр. 1007

وقال ابنُ مِقْسَم (١): يجوزُ أن يكون العينُ بدلًا عن الهمزة، والبديع والمبدع كالبديء والمبدئ، قال تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩]، فجاء على: فعل وأفعل جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال ابنُ مقسم: إذا قضى أمرًا (٢)؛ أي: قدَّرهُ، و ﴿قَضَى﴾ في القرآن جاء لمعانٍ: للأمرِ، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وللإخبارِ، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]. وللحُكمِ، كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩]. وللتخليقِ، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. وللفراغِ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ (٣) [يونس: ٧١]؛ أي: افْرَغوا مِن أمرِكم. وللحَتْمِ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: ٢]. وللقَتلِ، كما قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] هي الموتُ من هذا.

стр. 1008

وللإرادةِ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: أراد، وتوضيح (١) ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢) [يس: ٨٢] أو ذَكرَ قضاءَ الأمرِ و (٣) أرادَ به إرادةَ قضاءِ الأمر، كما في قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] أن (٤) المرادَ بهذه الأفعال إرادَتُها. وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ هو واحدُ الأمور؛ أي: الخطوب، لا واحدَ الأوامر الذي هو صفةُ الأمر؛ لأنَّه صفةٌ للَّه، فلا تَدخلُ تحت قضائِه؛ إذ يُراد بالأمر المأمورُ المخلوق. وقيل: معناه: وإذا أرادَ خلقَ ولدٍ بلا أبٍ، كوَّنَهُ فكان. هو جواب النصارى: إن لم يكن عيسى ولدًا للَّه، فمن أبوه؟ فأجيبوا بهذا. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لم يُرِد به أنَّه خاطَبَهُ (٥) بكلمةِ: كن، فيكون، بهذا الخطاب؛ لأنَّه لو جُعِلَ خطابًا حقيقةً، فلا يخلو؛ إمَّا أن يكونَ خطابًا للمعدوم، وبه يوجَد، أو خطابًا للموجودِ بعدما وُجِدَ، لا جائزٌ أن يكون خطابًا للمَعدومِ؛ لأنَّه لا شيء، فكيف يخاطب، ولا جائزٌ أنْ يكون خطابًا للموجودِ؛ لأنَّه قد كان، فكيف يقال له: كن، وهو كائنٌ، وإنَّما هو بيانُ أنَّه إذا شاء كونَه كوَّنَهُ فكان. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس هو قولًا من اللَّه أنْ كُنْ؛ بالكاف والنون، لكن هذا أوجزُ كلامٍ يؤدِّي الكلامَ التامَّ المفهومَ، إذ ليس في لغة العرب

стр. 1009

كلامٌ التَّحقيق بحرفين يؤدِّي المعنى المفهومَ أَوْجَزَ مِن هذا وما سواه صِلاتٌ وأدوات (١). وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (٢)؛ أي: قضى بإهلاكِ قومٍ واستئصالِهم، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣). وهو استعارةٌ أنَّه لا يَدخلُه تأخير، ولا يلحقُه به تعبٌ، ولا يَمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَخرجُ عن نفادِ حكمِه خلْقٌ. وقوله ﴿فَيَكُونُ﴾ رفعهُ بطريقين؛ أحدهما: بالاستئناف، والثاني: العطف على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤). * * * (١١٨) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. وقوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ هم مشركو العربِ، يَذكرُ قُبحَ مقالتِهم بعدما ذكرَ قُبحَ مقالةِ اليهود والنَّصارى، وله وجوهٌ: أحدُها: كانوا يعلمونَ حقيقةً، لكن لم يَنتفعوا (٥) بعلمِهم، فنَفى العلمَ عنهم.

стр. 1010

والثاني: الذين لا يَعلمون توحيدَ ربِّهم. والثالث: الذين لا يَعلمون الكتاب، قالوا: هلَّا يُكلِّمُنا اللَّهُ، فيخبرنا بأنَّك رسولُه، أو تأتينا آيةٌ نقترحُها نحن، فنعلمُ بها أنَّك رسول اللَّه. والرابع: لا يَعلمون أنَّهم لم يَبلغوا المبلغَ الذي يتمنَّون أن يكلِّمَهم اللَّهُ. والخامس: لا يَعلمون أنَّه قد كلَّمهم وأخبرَهم بالوحي والقرآن، وآتى رسولَه آياتٍ على رسالتِه، لكنَّهم يعاندون. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ أي: بنو إسرائيل قالوا لموسى: لن نؤمنَ لك حتَّى نَرى اللَّه جهرةً، وقال هؤلاء: لولا أُنْزِلَ علينا الملائكةُ أو نَرى ربَّنا، وسألوا آياتٍ اقترحوها، من نحو قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣] (١). و"أو" في هذه الآية: ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾، وفي هذه الآيات للتخيير؛ أي: تَفعلُ هذا، أو هذا، قال اللَّه تعالى (٢): ﴿كَذَلِكَ قَالَ﴾ أي (٣): اقترح ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وقالوا لعيسى صلوات اللَّه

стр. 1011

عليهما: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، فتحكُّمُهم كتحكُّم أولئك. ويَحتملُ ظاهرُ هذه الآية وجهين: أحدهما: أنَّ أولئك سألوا عين ما سأل هؤلاء. ويَحتملُ أنَّ سؤال أولئك كان سؤال تعنُّتٍ، لا سؤالَ استرشادٍ كسؤال هؤلاء، وتكون التَّسويةُ بين الفريقين في صفةِ السُّؤال، لا عين المسؤول. وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تماثَلَت قلوبُ الفريقين في التَّكذيب والكفر وإرادةِ سؤالِ التعنُّت، وهو كما قال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: التَّوراةَ والإنجيلَ لأهلِ الكتاب، والقرآنَ للكلِّ، فلِمَ يسألون إتيان الآيةِ، وقد أتتهُم الآيات؟! وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فأصلُ البيان الذي يَقعُ به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع؛ كما قلنا في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، و ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. * * * (١١٩) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: مبشِّرًا لِمَن أيقنَ بالآيات فآمن، ونذيرًا لِمَن تغافلَ عنها فلم يؤمن. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالإسلام، قال تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣].

стр. 1012

وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: لبيان الحقِّ، والباءُ قد تكون بمعنى اللام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]؛ أي: لأنَّ اللَّه (١). وقيل: أي: على الحقِّ، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]؛ أي: على الحقِّ؛ يعني: أنَّها حقٌّ لا باطل، والباءُ قد تكون بمعنى: على، قال تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ أي: عليهم. وقيل: معناه (٢): أرسلناك مع الحقِّ، وهو القرآن، والباءُ قد تكون بمعنى: مع، يقال: دخل فلانٌ بسيفِه؛ أي: مع سيفه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ أي: عن الكفَّار الذين هم أصحابُ النَّار، و (٣) الجحيم: النَّارُ الشَّديدةُ الالتهاب، والجاحم (٤): المكان الشديد الحرِّ. والقراءةُ الفاشيةُ فيه ضمُّ التَّاء واللَّام، ورفعُه مِن وجهين: الاستئنافُ والحال، أي: أرسلناك (٥) بشيرًا ونذيرًا، غيرَ مسؤولٍ عن أهل النَّار، إنَّما عليك البلاغُ، وعلينا الحساب، فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات، ولذلك قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وهو كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وقرأ نافعٌ: ﴿وَلَا تَسْأَلُ﴾ بفتحِ التاء وجزمِ اللام (٦). قال الزجَّاج: لها (٧) وجهان:

стр. 1013

أحدهما: النَّهيُ عن المسألة، قال ابنُ عباس ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ ﵃: قال رسول اللَّه ﷺ يومًا: "ليت شعري؛ ما فعلَ أبواي؟ "، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فلم يذكرْهما حتَّى توفَّاه اللَّه عزَّ وعلا (١). والثاني: التَّفخيمُ لما أعَدَّ لهم مِنَ العذاب؛ كما يُقَال (٢): لا تَسألْ عن حال فلان؛ أي: قد صار إلى أعظم ممَّا يُظَنُّ به (٣). وقُرِئ بضمِّ التَّاء وجزم اللَّام (٤)، وهو نهيُ النَّاسِ عن أنْ يَسألُوهُ عن أصحاب النار (٥). ولمَّا أُمِرَ بتبشير المؤِمنين وإنذار الكافرين، كان يَذكُر عقوبات الكفَّار، فقام رجلٌ وقال: يا رسولَ اللَّه؛ أين والدي؟ فقال: "في النَّار"، فحزن الرجل، فقال ﵊: "إنَّ والدي ووالدَيك ووالدَ إبراهيم ﵇ في النار"، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فلم يسألوه شيئًا من بعد ذلك (٦)، وهو كقوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].

стр. 1014

وعلى القراءة الفاشية ذُكِر في نزول هذه الآية عن الضَّحَّاك قال: لمَّا فرغ النبيُّ ﷺ عن (١) قتال أهل مكَّة يوم بدرٍ، ورمى بقتلاهم في القَلِيب؛ نادى بأعلى صوته: "ألم أنذركم؟ ألم أتقدَّم إليكم؟ ألم أُحذِّركم؟ فقد نزل بكم ما نَزَل"، وهو يَتوجَّعُ لهم ويقول في مقالته: "أي ربّ، قد أعذرتُ إليهم؟ " فأنزلَ اللَّه تعالى هذه الآية (٢). وقال مقاتل: قال النبيُّ ﷺ : "لو (٣) أنزلَ اللَّه تعالى بهؤلاء الذين قالوا: لولا يكلِّمنا اللَّه أو تأتينا آيةٌ. عقوبةً بما قالوا"، فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وإنَّ اللَّه قد أحصاها عليهم (٤). * ** * (١٢٠) - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ولمَّا أُمِرَ بالتبشير والإنذار للمسلمين والكفَّار (٥)؛ كان يُلاطِف كلَّ فريقٍ في الكلام؛ رجاءَ أنْ يُسلِموا، فنَزلَت هذه الآية؛ أي: لا يَرضى عنك الفريقان بهذا، وإنَّما يرضون عنك باتِّباعك ملَّتهم؛ أي: دينهم.

стр. 1015

والمِلَّةُ: الطَّريقُ الواضحُ، وقيل: الطَّريقُ المسلوك، وقيل: هي النِّحْلَة، وقيل: هي الطَّريقة التي يَحْمى لها صاحبُها إذا تعرَّضوا لها، مِنْ قولهم: خبزُ مَلَّةٍ، وهو الذي خُبِزَ في الجمرِ تحت الرَّماد. وقيل: معناه: حتى تتَّبع قبلتهم؛ أي: تصلِّي إليها، ولا يُمكنُك ذلك؛ لأنَّ النصرانيَّة غيرُ اليهوديَّة، وكذا قبلةُ النَّصارى إلى المشرق، وقبلةُ اليهودِ إلى المغرب، ولو تَوجَّهت إلى أحدهما؛ استدبرتَ الأخرى، فاترك طلب رضاهم، واتَّبع رضايَ وقبلتكَ التي أنت عليها. وقال الزجَّاج: كانوا يسألونه الهدنةَ والمسالمةَ، ويُرُوْنَهُ أنَّه إنْ أمهلَهم؛ أسلموا، فأعلَمَهُ (١) أنَّهم لنْ يَرضوا عنه حتى يتَّبع ملَّتَهم (٢). وقيل: كان يجتهدُ في طلبِ ما يُرضيهِم؛ ليُقبِلوا إلى الإسلام، فقال له: دعْ طلبَ ما يُرضيهم إلى ما أمرتُك به مِن مجاهدَتهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: طريق اللَّه؛ وهو الإسلامُ، هو الطريقُ الحقُّ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّ دينَ اللَّه الذي اختارَه أهلُ الإسلام؛ بالأمر، واتِّباعِ الآيات هو الدِّين، لا ما اختارَهُ هؤلاء بأهوائهم (٣). وقال الزَّجَّاج: قل: إنَّ الصراط الذي دَعا إليه وهَدى إليه هو طريقُ الحقِّ (٤).

стр. 1016

وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: في الدِّين والقِبلة، وإنَّما جمع الأهواء، ولم يقل: هواهم؛ لأنَّ فِرقَ الخلاف لم يكونوا على هوًى واحدٍ، بل لكلِّ فرقةٍ هوى، فأخبرَ أنَّه لا يُرضِي الكُلَّ إلَّا باتِّباع أهواءِ الكلِّ. ثمَّ قيل: هذا خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ ظاهرًا، والمرادُ (١) أمَّتُه، وهو معهودٌ أن يُخاطَب رأسُ القوم بما يَلزمُ القومَ. وقيل: هذا الخطابُ ليس للنبيِّ ﷺ ، بل معناه: أيُّها المتَّبع رضاهُم إنْ اتَّبعت أهواءَهم. والصَّحيح أنَّه خطابٌ للنبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ ما قبلَه وما بعده خطاب له. فإن قيل: كيف نهى رسولَه عنِ اتِّباع ملَّتهم على علمٍ منه أنَّه لا يَتَّبع؟ هذا سؤالُ الإمام أبي منصور ﵀، فأجاب عنه فقال: إنَّ العصمةَ لا تُزيلُ المحنةَ ولا تَدْفعُها، بل المحنةُ إنَّما تَقعُ في العصمة لوجهين: أحدهما: أنَّ عِصْمَتَه لما مضى لا توجب عصمتَه في الحادث. والثاني: أنَّ أحقَّ مَن يُنهى عن الأشياء مَن أُكرِمَ بالعصمة؛ إذ على زوالِ النَّهي عنه تَرتفعُ عنه جهةُ العصمة؛ لأنَّه يصيرُ برفع النَّهي عنه (٢) مباحًا، وفي إزالةِ الأمر والنَّهي إزالةُ فائدةِ العصمة؛ لأنَّ العصمةَ هي أن يُعصَمَ في الأمر حتَّى يؤدِّيَه، وفي النَّهي حتَّى ينتهي عنه (٣).

стр. 1017

وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: بيانِ حقِّيَّةِ (١) الإسلام وبطلانِ الكفر، وأنَّ القِبلةَ هي الكعبة. وقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ كان وعدُه التأييدَ بنصره وبالمؤمنين بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]، فأخبرَ بهذه الآية أَنَّه لو اتَّبع أهواءَهم، لم يكن له مِنَ اللَّه وليٌّ؛ أي: حبيبٌ يتولَّى عنه الدفاع، ولا ناصرٌ يمنع عنه العذاب. وقيل: يَنصرُك؛ أي: يعينُك؛ فيغلبُ به سلطانَ اللَّه فيما نريدُ تعذيبَك (٢). * * * (١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ مَدَحَ بهذه الآية الذين أسلموا من أهلِ الكتاب بعدما ذمَّ في الآيات المتقدِّمة الذين عاندوا فلم يسلموا (٣)، فالذين آمنوا (٤) هم عبدُ اللَّه بن سلام، وأسدٌ، وأُسيدٌ، ويامين بن يامين، وثعلبةُ الخشنيُّ، وجماعة. وقيل: هم الأربعون الذين قَدِموا مِنَ الحبشة مع جعفر بن أبي طالب؛ اثنان وثلاثون منهم مِنَ اليمن، وثمانيةٌ مِن علماء الشام (٥).

стр. 1018

وقيل: هم تسعةٌ وثلاثون رجلًا مِن بقايا قوم عيسى؛ آمنوا بمحمَّدٍ ﷺ قول عيسى، وثبتوا عليه حتَّى خرج النبيُّ ﵊، قال اللَّه عزَّ وعلا: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] الآية. وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ، وإنَّما خصَّهم (١) بذكرِ الإيتاء؛ لأنَّهم هم الذين عملوا به، فكأنَّهم خُصُّوا (٢) به. وقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال مجاهدٌ: أي: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢] أي: تبعها (٣)، واتِّباعُه حقَّ اتِّباعه: هو العملُ بمحكمِه والإيمان بمتشابهه. وقال ابن عبَّاسٍ وابنُ مسعود ﵃: هو أنْ يُحِلَّ حلالَهُ، ويُحرِّمَ حرامَهُ، ويَعملَ بأوامرِه، ويَنتهي بنواهيه (٤). وقيل: معناه: يقرؤونه حقَّ قراءتِه، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٢٧]؛ أي: واقرأ (٥)، وقراءتُه حقَّ قراءته: التدبُّرُ، والتفكُّر، والتَّرتيلُ، وتركُ التَّحريفِ والتَّبديل. وقيل: أي: يصفونه حقَّ صفتِه؛ أي: يقولون: هو كلامُ اللَّه عزَّ وعلا، غير مخلوقٍ، ولا محدثٍ، ولا حادثٍ، ويصدِّقون بما فيه مِن نعت محمَّدٍ ﵊. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ للمبتدأ، فإنَّ قوله تعالى:

стр. 1019

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ هذا خبرٌ، وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هذا خبرٌ آخَرُ (١)، وهو كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ. وقيل: الواوُ مضمرةٌ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ﴾؛ أي: ويتلونه، ويتمُّ المبتدأ عند قوله: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ خبرًا لذلك المبتدأ، وبيانًا أنَّ مَن أوتيَ التَّوراة، واتَّبعها، وعَمِلَ بها، فهو الذي يُؤمِنُ دون غيره. وقيل: الآية في شأن الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، والكتابُ: القرآن (٢)، وهذا مدحٌ لهؤلاء بعد ذمِّ أولئك. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي: بالكتاب. وقوله تعالى (٣): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون المَغبونون، و"أولئك" جمعٌ، والمذكورُ قبلَهُ موحَّد، لكنَّه في معنى الجمع، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ لأنَّه للجنس، و ﴿وهُمُ﴾ (٤) عماد، ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبرُ المبتدأ. وأثبت الخسران لِمَن كفر به، لا لمن يتَّبعه حقَّ اتِّباعه، وهذا لطفٌ من اللَّه بعباده. * * * (١٢٢ - ١٢٤) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

стр. 1020

(١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. قد مرَّ تفسيرُ الآيتين، وبدأ قصَّة بني إسرائيل بهما، وفي الآية الأولى تذكيرُ النِّعمة، وفي الأخرى تخويفُ العقوبةِ، وبهما ختمَ القصَّة، والتكَريرُ للتقرير، ووصلَ بها قصَّة إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه عليه، وكان بنو إسرائيل يدَّعون أنَّهم على ملَّة إبراهيم، فقال ﷻ : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وشرحَ حالَه ها هنا، فقال عزَّ وعلا: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ أي: واذكروا (١) إذ أمرَ إبراهيم، قدَّم المفعولَ ثمَّ ذكرَ الفاعل، فقال: ﴿رَبُّهُ﴾ وإنَّما فعل ذلك إيجازًا؛ لأنَّه لو قدَّم الفاعل فقال: رب إبراهيم (٢)، تكرَّر ذكرُ إبراهيم في موضع المفعول، والإيجازُ أبلغ. والابتلاءُ في الأصل: هو الاختبار، واوامرُ اللَّه تعالى ونواهيه ابتلاءٌ، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢]، والاختبارُ منَّا لظهور ما لم نعلم، ومن اللَّه لإظهارِ ما قد عَلِمَ، وعاقبةُ الابتلاءِ [ظهورُ] الأمرِ الخفيِّ (٣) في الشَّاهد والغائب جميعًا، فجاز تسميةُ ذلك مِن اللَّه تعالى ابتلاءً؛ لهذه العاقبة؛ لأنَّه في هذا المعنى كابتلاءِ العباد.
следующие страницы →