← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ذلك، وقوله: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] أي: أمركم (١)، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يَفرِضُ. وقولُه: ﴿بِهَا﴾ قال الزجاج: أي: بالمِلَّة (٢). وقيل: بالكلمة؛ وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال (٣): والأوَّل أصح؛ لأنَّها مذكورة، والثانية مدلولٌ عليها. وقوله: ﴿بَنِيهِ﴾ أي: أولادَهُ الذُّكورَ الأربعةَ؛ إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومداين، و ﴿بَنِيهِ﴾ حذف نون جمعِه للإضافة، وكذا في قوله (٤): ﴿يَابَنِيَّ﴾، فاجتمع ياءُ الجمع وياء الإضافة، فأُدْغِمَتا، وفُتِحَت الآخرة؛ لأنَّها حركةٌ ضروريَّةٌ صِيْرَ إليها لاجتماع السَّاكنين، فاخْتِيرَ الفتحُ الذي هو أخفُّ الحركات. وقوله: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: أوصى يعقوبُ أيضًا بنيه الاثنَي عشر بذلك، وقُرِئ في الشاذِّ: (ويعقوبَ) بالنصب (٥)؛ أي: أوصى إبراهيمُ بنيهِ وحافدَه يعقوبَ، فقد أدرك جدَّه، فأدخلهم جميعًا في وصيَّته. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سُمِّي يعقوب؛ لأنَّه مع أخيه عيص كانا توأمين، فخرجَ عند الولادة عيصُ أوَّلًا، ويعقوب آخذٌ بعقب عيصَ بعد عيص. وقيل: سُمِّي به لكثرةِ عَقبه، وهم كلُّ بني إسرائيل؛ فإنَّهم أولادُه.

стр. 1052

وقوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ "أن" مقدَّرةٌ هاهنا؛ كأنَّه قال: أوصِي أنْ يا بنيَّ (١)، وجاز الحذفُ؛ لأنَّ الوصية قولٌ، وفي القول يصحُّ بغير "أن"، ومثلُها الوعدُ والرِّسالةُ والإبلاع والإنذار، يجوزُ فيها الوجهان؛ إثباتُها وإلغاؤها، وكذا الأذانُ والدَّعوى وما يَجري مجراها، يجوز فيها إدخالُ "أن" وإلغاؤها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، ولم يقل: أن لهم مغفرةً؛ لأنَّ العِدَة قولٌ، وقال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وقال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (٢) [يونس: ١٠]، ففي كلِّ هذا يجوزُ إثباتُها؛ لاعتبار الفعل، ويجوزُ حذفُها؛ لتقدير القول، وفي قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]، لا يَجوزُ حذفُها؛ لأَنَّه ليس فيه معنى القول. وفي صريحِ القول وإضمارِه لا يَجوزُ إيرادُها، تقول: قلت له: زيدٌ في الدَّار، ولا يَجوزَ قلت له: أنْ زيدٌ في الدار، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] لا يجوز في مثله: أنْ أخرجوا أنفسكم؛ لأنَّ القول مضمرٌ، وأنشدَ الكسائيُّ: إنِّي سأبدي لك فيما أبدي لي شجنانِ شجنٌ بنَجْدِ وشَجَنٌ لي بِبلادِ السِّنْدِ (٣)

стр. 1053

لأنَّ الإبداءَ قولٌ. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختارَ لكم الدِّين، والألف واللام ليس للاستغراق، بل لتعريفِ المعهود، وله ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه أُريدَ به الإسلام؛ لأنَّ الدِّينَ عند اللَّهِ الإسلامُ، وهو الدِّينُ المطلقُ المرضيُّ المشروعُ المأمورُ به. والثَّاني: أنَّه بدلُ الإضافة، وهو مضافٌ إليهم؛ أي: اختارَ لكم دينكم الذي تَدينون به، وهو دينُ الإسلام (١) أيضًا. والثَّالث: أنَّه مضافٌ إلى اللَّه؛ أي: اختارَ لكم دينَه، وهو دينُ الإسلام أيضًا. وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: دوموا على الإسلام، حتَّى إذا أدركَكُم الموتُ وجدَكم مسلمين. وقيل: أي: لا تموتوا إلَّا منقادين مفوِّضين الأمرَ إلى اللَّه. وقال الفضيلُ بنُ عياض: أي: لا تَموتُنَّ (٢) إلَّا وأنتم محسنون بربِّكم الظَّنَّ (٣). قال النبيُّ ﷺ : "لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهو يحسن الظنَّ باللَّه (٤)، فإنَّ قومًا أساؤوا بربِّهم الظنَّ فهلكوا"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] (٥).

стр. 1054

(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾. أي: أكنتُم حضورًا؟ و"أم" إذا لم يتقدَّمه ألف الاستفهام؛ كان بمنزلة مجرَّد ألف الاستفهام، وهو استفهامٌ بمعنى الاستنكار (١)، والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ؛ وهو الحاضر. وهذا خطابٌ لأهل الكتاب المدَّعين أنَّ دينَهم دينُ إبراهيم، يقول: ما كنتم حضورًا تعلمونَ ما جرى هناك، فلا تتعلَّقوا بما لم تَشهدُوه، ولا تَدْعوا أولادَه إلى اليهوديَّة والنَّصرانيَّة، فإنَّه كان على دينِ الإسلام، وبه أوصى أولاده. وقال الزجَّاج: "أم" في الابتداء بمنزلة "بل"، وهو خطاب لهؤلاء، والمراد: سلفهم؛ أي: بل شهد آباؤكم يعقوبَ حين أوصى بالإسلام دون ما قلتم (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي: حضر الموتُ يعقوبَ؛ أي: قَرُب خروجُه من الدُّنيا. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ كرَّر كلمة "إذ"، والأُولى لبيان وقتِ حضور الموت، والثانيةُ لبيان وقتِ الإيصاء. وقوله: بَنِيْهِ، قيل: هم الأسباط، وهم الأولادُ الاثنا عشر.

стр. 1055

وقيل: أولادُه وحوافده، وكانوا يومئذٍ ثمانين نفسًا. وقيل: مئتين (١) وخمسين، وهم بمصر. وقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من تعبدون بعد موتي؟ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، ومحلُّ "ما" رفعٌ بإضمار الهاء العائدةِ عليه؛ أي: ما تعبدون به (٢)، أو نصبٌ بإيقاع الفعل عليه بلا إضمار الهاء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي: أجابَهُ أولاده، قالوا (٣): نعبدُ اللَّهَ الذي تعبدُه أنت وتَلتَجِئُ إليه. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: وهو اللَّهُ الذي كان يعبدُه آباؤك الأنبياء، وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ هو بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾. و ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ كان جدًّا له، والجدُّ أبٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يُسمَّى أبًا، وله حُرْمَةُ الأب، قال النبيُّ ﷺ في حقِّ العبَّاس: "هذا بقيَّة آبائي" (٤)، وقال أيضًا: "ردُّوا عليَّ

стр. 1056

أبي، فإنِّي أخشى أنْ تفعلَ به قريشٌ ما فَعلت بعروةَ بنِ مسعودٍ الثَّقفيِّ" (١). ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ﵇ كان والدًا له، وقدَّم إسماعيل على إسحاقَ، مع أنَّ إسماعيلَ عمٌّ وإسحاقَ أبٌ حقيقةً؛ لأنَّ إسماعيلَ كان أكبر سنًّا منه. وقرأ يحيى بن يعمر: (وإله أبيك) (٢) وله وجهان: أحدهما: أنَّه قصدَ الأبوَّة على إبراهيم، وميَّز إسماعيل؛ لأنَّه عمٌّ لا أبٌ. والثاني: أنَّه جمعَ أب على السَّلامة، يقال: أب وأبون، وأخ وأخون، وفي النَّصب والخفض: أبين وأخين، قال الشَّاعر: فإنَّك مجهولُ الأبينَ هَجِينُ (٣) وقال آخرُ: وكانَ لنا فَزارَةُ عمَّ سوءٍ... وكنتُ له كَشَرِّ بني الأخِيْنَا (٤)

стр. 1057

وقولُه تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ عن قوله عزَّ وعلا: ﴿إِلَهَكَ﴾، والأوَّل معرفةٌ والثاني نكرةٌ، وهو جائزٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥ - ١٦]. وقيل: هو على القطع؛ لأنَّه بعد تمام الكلام، والأوَّل معرفةٌ والثَّاني نكرة. وقيل: فيه إضمار: "نَعبدُ" ثانيًا، فقد قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾، فصارَ كأنَّهم قالوا: نَعبدُ إلهًا واحدًا. وفائدةُ التَّكَرار مع الصِّفة -وهي الواحد- نفيُ الوهم عن جاهلٍ يظنُّ أنَّهم لمَّا قالوا: إلهك وإله آبائك، فذكروا الإله مرَّتين، وبينهما واو، أنَّها عبادةُ إلهين، فقطع الوهمَ بإعادته مع صفةِ الواحد. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادونَ بالطَّاعة، ثابتونَ على العبادة، مخلصونَ في القولِ والعملِ والنيَّة، والواو للحال، وتَصلُحُ للحال الذي ذكروهُ بعدَ موتِه، وتَصلُحُ للحال التي تكلَّموا فيها؛ أي: نعبد بعدك معبودك، ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال على ذلك. وإنَّما أجابوه بهذه الكلمات التي تتضمَّن الثَّباتَ على الدِّينِ (١)، ومَدْحَ آبائِه بكونِهم على ذلك، فإنَّهم متَّبِعون لهم ثابتون على دينهم؛ ليكونوا بارِّين آباءَهُم، سَارِّين (٢) إيَّاه بقبول ما وصَّاهم به (٣). وقال الكلبيُّ: لمَّا دخلَ يعقوبُ مصرَ، ورأى أهلها (٤) يَعبدون الأوثان والنِّيران؛

стр. 1058

جمعَهم حين حضَرتهُ الوفاة، وخاف عليهم صنيعَ أهل مصر (١)، فسألهم عن ذلك، فأجابوه لِمَا أجابوه (٢)؛ فطابت نفسه. وقال عطاء: إنَّ اللَّه تعالى لم يقبض نبيًّا حتَّى يُخيَّر بين الموت والحياة، فلمَّا خُيَر يعقوبُ؛ قال: أنظرني حتَّى أسألَ ولدي وأوصيهِم، فأُنْظِرَ، فجمعَ الأسباطَ وأولادهم، وقال ذلك، وقالوا له ذلك، ثمَّ قبضَهُ اللَّهُ تعالى وهم على هذا الدِّين (٣). * * * (١٣٤) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: أولئك المذكورون؟ إبراهيمُ وأولادُه ﴿وَأُمُّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مَضَتْ وخَلا عنها أمكنتُها. وقوله: ﴿وَلَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدرٌ؛ أي: لها كسبُها. وقولُه: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: ولكم كسبُكم؛ أي: هم يُحاسبونَ يوم القيامة بأعمالِهم ويجازون عليها، وأنتم تحاسبون يومَ القِيامةِ بأعمالكم وتجازون عليها، ولا تُؤاخَذون أنتم بأعمالِهم، ولا هم يؤاخذون بأعمالِكم. وقول تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ الآية [سبأ: ٢٥]، وقولِه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. والكَسْبُ: ما يقع بقدرة حادثةٍ، والاختراعُ: ما يَقعُ بقدرةٍ قديمةٍ، فلا يُوصَفُ اللَّهُ تعالى بالكسْبِ، ولا العبدُ بالاختراع.

стр. 1059

ووجه اتصال هذه الآية بالأولى أنَّهم كانوا مسلمين، وقال في هذه: إنَّهم قد مضوا، ولو كانوا مخطئين للحقِّ، دائنين بدينكم، لم ينفعكم؛ لأنَّهم يُجازَون بأعمالهم، وأنتم تُجازَون بأعمالِكم، فاتَّبعوا الحقَّ أنتم، وصدِّقوا محمدًا؛ فإنَّه يَدعو إلى الحقِّ، واتركوا تقليدَ المبطِلين. ومعنى آخر: أنَّهم مضوا على دينِهم الذي شَرَعهُ اللَّهُ لهم، والآن عليكم اتِّباعُ الدِّين الذي شرعَهُ اللَّهُ، والدِّينُ للَّه يَشرعُ منه ما يشاءُ، ويَنقلُ عمَّا يشاءُ إلى ما يشاء. * * * (١٣٥) - ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ أي: قالت اليهود للمسلمين: تَهوَّدوا تُصِيبوا الهدى، وقالت النَّصارى للمسلمين: تَنصَّروا تُصِيبوا الهدى، ولم يُرِد اجتماعَ الفريقين على دعواهم (١) جميعًا إلى الملَّتين جميعًا، وقد ذكرنا وجهَ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ عبدَ اللَّه بنَ صُوريا الأعورَ -لعنهُ اللَّه- قال لرسول اللَّه ﷺ : ما الهُدى إلَّا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنَا يا محمَّدُ تَهتدِ، وقالت النَّصارى مثلَ ذلك؛ فنزلت الآيةُ (٢). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄ أيضًا: إنَّ يهود أهلِ المدينة؛ كعبَ بن الأشرف

стр. 1060

ومالك بن الصَّيف (١) ووهب بن يهودا وسائر اليهود لعنهم اللَّه (٢). وفي حديث مقاتلٍ: منهم كعب بن أسد (٣)، وأبو ياسر بن أخطب، وعازورا، وشمويل (٤)، وحبيش (٥)، ونصارى نجران؛ السيِّدُ والعاقب ومن معهما: خاصموا النبيَّ ﷺ وقالوا: كونوا على ديننا، وزعمتْ كلُّ فرقةٍ أنَّ نبيَّها أفضلُ الأنبياء، وكتابَها أفضلُ الكُتُب، ودينَها أفضلُ الأديانِ، فكذبهم اللَّهُ تعالى، فأنزل هذه الآية (٦). وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: قلْ يا محمَّد: لا نكون كما قلتُم، بل نتَّبعُ ملَّة إبراهيم. فقوله: نتَّبع مضمرٌ؛ لدلالة ما مضى عليه، فإنَّ قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ في معنى: اتَّبعوا اليهوديَّة والنصرانيَّة، و ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لذلك، وإثبات لما يُخالِفه. وقيل: معناه: بل نكون؛ لأنَّ المذكور قبله: ﴿كُونُوا﴾، ثمَّ نصبُ ﴿مِلَّةَ﴾ على هذا الطريق من وجهين: أحدهما: بل نكون (٧) على ملَّة إبراهيم؛ فهو منصوبٌ بنزع الخافض. أو معناه: بل نكون أهلَ ملَّة إبراهيم، وأضمر فيه الأهلَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

стр. 1061

وقُرِئ في الشاذِّ: (بل ملَّةُ إبراهيم) بالرفع (١)؛ أي: ملَّتنا ملَّةُ إبراهيم. وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ هو نعتُ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، ونُصِب على القطع؛ لأنَّ الأوَّل معرفةٌ وهذا نكرة، أو هو على الحال؛ أي: نتَّبعه في حال كونهِ حنيفًا. والحنيفُ فيه أقاويلُ كثيرةٌ: قال ابنُ دُريد: هو العادلُ مِن دينٍ إلى دينٍ، والعربُ كانت تسمِّي به العادلَ عن اليهوديَّة والنصرانيَّة (٢). والحنفُ: الميلُ، والأحنفُ: الذي في صدر قدمِه ميلٌ، والحنيفُ: المائلُ عن الدِّين الباطل إلى خالصِ الدِّين الحقِّ. وقيل: الحنيفُ: المستقيم، والأحنف سُمِّي به تحسينًا للاسم؛ كما يقال للأعمى: بصيرٌ (٣)، وللمهلكَة: مفازةٌ، وللَّديغِ: سليمٌ، أو قيل (٤) ذلك تفاؤلًا. وقال الأزهريُّ: الحنيفُ: المقبل على الدِّين الحقِّ، والحَنَفُ: إقبالُ إحدى القدمين على الأخرى (٥). وقال أبو عبيد (٦): الحنيفُ عند العرب: مَنْ كان على دينِ إبراهيمَ ﵇. وقال ذو الرُّمَّة:

стр. 1062

إذا بلغ الظلُّ العشيَّ رأيتَه... حنيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنصَّرُ (١) يصف الحرباء باستقباله (٢) الكعبةَ عشيًّا، وتوجُّهه إلى المشرق غُدوة. وقيل: الحنيفُ عند العرب: مَن اختتنَ وحجَّ البيت، وفي الإسلام صار اسمًا للمسلم (٣). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: في كلِّ موضع ذكر الحنيف مع المسلم؛ فهو الحاجُّ، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وفي كلِّ موضع ذُكِر (٤) وحده فهو المسلم، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] (٥). وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هو أي: لم يكن كذلك، قطَعَ دعوى المخالفين؛ فإنَّ (٦) كلَّ فريق من أهل الضَّلالِ كانوا يَدَّعون أنَّ دينَه دينُهم، فأكذَبهمُ اللَّهُ تعالى في ذلك. * * * (١٣٦) - ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 1063

وقوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ هو دليلٌ على (١) أنَّ الإقرار شرطٌ. وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدَّقنا بألوهيَّة اللَّه تعالى، ووحدانيَّته، وبجميع ما جاءَ مِن عنده، وفيه اشتراطُ التَّصديقِ بالقلب، وهذا تعليمٌ للمؤمنين جوابَ أهل الكتاب حين قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: وما أُنزل على نبيِّنا مِن القرآن، والإنزالُ إليه إنزالٌ إلى أُمَّتِه؛ لأنَّ حكم المنزَل يَلزمُ الكُلَّ. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: مِنَ الصُّحف، وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُه وحوافده؛ أي: وبما أُنزِل إلى هؤلاء. والأسباطُ في قول ابن عبَّاس ﵄: أولادُ يعقوب ﵇ (٢)، واحدهم سِبْط، وهو ليس باسمٍ للولد الواحد، ولكنَّ السِّبطَ كالطَّائفة والفرقة في الأصل، والأسباطُ في أولاد إسحاق؛ كالقبائل في أولاد إسماعيل، وهم (٣) جماعةٌ مِن أبٍ وأمٍّ، مأخوذٌ من السِّبط؛ وهي (٤) شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ، وفي الحديث: "الحسينُ (٥) سِبْطٌ مِنَ الأسباط" (٦)؛ أي: أمَّةٌ مِنَ الأمم في الخير،

стр. 1064

وفي الحديث: الحسنُ والحسينُ سِبطا رسولِ اللَّه ﷺ (١)؛ أي: قطعتان منه. وأولادُ يعقوب سُمُّوا أسباطًا وهم اثنا عشر؛ لأنَّه وُلدَ لكلِّ ابنٍ منهم أُمَّةٌ مِنَ النَّاس، وهم اثنا عشر ابنًا؛ يوسف، وابن يامين -وقيل: بنيامين-، وروبيل، ويهودا، وشمعون، ولاوي، ودان، وقِهاب (٢)، ويشجر، ونفتالن (٣)، وجاد، وآشر (٤)، ويقال: ربالون (٥) مكان: قهاب، ويشتاخر مكان: يشجر، ويعثال مكان: نفتالن، وحاد (٦) مكان جاد، واللَّه تعالى أعلم بالصَّحيح من الرِّواية، ثمَّ ظاهرُ القرآن يدلُّ على أنَّهم أنبياء؛ لذِكْرِ الإنزال عليهم، وقد اختلف فيه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: آمنَّا بما أُعطِي موسى مِنَ التَّوراة والمعجزات. وقوله تعالى: ﴿وَعِيسَى﴾ أي: وبما أُعطِي عيسى مِنَ الإنجيل والمعجزات.

стр. 1065

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: وبما أُعطِي داودُ من الزَّبور وسائرُ الأنبياء من الدلالات. وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ولعلَّه اختصارٌ؛ أي: بين أحدٍ منهم وآخر، أو: وغيره؛ أي: في الإيمانِ فنؤمنُ ببعضٍ ونَكفرُ ببعض؛ كاليهود والنَّصارى. وقيل: أي: لا نقولُ: إنَّهم متفرِّقون في أصل الدِّين، نقول: أصلُ دين الكُلِّ يوحِّدون؛ أي: (١) التوحيدُ والطَّاعة، وإن اختلفت شرائعُهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مخلِصونَ مطيعونَ منقادون، ثمَّ ذكر في هذه الآية: النبيِّين، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال في قولِه: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وكذا في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فاستدلَّ بذلك بعضُهم أنَّه لا فرقَ بين الأنبياء والرُّسل. وقيل: بينهما فرق، قال (٢) تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، وكلُّ رسولٍ نبي، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا. وقال الإمام أبو منصور رحمه اللَّه تعالى: هذه الآية تَنقضُ على مَن يستثني في إيمانه؛ لأنَّه أمرَهُم أن يقولوا ذلك قولًا باتًّا لا ثنيا فيه (٣). * * *

стр. 1066

(١٣٧) - ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: رُوِي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: لا تقرؤوا: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فإنَّ اللَّه تعالى ليس له مثل، ولكن اقرؤوا: (فإن آمنوا بالذي آمنتم به)، أو (بما آمنتم به) (١)، وكذلك هو في مصحف عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٢). قال: ويَحتملُ أن يكون معناه: فإنْ آمنوا بلسانِهم، بمثل ما آمنتُم به بلسانِكم؛ بالكُتُب والرُّسل جميعًا، فقد اهتدوا. وقال: ويَحتملُ أي: بلسانٍ (٣) غيرِ لسانِهم فقد اهتدوا (٤). وقالوا: لا يصحُّ عن ابن عباس ﵄ ما حُكِيَ عنه، فإنَّه خلافُ القراءة المجمَع عليها، إلَّا أن يُحمَل على أنَّه أراد به: لا تتأوَّلوه على أن تجعلوا للَّه مثلًا، فإنَّه شركٌ، وتأوَّلوه على ما يَصِحُّ في التَّأويل مِن غير تمثيل. وقيل: معنى ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: مثلَ ما آمنتم به (٥)، و ﴿مَا﴾ مع الفعل مصدر، وتقديره: فإن آمنوا مثلَ إيمانِكُم، والباءُ زائد، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٦]، وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: ٦] أي: يشربها.

стр. 1067

وقيل الباء بمعنى "على"؛ أي: على مثلِ إيمانِكم، وهو كقوله (١): كتبتُ بمثل ما كتبَ فلانٌ، وعلى مثلِ ما كتبَ فلان. وقيل: معناه: فإن آمنوا بإيمانٍ مثلِ إيمانِكم. وقيل: معناه: بما (٢) آمنتم به، وكلمةُ مثل زائدةٌ (٣)؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أي: ليس كهوَ شيءٌ (٤)، وهو كما يُقال: لا يُقال لمثلي هذا؛ أي: لي. وقوله (٥): ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ أي: أصابوا الصِّراطَ السَّوِيَّ، وبه يَهديهِم ربُّهم إلى الجنَّة، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وقال في حقِّ الكفَّار: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ أي: اعرَضوا، وتُوصَلُ بـ "عن"، فيقال: تَولَّى عنه، بمعنى أعرض عنه، فإذا قيل: تولَّى إليه، فهو بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤]، وتولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وقولُه: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ أي: يَلِي حفظَهم وكفايتَهم بنفسِه، وقولُه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]؛ أي: نَكِلُهُ إلى ما اختارَه لنفسِه. ومعنى قوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمانِ بما آمنتُم به.

стр. 1068

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: في خِلافٍ وعداوةٍ، وقد شاقَّهُ (١) يُشاقُّه مُشَاقَّةً وشِقاقًا؛ أي: صار هو في شِقٍّ -أي: جانبِ- وذلك في شقٍّ، وقوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١٣]؛ أي: خالفوه، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أي: خلاف ما بينهما، وقولُه تعالى: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: ٨٩]؛ أي: عداوتي. وقيل: هو مشتقٌّ مِن المشقَّةِ، وإذا خالفَه أو عاداه، فقد طَلبَ مشقَّتَهُ. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: لا تحزن (٢) يا محمَّدُ بخلافِهم وعداوتهم، فسوف يكفيكَ اللَّهُ شرَّهُم. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يَسمعُ مَقالَ الموحِّدينَ فيه (٣)، فيثيبُهم، ومقالَ الكفَّار (٤)، فيعاقبُهم، والعليمُ باعتقادِ الفريقين، فيجزي الكلَّ على اعتقادِهم. ويحتمل: ﴿السَّمِيعُ﴾ دعاءَك، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحاجتِك، فيجيبُك. وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ كلمةٌ تَنتظمُ سبعة (٥) أشياء؛ فاءَ الجوابِ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، وسينَ سوف على اختصار، والياءَ الحادثة للاستقبال، ووعدَ الكفايةِ، وكاف خطابِ النبيِّ ﷺ ، وهو مفعولٌ بـ "يكفي"، وهاءَ المغايبة، وميمَ الجمع، وينصرفُ إلى أهل الكتاب، ومحلُّها نصبٌ؛ لأنَّه مفعولٌ ثاني لـ "يكفي". * * *

стр. 1069

(١٣٨) - ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: قولوا: نتَّبعُ صبغةَ اللَّه، وذُكِرَ فيه وجوهٌ، وهذا أصحُّها، فقد قيل: هو على الإغراء، وقيل: معناه الزَموا واتَّبعوا صبغةَ اللَّه. لكن تَضعُف تلك الأقاويلُ بآخرِ هذه الآية؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾، ويعلم به أنَّ أوَّلَ الآيةِ محمولٌ على ما قلنا وهو كما تقدَّم: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١). وصبغةُ اللَّه: دين اللَّه، وله أسماء (٢) كثيرةٌ، عَددْناها في (٣) تفسير قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. وإنَّما سُمِّيَ صبغةً (٤) لما أنَّه للمسلمين بدلٌ مِن صَبغِ النَّصارى أولادَهم في ماء المعموديَّة؛ لأنَّهم كانوا يفعلون ذلك بالمولودِ في اليوم السَّابع مِن ولادتِه، ويقولون: صبغناهُ بالنَّصرانيَّة، أو طهَّرناهُ بهذا الماء، فذَكرَ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ على مقابلةِ ذلك، وهذا معنى ما قالهُ الفرَّاء (٥). وقال قتادة (٦): اليهودُ تصبُغ أبناءَها يهودًا، والنَّصارى تَصبُغ أبناءَها نصارى (٧)؛ أي: يُلقِّنونَهم دينَهم، فيُشْرَبُون ذلك في (٨) قلوبِهم، كما يُشرَبُ الصِّبغُ في الثَّوب.

стр. 1070

وعن عمر ﵁ أَنَّه كتبَ في عهدِ نصارى بني تغلب؛ أن لا يَصبُغوا أولادَهم، ولكن يتركونَهم حتَّى يبلغوا، ويختاروا لأنفسِهم ما شاؤوا (١)؛ أي: لا يُلَقِّنونهم دينَهم. فقال (٢) اللَّه تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: تلقينَهم يوم الميثاق؛ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقال ابنُ الأنباريِّ: لم يخاطب اللَّهُ العربَ بهذا إلَّا وهي تعرفُه، وكانوا يقولون: فلان يَصبُغُ فلانًا في الشرِّ، إذا أدخلَه فيه و (٣) ألزمهُ إيَّاه كما يَلزَمُ الثَّوبُ الصِّبغَ (٤)، أنشد (٥) ثعلب: دعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بالنَّجاةِ تَحرُّزًا... إذا أنت لم يَصْبِغْكَ في الشَّرِّ صابغُ ولكن إذا ما الشَّرُّ أرْخى قِناعَهُ... عليكَ فجَوِّدْ دبغَ ما أنت دابِغُ (٦) وصبَغَ يَصبَغُ، بفتح الباء (٧) في المستقبل، وفي (٨) ضمِّها وكسرها ثلاثُ لغاتٍ.

стр. 1071

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ استفهامٌ في معنى الجَحْدِ؛ أي: لا أحدَ أحسنُ دينًا وتلقينًا مِن اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾؛ أي: باتِّباعِنا ملَّةَ إبراهيمَ وصبغةَ اللَّه، والعابدُ: العاملُ بحقِّ العبوديَّة في مرضات اللَّه . * * * (١٣٩) - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ الألف ألف الاستفهام، وهو للتَّوبيخ والاستنكار (١) هاهنا، ومعناه عند ابن عباس ﵄: لم تُجادِلوننا (٢)، وعند مجاهدٍ: لم تخاصموننا (٣). والمحاجَّةُ مفاعلةٌ بين اثنين في إيراد الحجَّةِ على ما يَدَّعي. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قالت اليهودُ والنَّصارى نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ونحنُ أولى باللَّه منكم، فنزلَت هذه الآيةُ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ فاستَوَينا نحن وأنتم في عبوديَّتِه. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾؛ أي: فلا يُجزَى أحدٌ إلَّا بعملِهِ، ولا فضلَ لمن قَصُر عمله.

стр. 1072

وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ أي: الاعتقادَ والعملَ، لا أنتم، فكيف تكونون أفضلَ منَّا وأولى منا؟ وقال الكلبيُّ وغيرُه: أي: فاستوينا نحن وأنتُم في عبوديَّتِه، وإنَّ اليهودَ والنَّصارى -لعنهم اللَّه- خاصموا أهلَ الإسلام في الدِّين، فقالوا: نحن أهلُ الكتابِ الأوَّلِ والعلمِ القديم، ونحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ولسنا من العربِ من عبدةِ الأوثان، فنحن أولى بالحقِّ (١) وبالفضل، وبأن يكون الرَّسولُ منَّا، ويُلتَمَسَ الحقُّ مِن عندنا، فنزلَت الآية: قل يا محمد: أتجادلوننا في دين اللَّه تعالى واللَّهُ عزَّ وعلا ربُّ الكلِّ، غنيٌّ عن الكلِّ، لا ينفعُه طاعةُ مطيعٍ، ولا يَضرُّهُ عصيانُ عاصٍ، ولا نؤاخذُ نحن بأعمال غيرِنا مِن سلفِ (٢) المشركين، ونحن الآن مِن المخلصين. * * * (١٤٠) - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ (٣) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ قرأ ابنُ كثير ونافعٌ ويزيدُ وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد والمفضل بالياء على المغايبة.

стр. 1073

وقرأ الباقون بالتاء على المخاطبة (١)؛ بناءً على قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ (٢) أم تقولون: إنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا على دينكم، فبأيِّ الحجَّتين تتعلقون؛ أبالتوحيد (٣)، ونحن الموحِّدون دونكم، أم باتِّباعِ دينِ الأنبياء، ونحن المتبعون دونكم؟ وقراءةُ الياء على الإعراض (٤) عن الخطابِ، استجهالًا (٥) لهم بما كان منهم، كما يُقبِلُ العالِمُ على مَن بحضرتِه إذا ارتكبَ مَن يُجادلهُ جهالةً، فيقول: قد قامت الحجَّةُ عليه أم يقول (٦) هو (٧) بإبطالِ النَّظرِ المؤدِّي إلى المعرفةِ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ أي قل: يا محمَّد، أتجادلوننا (٨) في دين اللَّه، أم تقولون: إن هؤلاء الأنبياء كانوا على ملَّتكم؛ وليس كذلك، وما كانوا إلَّا مسلمين على الدِّين الذي نحنُ عليه، كذا أخبرَنا ربُّنا، أفأنتم (٩) أعلمُ بأديانهم، أم اللَّه تعالى؟ أي: فاللَّهُ تعالى أعلمُ بهم (١٠) منكم، وقد علِمَ منهم خلافَ ما تقولون. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قيل: ولا أحد أظلم منكم معاشرَ أهل الكتاب؛ استفهامٌ بمعنى الجَحْدِ، وكذا ما قبلَه: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾،

стр. 1074

يقول: لا أحدَ أظلمُ منكم؛ إذ كتمتُم مِن اللَّه شهادةً عندكم، وأنتم شهداءُ بأنَّ هؤلاء الأنبياء لم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وأنَّ محمَّدًا نبيٌّ، وهو على دينِهم، قد علمتُم هذا، ووجدتموهُ في كتابكم، فعلى هذا القول قولُه: ﴿مَنَ اللَّهِ﴾ يتعلَّقُ بالكتمان، يقال: كتمتُك الشهادةَ، وكتمتُ منك الشَّهادةَ؛ أي: لم أقمْها عندكَ، فكأنَّه قال: ومَن أظلمُ ممَّن عندهُ شهادةٌ، فلم يقمْها عند اللَّه ﷻ وبينَ عباده، بل كتمَها وأخفاها، فظلمَ بذلك نفسَهُ. وقيل: معناه: ومَن أظلمُ ممَّن كتمَ شهادةً جاءتهُ من اللَّه، فحرَّفها وأخفاها، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ على هذا يتعلَّق بالشَّهادة؛ أي: الشهادة من اللَّه. وقال الحسن: هذا قولُ المؤمنين لأهلِ الكتاب: ومَن أظلمُ منَّا؛ أي (١): إن تابعناكُم على ما تقولون بعد أن حصلَت عندنا شهادةٌ مِن اللَّه عليكم بالكذبِ في قولكم: إنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ مِن كتمانِ الشَّهادةِ بصدق محمَّدٍ ﷺ ، والبشارةِ به. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا على الوعيد؛ أي: لا تحسبوا أنَّه غافلٌ عمَّا تعملون. ويجوز أن يكون معناه: لم يُنْسِئهم على غفلةٍ ممَّا يعملون، بل على علمٍ بما يعملون، خلقهم ليُعلَمَ أنَّه ليس له في شيءٍ مِن عملِ الخلْق حاجةٌ ليخلقهم على رجاء النَّفع له، بل خلقَهم وهو يعلمُ أنَّهم يعصونه (٣).

стр. 1075

فإن قالوا: قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ نَفى علمَهم (١)، وإثباتُ الشَّهادة عندَهم إثباتُ عليم لهم؛ إذ الشَّهادةُ لا تكونُ إلَّا بعلمٍ؟ قلنا: كانوا يَعرفونه كما يعرفون أبناءَهم، ولمَّا كَتموا ذلك التحَقوا بالجهَّال؛ لفوت نفع العلم. * * * (١٤١) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير. وقيل: هذه محاجَّةٌ في غير ذلك الزمان، وغير ذلك المكان. وقيل: الأُولى ترجعُ إلى أسلافِهم؛ أي: تلك الأسلاف قد مضت، وهذه في إبراهيم ومَن معه. ووجهُه أنها مع فضلِها (٢) ونبوَّتها، إذا لم ينفعْها عندَ اللَّهِ إلَّا ما كسبت بأنفُسِها، فأنتم أحرى أن لا ينفعَكم عند اللَّه ما كسبوهُ، ولا تَنتفعون إلَّا بما تَكسِبونه، فلا تتَّكِلوا على أفعالهم. * * * (١٤٢) - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 1076

وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: الجُهَّالُ الضُّعفاءُ العقولِ. قال ابن عباس والبراء بن عازب ﵃: هم اليهود (١). وقال الحسنُ: هم مشركو العرب (٢)؛ لمَّا حُوِّلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى الكعبةِ مِن بيت المقدس، قالوا: يا محمَّدُ، رغبتَ عن قِبلةِ آبائك، ثمَّ رجعتَ إليها آنفًا، واللَّه لترجِعنَّ إلى دينِهم. وقال السُّدِّيُّ: هم المنافقون، قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ﴿مَا﴾ كلمةُ استفهام بمعنى الاستنكار (٤). وقوله ﴿وَلَّاهُمْ﴾ أي: صرفَهم، يقال: تولَّى عن كذا؛ أي: انصرفَ عنه، وولَّاهُ غيره؛ أي: صرفَهُ. وقوله: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ أي: جهتهم التي يستقبلونَها في الصَّلاة، وأرادوا بها بيتَ المقدس. وقوله ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على التَّوجُّه إليها. وانتظامُها بما قبلَها أنَّه قال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وهم اليهودُ والنَّصارى، سمَّاهم سفهاءَ، وذكر بعدها آياتٍ فيما قالوا، ثمَّ أخبرَ أنَّ هؤلاء السُّفهاء يقولون هذا.

стр. 1077

واختُلِفَ في قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ أنَّ هذا إخبارٌ عنهم قبل أن يقولوا، أو بعد ما قالوا؟ فأكثرُهم على أنَّه لمَّا حُوِّلت القبلةُ إلى الكعبة، قالت اليهودُ ذلك، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، ثمَّ قولُه: ﴿سَيَقُولُ﴾ وإن كان هذا لمحض الاستقبال، ولكن معناه: ستواصِلُ اليهودُ هذا القول، ويَدومون عليه طعنًا (١) فيكم، والقولُ ممَّا يُكَرَّر، فيجوز الإخبارُ عنه بهذه الصيغة؛ فيما وُجِد، وفيما يُوجَدُ مكرَّرًا (٢). وقال ابن عباس ﵄: ولمَّا حُوِّلَت القبلةُ مِن بيت المقدس إلى الكعبةِ، جاء كعب بنُ الأشرف، ورفاعةُ بنُ قيس، وفروةُ (٣) بن عمرو، ونافعُ بنُ أبي نافع، والحجَّاجُ بنُ عمرو، وكِنانةُ بنُ أبي الحُقَيق وجماعة، وقالوا: يا محمَّدُ، ما ولَّاك عن قبلتِكَ التي كنت عليها، كُنْ على قِبلةِ بيت المقدس، نتَّبعْكَ ونُصدِّقك، وأرادوا (٤) فتنةَ النبيِّ ﷺ فسمَّاهُم اللَّه سفهاء (٥)؛ لأنَّهم كانوا نوافلَ إبراهيمَ، والكعبةُ بناؤه وقبلتُهُ، ومع ذلك رَغِبوا عنها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان وعدَ اللَّهُ نبيَّه ﵊ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكعبة، فأخبرَه بهذا عمَّا يقولُه اليهودُ إذا حُوِّلت، وكان هذا قبل أنْ تُحَوَّلَ، وقبل أن يَقولوا له شيئًا، ألا ترى إلى قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، ولو لم يكن له وعدٌ بذلك، لكان تقلُّبُ وجهِهِ إلى السَّماء تخيُّرًا منه وتحكُّمًا عليه، وليس لأحدٍ على اللَّه ذلك، فدلَّ على الوعدِ.

стр. 1078

قال: ثمَّ فيه إثباتُ رسالةِ محمَّدٍ ﷺ ، حيث كان أخبرَهُ على ما أخبر، وكان كذلك، فدلَّ أنَّه عَلِمَ ذلك باللَّه. قال: ثمَّ إنَّ اليهودَ قالوا ذلك؛ لأنَّهم لا يَرون نسخَ الشَّرائعِ والأحكام، ويقولون: هذا (١) كالبَداء والرُّجوع، وذلك فعلُ مَنْ يَجهلُ عواقبَ الأمور، كبانٍ بنى بناءً ثمَّ نقضَهُ. وهذا جهلٌ مِن اليهود، والنَّسخُ عندنا هو بيانُ مُنتَهى الحكمِ إلى وقتٍ، وليس فيه بَداءٌ، ولا نقض لما مَضى، بل تجديدُ حكمٍ في وقتٍ بعد انقضاءِ حكم (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: قل يا محمَّدُ، للَّه الأمكنةُ والنواحي كلُّها (٣)؛ يأمرُ عبادَه أنْ يتوجَّهوا إلى أيِّ جهةٍ شاءَ، شرقًا أو غربًا، فالطَّاعةُ له في الائتمار بأمرِه، لا في عين التوجُّه نحو المشرقِ أو (٤) المغرب لهوًى هووه، أو لتمنٍ تمنَّوه؛ لأنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- جعلوا قِبلتَهم المغربَ اتِّباعًا لهواهم، وكذا النَّصارى، اتَّخذوا المشرقَ قبلةً بهوى أنفسِهم، والمسلمون اتَّبعوا الأمرَ في ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يُرشِدُ مَن يَشاءُ إلى قبلةِ الحقِّ، وهي الكعبةُ التي أَمَرَ بها، فيتوجَّهون إلى حيث أُمِروا به لا إلى حيث يَهوَون. وقيل: أي: إلى أيِّ الجهات ولَّاهم فتوجَّهوا إليها، فهم على هُدًى واستقامةٍ؛ لأنَّهم بأمره توجَّهوا إليها. وقالوا: لمَّا كانوا بمكَّة، أُمِروا أن يتوجَّهوا إلى بيتِ المقدسِ؛ ليَتميَّزوا به مِن

стр. 1079

المشركين، ولمَّا انتقلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى المدينة، وكانت اليهودُ بها يتوجَّهون نحو بيت المقدس، نُقِلوا إلى الكعبة، ليَتميَّزوا منهم، كما تَميَّزوا من أولئك. ورَوى أبو صالحٍ عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ كانت قبلَتُهُ نحو بيتِ المقدس، فصلَّى إليها مع أصحابِه بعد مقدمه المدينة نحوًا مِن سبعةَ عشرَ شهرًا (١). وكذا قال البراءُ بنُ عازب (٢). وقال قتادةُ: ستة عشر شهرًا (٣). وقال أنس: تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهر (٤). وقال قتادة: صلَّى الأنصارُ نحو بيت المقدس حَولين قبل قدومِ النبيِّ ﵊، وصلَّى النبيُّ بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدسِ ستَّة عشرَ شهرًا (٥)، ثمَّ وجَّهَهُ اللَّهُ تعالى إلى الكعبة، فقالت اليهودُ لعنهم اللَّه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرَّجلُ إلى مولده! فقال (٦) اللَّه عزَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية (٧).

стр. 1080

فكانوا يقولون: الأرضُ المقدَّسةُ مواطنُ الأنبياء، ولها شرفٌ قديمٌ، فأُخبِر (١) أنَّ المواطنَ كلَّها للَّه، يُشَرِّفُ منها ما يشاءُ في كلِّ زمانٍ على ما علمَ مِن مصالحِ عبادِه فيه. وقال مقاتل بن سليمان: كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي بمكَّة ركعتين بالغَداةِ، وركعتين بالعَشِيِّ، فلمَّا عُرِجَ به إلى السَّماء، أُمِرَ بالصَّلواتِ الخمس، فصارت الرَّكعتين (٢) للمسافر، وللمقيم أربعُ ركعاتٍ، فلمَّا هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، وذلك لليلتين خَلتا مِن شهر ربيعٍ الأوَّل، أُمِر (٣) أن يُصلِّيَ نحو بيت المقدس؛ لئلا يكذِّبَهُ (٤) اليهودُ؛ لأنَّ نعتَه في التَّوراةِ أنَّه صاحبُ قِبلتين، وكانت الكعبةُ أحبَّ القِبلتين إلى النبيِّ ﷺ ، فقال لجبريل ﵇: "وَدِدتُ أنَّ ربِّي صَرَفني عن قبلةِ اليهودِ إلى غيرِها"، فقال جبريل: إنَّما أنا عبدٌ، لا أملكُ شيئًا، فسل (٥) ربَّك ذلك (٦)، فصَعِدَ جبريلُ ﵇ إلى السَّماء، وجعل النبيُّ ﷺ يُدِيمُ النَّظرَ إلى السَّماء، فأنزلَ اللَّهُ تعالى في (٧) رجب عند الظُّهر قبلَ قتال بدرٍ بشهرين: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (٨). وقال مقاتل بن حيان (٩): أوَّلُ ما نُسِخ من القرآن أمرُ القِبلة، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ

стр. 1081

وأصحابَه ﵃ كانوا يصلُّون بمكَّة إلى الكعبةِ سنتين، فلمَّا هاجرَ أُمِر أنْ يُصلِّيَ نحو بيت المقدس، فقالت اليهود: يزعمُ محمَّد أَنَّه نبيٌّ، وما نُراهُ أحدثَ في نبوَّتِه شيئًا، أليس يُصلِّي إلى قبلتِنا، ويَستنُّ بسنَّتِنا، فإن كانت هذه نُبوَّةً، فنحن أقدمُ وأوفرُ نصيبًا، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ وشَقَّ عليه، وزادهُ اللَّهُ شوقًا إلى قِبلة الكعبة، فأتاهُ جبريلُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "وَدِدتُ أنَّ اللَّهَ يَصرِفني مِن قبلةِ اليهودِ إلى غيرها، فإنِّي أبغضُهم وأُبغِضُ موافقتَهم"، فقال جبريل: ليس لي من الأمرِ شيءٌ، وإنما أنا عبدٌ، فعرج (١)، وخرجَ (٢) رسولُ اللَّه ﷺ إلى الصَّحراء نحو أُحدٍ، يصلِّي هاهنا ركعتين، وهاهنا ركعتين (٣) ويدعو اللَّه تعالى أن يجيزَه (٤) في ذلك. فلم يَزل كذلك يُديم النَّظرَ إلى السماء حتَّى دخلَ ناحيةَ أُحد، فأنزلَ اللَّهُ تعالى في (٥) رجب بعد زوال الشمس: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فنَسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن قبلة بيتِ المقدسِ، وصارت الكعبةُ قبلةَ المسلمين إلى نفخ الصُّور. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ردٌّ على المعتزلة، لأَنَّه أخبرَ أنَّه يَهدي مَن يشاء، فدلَّ أنَّ اهتداءَ العبدِ بهدايتِه (٦)، وعندَهم ليس كذلك، بل قالوا (٧): قد يشاءُ هُدى العبدِ فلا يهتدي.

стр. 1082

ودلَّ أنَّ مشيئةَ الهداية (١) ليست للكلِّ، وعندهم هدايتُه (٢) بيانٌ، وذلك للجميع. ودلَّ على (٣) أنَّ السُّنَّةَ يَنسخُها الكتابُ، فإنَّ الصَّلاةَ إلى بيتِ المقدسِ كانت بالسُّنَّة؛ إذ لا ذكرَ له في الكتاب، ثمَّ نُسِخ ذلك بالكتاب. وعند الشافعيِّ ﵀ لا تُنسَخُ السُّنَّة بالكتاب إلَّا بعد عملِ الرَّسول به، فيصيرُ نسخُ السُّنَّة بالسُّنَّة. وهذا قبيحٌ، ألَّا يكونَ للكتاب من القوَّة ما يَنسخُ سنَّتَه لولا عملُه (٤). * * * (١٤٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: وكما هديناكُم إلى صراطٍ مستقيمٍ، صيَّرناكم أمَّةً وَسَطًا، وهذا وجهُ النَّظمِ. ووجهٌ آخرُ: كما جعلنا قِبلتكُم خيرَ القِبلتين في الدُّنيا، فكذلك جعلناكُم خيرَ الأممِ في العُقبى. ووجهٌ آخرُ: إنْ عابَكمُ السُّفهاءُ بما قالوا في الآية الأولى، فإنَّ اللَّهَ تعالى يمدحُكُم في هذه الآية.

стр. 1083

وقولُه: ﴿وَسَطًا﴾ روى أبو سعيدٍ الخُدريُّ ﵁: عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الأمة الوسط: العدل" (١) أخذَ مِن التَّوسُّطِ في الدِّين، وهو بين الغلُوِّ والتَّقصير، فإنَّهم لم (٢) يغلوا غلوَّ النَّصارى حيث وَصفوا المسيحَ وهو عبدٌ بالألوهيَّة، وبأنَّه ولده (٣)، وبأنَّه ثالثُ ثلاثةٍ، ولم يُقَصروا تقصيرَ اليهود، حيث قَتلوا الأنبياءَ، ووصفوا مريمَ بالزِّنى، وعيسى بأنَّه ولدُ الزِّنى. وقيل: سمُّوا وسطًا؛ لأنَّهم كالمتوسِّط بين الخصمين يَعدلُ ولا يميل، وكالمتوسِّط (٤) بين شيئين متساويين. وقيل: سمُّوا وسطًا؛ لأنَّ قبلةَ النَّصارى إلى المشرق، وقبلةَ اليهود إلى المغرب، والكعبةُ في (٥) الوسط، وهي سرَّةُ الدُّنيا. وقال أبو عبيدة: الوسطُ: الخيار (٦)، قال النبيُّ ﷺ : قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: خيرُهم وأفضلهم (٧).

стр. 1084

وقال أحمدُ بن فارس: الوَسَط -بالفتح- مِن كلِّ شيءٍ أعدلُه، وضَرَبتُ وَسَطَ رأسِه - بفتح السِّين، وجَلستُ وسْطَ القوم؛ بالسُّكون، وهو أوسطُهم حَسَبًا، إذا كان في واسطةِ قومه (١)، وواسطةُ القلادةِ أفضلُها. وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: للأنبياء (٢)، ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللام، كما في قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: للنصب، و ﴿النَّاسِ﴾ هم الأنبياء هاهنا، كما في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: ذكرت للأنبياء (٣). وقيل: كلمة ﴿عَلَى﴾ لحقيقتها هاهنا، و ﴿والنَّاسِ﴾ هم الكفار هاهنا، وهم أممُ الأنبياء الذين (٤) لم يؤمنوا، وتقديره: لتكونوا شهداءَ على الكفَّار للأنبياء يوم القيامة، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، فتقولُ الكفَّار: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذير، وتقول الأنبياءُ قد بلَّغنا، فإذا أنكر الأممُ احتاجَ الأنبياءُ إلى إثبات ذلك، فيأتون محمَّدًا ﵊، يلتمسُ كلُّ رسول منهم طائفةً من أمَّته تَشهدُ له على أمَّته، وإذا شهِدوا، قال الكفَّار: كيف تشهدون، ولم تكونوا في زماننا؟ فيقولون: أخبرنا اللَّه تعالى به (٥) في كتاب نبينا؛ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ الشعراء: ١٠٥]، وكذا في سائر القَصص (٦).

стр. 1085

وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: لكم، كما في قوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾، ومعناه: مُزكِّيًا مُعدِّلًا. وقال القفَّال: للمفسِّرين فيها ثلاثةُ أقوال: أحدها: أنَّها تكونُ منهم على قوم نوحٍ خاصَّة. والثاني: أنَّها تكونُ على كفَّارِ أمَّة هذه الدَّعوة، وهي (١) دعوةُ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ . والثالث: أنها تكونُ منهم على جميعِ الأمم. وقيل: معناهُ: ليَشهدَ كلُّ فريقٍ منكم على مَن يَحدُثُ في عصرِهم ومَن بعدَهم بالشَّرائعِ التي تَلزمُهم، ويكونَ الرسولُ شهيدًا عليكم؛ أي: مبلِّغًا إليكم، شاهدًا عليكم عن اللَّه تعالى بما يؤدِّيه إليكم مِن شرائعِ دينِه، وتكونوا أنتم شهداءَ على النَّاس للَّه والرسول بما (٢) أدَّاه الرسولُ إليكم عنه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: جعل هذه الأمَّة عدولًا، والعدلُ: هو المستحِقُّ للشَّهادة وقبولها، ففيه الدِّلالةُ على جعل الإجماع حجَّةً، فإذا اجتمعوا على شيءٍ وشهدوا به، لزمَ قَبولُه بما شهدوا به، والشَّهادةُ فيه أَنَّه من عند اللَّه وقعَ لهم ذلك (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: بيت المقدس، وهاهنا

стр. 1086

مضمرٌ، وهو: قبلة، تقديرُه (١): وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها قبلةً (٢)، ومعنى ﴿جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا، فيقتضي مفعولًا ثانيًا، والقبلةُ التي كان عليها هي بيتُ المقدِس، ويقتضي إضمارًا آخرَ في آخره؛ أي: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ إذا حوَّلناك عنها إلى الكعبة. وقيل ﴿جَعَلْنَا﴾ في معنى: نَصبنا وشرعنا، كما في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (٣)؛ أي: ما شرع، فلا يَقتضي الإضمارَ. وقيل الإضمارُ في أوَّله: وما جعلنا تغييرَ القِبلة التي كنت عليها، أو صرفَك عنها، أو تحويلَها (٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: وما جعلنا ذكرَ الرُّؤيا، أو خبرَك عن الرُّؤيا، إذ لا فتنةَ في نفس الرُّؤيا. وقيل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ أي: وما حوَّلنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، والجَعْلُ في القرآن يجيء على قريبٍ من عشرين وجهًا، ذكرناها عند تفسير قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أي: على اعتقاد استقبالِها، كما (٥) يقال: كان (٦) فلانٌ على دين كذا، وعلى قول كذا.

стр. 1087

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ليتميَّزَ أهلُ الشَّكِّ (١) من أهل اليقين. وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه: إلَّا ليُعلمَ كائنًا ما علمناه قبل كونِه أنَّه سيكونُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى يَعلمُ الأشياءَ قبل كونها أنَّها ستكون، وبعد الكونِ يعلمُها كائنةً (٢)، وبعد ما مضى (٣) يعلمُ (٤) أنَّها كانت، وقبل الكون لا نقول (٥): يعلمها كائنة؛ لأنَّه يكون جهلًا. قال: ولا نَصِفُ اللَّهَ تعالى بالعلمِ في الخَلْقِ على غيرِ الحال التي الخَلْقُ عليها؛ لأنَّ وصفَنا إيَّاه بالعلمِ على غير الحال التي الخلقُ عليها يُؤدِّي إلى وصفِه بالجهل؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُقال: يَعلمُ مِن السَّاكنِ في حال السُّكون حركةً، أو مِن المتحرِّكِ في حالِ الحركة سكونًا، أو يَعلمُ مِن الجالسِ قيامًا، أو مِن القائمِ جلوسًا؛ لأنَّه وصفٌ بعلم ما ليس (٦)، وهو محال. قال: وكلُّ علمٍ يُذْكَرُ على حدوث المعلوم، يُذكَرُ بِذكرِ الوقتِ للمحدَث (٧)؛ لئلَّا يُفهمَ بذكره قدمُ المعلوم في الأزل، فيُقال فيما لم يكن بعدُ: إنَّه يَعلم (٨)، وفيما هو كائنٌ: إنَّه عالمٌ به، ويقال فيما مضى: قد عَلِمَ.

стр. 1088

وإذا وصفنا اللَّهَ تعالى بما هو حقيقةٌ بلا ذِكْر الخَلق مع ذلك، نَصِفُه بالذي نَصِفُه به في الأزل؛ لتعاليه عن التغيُّر والزَّوال، وعن الانتقال مِن حالٍ إلى حال، ولا قوَّةَ إلَّا باللَّه (١). وقيل: معناه ليعلم رسولي والمؤمنون، والعربُ تضيفُ فعلَ الأتباعِ إلى المتبوع، وهو كقولِهم: رجمَ رسولُ اللَّه ﵊ ماعزًا، وقتل أبو بكرٍ الصِّديقُ أهل الرِّدَّة، وفتحَ عمرُ السواد (٢)، وحُكِي عن بعض العرب: إنِّي أجوعُ في غير بطني، وأعرى في غيرِ ظهري؛ يعني: جوعَ عيالِه (٣) وعُريَهم. وعن ابن عباس ﵄: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: لنرى (٤). وقال الفرَّاء: الحقيقةُ في العلم راجعة إلى المخاطَبين، وهذا كعاقلٍ وجاهلٍ يجتمعان، فيقول الجاهلُ: الحطبُ يُحرِقُ النَّارَ، ويقولُ العاقلُ: بل النَّارُ تحرقُ الحطبَ، وسنَجمعُ بينهما؛ لنعلم أيُّهما يُحرِقُ صاحبَه (٥)، فمعناه: لتَعلمَ أنت أيُّها الجاهلُ، فكذا هذا (٦)، معناه: لتعلموا أنتم.

стр. 1089

وقيل: العلمُ صلةٌ، ومعناه: ليكونَ اتِّباعُ المتَّبعين، وانقلابُ المنقلبين، كقول الشاعر: لا أعرفنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني... وفي حياتيَ ما زوَّدْتَني زادِي (١) المعنى: لا تَندُبْني بعد موتي، وهو كقولك: ما علمَ اللَّه هذا منِّي؛ أي: ما كان منِّي، ولو كان لعلم (٢) اللَّه. وقيل: معناه: إلَّا لنُعامِلَكم معاملةَ مَن يَمتحِنُ ليُعلَم، ثمَّ هذا اللام، وإنْ دخلَت في العلمِ، فهي داخلةٌ في الاتِّباع معنًى؛ لأنَّ الابتلاءَ لكي يقعَ الفعلُ فيعلمَه اللَّهُ، لا للعلم (٣). وتقديره: إلَّا ليتَّبعَ البعضُ الرَّسولَ، ويَنْقَلِبَ البعضُ، فيعلمَ اللَّهُ ذلك، وهو كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ أي: حتَّى تُجاهِدوا وتَصبِروا، فيعلمَ ذلك، وهو كقولك: لا أسمعنَّ كلامَك، النَّهيُ عن السَّماع ظاهرًا، وحقيقتُه نهيٌ عن الكلام (٤)؛ أي: لا تتكلَّمَنَّ فأسمعَنَّ كلامَك. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أي: في أمرِ القبلة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ينصرفُ، يقال: قَلَبَهُ؛ أي: صرَفَهُ، فانقلَبَ؛ أي: انصرفَ. والعقبُ مؤخَّر القدم، وقال الأصمعيُّ: العقبُ: ما أصابَ الأرضَ مِن مؤخَّرِ الرِّجلِ إلى موضع الشِّراك (٥).

стр. 1090

وقوله: ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مجازٌ عن الارتداد، وهو الرُّجوعُ عن الدِّين الحقّ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ له ثلاثةُ وجوه (١): أحدها: أنَّ ﴿إن﴾ للنَّفي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، واللَّامُ في ﴿لَكَبِيرَةً﴾ بمعنى: إلَّا، كما في قوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ أي: ما كان وعدُ ربِّنا إلَّا مفعولًا. والثاني: أنَّ ﴿إن﴾ مع اللام للتَّأكيد، و ﴿إن﴾ بمعنى: قد، واللامُ بمنزلةِ القسم، وتقديرُه: وقد كانت كبيرةً واللَّه. والثالث (٢) أنَّ ﴿إن﴾ للتَّحقيق، يقول: لقيتُ فلانًا وإنْ كرهْتُ لقاءَه؛ أي: مع كراهتي للقائِه، وتقدير الآية: مع أنَّها كبيرةٌ إلَّا على المهتدين. وقوله ﴿كُنْتَ﴾ كنايةٌ عن القِبلة، وهي المذكورةُ في الآية. وقيل: كنايةٌ عن مصدرٍ مؤنَّثٍ مدلولىٍ عليه غيرِ مصرَّحٍ به، وهو التحويلةُ، أو التَّوليةُ. والكبيرةُ: الثقيلةُ، وقد مرَّ شرحُها في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى﴾ أي: على الذين وفَّقَهُم اللَّهُ لاتِّباعِ أمرِه، والانقيادِ لحكمِه، ومخالفةِ طبعه بموافقة شرعِه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال السُّدِّيُّ: لمَّا توجَّه النَّبيُّ إلى المسجدِ الحرام، اختلف الناسُ فيها، فكانوا أصنافًا، قال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ، وما بالهم تركوها؟! وقالت اليهود: اشتاق محمَّدٌ إلى بلدِهِ ومولدِه.
следующие страницы →