← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

مضمرٌ، وهو: قبلة، تقديرُه (١): وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها قبلةً (٢)، ومعنى ﴿جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا، فيقتضي مفعولًا ثانيًا، والقبلةُ التي كان عليها هي بيتُ المقدِس، ويقتضي إضمارًا آخرَ في آخره؛ أي: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ إذا حوَّلناك عنها إلى الكعبة. وقيل ﴿جَعَلْنَا﴾ في معنى: نَصبنا وشرعنا، كما في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (٣)؛ أي: ما شرع، فلا يَقتضي الإضمارَ. وقيل الإضمارُ في أوَّله: وما جعلنا تغييرَ القِبلة التي كنت عليها، أو صرفَك عنها، أو تحويلَها (٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: وما جعلنا ذكرَ الرُّؤيا، أو خبرَك عن الرُّؤيا، إذ لا فتنةَ في نفس الرُّؤيا. وقيل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ أي: وما حوَّلنا، وهو كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥]، والجَعْلُ في القرآن يجيء على قريبٍ من عشرين وجهًا، ذكرناها عند تفسير قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أي: على اعتقاد استقبالِها، كما (٥) يقال: كان (٦) فلانٌ على دين كذا، وعلى قول كذا.

стр. 1087

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ليتميَّزَ أهلُ الشَّكِّ (١) من أهل اليقين. وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه: إلَّا ليُعلمَ كائنًا ما علمناه قبل كونِه أنَّه سيكونُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى يَعلمُ الأشياءَ قبل كونها أنَّها ستكون، وبعد الكونِ يعلمُها كائنةً (٢)، وبعد ما مضى (٣) يعلمُ (٤) أنَّها كانت، وقبل الكون لا نقول (٥): يعلمها كائنة؛ لأنَّه يكون جهلًا. قال: ولا نَصِفُ اللَّهَ تعالى بالعلمِ في الخَلْقِ على غيرِ الحال التي الخَلْقُ عليها؛ لأنَّ وصفَنا إيَّاه بالعلمِ على غير الحال التي الخلقُ عليها يُؤدِّي إلى وصفِه بالجهل؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُقال: يَعلمُ مِن السَّاكنِ في حال السُّكون حركةً، أو مِن المتحرِّكِ في حالِ الحركة سكونًا، أو يَعلمُ مِن الجالسِ قيامًا، أو مِن القائمِ جلوسًا؛ لأنَّه وصفٌ بعلم ما ليس (٦)، وهو محال. قال: وكلُّ علمٍ يُذْكَرُ على حدوث المعلوم، يُذكَرُ بِذكرِ الوقتِ للمحدَث (٧)؛ لئلَّا يُفهمَ بذكره قدمُ المعلوم في الأزل، فيُقال فيما لم يكن بعدُ: إنَّه يَعلم (٨)، وفيما هو كائنٌ: إنَّه عالمٌ به، ويقال فيما مضى: قد عَلِمَ.

стр. 1088

وإذا وصفنا اللَّهَ تعالى بما هو حقيقةٌ بلا ذِكْر الخَلق مع ذلك، نَصِفُه بالذي نَصِفُه به في الأزل؛ لتعاليه عن التغيُّر والزَّوال، وعن الانتقال مِن حالٍ إلى حال، ولا قوَّةَ إلَّا باللَّه (١). وقيل: معناه ليعلم رسولي والمؤمنون، والعربُ تضيفُ فعلَ الأتباعِ إلى المتبوع، وهو كقولِهم: رجمَ رسولُ اللَّه ﵊ ماعزًا، وقتل أبو بكرٍ الصِّديقُ أهل الرِّدَّة، وفتحَ عمرُ السواد (٢)، وحُكِي عن بعض العرب: إنِّي أجوعُ في غير بطني، وأعرى في غيرِ ظهري؛ يعني: جوعَ عيالِه (٣) وعُريَهم. وعن ابن عباس ﵄: ﴿لِنَعْلَمَ﴾؛ أي: لنرى (٤). وقال الفرَّاء: الحقيقةُ في العلم راجعة إلى المخاطَبين، وهذا كعاقلٍ وجاهلٍ يجتمعان، فيقول الجاهلُ: الحطبُ يُحرِقُ النَّارَ، ويقولُ العاقلُ: بل النَّارُ تحرقُ الحطبَ، وسنَجمعُ بينهما؛ لنعلم أيُّهما يُحرِقُ صاحبَه (٥)، فمعناه: لتَعلمَ أنت أيُّها الجاهلُ، فكذا هذا (٦)، معناه: لتعلموا أنتم.

стр. 1089

وقيل: العلمُ صلةٌ، ومعناه: ليكونَ اتِّباعُ المتَّبعين، وانقلابُ المنقلبين، كقول الشاعر: لا أعرفنَّكَ بعد الموتِ تَنْدُبُني... وفي حياتيَ ما زوَّدْتَني زادِي (١) المعنى: لا تَندُبْني بعد موتي، وهو كقولك: ما علمَ اللَّه هذا منِّي؛ أي: ما كان منِّي، ولو كان لعلم (٢) اللَّه. وقيل: معناه: إلَّا لنُعامِلَكم معاملةَ مَن يَمتحِنُ ليُعلَم، ثمَّ هذا اللام، وإنْ دخلَت في العلمِ، فهي داخلةٌ في الاتِّباع معنًى؛ لأنَّ الابتلاءَ لكي يقعَ الفعلُ فيعلمَه اللَّهُ، لا للعلم (٣). وتقديره: إلَّا ليتَّبعَ البعضُ الرَّسولَ، ويَنْقَلِبَ البعضُ، فيعلمَ اللَّهُ ذلك، وهو كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ أي: حتَّى تُجاهِدوا وتَصبِروا، فيعلمَ ذلك، وهو كقولك: لا أسمعنَّ كلامَك، النَّهيُ عن السَّماع ظاهرًا، وحقيقتُه نهيٌ عن الكلام (٤)؛ أي: لا تتكلَّمَنَّ فأسمعَنَّ كلامَك. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أي: في أمرِ القبلة ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: ينصرفُ، يقال: قَلَبَهُ؛ أي: صرَفَهُ، فانقلَبَ؛ أي: انصرفَ. والعقبُ مؤخَّر القدم، وقال الأصمعيُّ: العقبُ: ما أصابَ الأرضَ مِن مؤخَّرِ الرِّجلِ إلى موضع الشِّراك (٥).

стр. 1090

وقوله: ﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مجازٌ عن الارتداد، وهو الرُّجوعُ عن الدِّين الحقّ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ له ثلاثةُ وجوه (١): أحدها: أنَّ ﴿إن﴾ للنَّفي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]، واللَّامُ في ﴿لَكَبِيرَةً﴾ بمعنى: إلَّا، كما في قوله: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]؛ أي: ما كان وعدُ ربِّنا إلَّا مفعولًا. والثاني: أنَّ ﴿إن﴾ مع اللام للتَّأكيد، و ﴿إن﴾ بمعنى: قد، واللامُ بمنزلةِ القسم، وتقديرُه: وقد كانت كبيرةً واللَّه. والثالث (٢) أنَّ ﴿إن﴾ للتَّحقيق، يقول: لقيتُ فلانًا وإنْ كرهْتُ لقاءَه؛ أي: مع كراهتي للقائِه، وتقدير الآية: مع أنَّها كبيرةٌ إلَّا على المهتدين. وقوله ﴿كُنْتَ﴾ كنايةٌ عن القِبلة، وهي المذكورةُ في الآية. وقيل: كنايةٌ عن مصدرٍ مؤنَّثٍ مدلولىٍ عليه غيرِ مصرَّحٍ به، وهو التحويلةُ، أو التَّوليةُ. والكبيرةُ: الثقيلةُ، وقد مرَّ شرحُها في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى﴾ أي: على الذين وفَّقَهُم اللَّهُ لاتِّباعِ أمرِه، والانقيادِ لحكمِه، ومخالفةِ طبعه بموافقة شرعِه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال السُّدِّيُّ: لمَّا توجَّه النَّبيُّ إلى المسجدِ الحرام، اختلف الناسُ فيها، فكانوا أصنافًا، قال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ، وما بالهم تركوها؟! وقالت اليهود: اشتاق محمَّدٌ إلى بلدِهِ ومولدِه.

стр. 1091

وقال المشركون: تحيَّرَ في دينِه. وقال المسلمون: ليتنا نعلمُ حالَ إخواننا الذين ماتوا وهم يُصلُّون نحو بيت المقدس، فنزلَت الآيات (١). ورُوي أنَّ حييَّ بنَ أخطب وأصحابَهُ قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتِكم نحوَ بيت المقدس، أكانت هدًى أم ضلالة؟ فإن كانت هدًى، فقد تحوَّلتُم عنها، وإن كانت ضلالةً، فقد دِنتُمُ اللَّهَ وتقرَّبتم إليه بها، وإنَّ مَن مات منكم عليها، لقد مات على الضَّلالة. وقال المسلمون: إنما (٢) الهدى ما أمرَ اللَّهُ به، والضَّلالةُ ما نَهى اللَّه عنه. قالوا: فما شهادتُكم على مَن مات منكم على قِبلتِنا؟ وكان مات قبل أن تُحوَّلَ القبلةُ أسعدُ بنُ زرارة من بني النَّجار، والبراءُ بن مَعرور مِن بني سلمة، وكانا من النُّقباء، ومات رجالٌ. فانطلق عشائرُهم، فقالوا للنبيِّ ﷺ : توفِّي إخوانُنا وهم يُصلُّون إلى القِبلة الأولى، وقد صرفَك اللَّهُ (٣) إلى قبلةِ إبراهيم، فكيف إخوانُنا (٤)؟ فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: صلاتَكم إلى بيت المقدس (٥). سمَّى الصلاةَ إيمانًا؛ لأنَّ وجوبَها على أهل الإيمان، وقَبولَها مِن أهل الإيمان.

стр. 1092

وقيل: كان اليهودُ يجعلون الصَّلاة إيمانًا، فخاطبَهُم (١) بما سمَّوها، كما قال: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١]، والأصنامُ ليست بآلهة، لكن (٢) كانت كذلك على زعمِهم، فسماها بما سمَّوها؛ أي: على زعمِهم وكما قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ولا خالقَ إلَّا اللَّه، لكن كانوا يعرِفون كلَّ صانعٍ خالقًا، فخوطِبوا على ما تَعارفوا. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال بعضُ المفسِّرين: إنَّ قومًا صلَّوا إلى بيت المقدس، وماتوا على ذلك، فلمَّا حوِّلَت القبلةُ قالوا: ضاعت صلاتهم؛ إشفاقًا عليهم. لكنَّ هذا بعيدٌ (٣) لا يحتمل؛ لأنَّ الذي اعتقدَ الإسلامَ مِن الصَّحابة ﵃، وعرف موقعَ (٤) أمر اللَّه وأمرِ رسولِه، لا يجوزُ أن يخطرَ ببالهم هذا حتَّى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلمَ باللَّهِ مِن أن يجدَ عدوُّ اللَّه فيهم ذلك؛ لأنَّهم (٥) أطاعوا اللَّهَ فيما أمرَهم، وماتوا على التَّصديق (٦). لكن إن كان ثَمَّ سؤالٌ، فهو من اليهود الذين لا يرون النَّسخَ. أو قومٍ مِن الكفرةِ آذوا رسولَ اللَّه ﷺ ، وأفرطوا في خلافِه ومعاداتِه، ثمَّ أرادوا الإسلامَ، فظنُّوا أنَّ ما سبقَ منهم يَمنعُ قَبول الإسلام، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ

стр. 1093

لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ لما كان منكم في حال الكفر، يدل عليه آخرُ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عمَّن تابَ. أو قومٍ علموا أن لا اختلافَ في الدِّين، وظنوا أنَّ نسخَ الأحكامِ يُوجِبُ اختلافًا في الدِّين، فبيَّن أنَّ الإيمانَ لا يقعُ على اعتقاد الصَّلاة إلى جهةٍ دون جهة، بل يقعُ على الائتمار، فالإيمانُ مِن الصَّحابة الذين ماتوا كان على اعتقادِ الائتمار، ومِن هؤلاء كذلك، فلا تفرُّقَ ولا اختلاف (١). ويحتمل أن يكون معناه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالصَّلاة إلى بيت المقدس، فإنَّه كان بالأمر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرؤوف على وزن الفعول (٢)، والرَّؤف على وزن الفَعُل (٣)، والرَّحيمُ على وزن الفعيل، هو المبالغُ في الرَّحمة والرَّأفة. والرَّأفةُ المصدر، والرآفة بالمدِّ كذلك، والرَّحيمُ قد فسَّرناهُ في التَّسمية، فالرَّحيمُ أعمُّ، والرؤوف أبلغُ، ولذلك جمع بينهما لإثباتِ المعنيين جميعًا، وبدأ بالأبلَغِ، وختمَ بالأعمِّ. ومعناه هاهنا أنَّه برأفتِه ورحمته نقلَهم عن ذلك إلى هذا، وهو أصلحُ لهم، ولم يضيِّع (٤) عملَهم، ولم يُوجِب إعادتَهُ عليهم بعد النَّسخ.

стр. 1094

ثمَّ وصفَ رسولَه بقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال في صفة نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهو يَعمُّ الكفَّار والمؤمنين، وذلك في حقِّ الكافر، فإنَّه (١) يَرزقُه، ويُمهِلُه، وإذا أتاهُ يَقبلُه، ورأفةُ محمَّدٍ ﵊ ورحمتُه على المؤمنين خصوصًا (٢) كانت مِن اللَّه تعالى، قال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، ويقول لنبيِّه ﵊: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، أخبرَ أنَّ الكفَّار يَستعجِلون العذابَ، ولو كان ذلك إلى النبيِّ ﷺ لأهلكَهم، فلا أرأفَ ولا أرحمَ من ربِّ العالمين، هو أرحمُ الرَّاحمين، وأكرمُ الأكرمين. ثمَّ قولُه (٣): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ في جواب الذين سألوا عن حال صلواتهم إلى بيت المقدس ظاهرٌ (٤). وعلى قولِ مَن قال: هو جوابٌ عن صلاةِ الذين صلَّوا إلى بيت المقدسِ وماتوا، يكون (٥) معناه: ليضيعَ إيمانَ سلفِكم، كما قلنا في قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]. وإن كان هذا جوابَ الكُلِّ، فوجهُه أنَّه خطابُ الحاضرين والغائبين، والغالب فيه مِن استعمالِ العرب هو الإجراءُ على المخاطبة، يقولون: كنت أنت وفلانٌ -الغائبُ- فعلتما ذلك. * * *

стр. 1095

(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾. قد قدَّمنا قصَّته، و ﴿قَدْ﴾ كلمةُ تأكيدٍ و"لقد" أبلغُ منه. والتَّقلُّبُ: التَّصرُّف، ومعناه: نرى إدامةَ نظرِك إلى السَّماء؛ انتظارًا لتحويلِ القِبلة إلى الكعبة، وكان يتمنَّى ذلك لمخالفةِ اليهود -لعنهم اللَّه-؛ لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّه يُخالِفنا في ملَّتِنا، ويَتوجَّهُ إلى قبلتِنا، ولأنَّ الكعبةَ كانت قِبلة إبراهيم، ولأنَّه كان يَرجو أن يكونَ ذلك سببًا لإسلامِ العربِ. وقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ اللامُ في أوَّلِه والنون المشددة في آخره للقَسَم، وهو للتَّأكيد؛ أي: لنُوَجِّهَنَّكَ (١). وقوله تعالى ﴿قِبْلَةً﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقولُه تعالى: ﴿تَرْضَاهَا﴾؛ أي: تُحِبُّها؛ للمعاني الثلاثةِ التي قدَّمناها. وقيل (٢): ترضاها؛ لأنَّها كانت قبلةَ الأنبياء من قبل، وليس معناه أنَّه كان لا يَرضى غيرَها، وهذا جائزٌ في الكلام، يقول الرَّجلُ لآخر: أعطيكَ شيئًا ترضاهُ، وإن لم يظهر منه الكراهةُ في غيرِ ذلك والرَّدُّ. وقيل: أي: لا تسخطُها، وتُسَلِّمُ لأمرِ اللَّه فيها، لا تفعلُ كما فعلت العربُ الذين أسلموا ثمَّ ارتدُّوا حين حُوِّلَت القبلةُ، فأنت ترضاها، وترضى كلَّ جهةٍ نوجِّهُك إليها؛ لأنك تَعلمُ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يفعل ذلك إلَّا لعلمِه بأنَّ صلاحَك وصلاحَ أمَّتِك فيه.

стр. 1096

ودلَّت الآيةُ على عِظَم قدرِ نبيِّنا ﵊ عند اللَّه، حيث جعلَ الكعبةَ قبلةً له على موافقة (١) محبَّتِهِ ورضاه، وهذا كما رُويَ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت للنبيِّ ﷺ حين نزلَ قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]: يا محمَّدُ أما إنَّ ربَّك ليُسارع (٢) لك في رضاك (٣). وقد مرَّ عن الإمام أبي منصور ﵀ أنَّه قال: كان النبيُّ ﷺ يُقَلِّبُ الوجهَ في السَّماء؛ لما سبقَ له من الوعدِ بتحويل القبلة. قال: ويقال -وهو (٤) تفسير الحسن البصري-: إنَّه كان حُبِّب إليه الصَّلاةُ حتَّى كان لا يصبرُ عنها، وقد نُهِيَ عن الصَّلاةِ إلى بيت المقدس، ولم يُؤمَر بعدُ بالتوجُّه إلى غيرها، وكان يُقَلِّبُ وجهَه إلى السَّماء رجاءَ أن يُؤمَرَ بالتوجُّه إلى غيرها (٥). وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: درَجِّه وجهَك نحو الكعبة إذا أردتَ الصَّلاة، وحقيقةُ قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ أي: اجعَلْ وجهَكَ ممَّا يَلِيه، وشطرُ الشيء نحوه. و ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قيل: هو على ظاهرِه، والمسجدُ الحرامُ هو المسجدُ الكبيرُ الذي فيه الكعبة، وقالوا: إنَّ عينَ الكعبة يَصعُبُ استقبالُها؛ لصغرها. وقيل: هو الحرمُ كلُّه. والصَّحيحُ أنَّه الكعبة، فهي القبلةُ، ففي جميع الأحاديث كذلك؛ ثمَّ صُرِفَ إلى

стр. 1097

الكعبة (١)، وكان يُحِبُّ أنْ يوجَّه إلى الكعبة (٢)، حُوِّلَ إلى الكعبة (٣)، فقال عند ذلك: ألا إنَّ القبلةَ حُوِّلَت إلى الكعبة (٤)، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾؛ أي: نُحَوِّلنَّك إلى الكعبة. وقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ هذا أمرٌ لجميع المؤمنين (٥) بذلك بعد ما أمرَ به محمدًا ﵊ على الخصوص، وفيه إضمار؛ أي: وفي أي موضعٍ كنتم من الأرض وأردتُم الصَّلاة، فولُّوا وجوهَكم نحوَه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: اليهودَ والنَّصارى. قوله تعالى: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: هي قبلةُ الأنبياء، وأنَّهم إليها كانوا يُصلُّون. وقيل: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ لعِلْمِهم أنَّك نبيٌّ، وأنَّك لا تأتي إلَّا بالحقِّ. وقيل: أي: في كتبِهم صفةُ النَّبيِّ ﷺ ، ومَبعثُهُ، وهِجرتُه، وتحويلُهُ إلى الكعبة، فكانوا يعلمون أنَّ اللَّهَ سيُحَوِّلُهُ إليها، ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ ترجعُ الكنايةُ إلى التَّحويل الذي دلَّ عليه قولُه:

стр. 1098

﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾، أو تقديره: ليَعلمون أن ما نُولِّيكَهُ (١)، وما نفعلُه مِن تحويلِك إلى الكعبةِ هو الحقُّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) قرأ الأعمشُ بتاء المخاطبةِ، وهي قراءةُ ابن عامرٍ وحمزةَ والكسائيِّ وسهلٍ ويعقوبَ (٣)، وهو وعدٌ للمؤمنين بالثَّواب على القَبول والأداء، وقرأ الباقون بياء المغايبة (٤)، وهو وعيدٌ للكافرين بالعِقاب على العُنود والإباء. * * * (١٤٥) - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾. لامُ قسمٍ دخلت على "إن" التي هي للشَّرط، ولذلك أجيبَ بـ ﴿ما﴾، وجوابات القسم خمسة: أحدها: "ما"، قال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]. والثاني: إنَّ المشددة، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. والثالث: اللام المفتوحة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨].

стр. 1099

والرابع: إن الخفيفة، قال اللَّه تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧]. والخامس: لا، قال اللَّه تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]. وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي: ولو جئتَ رؤساءَ اليهود والنَّصارى بكلِّ (١) معجزةٍ طلبوها منك على تصديقِك في دَعوى رسالتِك، ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾؛ أي: ما صلَّوا إليها، ولم يؤمنوا بكَ، وله وجهان: أحدهما: أنَّ جميعَهم لا يؤمنون، وهو قول الحسن. أما يجوز أن يؤمن بعضهم (٢). وقيل: هو لقومٍ بأعيانهم، علمَ اللَّهُ تعالى ذلك منهم على وجهِ العناد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾؛ أي: ولست أنت يا محمَّدُ بمستقبلٍ بيتَ المقدس في صلاتِك بعدما صرفتُك عنه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي: لا يصلِّي اليهودُ إلى قبلةِ النَّصارى، ولا النَّصارى إلى قبلة اليهود، ثمَّ قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هذا الكلامُ له ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه حسمَ أطماعَ أهلِ الكتاب في متابعة الرَّسول ﵊؛ إذ كانوا طَمِعوا (٣) في رجوعه إلى الصَّلاة إلى بيت المقدس. والثاني: أنه قابلَ قولَه: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾، وهي مِن أقسام البلاغة، يقول: ما هم بتاركي إنكارِ الحقِّ، وما أنت بتاركٍ الاعترافَ به.

стр. 1100

والثالث: أي (١): ليس يمكنُك استصلاحُهم باتِّباع قبلتهم؛ لاختلاف وجهتهم، وتباين نحلتيهم؛ فبيَّن أنَّه محالٌ، غيرُ ممكنٍ بحال. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، وهو الإرادةُ والمحبَّة، ولم يقل: هواهم؛ على الوحدان، لاختلاف إرادة (٢) المخالفين؛ أي: ولئن وافقتَهم في القِبلة، مداراةً لهم وحرصًا على إيمانهم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: بيان القبلة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا﴾ هو بيانُ الوقت؛ أي: حين تفعل (٣) ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: الضَّارينَ نفسَك. وقيل: أي: واضعين العملَ في (٤) غير موضعه. وقيل: الخطابُ للنَّبيِّ ﷺ والمرادُ غيرُه، ويجوزُ أن يكون له وإن كان معصومًا، لما مرَّ أنَّ العصمةَ لا ترفعُ النَّهيَ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ فيه الوعدُ له بالعصمة في المستقبل، ويَحتملُ أن يكون معناه: وما لك أنْ (٥) تُتَابِعَهم في القِبلة. وهذا التأويلُ كأنَّه أقربُ؛ لما خرجَ آخر الآية على الوعيد (٦). وفي الآية إثباتُ رسالتِه؛ لأنَّه أخبرَهُ بالإياسِ عن اتِّباعِهم له في قومٍ بأعيانهم، وكان كما قال، ولا يوصَلُ إلى مثله إلَّا بوحيٍ مِن اللَّه عزَّ وعلا.

стр. 1101

(١٤٦) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس ﵄: الكنايةُ ترجعُ إلى أمر القبلة، وهو قول مقاتلٍ وقتادة (١)؛ أي: يعرفونَ أنَّه حقٌّ، وأنَّه مِن عند اللَّه. وقيل: الكنايةُ راجعةٌ إلى النبيِّ ﷺ ؛ أي: يعرفونَهُ بالرِّسالةِ والنُّبوَّة، كما يعرفون أولادَهم بالنَّسب والبنوَّة. وقيل: هو مدحُ مَن آمن مِن أهل الكتاب، كعبد اللَّه بن سَلَام وأصحابِه. وقد روي أنَّ عمر رضي اللَّه تعالى عنه قال لابن سلام: إنَّ اللَّهَ تعالى وصفَكم بأنَّكم تعرفون رسولَ اللَّه كما تعرفون أبناءَكم، فقال: نعم، وزيادة، إنِّي لأعرفُ أنَّه رسولُ اللَّه حقًّا (٢) بما ذكره في التَّوراة والإنجيل، ولا أدري ماذا أحدث النِّساءُ بعدي. فقال عمر ﵁: وفقك اللَّه يا ابن سلام (٣). وإنَّ اللَّهَ تعالى مدحَ هؤلاء الذين عَرَفوا فاعترفوا (٤)، وذمَّ الذين عَنَدوا (٥) وجحدوا. وكذلك (٦) قوله ﷻ : ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧) قال مجاهد

стр. 1102

رحمه اللَّه: أي صفةَ محمَّدٍ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوراةِ والإنجيل. وقال الرَّبيع: أي: يَكتمون أمرَ القبلة (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، وأنَّ الكعبةَ قبلةُ اللَّه. وقيل: أي: وهم يَعلمون أنَّهم يكتمون الحقَّ. وقيل: أي: يعلمون ماذا يجب عليهم مِن العقوبة لمن كتمَ الحقَّ. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حملَهم (٢) مستكنَّاتُ الحسدِ وسوءِ الاختيار على مُكابرةِ ما علموهُ بالاضطرار، وكذلك المغلوب في ظلماتِ نفسِه يُلقي جلبابَ الحياءِ، فلا ينجَعُ فيه ملامٌ، ولا يردعُه عن انهماكه كلامٌ (٣). * * * (١٤٦) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا هو الصدق من ربِّك، فهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ على هذا القول. وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبرُه ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. وقيل: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مقدَّرٌ في صدر الكلام، و ﴿الحَقُّ﴾ خبرُه. وقيل: معناه: القبلةُ هي الكعبة، وإنَّ اللَّه بحقٍّ نقلَكُم إليها؛ لعلمه بصلاحكم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكِّين، والمريةُ: الشَّكُّ، والمماراةُ: المجادلة.

стр. 1103

وقال ابن عرفة (١): قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٢) [النجم: ١٢]؛ أي: أتجادلونَهُ جدالَ (٣) الشاكِّين وقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: ٥٥]؛ أي: تشكُّ، وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ [النجم: ١٢]؛ أي: أتجحدونه (٤)، وقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: فلا تُجادل (٥). وأصلُ المِراء (٦): الجدال؛ من قولك: مَرَيْتُ الشَّاةَ، إذا حَلبتَها واستخرجتَ لبنَها، فالمِراءُ: الجدالُ (٧) لاستخراجِ ما عند الخصم. ومعنى الآية: فلا تكوننَّ مِن الشَّاكِّينَ في أنَّه حقّ، وأنَّه مِن عندِ اللَّه. وقيل: أي: لا (٨) تَشُكَّ في هذا، ولا تتَّبع ما يَدْعُونَك إليه؛ فإنَّه ليس بحقٍّ، وليس من عندِ اللَّه. وقيل: أي: ولا تَشُكَّ أنَّ هذا الفريقَ معاندون، يكتمون الحق، وقالوا: بعد ما طلعَت شمسُ اليقين، فلا تَركننَّ إلى ظُلمات التَّخمين. ثمَّ إذا صُرِفَ معنى قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ إلى أمر القبلة، كانت هذه الآياتُ الثَّلاث

стр. 1104

على سَننٍ واحدٍ، وإذا صُرِفَ إلى النبيِّ ﷺ ، وهو مغايبةٌ، والتي قبلها: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ مخاطبةٌ، والتي بعدها: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ مخاطبةٌ، فتوسُّط (١) الثانية على المغايبة يَكون على الانتقالِ مِن هذه إلى تلك، ومن تلك إلى هذه، وذلك في القرآن كثير؛ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ (٢) [الإنسان: ٢١]، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢]. * * * (١٤٨) - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: ولكلِّ قومٍ قبلةٌ تتوجَّهُ إليها، وقوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يجوز أن يكون هو راجعًا إلى قوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ولفظُه واحدٌ، وإن كان معناه الجمع، فيجوزُ أن تكون الكنايةُ الرَّاجعةُ إليه على التَّوحيد للفظه. ومعنى ﴿مُوَلِّيهَا﴾؛ أي: جاعلٌ إليها وجهَهُ، ويجوزُ أن يكونَ ﴿هُوَ﴾ اسمُ اللَّه تعالى؛ أي: اللَّه موجِّهٌ إليها عبادَه، والتَّوليةُ متعدِّيةٌ، وعلى الأوَّل يُجعَلُ الوجهُ مضمرًا؛ أي: كلٌّ موجِّهٌ إليها وجهَه. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: تسارَعوا إليها، وأصلُ السَّبقِ التَّقدم، والاستباقُ من الاثنين ومن الجمع، كالتَّسابق، وكذا التَّبادرُ والابتدار، والتَّقاتلُ والاقتتال (٣).

стр. 1105

وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ هي كلمةُ شرطٍ، ولذلك جَزَمَتْ، وعلامة الجزم سقوط النون. وقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ جزمَ ﴿يَأْتِ﴾ لأنَّه جزاءُ الشَّرطِ؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتم أحضرَكم اللَّهُ المحشرَ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، وفي تفسير الآية أقاويل: قيل: هذا تمام الكلام الأوَّل؛ ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ولكلٍّ منكم وجهةٌ؛ أي: قبلةٌ يَستقبلُها راضيًا بها، لا يفارقُها، فلا سبيلَ إلى اجتماع جميعِكم على قبلةٍ واحدةٍ، فالزموا معاشرَ المسلمين قبلتكم، فإنَّكم على خيرات (١) مِن ذلك في الدُّنيا والآخرة، وأينما كنتم من جهاتِ الأرضِ، جمعَكم اللَّهُ يومَ القيامة، وفَصلَ بين المحقِّ والمبطلِ، والمطيعِ والعاصي، فأثابَكم، وعاقبَ مَن خالفَكم، إنَّه على كلِّ شيءٍ مِن الجمع والإحضارِ والمجازاة قديرٌ. وقال ابنُ كيسان: لمَّا قال السُّفهاء: ما ولَّاهم عن قبلتِهم، أنزلَ اللَّهُ تعالى قولَه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: لكلٍّ مِن اليهودِ والنَّصارى والمشركين قبلةٌ هو موجِّهُهم إليها، فإنْ كان اللَّه وجَّهَهم إليها، فأنت فيما يَنقُلكَ إليه مِن قبلةٍ إلى قبلةٍ بمنزلتهم، فما معنى قولهم لك: ما ولَّاهم عن قبلتهم؟ فتسَارَعوا (٢) إلى ما دعاكم إليه، فإنَّه خيرٌ لكم. وقيل: أي: بيتُ المقدس والكعبةُ كلُّ واحدٍ منهما جهةٌ، واللَّه يُولِّي عبادَه إلى هذا وإلى هذا على ما يرى (٣) من الصَّلاح، فاستَبِقوا إلى الانقيادِ لأمر اللَّه تعالى في الحالَين،

стр. 1106

ففيه خيرات لكم، ولا تَلتفتوا إلى طعنِ هؤلاء، فإنَّهم يُريدون أنْ يَصْرفوكم عنها، فاستَبِقوا إليها ولا تُغلَبوا عليها، واللَّه يَجمعكم وإيَّاهم يومَ القيامة؛ فيَفصلُ بينكم. وقيل: أي: لكلِّ أهلٍ ناحيةٌ منكم أيُّها المؤمنون، ناحيةٌ يَتوجَّهُ منها إلى الكعبةِ مَن كان على يمينِها، أو يسارِها، أو قُدَّامَها، أو خَلْفها، وكلُّهم يَستقبلونها بأمرِ اللَّه، واللَّهُ وجَّههم إليها، لا يَخفى على اللَّه حالُ أهل الآفاقِ وشأنُهم (١) في ذلك، وهو يَحشُرهم ويَجزِيهم. وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: وبادروا إليها قبل الموت، وفي أيِّ موضعٍ متُم، حُشِرتُم وجُوزيتم. وقال بعضُ أهل الحقيقة: معناه: كلُّ قومٍ اشتغلوا بغيرنا عنَّا، وأقبلوا على غيرنا فكونوا معاشِرَ العارفين لنا، واشتغلوا بنا عن غيرِنا، فإنَّ مرجعَكم إلينا، وأنشدوا: إذا اشتغلَ اللَّاهون عنك بشُغلِهم... جعلتُ اشتغالي فيكَ يا مُنتَهى شُغلي (٢) * * * (١٤٩) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ، وأينَما كنتَ في أقطارِ الأرض، فاستقبلِ الكعبةَ بصَلاتِك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: تحويلُ القبلةِ إلى الكعبة حقٌّ، وهو مِن اللَّه تعالى.

стр. 1107

وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرو بياء المغايبة؛ ردًّا إلى قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبةِ؛ ردًّا على قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكوُنُوا﴾ (١). * * * (١٥٠) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فإنْ قالوا: لم كرَّرَ الأمرَ باستقبالِ الكعبة فقال أوَّلًا: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقال ثانيًا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقال ثالثًا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال رابعًا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقال خامسًا: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؟ قلنا لهذه أجوبة: أحدها: أنَّ التكرار يَقتضي التَّأكيدَ والتَّقرير. والجواب الثَّاني: أنَّه نَسْخٌ، حيث نُقِلَ عن قبلة (٢) اليهود، وصعُب عليهم الانتقالُ، فكرَّر الأمرَ به، كما كرَّرَ الأمرَ بالصَّلاة والزَّكاة؛ لما أنَّهما كانتا تَشُقَّان عليهم؛ فإنَّ الصَّلاةَ نهايةُ الخضوع، والزَّكاةَ بذلُ المحبوب، فكرَّرهُما، وفي النُّفوسِ قرَّرهما، وهذا كذلك.

стр. 1108

والجوابُ الثَّالثُ: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لفائدةٍ أُخرى؛ فإنَّ الأوَّلَ كان حين كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي في مسجدِ المدينة (١) إلى بيت المقدس، فوردَ النَّسخُ، وأُمِرَ بالتوجُّه إلى الكعبةِ، فقيل له: ولِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرامِ إذا صلَّيتَ في مسجدِك، وكان هذا أمرًا (٢) له على الخصوص، ثمَّ عَمَّ الأمرَ، فقال لعامَّة المؤمنين: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: في سائرِ المساجد ومواضعِ الصَّلواتِ مِن البيوتِ وغيرِها، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وهذا للمقيمين بالمدينة، ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يا محمَّدُ في الأسفارِ، فبيَّن أَنَّه في الأسفار مثلُه في الأمصار، ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ مِن سائر البلاد، ثمَّ عمَّ المؤمنين فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ بعدَ ما خصَّ به النبيَّ ﷺ . والجوابُ الرَّابع: أنَّ الأوَّلَ مع الثَّاني، وهو أمرُ النَّبيِّ ﷺ على الخصوص، وأمرُ المؤمنين على العموم: كان لابتداءِ التوجيهِ إليها، والثَّالثَ أمرٌ للنبيِّ ﵇ بالدَّوام عليه في كلِّ الأمكنة، والرَّابعَ والخامسَ أمرٌ للنَّبيِّ ﵊ على الخصوص، وللمؤمنين على العموم، على الدَّوامِ على ذلك في كلِّ الأزمنة. والجواب الخامس: أنَّ كلَّ أمرٍ ذُكِرَ ليُقرَنَ به أمرٌ آخر، وذاك من باب البلاغة، كقولك: زيدٌ عالمٌ، زيدٌ جميلُ المعاشرةِ، زيدٌ أهلٌ للمودَّة، فكأنَّه قال: الزم هذه القبلةَ؛ فإنَّ اللَّهَ شرَّفك إجابةَ دعوتك فيها، الزم هذه القبلةَ؛ فإنَّها قبلةُ حقٍّ لا قبلة هوى، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، لزم هذه القبلةَ؛ فإنَّ في لزومِك إيَّاها انقطاعَ حُجَج المخالفين، وهو قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾؛ أي: دوموا على استقبالِ هذه القبلة حيثُ كنتُم؛ فإنَّكم إذا فعلتُم ذلك، لم يكن للنَّاس عليكم حجَّةٌ؛ أي: موضعُ احتجاج.

стр. 1109

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلَّا أنْ يَحْتَجَّ عليكم ظالم بما ليس بحجَّةٍ، وكشفَ هذا الكلامُ أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّه- قالوا أوَّلًا: يُخالفُنا في دِيننا، ويتَّبعُ قبلتَنا (١)، وقالوا: ما دَرى محمَّدٌ أين يتوجَّه بصلاته (٢) حتَّى هديناه، وبعد صرفِ القبلةِ قالوا: اشتاقَ الرَّجلُ إلى مولِده وبلدِ آبائه، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. وقال المشركون -لعنهم اللَّه-: رجعَ محمَّدٌ إلى قبلتِنا، وسيَرجِعُ إلى دينِنا. فأبطلَ اللَّه تعالى قولَ اليهود في دعوتهم: إنَّا هديناهُ إلى القبلةِ، حيث صرفَهُ إلى قبلةِ أبيهِ إبراهيمَ، وأعلمَهم أنَّه هو الذي هدَاه لها دونَهم، وردَّ قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: الأماكنُ كلُّها للَّه تعالى، لا حرمةَ لها لأعيانِها، وللَّه ﷻ أنْ يأمرَ عبادَهُ باستقبالِ ما شاءَ منها وهو أعلمُ بمصالحِ عبادِه (٣)، فلم يبق لليهود خصومةٌ ولا شبهة؛ لأنَّهم إن قالوا: يُصلِّي إلى قبلتِنا في هذه الحالة، كابروا، فإن قالوا: إنَّ المشرقَ والمغربَ ليسا (٤) للَّه، كَذبوا، فإن قالوا: للأمكنةِ بنفسِها (٥) حرمةٌ مِن غير أنْ يجعلَها اللَّهُ تعالى، أحالوا. وقولُهم: اشتاقَ الرَّجلُ إلى بلدِه، تحكُّمٌ منهم باطلٌ، بل انقادَ لأمرِ اللَّهِ تعالى، وسلَّم لحكم اللَّه، وهذا منهم دعوى لا بُرهان عليها، وهو ظلمٌ، والمحتجُّ بمثلِه ظالمٌ.

стр. 1110

وقول المشركين: إنَّه قد رجعَ إلى قبلتِنا، فيرجعُ إلى ملَّتِنا، هذا تمنٍّ منهم، وليس للإنسان ما تمنَّى، ويقال لهم: لم يرجع إلى قبلتِكم (١)، بل استقبلَها بأمرِ اللَّه الذي بعثَهُ إلى خلقِه، فأطاعَهُ فيما أمرَ (٢) به، حتَّى هجرَ أهلَه وقرابتَه وبلدَه؛ لابتغاء مرضاتِه، وهذا أوضحُ ما قيل فيه وأقواهُ وأعلاه. وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ هاهنا، ومعناه: لكن، كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقولِه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، ومعنى هذه الآيةِ على هذا القول: لكن الذين ظلموا منهم يتعلَّقون بالشُّبهةِ في موضعِ الحُجَّة. وقيل: أراد (٣) بالحجَّة المحاجَّة؛ أي: المجادلة، وتقديره: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لليهود، ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: محاجَّةٌ، إلَّا للظَّالمين منهم، فإنَّهم يُحاجُّونَكم بالباطل، وعلى هذا القول يكونُ الاستثناءُ متَّصلًا غيرَ منقطع (٤). وقال أبو عبيدة (٥): ﴿إِلَّا﴾ هاهنا (٦) بمعنى: ولا (٧)، كما في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ أي: ولا خطأ، قال الشاعر:

стр. 1111

ما بالمدينةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ... دارُ الخليفةِ إلَّا دارُ مروانِ (١) أي: ولا دار مروان (٢)، فعلى هذا يكون بمعنى: ولا الذين ظلموا (٣). وقال قطرب: معناهُ: إلَّا على الذين ظلموا، فهو عطفٌ على قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أي: لا يكونُ لأحدٍ حجَّةٌ عليكم، إلَّا على الظالمين (٤). وقال أبو معاذٍ النحويُّ: ﴿إِلَّا﴾ هاهنا ليس للاستثناء، ولكنَّه حرفُ نسقٍ (٥)، ومعناه: والذين ظلموا منهم ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾؛ أي: لا تخافوهم في التوجُّه إلى الكعبة، وخافوني في تركِها. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (٦) قال ابنُ كيسان: فلا تَخشَوا النَّاسَ في تظاهرِهم عليكم في المحاربة (٧) والمحاجَّة، فإنِّي أظهرُكم عليهم بالحجَّة. وقيل: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ فيما يخاصمونَكُم، فإنَّهم لن يضرُّوكم في دِينكم ما أطعتموني، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تَعصُوني، فإنَّكم إن خالفتموني استوجَبتم عذابي. وقوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قيل: الواو زائدةٌ، كما في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: اخشوني؛ لأتمَّ نعمتي عليكم، وهي نعمُ الدُّنيا والآخرة.

стр. 1112

وقيل: هو الختمُ على الإسلام. وقيل: أي: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ هدَيتُكم إلى هذا، فهو مضمرٌ فيه. وقيل: هو عطفٌ على قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بنقلِكُم مِن شريعةٍ إلى شريعةٍ غيرِها، على ما فيه (١) صلاحُكم، حتَّى تتمَّ لكم مصالحكم، وقد حقَّق ذلك وتمَّمهُ، حتَّى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ولتهتدوا إلى شرائعِ ديني. والحجَّةُ في الأصل: هي البيِّنةُ الواضحةُ، مأخوذةٌ (٢) من مَحَجَّة الطَّريق. وقيل: هي من الغَلَبة، يقال لجَّ (٣) فحجَّ؛ أي: غلبَ (٤). وقيل: هي التي وجبَ الرُّجوعُ إليها عملًا بها، من: حجَّ البيت، وهو الرُّجوع إليه ولذلك سمِّيَ مثابةً أي: مرجعًا (٥). * * * (١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1113

وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ قيل: هو متَّصِلٌ بما قبلَه، وعليه وقعَ التَّشبيهُ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: النِّعمةُ عليكم في أمرِ القِبلة كالنِّعمة بإرسال (١) محمَّدٍ ﷺ فيكم، وهو أحدُ قولَي الزَّجَّاج والفرَّاء (٢). وقيل: معناه: كما أجبتُ دعوةَ إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٩]، فبَعثتُ محمَّدًا، فكذلك أجبتُ دعوتَه مع تلك الدعوة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فشرعت لهم الشرائعَ الحنيفيَّة السَّمحة؛ إتمامًا للنِّعمة. وقال الحسنُ وابنُ أبي نَجيح ومجاهدٌ، وهو أحد قولَي الفرَّاء، واختيارُ الزَّجَّاج: هذا متَّصِلٌ بما بعدَه (٣). قال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ مِن أنفُسِكم يُعلِّمكم (٤) بعد الجهل، ويُطهِّرُكم، ويُوقِفُكم على معالم الدِّين، وهي نعمٌ توجِبُ الشُّكرَ، فاشكروا لي بذكرِ نعمتي، وأنا مع ذلك أذكركُم، فقوله: "اذكروني" يكون له جوابان؛ متقدِّمٌ، ومتأخِّرٌ، فجعلَ ذكرَهم شكرًا له (٥) للنِّعم الماضية، وإيجابًا لذكر اللَّه تعالى لهم بنعمٍ مستأنفة. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ هذا خطابٌ للعرب، وهذا الرَّسولُ محمَّدٌ ﵊. وتفسيرُ تلاوة

стр. 1114

الآيات والتَّزكيةِ والكتاب قد مرَّ تفسيره (١) في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] على الاستيفاء والاستقصاء. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: مِن أقاصيص الأمم الخالية، وأخبار القرون الماضية والإخبار عما يكون في الأزمنة الجائية، وغير ذلك من علوم الديانةِ العاليةِ. * * * (١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قد مرَّ الكلامُ فيه من حيث اللُّغةُ. وقال محمدُ بنُ عليٍّ الترمذي ذِكْرُ اللَّه على وجوه: الأوَّلُ: ذِكرُه بالتَّوحيد، والثَّاني ذِكرُه بالأمر والنَّهي، والثَّالثُ: ذِكرُه عند كلِّ نعمةٍ في الدِّين والدُّنيا، والرَّابعُ: ذِكرهُ بالمنَّة، والخامسُ: ذِكرُه بالتَّدبير، والسَّادسُ: ذِكرُه بالمحبَّة (٢)، والسَّابعُ: ذِكرُه بالوَلَه، والثَّامنُ: ذِكرهُ بالشَّوق إليه، والتاسع: ذِكرُه بالاتِّصال، والعاشرُ: ذِكرُه بالمراعاةِ على الدَّوام. وكلُّ ذاكرٍ على حسبِ ذكرِه يرجعُ إليه ثمرةُ ذكرِه، ومِن ذلك الوجهِ يَذكُرُه (٣) ربُّه. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿وَلَذِكرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: أي: ذِكْرُ اللَّه إيَّاكم أكبرُ مِن ذكركُم إيَّاه (٤).

стр. 1115

وفي قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ لأهل المعرفة عباراتٌ لطيفةٌ: قال القتَّاد: أي: فاذكروني بالتَّوبة، أذكُرْكُم بغفرانِ الحوبة. وقيل: فاذكروني بالطَّاعة، أذكرْكُم بالرَّحمة. وقيل (١): فاذكروني بالدُّعاء، أذكركُم بالإجابة (٢)، فاذكروني بالسُّؤال، أذكرْكُم بالنَّوال (٣)، فاذكروني بلا غفلةٍ، أذكرْكُم بلا مُهلةٍ، فاذكروني بالنَّدم، أذكُرْكم (٤) بالكَرم (٥)، فاذكروني بالمعذرة، أذكركم بالمغفرة (٦)، فاذكروني بالإرادةِ، أذكُرْكم بالإفادة، اذكروني بالإخلاص، أذكركُم بالخلاص. ويقال: فاذكروني بالتَّذلُّل، أذكركُم بالتَّفضُّل، فاذكروني بشهودِ قلبِكم، أذكركُم بتحقيقِ مطلوبِكم، فاذكروني على الباب (٧) من حيث الخِدمةُ، أذكركُم بالإيجابِ على بساطِ القُربةِ بإكمالِ النِّعمة، فاذكروني بتصفيةِ السِّرَ، أذكركُم بتوفيةِ البِرِّ، فاذكروني حالَ حياتِكم، أذكركُم بعد وفاتِكم، فاذكروني في شهودِكم، أذكركُم في لُحودِكم، فاذكروني في دُنياكم، أذكركُم في عُقباكم، فاذكروني بقطعِ العلائقِ، أذكركُم بوصلِ الحقائق، ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ على عظيم منَّتِي عليكم، حيث قلتُ لكم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ بذكري ذكرتموني، إذ لولا ذكري السَّابق، لم يكن ذكركُم اللَّاحق.

стр. 1116

وقيل: فاذكروني في الرَّخاء، أذكركُم في البلاء، فاذكروني بالمجاهَداتِ، أذكركُم بالمشاهدات. وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ الشُّكرُ إظهارُ النِّعمةِ بالاعتراف بها، أو بعملٍ هو كالاعتراف في القيام بحقِّها، والكفر أن يسترَ نعمةَ المنعم بالجحود، أو بعملٍ هو كالجحودِ في مخالفة المنعم، ويقال: شكرتُه، وشكرتُ له، كما يقال: نصحتُه ونصحتُ له، وقال الشاعرُ: هُمُ جَمَعوا بُؤسَى ونُعمَى عَليكُمُ... فهلَّا (١) شكرْتَ القومَ إذْ لم تُقاتِلِ (٢) ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حذفت الياءُ مِن آخره، لتستويَ الفواصلُ، فهو كقول الشاعر: ومِن شانِئٍ كالِسفٍ بالُه... إذا ما انتَسبْتُ له أَنْكَرَنْ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ أمرٌ بالقول، ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ أمرٌ بالعمل، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: وجِّهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا تَشكروا غيري، ويَحتمل: وجِّهوا العبادةَ إليَّ، ولا تَعبدوا غيري (٤). * * *

стр. 1117

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق فادي المغربي - ماهر أديب حبوش المجلد الثالث دار اللباب

стр. 1118

سُوْرَةُ البَقَرَةِ (١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ ختمَ الآيةَ التي قبلها بالأمرِ بالشُّكر، وبدأ هذه الآية بالأمرِ بالصَّبر، وهما جامعا (١) جميعِ خصال الإيمان. ووجهٌ آخرُ أنَّه ذكرَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، وهم الأعداء، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ثمَّ أمرَ في هذا بما يَدفعُهم ويردعُهم، وهو الاستعانةُ بالصَّبرِ والصَّلاة على مجاهدة العداة. وقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد أوفينا الكلامَ فيه في أوَّل قصَّةِ بني إسرائيل، ومعناه: استعينوا بهما على الجهادِ في سبيلِ اللَّه مع أعداءِ اللَّه. وقيل: استعينوا بهذا النوعِ من الطَّاعة على غيرِه مِن الطَّاعات. وقال الكلبيُّ ومقاتلٌ والرَّبيعُ بنُ أنس: استعينوا على طلبِ الآخرة وتمحيصِ الذُّنوب بالصبرِ على أداءِ الفرائض والصَّلوات الخمس (٢). وقيل: استعينوا بالصبرِ منكم، وبالصَّلاة منِّي وعدًا بقولي: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧] على أداء الفرائض وتحمُّل المكاره؛ أي: انظروا في

стр. 1119

حسنِ هذا الاسم لكم، وحسن هذا الجزاءِ منِّي؛ ليسهلَ عليكم الأداءُ والرِّضا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بمعونتهم ونُصرَتهم. وقيل: أي: يُظهِر دينَهم على سائر الأديان؛ لأنَّ مَن كان اللَّهُ معه فهو الغالبُ، وهو أشرفُ رتبةٍ، وأجلُّ وعدٍ (١)، قال اللَّه تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، وقال لبني إسرائيل: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ (٢) الآية [المائدة: ١٢]، وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقال نبيُّنا ﵊ في الغار: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. * * * (١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: هم أموات. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؛ أي: بل هم أحياءٌ، والقتلُ نقضُ البِنيَةِ الحيوانيَّة، وسبيلُ اللَّه: هو الجهاد؛ لأنَّه طريقٌ إلى ثواب اللَّه ورحمتِه. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون حقيقةَ حياتِهِم بعد زُهوق أرواحهم. وقال القشيريُّ ﵀: لئن فَنِيَت في اللَّه أشباحُهم، لقد بَقيَت باللَّه أرواحُهم،

стр. 1120

ومَن كان فناؤه للَّه (١)، كان بقاؤه باللَّه، هم في ظلال الأنس يبسطهم (٢) جمالُه مرَّةً، ويَستَغْرِقُهم جلالُه أخرى (٣). قال ابنُ عباس ﵄: نزلَت في قتلى بدر، وهم أربعةَ عشر من المسلمين (٤). وقال الضَّحَّاك: نزلَت في الذين قُتِلوا عند بئرِ معونة (٥)، وذلك أنَّ المنافقين قالوا: مات فلانٌ، ومات فلانٌ، فنزلت. وقيل: إنَّ العربَ كانت تُعرِّف الموتى: مَن (٦) انقطعَ ذِكْرُه إذا لم يبقَ له أحدٌ يذكرُه، فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّهم مذكورون في ملأ الملائكة. وقال الحسن: إنَّ أرواحَ المؤمنين تُعرض على الجِنان، وأرواحَ الكفَّار (٧) تُعرضُ على النِّيران، ويكونُ لأرواحِ (٨) الشهداء فَضلُ (٩) لذَّةٍ لا تكونُ لغيرهم،

стр. 1121

ولأرواحِ الكفرةِ مِن آلِ فرعون فضلُ ألمٍ لا يكون لغيرهم (١). وقال جعفر الصَّادق ﵁: الشُّهداءُ قُتِلوا في ذات (٢) اللَّه، واستوجَبوا الثوابَ عندَ اللَّه، فهم أحياءٌ مرزوقون، شهداءُ فرحون، والذين قَتلوا أهواءَهم بما قاسَوا مِن قطع هذه العقَبات، صارُوا بالهوى قَتْلى، فاستوجبوا على اللَّه إحياءَ قلوبِهم، وجعلَهم شهداءَ مرزوقينَ فوائدَه ولطائفَه، فرحين مستبشرين، قد يَبِسَت عروقُهم، وسَكنَتْ حركاتُهم، وانقطعَت طلباتُهم، ووقَفوا بين يدي مليكِهم، فهم أحرارٌ خدَّام، فطوبى لهم، هم أولياء اللَّه وأحباؤه. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الشُّهداءُ عند اللَّه على منابرَ مِن ياقوت (٣) في ظلِّ عرشِ اللَّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، على كثيبٍ مِن مسك، لا يَدرون ما يَصنع الناس، فيقول بعضُهم لبعض: ألا نَذهبُ إلى النَّاس فننظر؟ فيُبعثون، فيقول لهم الربُّ تعالى: ألم أفِ (٤) لكم؟ فيقولون: بلى، لو صَنعْت بنا واحدةً، قال: وما هي؟ قالوا: لو رَددتنا إلى الدُّنيا حتَّى نُقتلَ فيك ثانيةً". وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لولا أنْ أشُقَّ على المؤمنين ما خرجَتْ لهم سَرِيَّة إلَّا وأنا فيها، ولودِدتُ أَنِّي أُقتَلُ ثمَّ أُحيا، ثمَّ أستشهَدُ ثمَّ أحيا، ثمَّ أستشهدُ ثمَّ أحيا" ثلاث مرات (٥).

стр. 1122

وقيل: معنى قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: لا يَنقطعُ ثوابُ أعمالِهم؛ لأنَّهم قُتِلوا لنُصرةِ دين اللَّه، فما دام الدِّينُ ظاهرًا في الدُّنيا، وأحدٌ يُقاتِلُ في سبيلِ اللَّه، فلهم ثوابُ ذلك؛ لأنَّهم سَنُّوا هذه السُّنَّةَ. * * * (١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ أي: ولنَمْتَحِنَنَّكم، وهو لامُ قَسَم، والابتلاءُ مِن اللَّه تعالى لإظهارِ ما علم. وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوفِ الأعداء. وانتظامُها بما قبلَها أنَّ الصَّبرَ والاستعانةَ به وبالصَّلاة على احتمال هذه المكاره. وقوله تعالى: ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: وبشيءٍ مِن الجوع، وهو القَحطُ والسَّنةُ. ولم يقل: بأشياء، وإن ذكرَ بعده بلايا معدودةً؛ لأنَّه أضمرَهُ ثانيًا وثالثًا؛ اكتفاءً بحرفِ العطف المقتضي لإعادة المذكور أوَّلًا. وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: وبشيءٍ من ذلك، بالسَّرقةِ، والإغارة، وأخذ السُّلطان، والهلاك. وقوله تعالى: ﴿وَاَلأَنْفُسِ﴾ أي: بالقتل والموت. وقوله تعالى: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: وذهاب ثمراتِ الكروم والأشجار بالبردِ، والسَّمومِ، والرِّيحِ، والجرادِ، وغيرِها من الآفات. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: المتحمِّلينَ هذهِ المكاره. وقيل: الخوفُ: هو الجهادُ، والجوعُ: هو صومُ رمضان، ونقصُ الأموال: هو

стр. 1123

إيتاءُ الزَّكاة والحقوقِ الماليَّة، والأنفسُ (١): بذلُ الأرواح في ذاتِ اللَّه، والثَّمرات: هو دفعُ العشر. وقيل: هو صرفُ ثمرات الأعضاء -وهي الأفعال- إلى عبادة اللَّه ﷻ ، والابتلاء بها: هو التعبُّد بهذه الأنواع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ أيمما: الدَّائمين على أدائِها، الثَّابتين على مراعاتِها. وقيل: الخوفُ: هو خشيةُ القلب مِن اللَّه تعالى، والجوع: غلبةُ شوقِ العبد إلى لقاء اللَّه، ونقص من الأموال: هو التَّجرُّد عن غيرِ اللَّه تعالى في محبة اللَّه، والأنفس: هو تسليمُ الأنفس إلى اللَّه، والثمرات: هو بذلُ الأولاد في رضاء اللَّه تعالى، فالولدُ ثمرةُ الفؤاد، وبه ورد الحديثُ (٢)، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على هذه الحالات، الصَّادِقين في هذه المقامات. وقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تعالى يقول لملائكتهِ: أقبضتُم قُرَّة عينِ عبدي، وثمرةَ قلبِه؟ فيقولون: نعم يا رب، فيقولُ اللَّه تعالى: فما (٣) صنع؟ (٤) قالوا: صبرَ واحتسب، فيقولُ اللَّه تعالى: ابنوا له بيتًا في الجنَّة، وسمُّوه بيت الحمد" (٥). وقال بعضُ أهل المعرفة: مطالباتُ الغيبِ؛ إمَّا أن تكونَ بالمال، أو بالنَّفس، أو بالأقارب، أو بالقلب، أو بالروح، فمَن أجابَ إلى المال (٦) فله النَّجاة، ومَن جاد

стр. 1124

بالنَّفس فله الدَّرجات، ومَن صبرَ على فقد الأقاربِ فله الخَلَفُ والقُربات، ومن لم يدخر عنه الرُّوح (١) فله دوامُ المواصلات. وفي التفسير: إن ما ذُكر في هذه الآية أصابَ أصحابَ رسول اللَّه ﷺ ، وكان الخطاب لهم: أمَّا الخوف ففي وقعة الأحزاب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠ - ١١]. وأما الجوعُ فكان القحط بمكَّة سبعَ سنين، حتَّى أكلوا العظامَ، وكان الواحدُ مِن الصَّحابةِ يَخِرُّ على وجهه من الجوع، وكان ﵊ يَشُدُّ الحجرَ على بطنِه (٢)، ويمرُّ على آل رسول اللَّه ﷺ الشَّهر والشهران وما طعامهم إلا الأسودان التمر والماء (٣). وأمَّا نقصُ الأموالِ فبالإنفاق في الغزواتِ، وانقطاعِهم عن معايشِهم بسبب الجهاد، وقيل: هو هلاكُ المواشي. وأمَّا نقصُ الأنفس فبالشَّهادة، وبالجراحِ، وبالموتِ، وذهابِ الإخوان والأقران. وأما نقصُ الثَّمرات فبالجدب، وتركِ الضِّياع على الضَّياع بالجهاد، وبإنفاقِها على الغُرباءِ الفقراء (٤).

стр. 1125

(١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وقيل: هو نعتُ ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وإعرابه النَّصب. وقيل: هو ابتداءٌ، وجوابُه: ﴿أُولَئِكَ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ تامٌّ، وعليه وقفٌ، وهو أكثرُ فائدةً، وأبلغُ في الكرامة، وهو البشارةُ بنفسِ الصَّبر، وهو صفةُ مدحٍ تامَّة. وقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: نالتهُم بليَّةٌ، والإصابةُ ضِدُّ الإخطاء (١)، قال النبيُّ ﷺ : "واعلم أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطِئَكَ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك" (٢)، والمصيبةُ اسمٌ لكلِّ حادثةٍ مكروهةٍ من نقصانٍ وفواتٍ (٣) ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وهي كلمةُ تسليمٍ، ومعنى ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أنفسُنا للَّه، وهو يَتصرَّفُ في ملكه، فلا اعتراضَ عليه؛ إذ لو كانت المصيبةُ بذهاب أنفسِنا، لم يكن لنا أن نجزعَ، فكيف وهي في أموالِنا أو أحبائنا؟ أو نحن (٤) عبيد اللَّه، والعبدُ وما في يدِه لمولاه (٥)، فإن شاءَ بقَّاهُ في أيدينا، وإن شاء استردَّهُ منَّا، فلا نجزعُ بأخذِ ما هو ملكُه، بل نصبرُ، فإن عشنا فعليه رزقُنا، وإن متنا فإليه مردُّنا، وعنده ثوابُنا، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقيل: أي: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيدٌ (٦) أحياء وأمواتًا، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إنْ رضينا بقضائِه استوجَبنا ثوابَه، وإن لم نرضَ بقضائِه استوجبنا عقابَه.
следующие страницы →