← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ولأرواحِ الكفرةِ مِن آلِ فرعون فضلُ ألمٍ لا يكون لغيرهم (١). وقال جعفر الصَّادق ﵁: الشُّهداءُ قُتِلوا في ذات (٢) اللَّه، واستوجَبوا الثوابَ عندَ اللَّه، فهم أحياءٌ مرزوقون، شهداءُ فرحون، والذين قَتلوا أهواءَهم بما قاسَوا مِن قطع هذه العقَبات، صارُوا بالهوى قَتْلى، فاستوجبوا على اللَّه إحياءَ قلوبِهم، وجعلَهم شهداءَ مرزوقينَ فوائدَه ولطائفَه، فرحين مستبشرين، قد يَبِسَت عروقُهم، وسَكنَتْ حركاتُهم، وانقطعَت طلباتُهم، ووقَفوا بين يدي مليكِهم، فهم أحرارٌ خدَّام، فطوبى لهم، هم أولياء اللَّه وأحباؤه. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الشُّهداءُ عند اللَّه على منابرَ مِن ياقوت (٣) في ظلِّ عرشِ اللَّه يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، على كثيبٍ مِن مسك، لا يَدرون ما يَصنع الناس، فيقول بعضُهم لبعض: ألا نَذهبُ إلى النَّاس فننظر؟ فيُبعثون، فيقول لهم الربُّ تعالى: ألم أفِ (٤) لكم؟ فيقولون: بلى، لو صَنعْت بنا واحدةً، قال: وما هي؟ قالوا: لو رَددتنا إلى الدُّنيا حتَّى نُقتلَ فيك ثانيةً". وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "لولا أنْ أشُقَّ على المؤمنين ما خرجَتْ لهم سَرِيَّة إلَّا وأنا فيها، ولودِدتُ أَنِّي أُقتَلُ ثمَّ أُحيا، ثمَّ أستشهَدُ ثمَّ أحيا، ثمَّ أستشهدُ ثمَّ أحيا" ثلاث مرات (٥).

стр. 1122

وقيل: معنى قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: لا يَنقطعُ ثوابُ أعمالِهم؛ لأنَّهم قُتِلوا لنُصرةِ دين اللَّه، فما دام الدِّينُ ظاهرًا في الدُّنيا، وأحدٌ يُقاتِلُ في سبيلِ اللَّه، فلهم ثوابُ ذلك؛ لأنَّهم سَنُّوا هذه السُّنَّةَ. * * * (١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾؛ أي: ولنَمْتَحِنَنَّكم، وهو لامُ قَسَم، والابتلاءُ مِن اللَّه تعالى لإظهارِ ما علم. وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوفِ الأعداء. وانتظامُها بما قبلَها أنَّ الصَّبرَ والاستعانةَ به وبالصَّلاة على احتمال هذه المكاره. وقوله تعالى: ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: وبشيءٍ مِن الجوع، وهو القَحطُ والسَّنةُ. ولم يقل: بأشياء، وإن ذكرَ بعده بلايا معدودةً؛ لأنَّه أضمرَهُ ثانيًا وثالثًا؛ اكتفاءً بحرفِ العطف المقتضي لإعادة المذكور أوَّلًا. وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: وبشيءٍ من ذلك، بالسَّرقةِ، والإغارة، وأخذ السُّلطان، والهلاك. وقوله تعالى: ﴿وَاَلأَنْفُسِ﴾ أي: بالقتل والموت. وقوله تعالى: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: وذهاب ثمراتِ الكروم والأشجار بالبردِ، والسَّمومِ، والرِّيحِ، والجرادِ، وغيرِها من الآفات. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: المتحمِّلينَ هذهِ المكاره. وقيل: الخوفُ: هو الجهادُ، والجوعُ: هو صومُ رمضان، ونقصُ الأموال: هو

стр. 1123

إيتاءُ الزَّكاة والحقوقِ الماليَّة، والأنفسُ (١): بذلُ الأرواح في ذاتِ اللَّه، والثَّمرات: هو دفعُ العشر. وقيل: هو صرفُ ثمرات الأعضاء -وهي الأفعال- إلى عبادة اللَّه ﷻ ، والابتلاء بها: هو التعبُّد بهذه الأنواع. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ أيمما: الدَّائمين على أدائِها، الثَّابتين على مراعاتِها. وقيل: الخوفُ: هو خشيةُ القلب مِن اللَّه تعالى، والجوع: غلبةُ شوقِ العبد إلى لقاء اللَّه، ونقص من الأموال: هو التَّجرُّد عن غيرِ اللَّه تعالى في محبة اللَّه، والأنفس: هو تسليمُ الأنفس إلى اللَّه، والثمرات: هو بذلُ الأولاد في رضاء اللَّه تعالى، فالولدُ ثمرةُ الفؤاد، وبه ورد الحديثُ (٢)، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ على هذه الحالات، الصَّادِقين في هذه المقامات. وقال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ تعالى يقول لملائكتهِ: أقبضتُم قُرَّة عينِ عبدي، وثمرةَ قلبِه؟ فيقولون: نعم يا رب، فيقولُ اللَّه تعالى: فما (٣) صنع؟ (٤) قالوا: صبرَ واحتسب، فيقولُ اللَّه تعالى: ابنوا له بيتًا في الجنَّة، وسمُّوه بيت الحمد" (٥). وقال بعضُ أهل المعرفة: مطالباتُ الغيبِ؛ إمَّا أن تكونَ بالمال، أو بالنَّفس، أو بالأقارب، أو بالقلب، أو بالروح، فمَن أجابَ إلى المال (٦) فله النَّجاة، ومَن جاد

стр. 1124

بالنَّفس فله الدَّرجات، ومَن صبرَ على فقد الأقاربِ فله الخَلَفُ والقُربات، ومن لم يدخر عنه الرُّوح (١) فله دوامُ المواصلات. وفي التفسير: إن ما ذُكر في هذه الآية أصابَ أصحابَ رسول اللَّه ﷺ ، وكان الخطاب لهم: أمَّا الخوف ففي وقعة الأحزاب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠ - ١١]. وأما الجوعُ فكان القحط بمكَّة سبعَ سنين، حتَّى أكلوا العظامَ، وكان الواحدُ مِن الصَّحابةِ يَخِرُّ على وجهه من الجوع، وكان ﵊ يَشُدُّ الحجرَ على بطنِه (٢)، ويمرُّ على آل رسول اللَّه ﷺ الشَّهر والشهران وما طعامهم إلا الأسودان التمر والماء (٣). وأمَّا نقصُ الأموالِ فبالإنفاق في الغزواتِ، وانقطاعِهم عن معايشِهم بسبب الجهاد، وقيل: هو هلاكُ المواشي. وأمَّا نقصُ الأنفس فبالشَّهادة، وبالجراحِ، وبالموتِ، وذهابِ الإخوان والأقران. وأما نقصُ الثَّمرات فبالجدب، وتركِ الضِّياع على الضَّياع بالجهاد، وبإنفاقِها على الغُرباءِ الفقراء (٤).

стр. 1125

(١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وقيل: هو نعتُ ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وإعرابه النَّصب. وقيل: هو ابتداءٌ، وجوابُه: ﴿أُولَئِكَ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ تامٌّ، وعليه وقفٌ، وهو أكثرُ فائدةً، وأبلغُ في الكرامة، وهو البشارةُ بنفسِ الصَّبر، وهو صفةُ مدحٍ تامَّة. وقوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: نالتهُم بليَّةٌ، والإصابةُ ضِدُّ الإخطاء (١)، قال النبيُّ ﷺ : "واعلم أنَّ ما أصابَك لم يكن ليُخطِئَكَ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك" (٢)، والمصيبةُ اسمٌ لكلِّ حادثةٍ مكروهةٍ من نقصانٍ وفواتٍ (٣) ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وهي كلمةُ تسليمٍ، ومعنى ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أنفسُنا للَّه، وهو يَتصرَّفُ في ملكه، فلا اعتراضَ عليه؛ إذ لو كانت المصيبةُ بذهاب أنفسِنا، لم يكن لنا أن نجزعَ، فكيف وهي في أموالِنا أو أحبائنا؟ أو نحن (٤) عبيد اللَّه، والعبدُ وما في يدِه لمولاه (٥)، فإن شاءَ بقَّاهُ في أيدينا، وإن شاء استردَّهُ منَّا، فلا نجزعُ بأخذِ ما هو ملكُه، بل نصبرُ، فإن عشنا فعليه رزقُنا، وإن متنا فإليه مردُّنا، وعنده ثوابُنا، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. وقيل: أي: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبيدٌ (٦) أحياء وأمواتًا، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إنْ رضينا بقضائِه استوجَبنا ثوابَه، وإن لم نرضَ بقضائِه استوجبنا عقابَه.

стр. 1126

وقيل: معناه: نحن عبيدُ اللَّه، وفي قبضةِ اللَّه، يُمضِي فينا قضاءَه؛ أحبَبنا، أو كرهنا. وقال أبو بكر الورَّاق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرارًا (١) منَّا له بالملك، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرارًا على أنفسنا بالهُلك (٢). وقال محمَّدُ بنُ عليٍّ الترمذيُّ: أي: ما أعطانا ربُّنا كان فضلًا منه، ولا يَليقُ بكرمِه الارتجاعُ في عطاياه، وإنَّما أخذَهُ ليكونَ ذخيرةً لي عنده، وليَظهرَ سِرِّي (٣) للملائكة؛ ليَعلموا (٤) كيف ثقتي به، وتفويضي إليه، وحسنُ ظني (٥) به. ثمَّ مِن العبادِ مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه؛ لأنَّ في لقائِه عِوضًا مِن الدَّارين؛ ليَتسلَّى عن كلِّ ما فاتهُ بما يَأملُ مِن لقائِه. ومنهم مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه؛ لأنَّه عَلِم أنَّه انفصلَ مِن عنده يوم الميثاق، والرُّجوعُ يكون إلى من كُتِبَ عنده مرَّة، فإنَّما تَرجِعُ إليه بالعبوديَّة التي أُخِذَ الميثاقُ علينا بها. ومنهم مَن ذَكَر الرُّجوعَ إليه للوله؛ لأنَّ وجودَ (٦) العبدِ باللَّه (٧)، وولهَه إلى اللَّه. * * * (١٥٧) - ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.

стр. 1127

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلواتُ جمعُ صلاةٍ، وهي الرَّحمةُ، والتَّكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير. وقيل: الصَّلواتُ: هي الرَّحمةُ في الدُّنيا، والرَّحمةُ هي تكميلُها لهم في الآخرة. وقيل: الصلواتُ: البركات. وقيل: الأثْنِيَة. وقيل: المباهاةُ بهم الملائكة. والرَّحمةُ قيل: هي المغفرة، وقيل: هي الجنَّة. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قيل: معناه: الموفَّقون للاسترجاع. وقيل: أي: اهتدوا إلى الرِّضا والتَّسليم. وقيل: أي: الثَّابتون على الإسلام. وقال عمرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه تعالى عنه: نِعْمَ العِدْلان، ونعمتِ العِلاوةُ؛ العدلان: الصَّلوات والرَّحمة، والعِلاوة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١). وقال مقاتلُ بن حيَّان في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قال: الاسترجاع (٢). وقال عكرمةُ: طفئ سراجُ النبيَّ ﷺ ، فقال: "إنَّا للَّه وإنَّا إليه راجعون" قيل: يا رسول اللَّه، أمصيبةٌ هي؟ قال: "نعم، كلُّ شيءٍ يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ" (٣). وقال سعيدُ بنُ جبير: أعطى اللَّه هذه الأمَّة في المصيبةِ ما لم يُعطِه (٤)

стр. 1128

يعقوبَ النبيَّ ﷺ ، فإنَّه قال في فقد يوسف: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ولم يكن له استرجاع (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قد وُجِدَ في كلامه ما يُحَقِّقُ هذا المعنى، وهو قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، على أنَّه كان أَخبَرَ أنَّه لم يهلك (٢). وقال: وعدَ اللَّهُ الذين خَضَعوا لحكمِه ورضوا بقضائِه ثلاثَ خصال: أحدها: صلواته (٣) عليهم، وصلاتُه تَحتملُ مباهاتَه الملائكةَ بعظيم (٤) ما عندَه لهم، وتَحتملُ ثناءَه وذكرَه بإخبارِه عبادَه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، وما يشبهها من الآي. ويَحتملُ النِّعمةَ أو الرحمةَ (٥)، يُلقِيها في قلوبِ عبادِه حتى يُحِبُّوهم، أو خلفٌ (٦) يُعطيهم في الدنيا.

стр. 1129

ثمَّ شهدَ لهم بالهداية (١)، وذلك يَحتملُ أن يكونوا اهتدَوا لدينِه، ولما عليهم في المصيبةِ مِن التَّسليم للَّه تعالى، ويحتملُ الاهتداءَ لطريق الجنَّة (٢) على ما بيَّنهُ في كتابه مِن الوعدِ للشُّهداء (٣). * * * (١٥٨) - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّ الخوفَ المذكورَ في تلك الآية خوفُ الأعداء والابتلاءِ بالجهاد، وهذه الآيةُ في بيان معالم الحجِّ، فهو جمع بين الغزو والحجِّ، ولأنَّ في تلك الآيةِ نُقصان النَّفس والمالِ في الجهاد، وفي الحجِّ أيضًا شِقُّ الأنفس، وإنفاقُ الأموال. وقيل: أي كرهتُم المصائبَ، وفيها أجرٌ عظيمٌ للصَّابرين، وكرهتُم السَّعيَ بين الصَّفا والمروة؛ لمكان إساف ونائلة، وفيه أجرٌ عظيمٌ للسَّاعين. والصفا: الحجرُ الصَّلبُ الأملسُ الذي لا يُخالِطُه طينٌ ولا تراب ولا رملٌ، مأخوذٌ من الصَّفوةِ، وهي الخلوصُ. والمروةُ: هي الحجرُ الليِّنُ، وقيل: الحجرُ الأبيضُ الذي يَبرُق. وقيل: سُمِّيَ الصَّفا؛ لأنَّه جلسَ عليه آدمُ صَفِيُّ اللَّه، وسُمِّيت المروة؛ لأنَّها جلسَت عليها أمرأتُه حواء.

стр. 1130

وقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ جمع شَعيرة، والشعائر أعلام المتَعبَّدات (١)، من موقفٍ، أو مسعًى، أو منحرٍ والشِّعرُ: العِلمُ، والإشعارُ: الإعلام، والمشاعرُ: المعالم، والمشْعَرُ: المعلَم. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ أي: قصدَهُ مُحرِمًا بأعمالٍ مخصوصةٍ، وأصلُه القَصدُ وحدَه، فجعل اسمًا للمناسك؛ لأنَّها توابعُ القصدِ (٢) إلى البيت، كالتيمُّم هو القصدُ، ثم جُعِل اسمًا للتَّطهير بالتُّراب. وقيل: الحجُّ: الحَلْقُ، يقال: احجُجْ مواضعَ شَجَّتِكَ؛ أي: احلِق، وسُمِّيَ الحجُّ بهذا الاسم؛ لأنَّ تمامَه بالحَلْقِ. وقيل: أصلُ الحجِّ إطالةُ الاختلافِ إلى الشيء، وحَجُّ البيت كذلك، وقال الشاعر: ألمْ تَعلمِي يا أمَّ أسعدَ (٣) أنَّما... تخاطأني ريبُ الزَّمانِ لأكبرا وأشهدَ من عَوفٍ حُلولًا كثيرةً (٤) ... يَحُجُّونَ سِبَّ (٥) الزبرقان المزعفرا (٦)

стр. 1131

وقيل: هو تكرار القصدِ. وقوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أي: زارَ البيتَ مُحرمًا بأعمالٍ مَخصوصةٍ، وأصلُه مِن عمارةِ بيت اللَّه بالعبادة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: لا إثم عليه، وهو من الجُنوح؛ أي: الميل، وحصو له بالميل عن الخير إلى الشرِّ. والطَّوْفُ: الدَّوْر، والتَّطوُّف تكلُّفه (١). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: كان في المسعى بين الصَّفا والمروة سبعون وثنًا، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، إنَّ هذه الأرجاسَ الأنجاس في مسعانا، ونحن نتأثَّم منها، فأنزلَ اللَّهُ تعالى (٢): ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: لا إثمَ عليه أنْ يَسعى بينهما. و ﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصلُه: يتطوَّف، أُدغِمَت التَّاء في الطَّاء، كما في قوله: ﴿يُذْكَرَ﴾ [البقرة: ١١٤]، و ﴿يَصَّعَّدُ﴾ (٣) [الأنعام: ١٢٥]، و ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. قال: ففعلوا ذلك ما شاء اللَّه، حتَّى أمرَ اللَّهُ نبيَّه فقال: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، فأمرَ بها، فنُحِّيَت عن المسعى، وكذلك فُعِل بالأوثان التي كانت حولَ البيت. وقال الشعبي ﵀: كان لأهل الجاهلية صنمان؛ يُقالُ لأحدِهما: إساف، والآخر (٤): نائلة، وكان إسافٌ على الصَّفا، ونائلة على المروة، وكان المشركون إذا

стр. 1132

سعوا بينهما مسحُوهما، فلمَّا جاء الإسلام، قال المسلمون: كان المشركون يطوفون بينَهما من أجل (١) الصَّنمين، وليسا مِن شعائر اللَّه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وقال محمَّدُ بنُ إسحاق: كان على الصَّفا صنمٌ على صورةِ رجلٍ، يُقال له: إساف، وعلى المروة صنمٌ على صورة امرأةٍ، يُقال لها: نائلة، وحكيَ عن أهلِ الكتاب أنَّهم زعموا أنَّهما زَنيا في الكعبة فمُسِخَا حجرين (٣). وقيل: إنَّ المسلمين لمَّا صلَّوا إلى الكعبة قال المشركون: عادوا إلى قبلتِنا، فيعودون إلى (٤) ملَّتنا، ولمَّا طافوا بين الصَّفا والمروة قالوا: اتَّبعوا دينَنا، فامتنعَ المسلمون عن الطَّواف بهما لذلك، فعرَّفهمُ اللَّهُ تعالى أنَّه ليس باتِّباعِ دينهم، ولكنَّهما مِن شعائرِ اللَّه. ثمَّ اختلفَ العلماءُ ﵏ في السَّعي بين الصَّفا والمروة: قال (٥) مجاهدٌ وعطاء: هو غيرُ فرضٍ ولا واجب، وتركُهُ لا يوجبُ شيئًا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وهذا يستعمل في المباح دون الواجب، ولأنه قال: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، والتطوُّعُ: التَّبرُّع (٦). وقال الحسنُ -وهو قول الشافعي ﵀ (٧) -: هو فرضٌ، لا يَتمُّ الحجُّ ولا

стр. 1133

العمرة إلَّا به؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ولقول النبيِّ ﷺ : "إنَّ اللَّه تعالى كتب عليكم السعيَ فاسعوا" (١). فأمَّا قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فهو لما بيَّنَّا أنَّهم كانوا يتحرَّجون عن ذلك؛ لِمَا فيه من التَّشبُّه بالكفار، فنَفى الجُناح عنهم من ذلك الوجه، وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ليس هو لأصل السَّعي على ما نبيِّن في تفسير هذه الكلمة مِن بعد. وقال أبو حنيفة وأصحابُه ﵏ -وهو قول سفيان الثوري وعامَّة أهلِ العلم-: إنَّه واجبٌ، وتركُه غيرُ مفسدٍ، ويَنجبرُ بالدَّم (٢)؛ لأنَّه نسكٌ قد يُؤتَى به بعد طوافِ الزِّيارة، فلا يكونُ ركنًا كرمي الجمار وطواف الصدر، وهذا لأنَّه يَحِلُّ بعد طواف الزِّيارةِ كلُّ شيءٍ، وليس بعد التحلُّل ركنٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: تَبرَّع بعد الحجِّ والعمرة بحجَّةٍ أُخرى أو عمرةٍ غيرِ الأولى. وقيل: أي: تَبرَّعَ بشيءٍ مِن الخيرات والطَّاعات في الدِّين. وقيل: أي: زادَ في الطَّواف بعد قدرِ الواجب، وهو قولُ الكلبيِّ ومقاتلٍ وجماعة (٣).

стр. 1134

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ (١) أي: قابلٌ يَسيرَ العملِ مِن المتَطوِّع (٢)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمكافأته. وقيل: عليمٌ بنيَّتِه بهذا الطَّواف أنَّه ليس كطواف أهلِ الشِّرك. * * * (١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ وانتظامُها بما قبلَها أنَّه قال: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [الآية: ١٥٠] بإكمال شرائعِ الدِّين لتَهتدوا، فاشكُروا لي، واصبِروا على محني (٣)، وأقيموا شرائعَ ديني (٤)، ولا تكتموا، فإنَّ مَن كتمَ فعليه لعنتي. وقال ابنُ عباس ﵄: نَزلت في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الصَّيف (٥)، وغيرهم، كانوا يتمنَّون أن يكون النبيُّ ﵊ منهم، فلمَّا بُعِثَ النبيُّ ﵊ من غيرهم، خافوا أن تذهبَ مأكلتُهم مِن السَّفِلة، فعمَدوا إلى صفةِ النبيِّ ﷺ ، فغيَّروها مِن كتابِهم، ثمَّ أخرجوها إليهم، وقالوا (٦) هذا نعتُ النبيِّ ﵊ الذي يبعث في آخرِ الزَّمان، وهو لا يشبِهُ نعتَ النبيِّ الذي بمكَّة، فلمَّا نظرت السَّفِلة إلى ما غيَّروا مِن

стр. 1135

الصِّفة وإلى محمَّدٍ وصفَتِه، جحدوه (١)؛ لأنَّهم وجدوه مخالفًا، فقال اللَّه ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ (٢)؛ أي: يُغيِّرون التَّوراة والهدى مِن صفةِ محمَّد ﷺ ، وآيةِ الرَّجم، وتحويلِ القبلة، والحلالِ والحرام. وقوله تعالى (٣): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٤) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ (٥)؛ أي: أوضحناهُ للنَّاس؛ أي: لبني إسرائيل، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: في التَّوراة. ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلُ هذه الصِّفة عليهم لعنةُ اللَّه ولعنةُ الخلائق، قال ابنُ عباس ﵄: وذلك إذا وضع الكافر في قبره وسُئِلَ: مَن ربُّكَ؟ ومَن نبيُّك؟ وما دينُك؟ فيقول: لا أدري، فيقول له منكرٌ ونكيرٌ: لا دَرَيْت، فهكذا كنتَ في الدُّنيا، ثم يُضرَبُ ضربةً يسمعُها كلُّ شيءٍ إلَّا الثَّقلين، فلا يَسمعُ شيءٌ صوتَه إلَّا لَعَنَهُ، فذلك قولُه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٦)، فهم كلُّ مَن على وجهِ الأرضِ غيرُ الثَّقلَين. وقال عكرمة: اللاعنون (٧) هم البهائمُ والهوامُّ، تَلعنُ عصاةَ بني آدم، تقول (٨): حُبِسَ عنَّا المطرُ بخطاياهم (٩).

стр. 1136

وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: إذا تلاعنَ اثنان رجعَ اللَّعنُ على المستحِقِّ منهما، فإن لم يَستحِقَّه أحدُهما، رجعَ اللَّعنُ (١) على اليهودِ الذين كَتموا ما أنزلَ اللَّهُ (٢). واللعنُ مِن اللَّه: الطَّردُ والإبعادُ عن الرَّحمة على الإطلاق في حقِّ الكفَّار، وعن الرَّحمة والكرامةِ والمنزلةِ التي يستحقُّها المطيعُ، إذا كان في حقِّ العُصاة. ﴿وَالْهُدَى﴾ البيِّناتُ التي من تمسك بها اهتدى. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ الهاءُ ترجعُ إلى قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، ويجوزُ أنْ ترجعَ إلى قوله: ﴿وَالْهُدَى﴾، وإنَّما أعاد قولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ مع قوله: ﴿أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ لأنَّ الأول بيِّنات منزلة على الرَّسول، والثَّاني بيانُ أنَّه بيَّن ذلك لهم. وقال قائلون (٣): الآيةُ نزلت في كلِّ مَن كان عنده علمٌ فكتمَه، وهو مرويٌّ عن عثمانَ وابن عمرَ وأبي هريرة ﵃: قال عثمان حين توضَّأ بمشهَدٍ مِن النَّاس: لأحدِّثنكَم حديثًا، ولولا آيةٌ في كتاب اللَّه ما (٤) حدَّثتُكم، وذكرَ هذه الآية، وقال (٥): سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن توضَّأ فأحسنَ الوضوء، ثمَّ صلَّى صلاةً، غُفِرَ له ما بينها وبين الصَّلاة الأخرى" (٦).

стр. 1137

وروي أنَّ نجدةَ الحروريَّ كتبَ إلى ابن عمر ﵄ يسألُه: هل قطعَ رسولُ اللَّه ﷺ الرِّجلَ بعدَ اليدِ في السَّرقة، فقال: لولا هذه الآية -وتلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ - ما كتبت إليه، ثمَّ كتبَ إليه أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قطعَ الرِّجلَ بعد اليدِ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: إنَّ الناسَ يقولون: أكثرَ أبو هريرة، واللَّه، لولا آيتانِ من كتاب اللَّه ما حدَّثتُ حديثًا، وتلا هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). فهؤلاء جعلوا الآيةَ عامَّةً، ويجوزُ أن يكون نزولها في سبب خاص (٣)، ثمَّ ثبتَ حكمُه على العموم في كلِّ مَن دخلَ تحتَه. ثمَّ لَعْنُ اللَّه: طردُه وإبعادُه، ولعنُ اللاعنين: دعاؤهم باللَّعن، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فصلاةُ اللَّه عليه هي رحمتُه، وصلاةُ الملائكة والمؤمنين: دعاؤهم بالرَّحمةِ له (٤). وقال القفَّال: يجوزُ أن يكون معنى هذا (٥): يتبرَّأ (٦) اللَّهُ تعالى منهم، ويتبرَّأ منهم الملائكة والمؤمنون، فهم اللاعنون.

стр. 1138

(١٦٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ مِن الكِتمان، ونَدِموا على ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: أصلحوا بالتمسُّك بالحقِّ والعملِ به ما أفسدوه. ويَحتمِلُ: وأصلحوا أحوالَ أنفسِهم بالتَّقرُّب إلى اللَّه بصالح الأعمال. ويحتمل: فيما (١) بينهم وبين اللَّه تعالى بالإخلاص والصِّدق. وقوله تعالى: ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أظهروا ما كَتموهُ مِن الحقِّ للنَّاس. وقيل: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ حقيقةَ التَّوبة بالإصلاح والدَّوامِ على الحقِّ، والعملِ به، والإخلاصِ للَّه تعالى فيه. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أقبلُ توبتَهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: أقبلُ التَّوبةَ، ولا أعاجِلُ بالعقوبة. * * * (١٦١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: جَحدوا نبوَّة محمَّدٍ ﵊. وقوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؛ أي: أصرُّوا عليه حتَّى ماتوا على ذلك، وقوله تعالى ﴿وَهُمْ﴾ واو حالٍ. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾؛ أي: طردَهم اللَّهُ، وبعَّدهُم عن رحمته، وتبرَّأ منهم.

стр. 1139

وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ودعا عليهم الملائكةُ وكلُّ النَّاسِ باللَّعن (١) وتبرَّؤوا منهم. وقيل: النَّاس هم المؤمنون؛ لأنَّهم هم النَّاسُ في الحقيقة؛ لانتفاعِهم بالإنسانيَّة، فأمَّا الكفَّارُ فهم كالأنعامِ أو أضلُّ سبيلًا. وقيل: معناه: كلُّ النَّاس؛ مؤمنهم وكافرهم، وذلك يومَ القيامة؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. وقيل: معناه: إنَّ لعنَ جميع الناس يَرجعُ عليهم؛ إذ هم ظالمون، وكلُّ النَّاس يقولون: لعنَ اللَّهُ الظَّالمين. * * * (١٦٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في اللعنةِ؛ لأنَّهم إذا خُلِّدوا في النَّار، خُلِّدوا في الإبعاد عن رحمةِ اللَّه. وقيل معناه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في النَّار؛ لأنَّ اللعنةَ توجبُ تعذيبَهم فيها، فثبتت (٢) النَّار مذكورةً مقتضى (٣) ذكر اللَّعنة. وقيل: إنَّ الخلودَ في النَّار ممَّا كثُر ترديدُه في القرآن، فصلحت الكنايةُ عنها مع انقطاع المَكنيِّ عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا

стр. 1140

مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، فكنى عن الأرض، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]، فكنى عن القرآن في أوَّل السُّورة. وقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ لأنَّه لا يَنقطِع ولا ينقصُ منه شيءٌ، بل قيل فيهم: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يُمهَلون (١) للاعتذار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ (٢) [غافر: ٥٢]، قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. وقيل: أي: لا يجابون إلى قولهم: ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]. وقيل: لا يؤجلون ليستريحوا. وقيل: لا يؤخَّرُ عذابُهم من وقتٍ إلى وقت. * * * (١٦٣) - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ انتظامُه بما قبلَه: أنَّه أوعدَ الكفَّارَ بالنَّار، ثمَّ ذكرَ التَّوحيد ودلائلَ التوحيد، وبه الأمنُ مِن ذلك الوعيد، قال (٣): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودُكم وملجؤكم ربٌ واحدٌ في ذاتِه، فلا يجوزُ عليه الانقسام والتجزؤ، وواحدٌ في صفاته؛ فلا نظيرَ له ولا شبيهَ، وواحدٌ في أفعاله؛ فلا

стр. 1141

شريكَ له ولا ظهير (١)، وواحدٌ في استحقاق القِدَم؛ فلا شيءَ قبلَه، ولا شيء معه (٢) في الأزل، وواحدٌ في استحقاق الإلهيَّة والعبادة؛ فلا معبودَ إلَّا هو. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: بهذا فاعرفوهُ، ودائمًا فاعبدوهُ، ولا تَرجُوا غيرَهُ، ولا تَخافوا سواهُ، ولا تَتوكَّلوا إلَّا عليه (٣)، ولا تَعتمِدوا إلَّا إيَّاه. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المنعمُ على خَلْقِه؛ بإدرارِ رزقِه، وإسباغِ فضلِه، فهو مفزعُ كلِّ مضطرٍّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ. * * * (١٦٤) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ روى أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضَّحى، قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ تَعجَّب المشركون، وقالوا: إلهٌ واحد! كيفَ يَسعُنا ويَكفي مهمَّاتنا؟ فإنْ كان صادقًا، فليأتِنا بآية، فأنزلَ اللَّهُ تعالى (٤): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: في تخليقهما (٥).

стр. 1142

وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: ذهابِ أحدِهما ومجيء الآخر، وزيادتِهما ونقصانِهما، وسوادِ أحدِهما وبياضِ الآخر (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ الفلكُ: السَّفينةُ، والفُلكُ: السُّفنُ أيضًا، ويذكَّرُ ويؤنَّثُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ (٢) [يونس: ٢٢] وهذا فعلُ الجمع، وقال ها هنا: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهي تأنيث (٣). وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ وهو ثقيلٌ كثيفٌ، والماءُ لطيفٌ خفيفٌ، وتُقبِلُ وتُدبِرُ بريحٍ واحدة. وقوله تعالى: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾؛ أي: بمصالحِهم في التِّجارات (٤) وغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: وفيما أنزل، وقولُه: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من (٥) مطر. وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: نَضَّر بالماء الأرضَ بعد ذهاب زروعها وتناثرِ أوراقها. وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: فرَّقَ في الأرض مِن كلِّ حيوانٍ يدِبُّ (٦) على وجه الأرض.

стр. 1143

وقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: في تقليب الرِّياحِ شمالًا وجنوبًا، ودَبورًا وصبًا، ورحمةً وعذابًا، وحارَّةً وباردةً. وقال وكيعُ بنُ الجرَّاح: لولا الرِّيحُ والذباب لأنتنت الدُّنيا (١). وقال أبو بكر بنُ عيَّاش: لا يَخرجُ من السَّحاب قطرةُ حتى تَعمل في السَّحاب هذه الرِّياحُ الأربع؛ فالصَّبا تُهيِّجُه، والجنوبُ تُدِرُّهُ، والدَّبورُ تُلقِّحُه، والشَّمالُ تُفرِّقُه (٢). وأصولُ الرِّياح هذه الأربع، فالشَّمال مِن ناحية الشَّام، والجنوبُ تقابلُها، والصَّبا هي القبولُ مِن المشرقِ، والدَّبورُ تقابلُها، وكلُّ ريحٍ جاءت بين مهبَّي ريحَين فهي نَكباء؛ لأنَّها نَكبت عن مهابِّ هذه الأربع. وقال عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ العاص: الرِّياح ثمان، أربعٌ رحمةٌ، وأربعٌ عذاب؛ فالرحمة: الناشرات، والمبشِّرات، واللَّواقح، والذَّاريات، والعذاب: الصَّرصرُ والعَقيم، وهما في البرِّ، والعاصِف والقاصف، وهما في البحر. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ السَّحابُ: الغيم، سُمِّيَ به لانسحابِه في الهواء؛ أي: انجراره. والمسخَّر: المذلل، وتسخيرُ السَّحاب: هو جعلُهُ مُنقادًا جاريًا على ما أجراهُ اللَّهُ تعالى عليه. وقوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياءِ علاماتٌ واضحاتٌ (٣) على ربوبيَّة اللَّه تعالى ووحدانيتِه وكمالِ قدرته للعقلاء. ونصب "آيات" بـ "إن"، واللَّامُ لامُ التَّأكيد.

стр. 1144

ووجهُ الدِّلالة فيها ما قال الشيخ الإمامُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عليٍّ القفَّال الشَّاشيُّ، فأحسن وأوضحَ، قال: أخبرَ اللَّه تعالى أن مِن آياتِه: خَلقُ السَّماوات (١) وما ذكرَ بعدَها وأن من تدبَّرَ وتَفكَّر في هذه الأشياء، فرأى السَّماواتِ على عجيبِ هيئتها سقفًا مرفوعًا فوق النَّاسِ بلا عَمَدٍ، فيها النُّجومُ الطَّوالعُ في مطالعِها، الغواربُ في مغاربِها، تتعاقبُ في الطُّلوع والغروب، منها سيَّاراتٌ تَقطعُ السَّماء (٢) على مقدارٍ لا يختلف، ومنها ثوابتُ لا تَزول، يُستَدلُّ بها على أوقاتِ الأمطارِ، ويُهتدَى بها في ظُلَم (٣) البراري والبحار، قد عُلِّقَ بها مِن أمرِ العالَم ما عُلِّقَ، وفيها الشَّمسُ التي بها يَنتشرُ النَّاس لمعاشهم، والقمرُ الذي هو آيةُ اللَّيل، وقد عُلِّق بهما مِن أمورِ العالَم ما عُلِّق؛ مِن نُضج الثِّمار، وظهورِ النَّبات، ونموِّ الحيوانات، وما يَتفرَّدُ بعلمِه الخواصُّ، مِن علمِ المدِّ والجَزْر، والبحرانات (٤) في الأمراض، وهيجانِ الدِّماء وسكونها، وغير ذلك ممَّا قد امتُحِنَ وجُرِّبَ (٥)، حتَّى عُلِمت (٦) صحَّتُه. ومن آيات وحدانيَّته: خلقُ الأرضِ التي جعلها قرارًا لخلقه، ومِهادًا لعبادِه، حتَّى اتَّخذوا منها الأكنانَ والبيوت، ووَضعَ عليها جبالَها، مع ما أودعَها مِن أنواع

стр. 1145

الجواهرِ، والذَّهب والفضَّة، وغير (١) ذلك، وأنبعَ منها عيونًا مختلفةً مِن الماء وغيرِه، وأنْبَتَ على الجبال منها والأرضين مِن الأشجارِ، وأنواعِ النَّباتِ والأنوار والأزهار، والثمارِ المختلفة الطعوم والأراييح، والأدوية، وصنوف الأغذية على منافعَ مختلفةٍ، مع اتِّحاد أراضيها ومياهِها ومغارِسها. ومن آياته: اختلافُ اللَّيل والنَّهار على انتظامٍ (٢) واحدٍ؛ جعلَ أحدَهما سَكَنًا، والآخرَ معاشًا، ثمَّ جعلَ يأخذُ هذا مِن هذا، وهذا من هذا، وقد يستويان في بعض (٣) الأحوال على مقدارٍ واحد بها (٤) تُعرَفُ الأوقاتُ والآجالُ في المعاملات ومواقيت الصلوات. ومن آياته: السُّفنُ الجاريةُ في البحار بما يَنتفعُ به النَّاس في تجاراتِهم، ترى على وجه الماء سفينةً كالجبل الشامخ، بل كالمدينة المبنيَّة، فيها مِن الأثقال؛ من الأموال وصنوف الأحمال (٥) والأحوال، مع ما فيها مِن الرُّكبان ما لا يُوقَفُ على قدرِه، تُساقُ بشِراعٍ وتُزجيها (٦) ريحٌ ليِّنةٌ رُخاء، تَقطعُ المسافةَ الطَّويلةَ التي يُقطَعُ مثلُها في البرِّ في أيَّامٍ في ليلةٍ واحدةٍ. ومن آياته: ما أنزلَ اللَّهُ مِن السَّماءِ مِن ماءٍ، فأنبتَ به أنواعَ النَّباتِ والأنوار

стр. 1146

والأشجار (١)، والرياضِ المؤْنِقة، والجنانِ النَّزِهة بعد أن كانت ميتةً في غاية الوَحْشَة واليُبوسةِ. ومن آياته: ما بثَّ اللَّهُ تعالى فيها من أنواع الدَّوابِّ، وهي (٢) كلُّ ذي روحٍ (٣) يَدِبُّ ويَتحرَّكُ، فمنهم النَّاسُ الذين هداهم اللَّهُ للتدبيرات العجيبة، والصَّنائعِ البديعة، والعلوم الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة، وجعل مِنهم الأنبياء والحكماءَ والملوكَ والسَّاسةَ، وركَّب فيهم العقولَ التي اهتدَوا بها إلى ردِّ الغائبِ إلى الشَّاهد بالاستنباط، وإلى دقائقِ العلوم، كالطِّبِّ، والحسابِ، والنُّجومِ، وعلوم الرِّياضات والدِّيانات، وسُخِّرَت لهم الجبالُ والوحوشُ، وعُمِرَت بهم الدُّنيا، وممَّا بثَّ فيها (٤) أصنافُ الحيوانات، من البهائمِ والحشرات متفاوتةِ الطِّباع، مختلفةِ المساكن والأقوات، متباينةِ المنافعِ والمضارّ، وجعلَ في كلٍّ منها نوعًا من المرافق والمنافع. ومِن آياتِه: تصريفُ الرِّياح في الجهات المختلفة، مع اتِّحادِها في الجنس قَبولًا ودَبورًا، وشمالًا وجنوبًا، ونكباء، ومنها عقيمٌ، ومنها لاقحٌ، ومنها عذابٌ، ومنها رحمةٌ، ومنها حارٌّ، ومنها باردٌ، إلى غيرِ ذلك من صنوفِ الرِّياح، بها يسيَّرُ السَّحاب ويُزجَى الفلكُ في البحر، ويصل الرَّوحُ، ونسيمُ الحياة إلى الأبدان، وبها يُنصرُ قومٌ، وبها يُهلك قومٌ، وبها يُغاثُ قومٌ، وبها يُصرَعُ قوم. ومن آياته: السَّحابُ المسخَّر، وهو المذلَّلُ بين السَّماء والأرض، يَرتفع (٥)،

стр. 1147

ويَجتمعُ ويَنبسطُ، كالجبال السَّيارةِ، فيها الرُّعود والبروق والصواعق، موقراتٌ ببحورِ الماء (١)، سقفًا بغير عمدٍ ولا عِلاقةٍ متوسِّطًا بين السَّماء والأرض (٢)، تُمطِرُ مرَّةً، وتُثلِجُ أخرى، وتَجيءُ بالبَردِ تارةً، وبالسَّيلِ الذي يستلبُ الأشياء، ويَقلعُ (٣) الصُّخور، ويَهدِمُ القصورَ، ويُدَهْدِهُ الأحجارَ (٤) الثِّقال، مع خفَّتِه ولينِه وانمياعِه، تَحْيَى به الأرضُ، ويَخرجُ به النَّباتُ والأقواتُ، ويَطيبُ به الهواءُ، ويَزولُ به الأوباء (٥)، ويُستغنَى به عن الآبار (٦) والعيون في كثيرٍ مِن البقاع، ويَغزُرُ به (٧) ماءُ العيون والآبار. فمن تدبَّر ذلك بعقلِه، وقفَ منها على عجائب لا تنقضي، يَدلُّه جميعُ ذلك على فاطرٍ قادرٍ قاهرٍ، عالمٍ حكيمٍ خبيرٍ، ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميعُ البَصير؛ لما يَرى في جميعِ ذلك من آثارِ الصَّنعة، ودلائلِ الحدوث، من الاجتماعِ والافتراق، والحركةِ والسُّكون، واختصاصِ كلِّ شيءٍ (٨) منها بهيئةٍ وصورةٍ، وحدٍّ ونهايةٍ، وجهةٍ مخصوصةٍ، ووقتٍ مخصوصٍ، ويُقدَّمُ بعضُها على بعضٍ، ويؤخَّرُ بعضُها عن بعض، وجوازِ الزِّيادةِ والنُّقصان عليها، والأحوالِ المختلفة التي تَعتوِرُها، كلُّ ذلك دليلٌ على استحالةِ انفكاكِها عن الأوصاف المتضادَّة، والأحوالِ المتعاقبةِ عليها، وتعاقُبُها دليلُ حدوثِها، وما كان محلًّا للحوادثِ استحالَ خلوُّها عنها، وإذا استحالَ

стр. 1148

خلوُّها عنها، استحالَ سبقُها لها؛ لأنَّ في السبق الخلو، وما لم يسبِق الحوادثَ فهو حادثٌ لا محالة. ودلَّ حدوثُها على محدثٍ أحدثَها ومُنْشِئٍ أنشأها؛ لأنَّ استحالةَ حدوثِها بنفسِها كاستحالة مَن يدَّعِي في بناءٍ مبنيٍّ أنَّ ترابَه صار بنفسِه لَبِنًا مضروبًا، ثمَّ صار بنفسِه جدارًا مبنيًّا، ثمَّ صار عليه سقفًا مرفوعًا، وكاستحالة مَن يدَّعي في ثوبٍ منسوجٍ أنَّ القطنَ صار بنفسِه غزلًا مغزولًا، ثمَّ صارَ بنفسه ثوبًا منسوجًا؛ إذ لا فرقَ بين ما يُرَى مِن السَّماء بما عليها مِن أنواع الزِّينة، وبين ما يُرى مِن ديباجٍ منسوجٍ، فلا يَكادُ يَشُكُّ فيه عاقلٌ أنَّه إنَّما صار كذلك بناسجٍ نسجَهُ، وبصانعٍ صنعَهُ، فالسَّماءُ أعجبُ تأليفًا، وأغربُ (١) ترتيبًا، وأبدعُ تركيبًا. وكذلك ما يُشاهَدُ مِن الإنسان وسائر الحيوانات (٢)؛ مِن تألُّف أجزائِه، وانضمامِ أعضائِه، وقيامِ بعضِه ببعضٍ، وحاجة (٣) بعضِه في الثَّبات والبقاء إلى بعض، كلُّ ذلك دليلٌ على أنَّه مربوبٌ مصنوعٌ، محتاجٌ إلى ممسِكٍ يُمسكُه، وإذا تأمَّلت ما جُعِلَ في البدن مِن مجاري الفُضول في أعالي البدن وأسافلِه، عَلِمتَ أنَّه مُدَبَّرٌ مصنوعٌ، كالبيت يُبنَى (٤)، ويُجعَلُ له منافذُ ومخارحُ ومداخل، ثمَّ إذا تأمَّلت أنَّه عرقٌ (٥) وعَصَبٌ ولحمٌ ودمٌ وعظامٌ، علمتَ أنَّه مرتَّبٌ مؤلَّفٌ أحسنَ ترتيبٍ، وأنه ليس شيئٌ منه ثابتًا باقيًا بنفسِه، بل بمثبتٍ يُثبِتُهُ، ومُبَقٍّ يُبقِّيه، وممسِكٍ يُمسِكُه.

стр. 1149

ثمَّ إذا صرتَ إلى ما يَصِفهُ الخاصَّةُ مِن تركيب الأعضاء، ومنافعِ كلِّ جزءٍ منها على ما وَصَفَهُ أصحابُ التَّشريحِ في كتبِهم، رأيتَ ما يَحارُ في أعاجيبِه العقول، ووقفتَ على بدائعَ لا يَهتدي لوصفها الألباب، وعلمتَ أنَّ ذلك تفرَّد به ربُّ العالمين. ثمَّ إنها بوجودِها تدلُّكَ على قدرةِ صانعِها، وأنَّ قدرتَهُ على الكمال؛ لاستحالةِ صحَّة الاختراع ممَّن لا يكونُ قدرتُه على الكمال. ثمَّ يدلُّك تقدُّمُ بعضِها على بعضٍ مع جواز أنْ يكون متأخِّرًا، وتأخُّرُ بعضها عن بعضٍ في الوجود مع جواز أنْ يكون متقدِّمًا، واختصاصُ كلٍّ مِن الجنس بحالٍ مخصوصٍ، ووقتٍ مخصوصٍ، ومحلٍّ مخصوصٍ، وقدْرٍ مخصوصٍ، مع جواز خلافهِ: على إرادةِ مريدٍ خصَّها بها. ثمَّ يدلُّكَ إتقانُها، ونظامُها، وإحكامُها، على علم صانعِها؛ لاستحالةِ وجودِ أفعالٍ متقنةٍ محكمةٍ منظومةٍ مِن غير عالمٍ بها، كاستحالة وجودِ كتابةٍ منظومةٍ (١) من غير عالمٍ بالكتابة. ثمَّ يَدلُّكَ جملةُ ذلك على حياة صانعِها؛ لاستحالة قيامِ القُدرة والإرادة والعلمِ بمَن لا يوصَفُ بالحياة. ثمَّ يَدلُّكَ انتظامُ أمورِ العالَم على أنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ إذ لو كان معه غيرُه لاضْطَربتِ الأمورُ، واختلَّ التَّدبيرُ، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. ثمَّ يَدلُّكَ ارتباطُ بعض ما في العالم ببعضٍ، وحاجةُ بعضِها في البقاء إلى بعضٍ، على أنَّ خالقَها واحدٌ، وذلك مثلُ حاجة الإنسانِ وسائر الحيوانات

стр. 1150

إلى شيءٍ يتمكَّن فيه وشيءٍ يَعتمدُ عليه، وأنَّه لا بدَّ من ضياءٍ، وظلامٍ، وأزمنةٍ، وحرارة ينشأ بها الأشياء. والسَّماء وما فيها متعلِّقٌ بعضُها ببعضٍ، ومحتاجٌ بعضُها إلى بعض، ولا قِوام للإنسان إلَّا بها، والكواكبُ لا بدَّ منها للاهتداء بها في البرِّ والبحر، وليُعرف بمجاريها عددُ السِّنين والحساب. والهواءُ لا بدَّ منه؛ لأنَّ السَّماء إذا كانت طبقًا للأرض، فلا بدَّ مِن هواءٍ يَضْطَرب فيه الأنفاسُ، ولا بُدَّ مِن أن يكون ذلك باردًا يَصِلُ نسيمُه إلى النُّفوس، فتتماسكُ به، ألا ترى أنَّ مَن مُنِعَ منه الهواءُ بالأخذ بفمه وخياشيمه، لم يَلبث أنْ يموتَ؟ والرِّيحُ يحرِّكُ الهواء. والحيوانُ منها ما يُستطابُ لحومُها، فيحتاج إلى لحومها للاغتذاء بها، وللتَّقوِّي على الأعمالِ التي يَتِم بها أمرُ المعاش، وما كان منها غيرَ مستطابِ اللَّحمِ يُرْكَبُ ويُحْمَلُ عليها الأثقال، وما خرجَ مِن (١) هذين فقد يُنتَفعُ بشحومِها ومراراتِها ولحومِها في معالجة المرضى. فهذا يدلُّك (٢) على تعلُّقِ بعضِها ببعضٍ، وحاجةِ بعضِها إلى بعض، والعالمُ كلُّه كالبَدنِ الواحد، يُمسِكُ بعضُه بعضًا، ويتألَّفُ (٣) بعضُه ببعضٍ، فيَدلُّ ذلك كلُّه على أنَّ له مؤلِّفًا هو ألَّف الجميع. ويدلُّك ذلك كلُّه على أنَّه لا يُشبِهُ شيئًا مِن خلقه بوجهٍ، ولا يُشبِهُهُ شيءٌ؛ لأنَّ حقيقةَ المشتبهين شيئان، يَجوزُ على أحدِهما ما يجوزُ على الآخر، فلو أشبهَ خلقَهُ

стр. 1151

بوجهٍ، لجازَ عليه ما جازَ على خلقِه، من التَّغيُّرِ والزَّوال، والانفصالِ والاتِّصال، والعَجزِ والموتِ، وسائر الآفات، تعالى اللَّهُ عن ذلك وتقدَّس (١). ويَدلُّكَ اختلافُ اللَّيل والنَّهار، وذهابُ كلِّ واحدٍ منهما على فناءِ العالم، وعَوْدُ كلِّ واحدٍ منهما بعد ذهابِه وإحياءُ الأرضِ بعد موتِها على البَعثِ بعد الموت، ويدلُّ ما في الأرض مِن أنواع المطاعِم والملابسِ والثِّمارِ والأنوار على ما وَعدَ في الجنَّة؛ ليرغِّبهُم في نعيمِها، وما فيها من الحيَّات والعقاربِ والحشرات على ما أوعدَ في النَّار؛ ليزجرَهم عنها. ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ مِن هذه الدَّلائل (٢) ما تُدرِكُه العامَّةُ على مقادير عقولِها، ومنها ما يُدركُه المتوسِّطون في العلم بتَدبُّرهم (٣)، ومنها ما لا يَتوصَّل إليه إلَّا المتقدِّمون في العلمِ والنَّظر، بأفكارِهم وأذهانِهم التي فضَّلهُم اللَّهُ تعالى بها (٤) على غيرِهم، فقامت حجَّةُ اللَّه تعالى على توحيدِه على سائرِ طبقات النَّاس، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. * * * (١٦٥) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ ونظمُهُ بما قبلَه أنَّه قال: ومع وضوحِ هذه الأدلَّة، مِن النَّاس أقوامٌ كفَّارٌ يتَّخذونَ الأصنامَ أشباهًا للَّه؛ أي: يتَّخذونَها آلهةً يَعبدونها.

стр. 1152

و"من" للجمع ها هنا، بدليل أنَّه قال في صفتِهم: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير اللَّه، والأنداد: الأمثال (١). وقال أبو عبيدة: الأنداد: الأضداد (٢). وقال صاحبُ "العين": النِّدُّ (٣): ما كان مثل الشيء ينادُّه (٤)؛ أي: ينافرُه ويقابله. والمراد بالأنداد ها هنا في قول قتادةَ والربيع ومجاهدٍ وعبد الرَّحمن بنِ زيد وأكثر المفسِّرين: هو آلهتُهم مِن الأوثان (٥). وقال السُّدِّيُّ: المرادُ: رؤساؤُهم الذين كانوا يُطيعونَهم طاعةَ الأرباب (٦)، قال (٧) تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]، ويدلُّ عليه قولُه بعد هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهذا فيهم. وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: يُحِبُّونَ الأندادَ كحبِّكُم للَّه (٨). وقيل: أي: كحبِّهم للَّه (٩). وقيل: أي: كما يَجِبُ عليهم مِن محبة اللَّه (١٠).

стр. 1153

والأوَّلُ قول عكرمة وقتادة ومقاتل (١)، ومعناه: يحبُّون عبادةَ الأوثان كما يُحِبُّ المؤمنون عبادةَ اللَّه. والثاني قولُ الزَّجاج (٢)، وذلك أنَّ الكفَّار يَدَّعون أنَّهم إنَّما يَدعون -أي (٣): يعبدون- الأوثانَ (٤) لِتُقرِّبَهم (٥) إلى اللَّه زُلفى، فيَدَّعون محبَّةَ اللَّهِ، ويُقِرُّونَ برُبوبيَّتِه ﵎ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أدومُ محبَّةً للَّه مِن الكفرةِ لأصنامِهم؛ لأنَّ عابدَ الوثنِ يَعبدُه في حالة الرَّخاء، فإذا أصابَه البلاءُ ولَّاهُ ظهرَهُ، ودعا وسأل (٧) غيرَهُ، والمؤمنُ إذا مسَّهُ الضُّرُّ فزعَ إلى ربِّه، وزادَ في دعائِه ولزومِ بابه وطَلَبِ قُربِه، وذاك من كمالِ حبِّه. وقال جعفرٌ الصادق: محبَّةُ المؤمنِ مع خوفٍ ورجاءٍ، ومحبَّةُ الكافرِ لطبعٍ وهوى؛ فإنَّه إذا رأى حَجرًا واستحسنَهُ (٨) اعتقدَهُ وعبدَه، وحبُّ المؤمنِ عقليٌّ، وحبُّ الكافرِ نفسيٌّ، وحبُّ المؤمنِ خالصٌ، وحبُّ الكافرِ مشترَكٌ، وحبُّ المؤمنِ غيبيٌّ، وحبُّ الكافرِ عيانيٌّ، وحبُّ الكافرِ بواسطةٍ، قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]،

стр. 1154

وبعلَّةٍ (١)، قالوا هنا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومحبَّةُ المؤمن بلا واسطةٍ ولا علَّة، والكافرُ يَرى صنمَه مصنوعَهُ، والمؤمنُ يَرى ربَّه صانعَهُ، والكافرُ يتبرَّأُ عن الصَّنمِ يومَ القيامة، والمؤمنُ لا يتبرَّأ مِن ربِّه، والمؤمنُ يعبدُ اللَّهَ وحدَه، والكافرُ يَعبدُ أصنامًا، فلا (٢) يخلص لواحدٍ، ومحبَّتُهم (٣) أشدُّ، وطريقُهم أسدُّ. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: محبَّةُ المؤمنين تَخرجُ على الثَّناء والعبادة، والتَّعظيم والطَّاعة، والرَّغبة والرَّهبة؛ إذ علموا النِّعمَ كلَّها مِن اللَّه، وعلِموا أنَّ السُّلطانَ والعِزَّة للَّه، ولا أحدَ يَنالُ شيئًا مِن ذلك إلَّا باللَّه، فأوجبَ ما عندَه مِن النِّعمةِ الرَّغبةَ، وما له من السُّلطان الهيبةَ. وحبُّ الكَفَرةِ هو الجسدانيُّ الذي تولِّدُهُ الشَّهوة، أو يستحسنهُ البصرُ، وحبُّ اللَّه تعالى مِن المؤمنين على هذا الوجه فاسدٌ، بل حبُّه في الحقيقة في تعظيم أمورِه، وحُسنِ صحبةِ نِعَمِه، ومعرفةِ حقوقِه، ولذلك قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وهو أنَّ مَن أحبَّ آخرَ محبَّةَ الجلالِ والرِّفعةِ، عظَّم رسولَه (٤)، وانقادَ لما يَدعوهُ إليه، وإن كان في ذلك هلاكُه؛ تعظيمًا لأمرِه، فكيف فيما فيه نجاتُه وفوزُه؟ (٥) وقال وهبُ بنُ منبِّه ﵁: قال حكيمٌ مِن الحكماء: إنِّي لأستحيي مِن ربِّي أنْ أعبدَهُ مخافةً مِن النَّار، فأكونَ كعبدِ السُّوء؛ إن رهبَ عَمِلَ، وإنْ لم يَرهَب لم

стр. 1155

يَعمَل، وإنِّي لأستحيي مِن ربِّي أنْ أعبدَهُ رجاءَ ثوابِ الجنَّة، فأكونَ كأجيرِ (١) السُّوء؛ إن أعطيَ أجرًا عَمِلَ، وإلَّا لم يَعمل، ولكن (٢) أعبدُه لما هو أهلُه (٣). وقال أيضًا: ولكن يَستخرِجُ منِّي حبُّ ربِّي ما لا يَستخرِجُ حبُّ غيرِه. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ قرأ عامَّةُ القرَّاء سوى نافعٍ وابنِ عامر بياء المغايبة (٤)، وتأويلُه: ولو يَعلمُ الآن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: كفروا ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ (٥) والقدرةَ ﴿لِلَّهِ﴾ لا للأصنام، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ لِمَن عبدَها؛ إذ يرون العذابَ يوم القيامة؛ لَما اتَّخذوها آلهةً، ولَما عَبدوها، ولَما قالوا: هم (٦) شفعاؤنا عند اللَّه، وما نعبدُهم إلَّا ليُقرِّبونا إلى اللَّه زُلفى، فالرُّؤيةُ بمعنى العلم، كما في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٧). والظُّلم هو الشِّرك، و ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ، و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ مقدَّمةٌ في المعنى، والجوابُ محذوفٌ في آخره؛ لدلالة الحال عليه، وتقدير الآية ما قلنا، وحَذْفُ جوابِ "لو" في القرآن كثيرٌ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ [الرعد: ٣١]، ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ﴿ولو ترى﴾ بتاء المخاطبة، ومعناه: ولو تَرى أنت يا

стр. 1156

محمَّدُ الذين ظلموا؛ أي: المشركين (١)، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ (٢)، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يومَ القيامة، والجوابُ مضمرٌ ها هنا؛ أي: لرأيتَ أمرًا عظيمًا، وعلمت ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ليس هو بغافلٍ عمَّا يَعملُ الظَّالمون، وهو مَلِيٌّ بإقامةِ جزاء الحسنات والسيِّئات. * * * (١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ﴿إِذْ﴾ متَّصلٌ بقوله (٣): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: كذلك يفعلُ حينئذٍ، وقيل: متَّصلٌ بقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: يرونَهُ حينئذٍ. وقيل: أضمر فيه: "واذكر" إذ يتبرَّأ (٤)، و ﴿تَبَرَّأَ﴾ ماضٍ معناه المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦]، وقالوا: إنَّ اللَّهَ جعلَ ما يقعُ في القيامة كالواقعِ الحاصلِ؛ لأنَّه واقعٌ لا محالةَ، فذكره بهذه الصِّيغةِ تقريبًا له، وتقريرًا في النُّفوس، و ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم المتبوعون القادةُ، والكبراءُ السَّادة. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: مِن الأتباعِ الأطواع. وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: النار قبلَ أن يَدخلوها كما قال: ﴿وَبُرِّزَتِ

стр. 1157

الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]، ويَحتملُ أن يكون المرادُ: دَخلوا النَّار فرأَوها، كما يقال: رأيتُ السِّجنَ وكُرَبَه. وقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؛ أي: الوُصَل، والسَّببُ: الوصلة، ومعناه: قطَّعَتهُم، والباءُ للتعدية؛ أي: لمَّا وقعوا في العذاب، صارت الأسبابُ التي كانوا يَتواصلون بها قاطعةً بعضَهم عن بعضٍ، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ونظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أنَّه للتَّعدية قولُه: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ أي: يُفرِّقكم، وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والرَّبيع (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: معناه: انقطعَت العهودُ والأيمانُ التي كانت بينهم (٢). وقال أبو صالح: أي: انقطعت الأرحامُ والأنسابُ فيما (٣) بينهم (٤)، قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (٥) [عبس: ٣٤]. وقال الحسن: هي المعارفُ. وقال مقاتل: هي المودَّات.

стр. 1158

وقال أبو جعفر الرازي: هي المنازل (١)؛ أي: تَفرَّقَت بهم المنازل؛ أي: وقعوا متفرِّقين. والسَّبب: الطَّريق، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. * * * (١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ، والكَرَّةُ: الرَّجعةُ إلى الدُّنيا؛ أي: ليتنا نرجعُ إلى الدُّنيا (٢)، ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نُصِبَ بفاء الجواب للتمني (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كما رأوا العذابَ، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك. وقيل: أي: كما تبرَّأ بعضُهم مِن بعض، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك (٤). وقيل (٥): أي: كما وصفَ اللَّه أحوالَهم، كذلك يجعلُ أعمالَهم. وقيل: أي: كما تقطَّعت بهم الأسبابُ فلم ينتفعوا بها، فكذلك أعمالُهم تصيرُ حسراتٍ عليهم، فلا يَنتفعون بها.

стр. 1159

والحسرةُ: الكمدُ على الفائت (١) والتَّلهُّفُ (٢) عليه. وقيل: هو أشدُّ النَّدم. وقيل: هو (٣) النَّدمُ القاطعُ المُعيي (٤)، من قوله: ﴿مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقولِه: ﴿خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. ثمَّ قيل: في هذه الأعمال ثلاثة أقاويل (٥): قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أراد به الأعمالَ التي عملوها من الحسناتِ بزعمهم، وأرادوا بها غيرَ اللَّه؛ من مواساةِ المحتاجين، وإعانة المساكين (٦)، وقِرى الضَّيف، والحجِّ، والختان، ممَّا كانوا يعملون مع شركِهم، يرونَها حسراتٍ عليهم، فيَتحسَّرون حيث أبطلوها (٧) بشركهم. وقيل: أراد بها أعمالَهم (٨) السيِّئة التي عملوها في الشرك؛ مِن القتل، ودفنِ البنات، واستحلالِ المحرَّمات، فيرونَها حسراتٍ عليهم؛ حيث كانت مُحصاةً محفوظةً عليهم، فيَتحسَّرون عليها، هلَّا عملوا بدلَها حسنات؟

стр. 1160

وقيل: أراد بها الأعمالَ التي كانت تجبُ عليهم فلم يعملوها، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومعنى إضافتِها إليهم وإن لم يعملوها: أنَّها وَجبت عليهم (١)، كما يُقال: هذا عملُك الذي تحتاجُ أنْ تعملَه اليوم، وهو (٢) غذاؤك، لما تَحتاجُ إليه، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَارقُوا (٣) دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ أي: ما يجبُ أن يتديَّنوا به. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أي: هم خالدون فيها، وهذا ردٌّ لِما تمنَّوه: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ولقولهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية. * * * (١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وانتظامُه بما قبلَه أنَّ أعمالَ الكفَّار تصيرُ حسراتٍ؛ لأنَّها سيِّئات، والأعمالُ التي لا تَصيرُ حسرات هي الصَّالحات، وقرينُ العملِ الصَّالح أكلُ الحلال الطيِّب، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قال بعضُهم: نزلت الآيةُ في شأن بني خُزاعةَ وبني صَعْصَعة وبني مُدْلِجٍ؛ حرَّموا على أنفسِهم السَّمن والأقِط، فنزلَت الآية (٤).
следующие страницы →