← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

محمَّدُ الذين ظلموا؛ أي: المشركين (١)، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ (٢)، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يومَ القيامة، والجوابُ مضمرٌ ها هنا؛ أي: لرأيتَ أمرًا عظيمًا، وعلمت ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ليس هو بغافلٍ عمَّا يَعملُ الظَّالمون، وهو مَلِيٌّ بإقامةِ جزاء الحسنات والسيِّئات. * * * (١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ ﴿إِذْ﴾ متَّصلٌ بقوله (٣): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: كذلك يفعلُ حينئذٍ، وقيل: متَّصلٌ بقوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: يرونَهُ حينئذٍ. وقيل: أضمر فيه: "واذكر" إذ يتبرَّأ (٤)، و ﴿تَبَرَّأَ﴾ ماضٍ معناه المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ [المائدة: ١١٦]، وقالوا: إنَّ اللَّهَ جعلَ ما يقعُ في القيامة كالواقعِ الحاصلِ؛ لأنَّه واقعٌ لا محالةَ، فذكره بهذه الصِّيغةِ تقريبًا له، وتقريرًا في النُّفوس، و ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم المتبوعون القادةُ، والكبراءُ السَّادة. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: مِن الأتباعِ الأطواع. وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي: النار قبلَ أن يَدخلوها كما قال: ﴿وَبُرِّزَتِ

стр. 1157

الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦]، ويَحتملُ أن يكون المرادُ: دَخلوا النَّار فرأَوها، كما يقال: رأيتُ السِّجنَ وكُرَبَه. وقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؛ أي: الوُصَل، والسَّببُ: الوصلة، ومعناه: قطَّعَتهُم، والباءُ للتعدية؛ أي: لمَّا وقعوا في العذاب، صارت الأسبابُ التي كانوا يَتواصلون بها قاطعةً بعضَهم عن بعضٍ، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ونظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أنَّه للتَّعدية قولُه: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ أي: يُفرِّقكم، وهو قولُ مجاهدٍ وقتادة والرَّبيع (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: معناه: انقطعَت العهودُ والأيمانُ التي كانت بينهم (٢). وقال أبو صالح: أي: انقطعت الأرحامُ والأنسابُ فيما (٣) بينهم (٤)، قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ (٥) [عبس: ٣٤]. وقال الحسن: هي المعارفُ. وقال مقاتل: هي المودَّات.

стр. 1158

وقال أبو جعفر الرازي: هي المنازل (١)؛ أي: تَفرَّقَت بهم المنازل؛ أي: وقعوا متفرِّقين. والسَّبب: الطَّريق، قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. * * * (١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأتباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ، والكَرَّةُ: الرَّجعةُ إلى الدُّنيا؛ أي: ليتنا نرجعُ إلى الدُّنيا (٢)، ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نُصِبَ بفاء الجواب للتمني (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كما رأوا العذابَ، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك. وقيل: أي: كما تبرَّأ بعضُهم مِن بعض، فكذلك يُريهمُ اللَّهُ ذلك (٤). وقيل (٥): أي: كما وصفَ اللَّه أحوالَهم، كذلك يجعلُ أعمالَهم. وقيل: أي: كما تقطَّعت بهم الأسبابُ فلم ينتفعوا بها، فكذلك أعمالُهم تصيرُ حسراتٍ عليهم، فلا يَنتفعون بها.

стр. 1159

والحسرةُ: الكمدُ على الفائت (١) والتَّلهُّفُ (٢) عليه. وقيل: هو أشدُّ النَّدم. وقيل: هو (٣) النَّدمُ القاطعُ المُعيي (٤)، من قوله: ﴿مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقولِه: ﴿خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]. ثمَّ قيل: في هذه الأعمال ثلاثة أقاويل (٥): قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أراد به الأعمالَ التي عملوها من الحسناتِ بزعمهم، وأرادوا بها غيرَ اللَّه؛ من مواساةِ المحتاجين، وإعانة المساكين (٦)، وقِرى الضَّيف، والحجِّ، والختان، ممَّا كانوا يعملون مع شركِهم، يرونَها حسراتٍ عليهم، فيَتحسَّرون حيث أبطلوها (٧) بشركهم. وقيل: أراد بها أعمالَهم (٨) السيِّئة التي عملوها في الشرك؛ مِن القتل، ودفنِ البنات، واستحلالِ المحرَّمات، فيرونَها حسراتٍ عليهم؛ حيث كانت مُحصاةً محفوظةً عليهم، فيَتحسَّرون عليها، هلَّا عملوا بدلَها حسنات؟

стр. 1160

وقيل: أراد بها الأعمالَ التي كانت تجبُ عليهم فلم يعملوها، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومعنى إضافتِها إليهم وإن لم يعملوها: أنَّها وَجبت عليهم (١)، كما يُقال: هذا عملُك الذي تحتاجُ أنْ تعملَه اليوم، وهو (٢) غذاؤك، لما تَحتاجُ إليه، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَارقُوا (٣) دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩]؛ أي: ما يجبُ أن يتديَّنوا به. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ أي: هم خالدون فيها، وهذا ردٌّ لِما تمنَّوه: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ولقولهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ الآية. * * * (١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ وانتظامُه بما قبلَه أنَّ أعمالَ الكفَّار تصيرُ حسراتٍ؛ لأنَّها سيِّئات، والأعمالُ التي لا تَصيرُ حسرات هي الصَّالحات، وقرينُ العملِ الصَّالح أكلُ الحلال الطيِّب، قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قال بعضُهم: نزلت الآيةُ في شأن بني خُزاعةَ وبني صَعْصَعة وبني مُدْلِجٍ؛ حرَّموا على أنفسِهم السَّمن والأقِط، فنزلَت الآية (٤).

стр. 1161

وقيل: نزلَتْ في شأنِ عبد اللَّه بن سَلام وأصحابِه، حيث امتَنعوا عن أكلِ لحومِ الإبل. وقيل: نزلَتْ في شأنِ أهل الكتاب؛ فإنَّهم كانوا يُحرِّمون البحيرةَ والسَّائبةَ والوصيلةَ والحامي، وكانوا يقولون: إنَّ اللَّهَ حرَّمَها علينا، فردَّ اللَّهُ تعالى قولَهم بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]، وقال هنا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فالحلالُ: ما أحلَّه اللَّهُ، والطَّيب: ما يُستَطابُ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ؛ المسْتَلَذُّ طبعًا، والمباحُ شرعًا، والطَّاهر وضعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ (١) وقال اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا يتوجَّهُ وجهَين: أحدهما: الإذنُ في أكل ما (٢) تستطيبُه النَّفسُ وتَستلِذُّه (٣)؛ ليكونَ أرضى وأشكرَ للَّه فيما أنعم عليه. والثاني: إرادةُ الحلال، ويكون للإيجاب (٤). وقيل: الجمعُ بين اللَّفظَين لإثبات صفتَين، فالحلالُ: ما لا حَظْرَ فيه، والطَّيِّبُ: ما لا حذرَ فيه.

стр. 1162

وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: الحلالُ الطَّيِّبُ: ما لا سؤالَ فيه يومَ القيامة، وهو ما لا بدَّ منه. قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّه تعالى وَهَب لابن آدم ما لا بدَّ له منه؛ ثوبٌ يواري عورتَه، وخبزٌ يردُّ جوعتَه، وبيتٌ كعشِّ الطَّير"، فقيل: يا رسولَ اللَّه، وكيف الملح؟ فقال: "الملحُ ممَّا يُحاسَبُ بهِ" (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الحلالُ الطيِّبُ: ما لا تبعةَ فيه في الدُّنيا، ولا عقوبةَ عليه في العُقبى. وقيل: الحلالُ: ما أفتاكَ المفتي أنَّه مباحٌ، والطَّيِّبُ: ما أفتاك قلبُكَ أنَّه ليس فيه جُناح. وقيل: الحلالُ: ما لا تقولُ العلماء: إنَّهُ لا يَحِلُّ، والطَّيِّبُ: ما لا تقولُ الحكماء: إنَّه لا يَجمُلُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: آثارَهُ، وهي وساوسُهُ، وأصلُ الخَطْوِ (٢) نَقْلُ القدمِ قُدْمًا، والخَطوةُ بالفتح مَرَّةٌ منه، وبالضَّمِّ بُعْدُ ما بينَ قدَمَي الماشي، والجمعُ الخطوات؛ أي: لا تمشوا في طريقِ إبليسَ الذي يَدعوكُم إليه في تحريم هذه الأشياء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي (٣): مُبغِضٌ ظاهرٌ، وهو (٤) عدوُّ أبوَيكم، وعدوُّكم، وعدوُّ ربِّكم، ويَسعى في إهلاكِكُم، ويَدعوكم إلى تحريمِ ما

стр. 1163

أحلَّ اللَّهُ مِن البحيرةِ ونحوِها، وإحلالِ ما حرَّم (١) اللَّهُ مِن الميتة والدَّم ونحوهما (٢). ثمَّ في هذا إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يَتَّبِعون الشَّيطان في ذلك، وذَكرَ (٣) بعد هذه الآياتِ أنَّهم قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠]، ولا منافاةَ بينهما؛ فإنَّهم كانوا يتَّبعون فعلَ الآباء بتزيينِ الشَّيطان، وقد ذكر اللَّه تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]. * * * (١٦٩) - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ أي: يأمرُكُم الشَّيطانُ ويَدعوكم إلى القبائحِ والفَضائح؛ فالسُّوء في الأصل ما يُكرَهُ، والفحشاءُ ما يُستَشنع، والسُّوءُ خلاف الحسن (٤). والفحشاء الفَعلاء مِن الفُحْشِ، والفاحشةُ كذلك، وأصلهُ مجاوزةُ القدرِ في كلِّ شيءٍ، والكثيرُ الفاحش، والمباشرةُ الفاحشةُ مِن ذلك، فالزِّنى فاحشةٌ، والبُخْلُ فاحشةٌ، وكلُّ فعلةٍ قبيحةٍ فاحشةٌ، والاسمان في الآية يستوعبان كلَّ ذنبٍ وعيبٍ، وكلُّ واحدٍ منهما متناوِلٌ (٥) كلَّ إثم. وقيل: السُّوءُ: ما خَفيَ مِن الآثام، والفحشاءُ: ما ظهرَ منها.

стр. 1164

وقيل: السُّوءُ: ما لا حدَّ فيه، والفحشاءُ: ما فيه حدٌّ. وقيل: السُّوءُ: الزِّنى، والفحشاءُ: سائرُ القبائح. وقيل: السُّوءُ: الخطيئة، والفحشاءُ: العَمدُ ومجاوزةُ الحدِّ. وقيل: السُّوءُ: ما يَسوءُ الفاعل؛ أي: يَضرُّه. وقيل: السُّوءُ: ما يَسوء عاقبَتُه، والفحشاءُ: ما يَستقبحُه العقلُ والشَّرع. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ويأمرُكم بأنْ تَقُولوا؛ أي (١): تكذبوا على اللَّهِ ما لا تَعلمون؛ مِن تحريم الحلال، وتحليل الحرام، وهذا ما عددنا. وقيل: بل معناه أنَّه لا يَرضى منكم بالمعاصي، بل يدعوكم إلى الكفرِ، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) مِن الصَّاحبةِ والولد، وما لا يَليقُ به. ثمَّ الاجتهادُ في المشروعاتِ ليس بقَولٍ على اللَّه بغير علم، بل هو طلبُ الحقِّ بدليلِه بطريقه. فإن قيل: كيف يأمرُنا الشَّيطانُ بذلك، ونحن لا نراهُ، ولا نَسمعُ كلامَه؟ قلنا: نجدُ في أنفسِنا دواعيَ المعصية بنفثِه (٣)، وأخبرَنا الصَّادِق عن فعله (٤). * * * (١٧٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.

стр. 1165

وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: نزلَت في اليهود، دعاهم النبيُّ ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (١)؛ أي: وجدنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]: أي: وجدا. وقيل: نَزلَت في مشركي العرب لمَّا قيلَ لهم: لا تتَّبعوا خطواتِ الشَّيطان، واتَّبعوا القرآنَ في التَّحريم والتَّحليل. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من تحريم البحيرةِ وغيرِها. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ (٢) الواوُ حرفُ عطفٍ، دخلت عليها ألفُ التَّوبيخ، فبَقيت مفتوحةً، وطريقهُ أنَّه يتضمَّن ما إذا أقرَّ به افتضح. وقال الزَّجَّاجُ: معناه: أو يتبعون آباءَهم وإن كانوا جهَّالًا؟ (٣) وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ مِن الدِّين، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقِّ، أضمرَ: "يتَّبعون آباءَهم" فيه، بدلالة الحالِ عليه. * * * (١٧١) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيه مضمَرٌ؛ أي: ومثلُ واعظِ الذين

стр. 1166

كفروا، يعني: مثلُ محمَّدٍ مع الكفَّار، كمثلِ النَّاعق مع الغنمِ المنعوقِ بها، يقال: نعقَ الرَّاعي بالغنمِ ينعِقُ نعقًا (١)، إذا صاحَ بها زجرًا (٢). وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدُّعاءُ: الذي قد يُسمَعُ وقد لا يُسمَع، والنِّداءُ: ما يُسمَع. وقيل: الدُّعاء: ما كان لطلبِ الفعل، والنِّداءُ: ما كان لطلبِ الجواب. ومعنى الآية على جميع الأقاويل فيه مع نظمِها بما قبلَها (٣): ومثلُ هؤلاء الكفَّار الذين يقولون: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ في دعائك إيَّاهم، كمثلِ النَّاعقِ في دعائهِ البهائمَ التي لا تفهمُ، كالإبل والبقر والغنم. والحذفُ فيها حسنٌ، كقولك: زيدٌ كالحمار؛ أي: في البلادة، وعمرٌو كالأسد؛ أي: في الشَّجاعة؛ لأنَّ المعنى في أحد الشيئين أظهرُ، فيُشَبَّهُ به الآخرُ؛ ليظهر بظهوره، وهذا قولُ ابن عبَّاسٍ والحسن ومجاهدٍ وقتادةَ والرَّبيع (٤)، وهو اختيارُ الزَّجَّاج والفرَّاء (٥). وقيل: معناه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في دعائِهم آلهتَهم، كمثل النَّاعقِ في دعائِه ما (٦) لا يَسمع، وذلك أنَّ البهائمَ لا تَفهمُ الكلامَ، وأقصى أحوالِ الأصنام أن

стр. 1167

تكون كالبهائمِ في أنَّها (١) لا تفهمُ الكلامَ، فإذا كان لا يُشكِلُ عليهم أنَّ مَن دعا البهائمَ كان جاهلًا، فمن دعا الحجارةَ كان بصفة الجهلِ والذَّمِّ أولى. وقيل: أي: مثلُ الكفَّارِ في دعائِهم آلهتَهم كمثلِ النَّاعقِ في دعائِه الصَّدى في الجبل؛ لأنَّه (٢) لا يسمعُ منه إلَّا دعاءً ونداءً، فإنَّه إذا قال: يا زيد، سمعَ مِن الصَّدى: يا زيد، وليس في وراء القول شيءٌ، إلَّا أنَّه يُخَيَّلُ إليه أنَّ مجيبًا يُجيبهُ، وليس فيه فائدةٌ، فكذلك يُخيَّلُ إلى هؤلاء المشركين أنَّ دعاءَهم للأصنام يُستجابُ، وليس لذلك حقيقةٌ، ولا فيه فائدةٌ. وفي كلِّ واحدٍ مِن هذه الوجوه حذفٌ واختصارٌ، وظاهرُه مقابلةُ الكفَّار وهم المنعوق بهم، بالنَّاعق، ولم يقابل (٣) النَّاعقَ بالنَّاعق (٤)، ولا المنعوقَ به بالمنعوق به، وإنَّما فعلَ كذلك؛ لدلالة تضمينِ الكلامِ على كلِّ المراد بالتَّمام، فإنَّه تشبيهُ اثنين باثنين؛ تشبيه (٥) الدَّاعي إلى الإسلامِ للمدعوِّ من الكفَّار، بالدَّاعي إلى المراد للمدعوِّ مِن الأنعام، فلمَّا أُريدَ الاختصارُ أبقى مِن الكلام ما دلَّ على المحذوف، فأبقى في الأوَّل ذِكْرَ المدعوِّ، وفي الثاني ذِكْرَ الدَّاعي، ولو رُتِّبَ (٦) الكلامُ على ذكرِ الكُلِّ لطال الكلام. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: هذا من باب القَلْب، وهو كقولهم: أدخلتُ الخفَّ

стр. 1168

في رجلي، والقلنسوةَ في رأسي، وهو كقولِه تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: فكيف يكلِّمُنا (١). وقد قيل: معناه: مثلُنا ومثلُ الذين كفروا، فاكتفى بذكرِ أحدهما، كما في قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]، ولم يَذكر الأمَّةَ الأخرى. وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ أي: هم (٢) كذلك، وقد مرَّ تفسيرُه (٣). ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يَستعملون عقولَهم، كما قال لآبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾. * * * (١٧٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ خصَّ المؤمنين بالأمر بأكل الحلال بعد ما عمَّ النَّاسَ به، والطيِّباتُ: الحلالات (٤)، وهي (٥) اللذيذاتُ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: على ما رزقَكم من الطَّيِّبات.

стр. 1169

وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: تُوَحِّدون؛ يعني: إن كنتم مؤمنين باللَّه، فاشكروا له؛ فإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ ذلكَ، وهو مِن شرائِطه، وهو مشهورٌ في كلامهم، يقول الرَّجلُ لصاحبه الذي قد عَرفَ أنَّه يُحبُّه: إنْ كنت لي محِبًّا فافعل كذا، فيُدخِلُ حرفَ الشَّرطِ في كلامِه؛ تحريكًا له على ما يأمرُه به، وإعلامًا له أنَّه مِن شرائطِ المحبَّة. وقد قيل (١): إن كنتم عازِمين على الثَّباتِ على الإيمان، فاشكروا له؛ فإنَّ تركَكُم الشُّكرَ يُخرجُكم عنه. وقيل (٢): معناه: إذ (٣) كنتم، كما في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقولِه: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢]. والصَّحيحُ أنَّه على الشَّرط في كلِّ هذه الآيات، ووجهُه ما بيَّنَّا. وقيل: هذا خطابٌ لعبدِ اللَّه بن سلام وأصحابه حيث امتنعوا عن أكل لحومِ الإبل، فقيل لهم هذا؛ أي: إن كنتم إيَّاه تَعبدون بتركِ أكل لحوم الإبل، فليست عبادتُه ذلك، بل هي أكلُ ما أحلَّهُ، والشُّكرُ على ما أعطاهُ. * * * (١٧٣) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 1170

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾؛ أي: ما حرَّمَ اللَّهُ السَّائبة (١) ونحوَها، وإنَّما حرَّم ما ماتَ مِن غير ذكاة. قوله تعالى: ﴿وَالدَّمَ﴾؛ أي: الدَّمَ المسفوحَ، نصَّ على ذلك في موضعٍ آخرَ (٢). قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ وكلُّ أجزائه حرامٌ، وإنَّما خصَّ اللَّحمَ بالذِّكرِ؛ لأنَّه هو المعظمُ في قصدِ الأكل، ودخلَ فيه ما دونَه، كما في قوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لمَّا كان هو معظم اشتغال النَّاس فيه؛ خصَّه بالنَّهي عنه، وحرَّم بذكرِه ما دونَه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رُفِعَ فيه الصَّوتُ بذكرِ غيرِ اللَّه، وهو ما ذُبِحَ للأصنام، والإهلالُ: رفعُ الصَّوت بالتَّسميةِ، وكذلك بالتَّلبيةِ، وكذلك بذكرِ اللَّه عند رؤية الهلالِ، وبه سُمِّيَ الهلال، واستهلالُ الصَّبيِّ: رفعُ (٣) صوتِه عند الولادة. ثمَّ لم يَذكر في هذه الآية سائرَ المحرَّمات؛ لأنَّها ليست لحصر المحرَّمات، بل هذه الآياتُ سِيقَت لنهيهِم عن تحريم ما أحلَّ اللَّهُ، وهو ما عددناهُ، ولنهيهِم عن استحلالِ ما حرَّمَ اللَّه، وهم كانوا يَستحلُّونَ هذه الأشياءَ، فكانوا يأكلون الميتةَ، ويقولون: تأكلونَ ما أمتُّم، ولا تَأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ، وكذا كانوا يأكلون الدَّم، ولحمَ الخنزير، وذبائح الأصنامِ، فبيَّن أنَّه حرَّمَها. وقيل: ذكرُ الميتةِ يَتناولُ المتردِّيةَ، والمنخنقةَ، والموقوذةَ، والنَّطيحةَ، وما أكلَ السَّبع، ومتروكَ التَّسميةِ عمدًا، ونحوها.

стр. 1171

وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: أُلجِئ إلى أكلِ شيءٍ منها؛ بأنْ لا يجدَ غيرها، والاضطرارُ فعلٌ متعدٍّ، ولذلك جاء على لفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه ها هنا، وقال: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ [لقمان: ٢٤]، فعدَّاه إلى الكناية. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ البغيُ في اللُّغة: مجاوزةُ الحدِّ، يقال للجرح إذا تورَّم واشتدَّ: بغى، ويقال للبحر (١) إذا زاد: طغى وبغى، وللفرس إذا مَرِحَ في عدوِه واختال في ذلك: بغى. والعدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ أيضًا، وقد عدا طورَهُ، فقيل (٢): هما واحدٌ (٣)، ومعناه: مجاوزةُ قدرِ الحاجة، والتَّكرارُ للتأكيد، كقوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. وقيل: معناه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ إيَّاهُ؛ أي: طالبٍ وهو (٤) يَجِدُ غيرَهُ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: مجاوزٍ قدرَ ما يقعُ به دفعُ الهلاكِ عن نفسِه. وقيل: هما تفسيرُ قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ (٥)، وهذا كقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غيرَ متلذِّذٍ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ متزوِّدٍ. وقال قتادة: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: ظالمٍ بأكلِه مِن غير ضرورةٍ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى مِن الحلال إلى الحرام؛ أي: يتركُ حلالًا يَجدُهُ، ويختارُ هذا (٦).

стр. 1172

وقال الزَّجَّاج: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غير مجاوزٍ قدرَ حاجتِه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ مُقَصِّرٍ عمَّا يُقيمُ به حياتَه (١)، لا يمتنعُ عن أكلِه فيموت، فيكون قد ظلمَ نفسَه. وعن مسروق قال: من اضْطُرَّ إلى أكل (٢) ميتةٍ، فلم يأكل منها فماتَ، دخلَ النَّار (٣). وعن بعضِهم: أنَّه لا يُجاوزُ ثلاثَ لُقَمٍ. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غير آكلٍ فوق الشِّبَع، فيكونُ قد بالغَ في الإفساد، ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: غيرَ متعدٍّ حدَّ الضَّرورةِ، وهو بلوغُ الشِّبَعِ. وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ خارج على إمامه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ على النَّاس بقطع الطَّريق، وهو مذهبُ الشافعيِّ ﵀، فإنَّ الباغي عندَه لا يترخَّصُ برخصِ المسافرين (٤). وقلنا: هو ببغيهِ لم يخرجْ عن الإيمان، فلا يستحقُّ الحرمان عن رُخَصِ أهلِ الإيمان، ولأنَّ الباغي المقيمَ يَمسحُ على خفَّيهِ يومًا وليلةً، كالعادلِ المقيم، فكذا المسافرُ الباغي، يَمسحُ ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليها (٥)، كالمسافر العادل. وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لم (٦) يأثمْ بتناولِ هذه الأشياء عند الضَّرورة.

стр. 1173

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: غفورٌ لمن تابَ مِن تحريمِ ما أحلَّ اللَّهُ تعالى واستحلال ما حرَّم اللَّه، رحيمٌ بِشَرْعِ (١) التَّوبة. وقيل: ﴿غَفُورٌ﴾ للذُّنوب الكبار، فكيف يُؤاخِذُ بتناولِ الميتةِ عند الاضطرار، ﴿رَحِيمٌ﴾ هو بعبادِه فيما يَتعبَّدُهم به. وقيل: ﴿غَفُورٌ﴾ بالعفوِ عمَّن أكلَ مِن غير ضرورةٍ، ﴿رَحِيمٌ﴾ برفعِ الإثم عند الضَّرورة. * * * (١٧٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وانتظامُه بما قبلَهُ أنَّ المشركين -لعنَهم اللَّه- لمَّا وُبِّخوا بتحريمِ ما حرَّموا، واستحلالِ ما استحلُّوا (٢)، رَجعوا إلى أحبار اليهود، فسألوهم عن محمَّدٍ وعمَّا يقوله (٣)، فقالوا: إنَّه ليس بنبيِّ آخرِ الزَّمان، وليس حكمُ اللَّه ما يقولُه، وكَتَموا صدقَ محمَّدٍ في دعوى الرِّسالة، وفيما أتى به من الأحكامِ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم هذه الآيةَ، وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى قبل هذا كتمانَهُم ذلك (٤)، ولكن لم يُبيِّن هناك غرضَهم في الكتمان، وبيَّن ها هنا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وقد فسَّرناهُ في

стр. 1174

مواضع وأوضحناه؛ أي: يُؤثِرون عليه عوضًا قليلًا، وهو ما ينالونه (١) من المأكلةِ من القادة والسَّفِلة. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾؛ أي: لا يُلقونَ في بطونِهم إلَّا الحرامَ الذي يورِّثُهم أكلَ (٢) النَّار في الآخرة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وهو كقوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وهو من قولهم: سحتَه وأسحتَهُ؛ أي: استأصلَه، سمَّى المأكول الحرام سحتًا؛ لأنَّه يستأصلُه في العاقبة، فكذا سمَّاه نارًا؛ لأنَّه يُورثُه ذلك في العاقبة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: كلامَ إكرامٍ. وقيل: أي: لا يُبَشِّرُهم. وقيل: أي: لا يُحيِّيهم (٣). وقيل: أي (٤): لا يخاطبُهم بما يحبُّون. وقيل: هو مجازٌ عن غضب اللَّه تعالى عليهم، وهو كلام معهودٌ، يقال: فلانٌ لا يُكلِّمُ فلانًا، فأمَّا الكلامُ الذي هو لعنٌ وإهانةٌ، فقد ثبتَ ذلك في قوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي: لا يُطَهِّرُهم وإن آمنوا حينئذٍ؛ لأنَّه غيرُ مقبولٍ.

стр. 1175

وقيل: لا يُثني عليهم، ولا يُعدِّلُهم، وهو كتزكية الشُّهود؛ فإنَّهم ليسوا بأزكياء. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلمٌ وهو (١) موجعٌ. * * * (١٧٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: آثروا اليهوديَّة على الإيمان، والعقوبةَ على الغفران، وقد كشفنا عن حقيقتِه في مواضع. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال الكسائيُّ وأبو عبيدة؛ أي: أيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار؟ (٢) وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: ماذا حملَهم على الأعمال التي تُدخِلهم النَّار. وقيل: هو على التَّعجُّب. وقال مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير وقتادة وإبراهيمُ النَّخعيُّ: أي: ما أجرأهم على النار (٣). وكذا قال الحسن: ما لهم عليها صبرٌ، ولكن معناه: ما أجرأَهم على النَّار (٤).

стр. 1176

وقيل: معناه: فما أعملَهم بأعمالِ أهل النَّار، وهو قولُ عطاء (١). وقيل: معناه: فما أدومَهُم في النَّار، وقد يقال لمن طال حبسُه: ما أصبرَك على الحبس! لا على حقيقةِ الصَّبر، ولكن على وجوده فيه. * * * (١٧٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ذلك العقابُ لهم بسبب أنَّ اللَّه نَزَّلَ التَّوراةَ بالحقِّ؛ أي: لا عبثًا، وأمر ببيان ما فيه، فكتَمُوه وحرَّفوه. وقيل: أي: ﴿ذَلِكَ﴾ الاجتراءُ منهم على العمل الذي يُورِدُهم النَّار ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: هو تحقيقُ ما أنزلَ اللَّه في القرآن فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وهم باقون في النَّار. وقيل: ذلك العقابُ لهم؛ لإنكارهم الكتابَ الذي نزلَ بالحقِّ -وهو القرآن- وكفرِهم به. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ قيل: أي: أهلَ الكتاب الذين اختلفوا في التوراة؛ أي: في تأويلها، هم فيما بينهم في خلافٍ شديدٍ، بعيدٍ عن الاتِّفاق، قد تفرَّقت بهم الآراءُ فيها، مع اتِّفاقهم على التَّديُّن بها، فلا يهولنَّكم كتمانُهم أمرَ محمَّدٍ ﷺ مع ذكرهِ فيها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤].

стр. 1177

وقيل: أي (١): وإنَّ الذين خالفوا التَّوراةَ، وكَتَموا ما فيه من ذكرِ محمَّدٍ ﵊، لفي خلافٍ للتَّوراة، ومعاداة له؛ أي: شاقُّوا اللَّهَ، وعادوه في الحقيقةِ. وقيل: أي: وإنَّ أهلَ الكتاب الذين خالفوا القرآنَ فلم يؤمنوا به. وقوله تعالى: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: خلافٍ بعيدٍ؛ أي: عن الوفاق. وقيل: ﴿بَعِيدٍ﴾؛ أي: لا يُرجى العودُ (٢) عنه. ثم قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ قيل: هو ابتداءُ كلامٍ، ومعناه ما بينَّا (٣). وقيل: هو بناء على قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وبأن الذين اختلفوا، لكن كُسر "إنَّ" لِمَا دخلَ في جوابه من اللَّام، ولولاها لفُتِحت، وكان ذلك بيانًا أنَّ عقابَهم في النَّار؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى نزَّل الكتابَ بالحقِّ، فكتموهُ، ولأنَّهم خالفوهُ وشاقُّوهُ (٤). * * * (١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

стр. 1178

وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ النَّصبُ على أنَّه خبرُ ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، وتقديره: توليةُ وجوهِكم، وهو رفعٌ؛ لأنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية حفص. والرَّفعُ على أنَّه اسمُ ﴿لَيْسَ﴾، و ﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ نصب لأنَّه خبر ﴿لَيْسَ﴾، وهو قراءة الباقين (١). ولمَّا نزلَ قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وأُضمِرَ فيه: فكفروا به؛ قالوا: إنَّا لا نكفرُ، بل نُصلِّي للَّه ونؤمنُ به، فنزل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾ كفعل النصارى، أو قِبَلَ المغربِ، كفعل اليهود، فذاك منسوخٌ، فهو إثمٌ لا برٌّ. وإنْ حمل (٢) على استقبال بيت المقدس حين كان الأمرُ به، وعلى استقبالِ الكعبة بعد النَّسخ، فمعناه: ليس كلُّ البرِّ هذا؛ أي: لا يقعُ التَّقرُّبُ إلى اللَّه باستقبالِ الكعبة (٣) بالصَّلاة وحدَها، بل بأمورٍ أُخَرَ معها، قد أمرَ اللَّهُ تعالى عبادَه بها؛ لأنَّ أمرَ القِبلة مِن فروع الدِّين (٤) التي يجوزُ نسخُها، وهذه الأمورُ الأُخر المذكورةُ في الآيةِ من أصول الدِّين التي لا تُنسخ؛ لأنَّها إيمانٌ باللَّه، وبأنبيائه، وكتبه (٥)، ونحو ذلك، فمَن جحدَها، أو جحدَ شيئًا منها، فليس من الأبرار. والبِرُّ: اسمٌ جامعٌ للطَّاعات وأعمالِ الخير، ومنه: بِرُّ الوالدَين، وبِرُّ اليمين، وبِرُّ الكلام، وبِرُّ الأيتام، وهو ضدُّ الفجورِ أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ

стр. 1179

لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فالبرُّ فعلُ كلِّ خيرٍ، والتَّقوى تركُ كلِّ شرٍّ. وقوله تعالى: ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (١) أي: مقابله. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: ولكنَّ البرَّ برُّ مَن آمنَ باللَّه، وهو كما في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]؛ أي: كإيمانِ مَن آمنَ باللَّه. وقيل: الإضمارُ في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾؛ أي: ولكنَّ صاحبَ البِرِّ مَن آمن باللَّه (٢). وقيل: ﴿الْبِرَّ﴾ في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بمعنى البارِّ، وهو مصدرٌ، ويجوزُ ذكرُ المصدرِ على إرادة الفاعل، كما قيل في العدل (٣)، والضَّيف، والخصم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدَّقَ وأقرَّ بوحدانيَّتِه وبجميع صفاتِه. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: أقرَّ بالبعث بعد الموت، وبالدَّارِ الآخرة، وبما فيها. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: وآمنَ بأنَّ للَّه تعالى ملائكةً هم عبادُه ومخلوقوه، ليسوا بذكورٍ ولا إناث، ولا بشركاءَ (٤) ولا أولادٍ للَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ﴾؛ أي: وآمنَ (٥) بكتب اللَّه التي أنْزَلَها على أنبيائه، والألف واللام لتعريفِ الجنس، فاقتضى الجمع.

стр. 1180

وقوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: ومن آمن (١) بأنبياءِ اللَّه تعالى ورسلِه أنَّهم مبعوثون إلى خلقِه، والقائمون بحقِّه، والصَّادقون عنه؛ في أمرِه ونهيه، ووعدِه ووعيده، وأخباره، وهذه أصولُ الدِّين وقواعدُ العقائد. وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾؛ أي: أعطى مالَهُ مع حبِّ المال (٢). وقيل: مع حبِّ الإيتاء. وقيل: أي: مع حب اللَّه، وهذا من حقوق البشر. وهذه الأقاويلُ الثَّلاثةُ صحيحةٌ: أمَّا صرفُ الكنايةِ إلى المال، فقد سبق ذِكرُه، وقد رويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أفضلُ الصَّدقة أن تؤتيَ المالَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ؛ تأمُلُ الغنى (٣)، وتخشى الفقرَ" (٤). وأمَّا صرفُها إلى اللَّه تعالى، فلأنَّه ذُكِر في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، وإيتاءُ المال على حبِّ اللَّه هو طلبُ رضاه وابتغاءُ وجهه. وأمَّا صرفُها إلى الإيتاء، فلأنَّ الفعل ذكر، وهو قولُه: ﴿وَآتَى﴾ (٥)، وهو يقتضي المصدرَ، فيجوزُ صرفُ الكنايةِ إليه، وهو كما في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ (٦)

стр. 1181

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: البخل. وقوله تعالى: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: وآتى المالَ (١) أقرباءَه، ووصلَ بذلك الرَّحِم. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾؛ أي: وآتى اليتامى. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾؛ أي: وآتى (٢) المساكين. وقد فسَّرنا هذه الثَّلاثة في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ أي: وآتى عابرَ السَّبيل (٣)؛ أي (٤): الغريبَ البعيدَ عن مالِه، فسمَّاه: ابنَ السَّبيل (٥) للزومِهِ إيَّاه، كما يقال لطير الماء: ابنُ الماء، ووحَّد هذا؛ لأنَّه عرفه (٦) بالألف واللام، فصلحَ للجمع، كاسم الجنس. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾؛ أي: وآتى المحتاجين الذين يسألون. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وآتى المكاتَبين. ثمَّ ذكرَ الشَّرائعَ، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ هو عطفٌ على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، ومرَّ الكلامُ في هذين الفعلين في آياتٍ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عطف على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ و ﴿مَنْ﴾ لفظهُ واحدٌ، ومعناه الجمع؛ لأنَّه جنسٌ، وكذا قوله: ﴿آمَنَ﴾

стр. 1182

و ﴿وَآتَى﴾ هو للجمع، وتقديرُه: ولكنَّ أهلَ البرِّ المؤمنون باللَّه وبكذا، والمؤتون المال، والموفون بعهدِهم. وتفسيرُ العهد قد مرَّ مرَّات. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: في الفقرِ والمرض، وهذا التفسيرُ عن ابنِ مسعودٍ ﵁ (١). والبأساءُ في أصل اللُّغة: نقيضُ النَّعماء، والبُؤسى: نقيض النُّعمى، والبؤسُ نقيض النُّعْمِ (٢)، وبِئسَ نقيض نِعم (٣)، والبائسُ نقيض النَّاعم، فكانت عبارةً عن عدمِ النِّعمةِ، فدلَّت على الفقرِ والفاقةِ. والضَّرَّاء: فَعلاءُ من الضَّرر (٤)؛ فدلَّت على أنَّها عامَّةٌ في أسباب الضرر كلها. ويُقال: أنا شريكُك في السَّرَّاء والضَّرَّاء؛ أي: فيما يَسرُّ، وفيما يضرُّ، وتقديره: في المَحابِّ والمكارهِ كلِّها. وقوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾؛ أي: في حالة (٥) القتال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقال تعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]؛ أي: الذين يَبذُلون أنفسَهم في نُصرة الدِّين، فلا يولون الأدبارَ منهزمين. ونزلَت الآية في حرب الأحزاب، وكانوا في غاية القحطِ والشِّدَّة والبرد

стр. 1183

والجوع، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآيات [الأحزاب: ١٠]. ثمَّ نصبُ "الصابرين" بطريقين: أحدهما: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾؛ أي: وأعطى المالَ الفقراءَ السَّائلين، والصَّابرين الممتنعين عن السُّؤال، وعلى هذا يكونُ قولُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾؛ أي: الشِّدَّةِ والضِّيقِ دونَ الحرب؛ أي: وآتى المالَ الذين يَصبرون على الفقرِ والقِلَّةِ والشِّدَّة. والثاني: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾، ومن آتى، والموفون، وحقُّه الرَّفعُ، وإنَّما نُصِبَ على المدح (١)، وللعرب عند طولِ الكلام ذلك في المدح والذمِّ، قال قائلُهم: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ... سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ النَّازِلينَ بكلِّ مُعْتَركٍ... والطَّيبين معاقدَ الأُزُرِ (٢) وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: هم الموفون حقَّ الصِّدقِ قولًا وفعلًا وعَقدًا، وحقَّ التقوى حظرًا وكراهةً وندبًا، والصِّدقُ فيما يُفعَل والتَّقوى فيما يُترَك. * * *

стр. 1184

(١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ في الآية الأولى بيانُ حقِّ اللَّه تعالى وحقِّ العباد، ومِن أعظم حقوقِ العباد الدِّماءُ، ودلَّت الآيةُ على أنَّ الكبيرةَ لا تُزيلُ الإيمانَ، فقد خاطبَهم بالإيمان عند إيجابِ القصاصِ عليهم بقتل العمد الذي هو مِن الكبائرِ الذي (١) وردَ فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديد. ونظمٌ آخرُ: أنَّ أهلَ الكتابِ وُصِفوا بالتَّحريف وكتمانِ أمرِ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّهم لا يُوصَفون بالبرِّ بالخوض في أمر القبلةِ، مع تبديلِهم أحكامَ كتابِهم، ومنها ما قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (٢) إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وهو ما نُبيِّن (٣) في حكمهم بالتَّفاوتِ بين النضيريِّ والقُرَظيّ (٤). وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؛ أي: فُرِضَ، كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا مؤقتًا (٥). وقيل: أي: حكم، كما في قوله ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٦).

стр. 1185

والفرضيَّةُ على القاتل حقٌّ لوليِّ المقتول، ثمَّ له الخيارُ في الاستيفاءِ والعفوِ والصُّلح بالتَّراضي. وقيل: الفرضيَّةُ في الاقتصارِ على القاتل في القِصاص، دون التَّعدِّي إلى ما كانوا يرونَهُ مِن قتلِ عددٍ كثيرٍ بفردٍ، وقتل أحرارٍ بعبد. وقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ أي: يُقتَصُّ؛ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول، فلا يُتعدَّى إلى غير القاتل. والقصاصُ: هو إتباعُ الفعلِ فعلًا مثلَه، من قولك: قَصصتُ أثرَه؛ أي: اتَّبعتُه، قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، وقال (١): ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، و: قد قَصصتُ الحديثَ قصصًا؛ أي: أتبَعْتُ بعضَهُ بعضًا. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أي: العبدُ القاتلُ بالعبدِ المقتول، والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة، وليس فيه نفيُ جريان القِصاص بين الحرِّ والعبدِ والذَّكرِ والأُنثى، بل فيه منعٌ عن التَّعدِّي إلى غيرِ القاتل. وسبب (٢) نزوله أنَّ بني النضير كانوا يقولون لبني قُريظة: إذا قتلتُم منَّا عبدًا، قتلنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً، قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا، قتلنا منكم حُرَّين، وكانوا على ذلك قبل خروج (٣) النبيِّ ﷺ ، ولمَّا كان يومُ بدرٍ، وقُتِلَ صناديدُ قريشٍ، وقصدَ النَّبيُّ ﷺ بني النَّضير و (٤) بني قريظة؛ طلبوا الذِّمَّةَ، ورضُوا بحكم الإسلام فيهم في القصاصِ والدِّيَةِ وغيرِ ذلك مدَّةً، ثمَّ قُتِلَ واحدٌ مِن بني النَّضير، فقالوا لبني قريظة:

стр. 1186

لا نَرضى إلَّا بقتلِ رجلين منكم، فقالوا: نَتحاكَمُ إلى محمَّدٍ، فجاؤوا النبيَّ ﷺ ، فقال: "دمُ النَّضيريِّ وفاءٌ للقُرَظِيِّ، ودمُ القرظيِّ وفاءٌ للنَّضيريِّ، ولا فضلَ (١) بينهما"، فقال بنو النَّضير: لا نَرضى بهذا، فنزل قولُه تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠]، ونزل قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية (٢). وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ تقديرُ الآية وتقريرُها على قول ابنِ عبَّاسٍ والحسنِ البصريِّ والضَّحَّاك ومجاهد ﵃: فمَن أُعطي (٣) على سهولةٍ، وأريدَ به وليُّ القتيلِ، يقال: خُذ ما أتاكَ عفوًا؛ أي: سهلًا (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: من جهةِ أخيه المقتول، وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ أي: شيءٌ مِن المال بطريق الصُّلح، ونَكَّرَهُ لأنَّه مجهولُ القَدْرِ، فإنَّه يَتقدَّرُ بما تَراضيا عليه. وقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فله اتِّباع؛ أي: فلوليِّ القتيل اتِّباعُ المُصالح بمعروف؛ أي: مطالبةٌ ببدلِ الصُّلح على مجاملةٍ وحسن معاملة (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وعلى المُصالح أداءٌ إلى وليِّ القتيل بإحسانٍ في الأداء. وقال جماعةٌ -وهو مرويٌّ عن عمرَ وابن مسعودٍ وابن عباس ﵃:

стр. 1187

الآيةُ في عفو بعضِ الأولياء (١)، ويدلُّ عليه قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ فإنَّه يُرادُ به البعض، وتقديرُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ عنه، وهو القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ في الدِّين، وهو المقتول، ﴿شَيْءٌ﴾ مِن القصاص، بأن كان للقتيل أولياءُ، فعفا بعضُهم، فقد صار نصيبُ الباقين مالًا، وهو الدِّية على حِصصهم مِن الميراث. وقوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليتَّبع الذين لم يُعفوا القاتلَ بطلب حصصِهم بالمعروف؛ أي: بقدرِ حقوقِهم مِن غير زيادة. وقوله تعالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: وليؤدِّ القاتلُ إلى غير العافي حقَّه وافيًا غير ناقص. وأريد بالمصدر في قوله: ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ (٢)، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣): الأمرُ بهذا الفعل، كما في قولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ أي: فليحرِّر رقبةً (٤)، وقولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فالمنقولُ عن الصَّحابة والتَّابعين وعامَّةِ المفسِّرين ﵃ أجمعين- هذان الوجهان.

стр. 1188

والشَّافعيُّ ﵀ يَحمِلُهُ على العفو المطلق مِن وليِّ القتيل، ويجعلهُ موجِبًا للدِّيَة، ويقول: الواجب في القتل العمدِ أحدُ شيئين؛ إمَّا القصاصُ وإمَّا الدِّيةُ، ويتخيَّر فيهما (١) الوليُّ (٢). وله قولٌ آخر أنَّ الواجبَ هو القصاصُ عينًا، وللوليِّ أن يعدل عنه إلى الدِّيةِ، ويَحمِلُ هذه الآية على موافقةِ مذهبه، ويقول: معناه: فمن عُفِيَ له، هو القاتل، عُفيَ عنه القصاصُ، فللعافي اتَّباعُ القاتلِ بالدِّية، وعلى القاتلِ أداءُ الدِّيةِ إليه بإحسان. وهذا لا وجهَ له؛ لأنَّه قد استوفى كلَّ حقِّه، فكيف يكون عافيًا؟ ولو كان عافيًا (٣) إذا ترك القصاص وأخذَ الدِّيةَ؟! كان كذلك إذا استوفى القصاصَ وتركَ الدِّية، وهذا بعيد. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: شَرعُ العفوِ، وشَرعُ الصُّلح على مالٍ: تخفيفٌ مِن اللَّه ورحمةٌ (٤)؛ فإنَّه على مرادِ العبد ورضاه. وقال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفوُ لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ (٥)، والعفوُ حسنٌ، والصُّلح جائزٌ، على حسب ما يراه العبدُ أنفعَ له، وأشفى لقلبه (٦)، وأوفقَ لمراده.

стр. 1189

وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: قتلَ قاتلَ وليِّه بعد العفوِ أو الصلح، وتعدَّى بذلك (١) حدَّ الشرع. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هو القصاصُ في الدُّنيا، والعقابُ في العُقْبى. * * * (١٧٩) - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: في شرعِه واستيفائه، فإنَّ مَن قصدَ قتلَ إنسانٍ، وعلم أنَّه يُقتَلُ به قصاصًا، امتنعَ عن قتلِه، فيبقى (٢) المقصودُ بقتله حيًّا، وكذا مَن قتل إنسانًا، وعلِمَ أنَّ أولياءَه يقتلونه تَشفِّيًا، فيقتلُهم لئلَّا يقتلوه، فإذا قُتِلَ قصاصًا بقوا أحياءً، وهي حياةٌ معنويَّة. وقوله تعالى: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقلاء، وهم المدركون وجوهَ الحكمة بالتَّفكُّر، فحضَّهم بذلك على التدبُّر (٣). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ له وجهان: أحدهما: لتتَّقوا القصاصَ، فتكفُّوا عن القتل. والثاني: لتتَّقوا القتلَ حذرًا مِن القصاص. وروى أسباطُ عن السُّدِّيِّ قال في قوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، قال: نهانا أن نقتلَ إلَّا القاتلَ بجنايته (٤)، معناه أنَّ أهلَ الجاهلية كانوا يَقتلون

стр. 1190

بالواحد جماعةً، فإذا اقتصرَ بالقَوَد على الواحد، وهو القاتلُ؛ قلَّ القتلُ، وبقيَ مَن لم يُقتَل حيًّا. * * * (١٨٠) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ واتِّصالُ هذا بما قبلَه أنَّ الأوَّلَ حكمُ موتٍ مخصوص، وهذا حكمُ كلِّ موت. وقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: قارب، كما يقال: قد بَلَغْنا البلدَ؛ أي: قاربناه. وقيل: معناه: إذا حضرَ أحدَكم الموتُ؛ سبب الموت، وهو الأمرُ الذي يكون معه الموتُ في الغالبِ، من المرضِ المخوفِ ونحوه. وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: علمَ أنَّه يتركُ؛ فإنَّ حقيقةَ التَّركِ تكونُ بعد الموت، أو لأنَّه إذا مرِضَ مرضَ الموت، تعلَّقَ حقُّ الوَرَثة بماله، فكأنَّه (١) تركَهُ لهم، وقولُه: ﴿خَيْرًا﴾ أي: مالًا، قال تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]؛ أي: المال. ثم قيل: إنَّه يقعُ على القليل والكثير منه، وهذا الحكمُ ثابتٌ في أي مالٍ كان، قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. وقال الزُّهريُ: جعلَ اللَّه تعالى الوصيَّةَ حقًّا ممَّا قلَّ مِنه (٢) أو كثُر (٣).

стр. 1191

وقيل: معناه: إن تركَ مالًا كثيرًا، فإنَّه إذا أُطلِقَ أُريدَ به هذا، يقال: فلانٌ ذو مال، لا يُطلَق ذلك لمن له مالٌ قليل، وكذا يقال (١): فلانٌ في نعمة، وفي خيرٍ، وفي رزقٍ، ولا يُطلق ذلك إلَّا عند الكثرة، وعلى هذا لا تجبُ الوصيَّةُ إلَّا في المال الكثير. ورويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه دَخلَ على مولًى لهم في الموت، وله سبعُ مئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ فقال: لا، إنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وليس ذلك (٢) كثيرَ مال (٣). وعن عائشةَ ﵂: أنَّ رجلًا قال لها: إنِّي أريدُ أن أوصي، قالت (٤): كم مالك؟ قال: ثلاثةُ آلاف، قالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وإنَّ (٥) هذا الشيءَ يسيرٌ، فاتركه لعيالِك فهو أفضل (٦). وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كُتِبَ عليكم الوصيَّةُ للوالدين والأقربين. قيل: الأقربون: هم الأولادُ، وكانت الوصية للوالدين والمولودين قبلَ شرع المواريث، ثمَّ نُسِخَت هذه الوصيَّةُ بآية المواريث، وقال النبيُّ ﷺ : "لا وصيةَ لوارث" (٧).

стр. 1192

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الأقربون أولى بالمعروف (١) غيرُ الأولاد، فكانت المواريثُ أوَّلًا للأولاد، والوصيَّةُ للوالدينِ ولسائر الأقارب سوى الأولاد (٢). وقيل: هذه الآيةُ غيرُ منسوخةٍ، وهذه الوصيَّة للوالدين والأقربين الذين لا يَرثون بسببِ الكُفر، وهم أهلُ ذِمَّة فيوصي لهم، وللأقرباء المسلمين المحجوبين بأقربَ منهم. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما هو جميل في عُرفكم، كافٍ في اجتهادِكم. وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كتبَ ذلك عليكم حقًا، أو يحقُّ ذلك عليكم حقًّا إن كنتم تتَّقون اللَّه؛ أي: مَن كان متَّقيًا للَّه، لم يترك العملَ بهذا. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ أي: بدَّلَ قولَ الموصي، أو الإيصاءَ، أو الوصيَّةَ، لكنَّها مع أنَّها مؤنَّثةٌ، فليست بمؤنثةٍ حقيقةً (٣)، فيجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: فمَن غيَّر ما أوصى به الموصي، فلم يَصرِفْهُ مصارفَه، فلا إثمَ على الموصي؛ لأنَّه أدَّى ما وجبَ عليه، وإنَّما يَأثمُ المُغيِّرُ.

стр. 1193

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سمعَ كلامَ الموصي، وعلِمَ تبديلَ الوصِيِّ، وهو يُجازي كلَّ واحدٍ منهما بما يَستحقُّه. * * * (١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فمَن عَلِمَ، كما في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لأنَّه إذا عَلِمَ بذلك خافَهُ. وقولُه ﴿جَنَفًا﴾؛ أي: ميلًا، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فعلًا يأثمُ به، فقيل: الجنَفُ: الميلُ مِن غير قصد، والإثمُ ما يقعُ منه على عمدٍ؛ لأنَّه إنَّما يأثمُ بالقصد، فعُلِمَ به أنَّه أرادَ بالجنف ما وقعَ به الميلُ عن الحقِّ مِن غير قصدٍ. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ردَّ ذلك الفسادَ إلى الصَّلاح؛ أي: إذا جهلَ الموصي موضعَ الوصيَّةِ، أو زادَ على (١) مقدار الوصيَّةِ، أو أوصى بما لا يَجوزُ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ الوارثُ، أو الوصيُّ، أو الإمامُ، أو القاضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الميت والوَرثةِ والموصَى له، فصرفَ المالَ إلى الموضعِ المشروع، ونفَّذ في القدر المشروع، فلا إثمَ عليه في هذا التَّبديل من حيث الصُّورةُ، وهذا إذا تيقَّن بالفساد (٢)، فإن كان أمرًا (٣) مظنونًا بغالبِ الرَّأي، فمعنى قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 1194

[البقرة: ١٨٢]؛ أي: أجرى بين الوَرثةِ وأصحاب الوصايا صُلْحًا بتراضيهم. وقيل: هذا في حال حياةِ الموصي؛ يعني: فمن حضرَ وصيَّتَهُ، فرآهُ يخالِفُ الشَّرعَ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ أي: نهاهُ عن ذلك، وحملَهُ على الصلاح، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا الموصِي بما قالَ أوَّلًا، ثمَّ تركَهُ وعادَ إلى الأمر المشروع. وكلُّ ذلك صحيح، ويجوزُ أن يكون ذلك كلُّه مرادًا بالآية في مختلَفِ الأحوال (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: غفورٌ للموصي إذا رجعَ إلى (٢) الحقِّ، رحيمٌ بالوَصيِّ إذا أصلحَ الأمرَ. * * * (١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ اتِّصالُه بما قبله من وجوه: أحدها: أنَّه ذكرَ كتابةَ القِصاص، ثمَّ كتابةَ الوصيَّةِ، ثمَّ كتابةَ الصِّيام، والجامعُ بينهما الكتابة. والثاني: أنَّ الجامعَ بينهما التَّقوى، قال في ذكر أصول الدِّين وفروعِه في آخر الآية: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال في القِصاص بعده: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال في الوصيَّة: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال في الصوم: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والثالث: أنَّ الوصيَّةَ قربةٌ بالمال، والصِّيامَ عبادةٌ بالبدن.

стр. 1195

والرابع: أنَّ الوصيَّةَ حقُّ الخلقِ، والصَّومَ حقُّ الحقِّ. وقولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: فُرِضَ عليكم، والصِّيامُ والصَّومُ في اللُّغة: هو الإمساك، يُقال: صامَت الدَّابَّةُ على آريِّها (١)، إذا قامَت فلم تعتلِف، ومصامُ الفرسِ: موقفه، وقالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتًا، وصام النهارُ: إذا قام قائمُ الظَّهيرة، وذلك إذا صارتِ (٢) الشَّمسُ في كبد السماء، فكأنَّها تقفُ، وصامَت الرِّيحُ إذا رَكَدَت، فلم تهب، قال الشاعر: فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بجَسْرَةٍ... ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا (٣) وفي الشَّرع: هو الكفُّ عن المفطرات بشرطِه من أهله في وقته، والمرادُ مِن الصِّيام هاهنا هو صيامُ شهرِ رمضان، فإنَّه قال بعده: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ بعد قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: لم أخُصَّكُم به، فقد فرضتُه على الأوَّلين، وفيه تخفيفٌ (٤) على الآخرين. وتكلَّموا في وجه هذا التشبيه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قيل:
следующие страницы →