← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقيل: معناه: إن تركَ مالًا كثيرًا، فإنَّه إذا أُطلِقَ أُريدَ به هذا، يقال: فلانٌ ذو مال، لا يُطلَق ذلك لمن له مالٌ قليل، وكذا يقال (١): فلانٌ في نعمة، وفي خيرٍ، وفي رزقٍ، ولا يُطلق ذلك إلَّا عند الكثرة، وعلى هذا لا تجبُ الوصيَّةُ إلَّا في المال الكثير. ورويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه دَخلَ على مولًى لهم في الموت، وله سبعُ مئة درهم، فقال: ألا أوصي؟ فقال: لا، إنَّما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وليس ذلك (٢) كثيرَ مال (٣). وعن عائشةَ ﵂: أنَّ رجلًا قال لها: إنِّي أريدُ أن أوصي، قالت (٤): كم مالك؟ قال: ثلاثةُ آلاف، قالت: كم عيالك؟ فقال: أربعة، فقالت: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وإنَّ (٥) هذا الشيءَ يسيرٌ، فاتركه لعيالِك فهو أفضل (٦). وقوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كُتِبَ عليكم الوصيَّةُ للوالدين والأقربين. قيل: الأقربون: هم الأولادُ، وكانت الوصية للوالدين والمولودين قبلَ شرع المواريث، ثمَّ نُسِخَت هذه الوصيَّةُ بآية المواريث، وقال النبيُّ ﷺ : "لا وصيةَ لوارث" (٧).

стр. 1192

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: الأقربون أولى بالمعروف (١) غيرُ الأولاد، فكانت المواريثُ أوَّلًا للأولاد، والوصيَّةُ للوالدينِ ولسائر الأقارب سوى الأولاد (٢). وقيل: هذه الآيةُ غيرُ منسوخةٍ، وهذه الوصيَّة للوالدين والأقربين الذين لا يَرثون بسببِ الكُفر، وهم أهلُ ذِمَّة فيوصي لهم، وللأقرباء المسلمين المحجوبين بأقربَ منهم. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما هو جميل في عُرفكم، كافٍ في اجتهادِكم. وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: كتبَ ذلك عليكم حقًا، أو يحقُّ ذلك عليكم حقًّا إن كنتم تتَّقون اللَّه؛ أي: مَن كان متَّقيًا للَّه، لم يترك العملَ بهذا. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ أي: بدَّلَ قولَ الموصي، أو الإيصاءَ، أو الوصيَّةَ، لكنَّها مع أنَّها مؤنَّثةٌ، فليست بمؤنثةٍ حقيقةً (٣)، فيجوزُ تذكيرُها وتأنيثُها، قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٤) [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي: فمَن غيَّر ما أوصى به الموصي، فلم يَصرِفْهُ مصارفَه، فلا إثمَ على الموصي؛ لأنَّه أدَّى ما وجبَ عليه، وإنَّما يَأثمُ المُغيِّرُ.

стр. 1193

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سمعَ كلامَ الموصي، وعلِمَ تبديلَ الوصِيِّ، وهو يُجازي كلَّ واحدٍ منهما بما يَستحقُّه. * * * (١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فمَن عَلِمَ، كما في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ لأنَّه إذا عَلِمَ بذلك خافَهُ. وقولُه ﴿جَنَفًا﴾؛ أي: ميلًا، قال تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: فعلًا يأثمُ به، فقيل: الجنَفُ: الميلُ مِن غير قصد، والإثمُ ما يقعُ منه على عمدٍ؛ لأنَّه إنَّما يأثمُ بالقصد، فعُلِمَ به أنَّه أرادَ بالجنف ما وقعَ به الميلُ عن الحقِّ مِن غير قصدٍ. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ردَّ ذلك الفسادَ إلى الصَّلاح؛ أي: إذا جهلَ الموصي موضعَ الوصيَّةِ، أو زادَ على (١) مقدار الوصيَّةِ، أو أوصى بما لا يَجوزُ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ الوارثُ، أو الوصيُّ، أو الإمامُ، أو القاضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الميت والوَرثةِ والموصَى له، فصرفَ المالَ إلى الموضعِ المشروع، ونفَّذ في القدر المشروع، فلا إثمَ عليه في هذا التَّبديل من حيث الصُّورةُ، وهذا إذا تيقَّن بالفساد (٢)، فإن كان أمرًا (٣) مظنونًا بغالبِ الرَّأي، فمعنى قوله: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾

стр. 1194

[البقرة: ١٨٢]؛ أي: أجرى بين الوَرثةِ وأصحاب الوصايا صُلْحًا بتراضيهم. وقيل: هذا في حال حياةِ الموصي؛ يعني: فمن حضرَ وصيَّتَهُ، فرآهُ يخالِفُ الشَّرعَ، ﴿فَأَصْلَحَ﴾ أي: نهاهُ عن ذلك، وحملَهُ على الصلاح، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: على هذا الموصِي بما قالَ أوَّلًا، ثمَّ تركَهُ وعادَ إلى الأمر المشروع. وكلُّ ذلك صحيح، ويجوزُ أن يكون ذلك كلُّه مرادًا بالآية في مختلَفِ الأحوال (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: غفورٌ للموصي إذا رجعَ إلى (٢) الحقِّ، رحيمٌ بالوَصيِّ إذا أصلحَ الأمرَ. * * * (١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ اتِّصالُه بما قبله من وجوه: أحدها: أنَّه ذكرَ كتابةَ القِصاص، ثمَّ كتابةَ الوصيَّةِ، ثمَّ كتابةَ الصِّيام، والجامعُ بينهما الكتابة. والثاني: أنَّ الجامعَ بينهما التَّقوى، قال في ذكر أصول الدِّين وفروعِه في آخر الآية: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال في القِصاص بعده: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقال في الوصيَّة: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال في الصوم: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. والثالث: أنَّ الوصيَّةَ قربةٌ بالمال، والصِّيامَ عبادةٌ بالبدن.

стр. 1195

والرابع: أنَّ الوصيَّةَ حقُّ الخلقِ، والصَّومَ حقُّ الحقِّ. وقولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: فُرِضَ عليكم، والصِّيامُ والصَّومُ في اللُّغة: هو الإمساك، يُقال: صامَت الدَّابَّةُ على آريِّها (١)، إذا قامَت فلم تعتلِف، ومصامُ الفرسِ: موقفه، وقالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتًا، وصام النهارُ: إذا قام قائمُ الظَّهيرة، وذلك إذا صارتِ (٢) الشَّمسُ في كبد السماء، فكأنَّها تقفُ، وصامَت الرِّيحُ إذا رَكَدَت، فلم تهب، قال الشاعر: فدعها وسلِّ الهمَّ عنك بجَسْرَةٍ... ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا (٣) وفي الشَّرع: هو الكفُّ عن المفطرات بشرطِه من أهله في وقته، والمرادُ مِن الصِّيام هاهنا هو صيامُ شهرِ رمضان، فإنَّه قال بعده: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ بعد قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: لم أخُصَّكُم به، فقد فرضتُه على الأوَّلين، وفيه تخفيفٌ (٤) على الآخرين. وتكلَّموا في وجه هذا التشبيه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ قيل:

стр. 1196

إنَّه تشبيهٌ في أصل الوجوب، لا في قدر الواجب، فكان (١) الصَّومُ على آدمَ ﵇ أيَّام البيض، وقصَّته معروفةٌ (٢)، وصومُ عاشوراء كان على قومِ موسى ﵇، وكان (٣) على كلِّ أمَّةٍ صومٌ. والتَّشبيهُ لا يقتضي التَّسويةَ مِن كلِّ وجهٍ، قال النبي ﷺ : "إنَّكم سترونَ ربَّكم كما ترون القمرَ ليلةَ البدر" (٤)، هذا تشبيهُ الرُّؤية بالرُّؤية، لا تشبيهُ المرئيِّ بالمرئيِّ، ويقال في الدُّعاء: "صلِّ على محمَّد وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (٥)، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (٦) [البقرة: ٢٠٠]، وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (٧) [آل عمران: ٥٩]. وقيل: هذا التشبيهُ في الأصلِ والقَدْرِ والوقتِ جميعًا، وكان على الأوَّلين صومُ رمضان، لكنَّهم زادوا في العَدد، ونَقلوا مِن أيَّام الحرِّ إلى أيَّام الاعتدالِ.

стр. 1197

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ كلمة "لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ؛ أي: أرجو به أنْ يَصيروا متَّقِين بالشُّروع في الصَّوم، وفيه تجويعُ النَّفسِ عن الطَّعامِ والشَّراب، وفيه كسرُ الشَّهوات، فتَنالوا به درجاتِ المتَّقين، وتَستحقُّوا به ثَنائي الذي أثنيتُ به عليهِم، وجَعلتُ هذا الكتابَ هدًى لهم، فقلتُ في أوَّلِ هذه السُّورة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ٢]. * * * (١٨٤) - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ نصبُه لوجوهٍ: أحدُها: كُتب عليكم الصيام أيَّامًا، على الظَّرف. والثاني: كما كُتِبَ على الذين من قبلِكم أيَّامًا، على الظَّرف أيضًا. والثالث: لعلَّكم تتَّقون أيَّامًا، على الظَّرف أيضًا. وقوله: ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ نصب؛ لأنَّه نعتٌ للأيَّام، وكُسِرَ لأنَّه تاءٌ غيرُ أصليَّةٍ، وهذا للجمع، بخلاف قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، ووصفها بالمعدودات للتَّقليل، وهو للتَّسهيل. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي (١): فرضُ الصَّومِ في هذه الأيَّامِ إنَّما يَلزمُ الأصحَّاءَ المقيمين؛ فأمَّا المريضُ والمسافرُ، فلهما تأخيرُ الصَّوم عن هذه الأيَّام إلى أيَّام أُخَر، ثمَّ فيه مضمَرٌ، وتقديره: فأفطرَ، فعليه صومُ عدَّةٍ من أيَّامٍ أُخَر.

стр. 1198

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في قراءة نافعٍ وأبي جعفر وابنِ ذكوان عن ابن عامر: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الإضافةِ والجمع، وفي قراءة الباقين: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بالتنوينِ على الواحد، وروى هشامٌ عن ابنِ عامر (١): ﴿فِدْيَةٌ﴾ بالتنوين ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الجمع (٢). فوجهُ الإضافةِ أنَّ الفديةَ مصدر، كالرِّعيةِ والجِرْيَةِ، ومعناهُ إعطاءُ طعامِ مساكين (٣)، ووجهُ التَّنوين أنَّ الفديةَ اسمٌ، ومعناهُ: فعليه فدية، ثمَّ قوله تعالى: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٤) بدلٌ عنها، وبيانٌ لقدرها، أو معناه: فعليه فديةٌ، وهي طعامُ مسكين. والفديةُ: البدلُ القائمُ مقامَ الشيءِ؛ لغةً وشرعًا، وإفرادُ المسكين لكلِّ يوم، وجمعُ المساكين لكلِّ الأيام، والفديةُ مقدَّرةٌ بنصف صاعٍ مِن الحنطةِ (٥) عندنا، وبمدٍّ مِن الطَّعامِ عند الشَّافعيِّ ﵀. ومعنى الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يَقدِرون على الصَّوم؛ أي: (٦) بأن لا يكونوا مرضى أو مسافرين أن يفدوا عن كلِّ يومٍ طعامَ مسكين، فلا يصوموا (٧)، وكان هذا في الابتداء، كان المطيقُ مخيَّرًا بين أن يصومَ وبين أن يفديَ ولا يصوم، ثمَّ نُسِخَ بما بعده من الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

стр. 1199

وقيل: تقديرُه: وعلى الذين يَقدِرون على الصَّوم فلا يصومون، وهذا مضمرٌ كما في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أضمر قوله: فأفطرَ (١). وفي قراءة عبد اللَّه بن عباس ﵄: (وعلى الذين يُطَوَّقونه) (٢)؛ أي: يكلَّفونه فلا يطيقونه، وفي قراءة حفصة: (وعلى الذين لا يطيقونه) (٣). وقيل: هو الشيخُ الفاني، فعلى هذا لا يكون هذا منسوخًا؛ فإنَّه حكمٌ ثابتٌ مجمعٌ (٤) عليه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قيل: أي: تبرَّعَ فأطعمَ أكثرَ مِن مسكين، فهو أفضل. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: الصومُ أفضلُ مِن الفديةِ والإفطار، وكان هذا في الابتداء. وقيل: وأنْ تَصوموا في السَّفر والمرض خيرٌ لكم؛ لأنَّه أشقُّ عليكم، ولأنَّه أبعدُ مِن خطرِ الفوتِ، ولأنَّه أعجل. وقيل: الصَّومُ أفضلُ من التَّطوُّع بإعطاءِ فدية أكثر مِن مسكين، فهي (٥) ثلاثُ درجات؛ خيَّرهم أوَّلًا بين أن يصوموا وبين أن يَفدوا مسكينًا واحدًا، ثمَّ بيَّن أنَّ

стр. 1200

إطعامَ (١) أكثر من مسكين أفضلُ من إطعام مسكينٍ واحد، ثمَّ بيَّن أنَّ الصومَ أفضلُ من إطعام أكثر من مسكين. وقيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ عطف -أي: متَّصِل معناه، والحالُ أنَّ الصَّومَ (٢) خيرٌ لكم (٣) - على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾؛ أي: وفي الصَّوم خيرٌ لكم، وليس للتفضيل، بل معناه: وفيه خيراتٌ لكم ومنافعُ دينًا ودنيا. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: الصوم خيرٌ (٤) من الفداء إن كنتم تعلمون أنَّه (٥) أشقُّ عليكم، أو الصَّومُ في السَّفر خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون أنَّه أشقُّ عليكم (٦). وقيل: إن كنتم تعلمون غاية (٧) ثوابِ الصَّوم. وقيل: أي: إن كنتم علماءَ مميِّزينَ، وتدبرتم؛ أي: علمتُم ما في الصَّوم مِن معنى التَّقوى والكرامات في الدُّنيا والعُقبى. * * * (١٨٥) - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

стр. 1201

وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ أي: الأيَّامُ المعدوداتُ شهرُ رمضان. وقيل: هو مبتدأ، وجوابه -أي: خبره (١) -: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقيل: لمَّا تطاولَ ما بين الأيَّام المعدوداتِ وبينَ الشهر، ارتفعَ الشَّهرُ على إضمار: "تلك"؛ أي: تلك الأيَّامُ شهرُ رمضان. وقيل: معناه: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضان أنْ تَصوموه، و ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إضافةُ الشيء إلى نفسه، كـ: ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]. وقيل: هو إضافةُ اسم الجنس إلى النوع، كـ: يوم الجمعة. وقيل: رمضانُ اسمُ اللَّه ﷻ ، والشهرُ مضافٌ إليه، ولذلك روي: "لا تقولوا: جاء رمضان، وذهب رمضان، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان، فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماء اللَّه تعالى" (٢).

стр. 1202

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قيل: معناه: أُنْزِل في بيان فضلِه أو فَرْضِ صومِهِ شيءٌ مِن القرآن. وقيل: أنزل كلُّ القرآن في رمضان. ووجهٌ آخر (١): ما رويَ أنَّ القرآنَ أُنْزِلَ جملةً واحدةً إلى السَّماء الدُّنيا في ليلةِ القدر، وليلةُ القَدر في شهر رمضان، ثمَّ أُنزِل نجومًا على النبيِّ ﷺ في ثلاثٍ وعشرين سنة (٢). وصحَّت إضافةُ الإنزالِ إلى الشَّهر لما أنَّ الليلةَ في الشَّهر، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، والنَّفخُ كان في عيسى، لكنَّ عيسى كان في بطنِها، فصحَّت إضافةُ نفخ الرُّوح إليها لذلك. وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٣) نُصِبَ لأنَّه خبرُ ما لم يسمَّ فاعلُه، وهو قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٤)، ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ (٥) عطفٌ عليه، وهو في محلِّ النَّصب،

стр. 1203

ومعنى وصفِ القرآن بأنَّه هدًى (١) وبينات؛ أنَّ الهدى البيانُ والبيِّناتِ الدَّلائلُ. وقيل: ﴿هُدًى﴾؛ أي: هاديًا إلى أصول الإيمان، ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: شرائعَ بيِّنةً ظاهرة. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؛ أي: مِن الدِّينِ الحقِّ، والفرق بين الحقِّ والباطل، فجاءَ يَهدي الحقَّ، ويُفرِّقُ بين الحقِّ والباطل (٢). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: مَن حضرَ منكم، وأدركَ هذا الشَّهرَ، وهو شهر رمضان، والألفُ واللام لتعريف المعهود. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ هو (٣) أمر حتمٍ، وانتسخ به التَّخييرُ بين الصَّومِ والفداء (٤) والإفطار. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وفي إعادةِ هذا بعد ذِكرِه مرَّةً وجهان: أحدهما: أن الأوَّل كان لتخييرِ الصَّحيح المقيمِ بين الصِّيام وبين الفِداء والإفطار، ولتخيير المريضِ والمسافر بين القضاءِ وبين الفداء؛ إذا صحَّ هذا، وأقام هذا، وهذا حتمٌ للصِّيام في الشَّهر للصَّحيحِ المقيم، وحتمٌ للقضاءِ إذا صحَّ المريضُ وأقامَ المسافر. وقيل: إنَّ الأوَّلَ اشتمل على حُكمِ الصَّحيحِ المُقيم، وعلى حكم المسافر

стр. 1204

والمريض، ثمَّ نُسِخَ حكمُ الصَّحيح المقيم إلى الحتم بعدَ التخيير، فأُعيدَ حكمُ رخصةِ الإفطارِ في المرَض والأسفار؛ ليُعلم أنَّه باقٍ غيرُ منسوخ. ثمَّ قوله تعالى: ﴿مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قديره: مريضًا أو مسافرًا، وهو كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]؛ أي: دعانا مضطجعًا على جنبه، أو قاعدًا، أو قائمًا. وقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إطلاقهُ يقتضي التخييرَ بين الجمع والتَّفريق، فوجبَ القولُ بإطلاقِه، ولم يَجُز تَقييده بالتَّتابع بخبر الواحد؛ لأنَّ النصَّ لا يُترَكُ به. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: في (١) التَّرخيص في الإفطار في الأمراض والأسفار (٢). وقيل: أي: يريدُ يُسْرَكم في نقلِكم مِن شرعٍ إلى شرع، وإن كان الثَّاني أشقَّ عليكم طبعًا، فإنَّ الحكمَ الأوَّلَ في هذا كان هو التَّخيير، ثمَّ الحتم، وهذا أشقُّ، لكنَّه تيسيرٌ أيضًا معنًى، وهو الوصول إلى النعيم المقيم، ولذلك سمَّى اللَّهُ أعمالَ الخير يُسرًا، فقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧]، وأعمالَ الشَّرِّ عسرًا، فقال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠]، ولا يُسرَ كدخول الجنَّةِ، ولا عسرَ كدُخول النَّار. قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قيل: الواوُ زائدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: ٧١].

стр. 1205

وقيل -وهو الصحيح-: تقديرُه: يريدُ اللَّهُ بكم اليُسر، ولا يريدُ بكم العُسر (١)، ويريدُ أن تكملوا العدَّةَ، واللامُ و"أن" في المعنى سواءٌ في هذا. وقيل: أرادَ به إكمالَ عدَّةِ القضاء فيما (٢) أفطرَ في المرض والسَّفر. وقيل: السَّفرُ (٣) هو المذكورُ قبلَهُ نكرةً، وأُعيدَ معرفةً. وقيل: أريدَ به عدَّة الأداء، فقد ذَكرَ قبلَه أيامًا معدودات، والشَّهرُ عِدَّته (٤)، وقد قال النبيُّ ﷺ : "فإن غمَّ عليكم الهلالُ فأكملوا العدَّة" (٥)، سَمَّى عددَ الشَّهرِ بهذا. ويجوزُ أن يكونا جميعًا مرادَين، فقد ذُكِرَا جميعًا قبلَه. قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لتُعظِّموهُ بطاعتِهِ على ما هداكُم لأحكام شريعته. وقيل: أي: ولتكبِّروا يومَ العيدِ التَّكبيرات الواردة فيه. قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولتشكروا اللَّهَ على ما أنعمَ عليكم من النِّعمِ الدِّينيَّةِ والدنيويَّة؛ باللِّسانِ والقلبِ والبدن والمال. وقيل: أي: ولتَفعلوا ما أمرَكُم به، فإنَّه شكرٌ للَّه تعالى، وهذا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فجعلَ العملَ شكرًا له، وكلُّ العباداتِ مشروعةٌ بطريقِ الشُّكر. * * *

стр. 1206

(١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ انتظامُ هذه الآية بما قبلَها (١) أنَّ اللَّه تعالى فرضَ على هذه الأمَّة أوَّلًا صومَ يوم عاشوراء (٢)، ثمَّ نُسِخَ فرضُه بصيام أيَّام البيض من كلِّ شهرٍ (٣)، ثمَّ نُسِخَ ذلك بصومِ رمضان على اختيارِ الإفطارِ بالفِداء، ثمَّ تحتَّم عليهم صومُ رمضان باللَّيلِ والنَّهار، فكانوا لا يأكلون ولا يشربون ولا يباشرون، إلَّا عند الإفطارِ وقبل العِشاء وقبل النَّوم، ثمَّ وقعَ لبعضِهم أكلٌ وشربٌ ومباشرةٌ بعد العِشاء، فنَدموا، وسألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن تداركِ ذلك، فنزلت هذه الآية (٤). قوله (٥) تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ أي: يا محمد (٦)، وقوله: ﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نفسِه، وقوله تعالى: ﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومُعاملتي معهم إذا دعوني، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: فقل، كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه

стр. 1207

تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، وأرادَ به قربَ الإجابة والرَّحمة؛ فإنَّه تعالى يتعالى (١) عن قربِ المكان، فإنَّه كان ولا مكان، وهو اليوم على ما كان. وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ كان سؤالُهم عن معاملةِ اللَّه تعالى إيَّاهم إذ (٢) ندموا على ما فعلوا، ودعَوا اللَّهَ تعالى بقَبولِ التَّوبةِ ومحوِ الحَوْبة، فعمَّ في الجواب أنَّه يجيبُهم فيما دعَوا، ويجيبُ كلَّ داعٍ فيما دعا. قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: أنا أجيبُهم فيما دعَوني، فعليهم أن يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالأمر والنَّهي. ثمَّ إجابةُ الدُّعاء وعدُ صدقٍ مِن اللَّه تعالى لا خُلْفَ فيه، ومَن دعا بحاجةٍ فلم تقض للحال، فذلك لوجوه: منها: أنَّ الإجابةَ حاصلةٌ لا محالة، فإنَّ إجابةَ الدَّعوة غيرٌ (٣)، وقضاءَ الحاجة غيرٌ؛ إجابةُ الدَّعوة: أن يقولَ العبدُ: يا رب، فيقولَ اللَّهُ تعالى له: لبَّيك عبدي، وهذا موعودٌ موجودٌ لكلِّ موحِّدٍ راشدٍ، وقضاء الحاجة: إعطاءُ المُراد، وإيصال المرتاد، وذاك قد يكون للحال، وقد يكونُ بعد مدَّةٍ، وقد يكونُ في الآخرة، وقد تكون الخِيَرةُ له في غيرِه. ومنها: أن الإجابةَ ليست بجهةٍ واحدةٍ، بل لها جهاتٌ، فقد روى أبو سعيدٍ الخُدريُّ ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ دعوةَ المسلِم لا تُرَدُّ إلَّا

стр. 1208

لإحدى ثلاثٍ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحم (١)؛ إمَّا أن يُعَجَّلَ له في الدُّنيا، وإمَّا أن يُدَّخَرَ له (٢) في الآخرة، وإمَّا أنْ يُصرَفَ عنه من السُّوء بقدرِ ما دعا" (٣). ومنها: أنَّ الإجابةَ وإن كانت مُطلَقة في هذه الآية، فقد قال تعالى في آية أُخرى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، علَّقها (٤) بالمشيئة. ومنها: أنه شَرَطَ لهذه الإجابةِ إجابةَ العبدِ إيَّاه فيما دعاهُ إليه بقوله (٥) تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ فإذا أخلَّ بهذه الإجابة، فاتتهُ تلك الإجابة. وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ قيل: أي: فليَستجيبوا لي في الظَّاهر، وليؤمنوا بي في الباطن. وقيل: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ عملًا، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ عقدًا. وقيل (٦): أي فليدوموا على إجابتي و (٧) الإيمان بي، والاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ، كالاستنابة والإنابة، والإيقان والاستيقان، وقد قال الشاعر: وداعٍ دعا يا من يُجيبُ إلى النَّدى... فلم يَستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (٨)

стр. 1209

جمع بين اللُّغتين. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: ليبقوا على الرُّشد، وهو الاهتداء، وقد رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدًا ورَشَادًا، فهو راشدٌ، من باب: دخَل، بضمِّ راء المصدر في الرُّشد، ورَشِدَ يرشَدُ رَشَدًا، فهو رشيدٌ، من حد، عَلِمَ، بفتح الرَّاء والشِّينِ مِن المصدر. وقيل: معنى الدُّعاء في هذه الآية هو العبادة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. ومعنى الإجابةِ مِن اللَّه تعالى: هو القَبول، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦]. ومعنى الاستجابة من العِباد: هو الانقيادُ لأمرِه، والعملُ بطاعتِه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (١) [الأنفال: ٢٤]. ومعنى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي: أنَّهم إذا فعلوا هذا اهتدوا لمصالحِ دينِهم ودُنياهم؛ لأنَّ هذا وصفُ الشرائع (٢). * * * (١٨٧) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا

стр. 1210

الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثمَّ أزال عنهم ما به كان يَقعُ الزَّللُ منهم، فقال: حُلِّلَ لكم ما كان حرامًا عليكم. وقوله: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ (١) نصب على الظَّرف؛ أي: في ليلة الصِّيام، وهي الليلةُ التي يُصبِحُ الرَّجلُ في غداتِها صائمًا. وقوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: الإفضاءُ إليهنَّ لقضاءِ بحاجاتهم (٢) منهنَّ؛ مِن الجماع وغيره. والرَّفثُ في أصل اللُّغة: هو قولُ الفُحش، وقد رَفَث من باب: دخل، وأَرْفَثَ يُرْفِثُ؛ أي: جاء بالرَّفث، ثمَّ جُعِل ذلك اسمًا لما يُتكلَّمُ به عند النِّساء مِن معاني الإفضاءِ إليهنَّ، ثمَّ جُعِلَ كنايةً عن الجِماع وعن كلِّ ما يَتبعُهُ. وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄؛ أي: هنَّ سكنٌ لكم، وأنتم سكنٌ لهنَّ (٣)، وهذا كقول اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]، وقولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾. وقيل: معناه: هنَّ سِتْرٌ لكم، وأنتم سِتْرٌ لهن؛ أي: عن الحرامِ في الدُّنيا، والنَّار في الآخرة إذا تعفَّفا بذلك.

стр. 1211

وقال الإمام أبو بكرٍ القفَّال: عني به خصوصيَّةُ الاختلاطِ، وسكونُ كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه، واجتماعَهما في الثَّوبِ الواحدِ، حتَّى يكونَ كلُّ واحدٍ منهما للآخرِ في التَّضامِّ كاللِّباس، وعلى هذا المعنى يقال لامرأةِ الرَّجل: فراشه وإزاره، وقال النابغةُ الجَعْديُّ: لبِستُ أناسًا فأفنيتُهم... وأفنيتُ بعد أناسٍ أُناسَا وقال أيضًا (١) في هذه القصيدة: إذا ما الضجيعُ ثنى جِيدَها... تَداعَتْ فكانت عليه لِباسَا (٢) وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: كان اللَّهُ تعالى عَلِم في الأزل أنَّكم تكونون خائنين أنفسَكم في مباشرة النساءِ في ليالي الصَّوم، والخيانةُ ضدُّ الأمانة، وقد ائتمنَ اللَّهُ تعالى العبادَ على ما أمرَهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوهُ في السِّرِّ، فقد خانوه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وقد رويَ أنَّه وقع ذلك لعمر ﵁، وقال له النبيُّ ﷺ غداة إذٍ: "ما كانت جديرًا لهذا يا عمر"، ونزلت الآية في شأنه (٣)، وصارت زلَّتُه سببًا للرَّحمةِ في حقِّ (٤) جميع الأمَّة. وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قَبِلَ توبتكُم فيما وقعَ لكم مِن ذلك.

стр. 1212

وقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: محا أثرَ ذلك عنكم بالتَّجاوزِ. وقيل: ليس (١) هذا بإثباتِ الخيانة منهم على التَّحقيق، وقَبول توبتِهم، وعفوِ ذلك عنهم بعد الوقوع، لكنَّ معناه أنَّ اللَّه تعالى كان عَلِمَ أنَّه يَقعُ ذلك منكم لو بقيَ الحكمُ كذلك، فتابَ عليكم؛ أي: فرجع عليكم برحمته، والتَّوبةُ: هي الرجوع؛ لغةً، فأزالَ ذلك عنكم. وقوله تعالى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: أسقطَ عنكم ذلك، وهو كقوله ﷺ : "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (٢)، وليس ذلك تجاوزًا عن ذنب، وقال تعالى في التوبة: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وكان ذلك إسقاطًا من غير تقدُّم (٣) ذنب. وقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ "آن" أصلُه: فَعَل، بمعنى كان، ثمَّ جُعِل اسمًا للزَّمان الحاضر، وعُرِّفَ بالألف واللام، وبقيَ (٤) على الفتحة. وقوله ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهنَّ، وأصلُ المباشرةِ: إلزاقُ البَشَرةِ بالبشَرة، ثمَّ يسمَّى الجماعُ مباشرةً على الكناية، وجميعُ ما يَتبعُه يَدخلُ فيه. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: واطلبوا، يقال: بَغى بُغاء؛ بضم الباءِ والمدِّ (٥)؛ أي: طلب، وابتغى ابتغاءً كذلك، والبغيةُ (٦): الطَّلِبةُ.

стр. 1213

وقوله تعالى: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقال: أصل ﴿كَتَبَ﴾ هو ما كتبَ اللَّه تعالى في اللَّوح المحفوظ ممَّا هو كائن، ثمَّ يتفرَّعُ منه معانٍ تَرجعُ إلى هذا الأصل: فمنها: القَضاءُ، قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ الآية [التوبة: ٥١]؛ لأنَّه ممَّا فُرِغَ منه حين كتب. ومنها: الفَرْضُ، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]؛ لأنَّ ما فُرِضَ (١) فقد أُبرِم وفُرخَ منه، ولا سبيلَ إلى ردِّه. ومنها: الجَعْلُ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ لأنَّ ما جُعِلَ على وجهٍ، فقد أُبرِم وفرغ منه. ومنها: الإحلالُ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلَّ لكم؛ لأنَّ ما أُحِلَّ فقد أُبْرِم على ما فيه الصَّلاحُ للعباد، وفُرغ منه. ويجوزُ حمْلُ ما في هذه الآية على هذا الوجه (٢)، واطلبوا بالمباشرة (٣) ما أحلَّ اللَّهُ لكم، ولا تتعدَّوا إلى غيره من الإتيان في الدُّبر، وفي حالة الحيض. وقيل: أي: واقتصروا على أزواجِكم وما ملكتْ إيمانُكم، ولا تَبتغوا (٤) غيرَهنَّ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧]. وقيل: وابتغوا بذلك الولد، قال النبيُّ ﷺ : "تناكحوا تكثُروا؛ فإنِّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة" (٥).

стр. 1214

وعلى هذا يكونُ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: أحلَّ لكم مِن طلبِ الولدِ، وجعلَ لكم ذلك، وقَضى به لكم، وفرضَ عليكم مِن الاقتصارِ على الحلال. ورأى الحسنُ بنُ أبي الحسن (١) البصريُّ قاصًّا يَقُصُّ ويقول: قال النبيُّ ﷺ : "ولدُ الرَّجلِ عدوُّه، لو عاشَ كدَّهُ، ولو ماتَ هدَّه" فقال: تعلو منابرَ المسلمين، وتَكذبُ على رسول ربِّ العالمين؟! (٢) سمعتُ فلانًا يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول ﷺ : "ولدُ الرَّجل كنزُهُ، إنْ عاشَ دعا له، وإن ماتَ شَفَعَ له" (٣). وقيل: هو طلبُ ثوابِ قيامِ بعض الليل؛ ندبَهُم إلى قيام بعضِ (٤) اللَّيل بعدَ طلب حظِّ النفس. وقيل: هو طلبُ ليلة القدر؛ فإنَّها في شهر رمضان، وهو ندبٌ إلى إحياءِ بعض اللَّيل لرجاء ذلك. قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ هو إباحةُ الأكل والشُّرب، وكذا قوله: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أمرُ إباحةٍ أيضًا بعد ما كان حرامًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ هو بيان الغايةِ، ومعناه: حتَّى يَظهرَ

стр. 1215

لكم بياضُ النَّهار مِن سوادِ اللَّيل، وسُمِّي خيطًا؛ لأنَّه أوَّل ما يَظهرُ يكون دقيقًا كالخيط، ثمَّ ينتشر، وأنشدوا لأبي دؤاد: فلما (١) أضاءَتْ لنا سُدْفَةٌ... ولاحَ مِن الصُّبْحِ خيطٌ أنَارَا (٢) وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ هو مقابلةُ الخيطِ الأبيض، وذاك دقيقٌ، وهذا ليس في دقَّتِه (٣)، لكن يجوزُ إطلاقُه عند المقابلة. وقيل: الخيطُ الأبيضُ: ابتداءُ ظهورِ النَّهار، والخيطُ الأسودُ: بقيَّةُ سوادِ اللَّيل، وكان (٤) كلُّ واحدٍ منهما يرجع إلى القِلَّةِ؛ ذاك قَلَّ ما بقيَ مِن مُدَّتِه، وهذا قَلَّ ما ظهرَ مِن أثرِه، وقال الشاعر: الخيطُ الأبْيَضُ وقمت الصُّبحِ مُنْصَدِعٌ... والخَيْطُ الأسْوَدُ جونُ اللَّيل مركومُ (٥) وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ هو للتبعيض، وهو دلالةٌ إلى أنَّه إذا ظهرَ شيءٌ مِنه، دخلَ وقتُ الصَّوم. وقيل: هو للبيان، قال سهل بن سعد الساعدي: نزلت هذه الآية: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ

стр. 1216

الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصَّومَ رَبَطَ أحدُهم في رِجليهِ الخيطَ الأبيض والخيط الأسود، فلا يزالُ يأكلُ ويَشربُ حتَّى يتبيَّن له منهما، فأنزلَ اللَّهُ تعالى بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنَّه إنَّما يعني بذلك اللَّيل والنَّهار (١). وعن عديِّ بنِ حاتمٍ أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، وضعتُ تحت رأسي خيطًا، فلم يتبين لي شيء! قال: "إنك إذًا لعريض الوسادة، إنما ذلك الليل من النهار أو النهار من الليل" (٢). ونزلت إباحةُ الأكل والشُّرب بسبب أبي قيس صرمةَ بن أنس (٣) بن صرمة (٤) الغنوي (٥) من مالك بن عدي (٦)، كان عملَ في النَّخل طولَ النَّهار، فلمَّا أمسى ودخلَ بيتَه وهو صائم، وأهلُه في اتِّخاذ الطعام، قعدَ (٧) يَنتظرُ الطَّعامَ، فغلبَهُ النَّوم، فانتبه وقد مضى وقتُ الأكل، فلم يأكلْ شيئًا، وأصبحَ وهو مجهود، فقال له النبيُّ ﷺ : "مالك؟ " فقصَّ عليه القصَّةَ، فنزلَت الآيةُ (٨).

стр. 1217

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ أي: أديموا الإمساكَ عن المباشرةِ والأكلِ والشُّرب في جميع أجزاء النَّهار، ومدَّهُ (١) إلى غايةٍ، وهي دخولُ الليل، وذلك بغروب الشمس، والإتمامُ أداؤه على التَّمام. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ الواو للحال؛ أي: في حال اعتكافِكم، بيَّن أنَّ المباشرةَ تَحِلُّ في ليالي شهر رمضان، لكن لغير المعتكِف، والعاكفُ في اللُّغة هو المقيم، وقد مرَّ شرحه في قوله تعالى: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقوله تعالى ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دلَّ على أنَّ الاعتكافَ لا يَصِحُّ إلَّا فيها. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى أوامرَ ونواهٍ سبقَ ذكرُها، يقول: تلك تقاديرُ (٢) قدَّرها اللَّهُ تعالى، وأعلامٌ بيَّنها اللَّهُ تعالى، فلا تخالفوها. وقوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أبلغ (٣) في المنع من قوله: فلا تخالفوها؛ لأنَّه إذا لم يَقربْها، لم يُباشِرها، وسميت حدودًا لأنَّها موانع، وأصلُ الحدِّ المنعُ، وحدودُ الشَّرع موانِعُ عن الجنايات، وحدودُ الدَّار موانعُ عن الاختلاط، والحدَّادُ: السَّجان، والحدَّادُ: البوَّاب، وهما مانعان، والمحدود: المحرومُ الممنوعُ الحظِّ، قال الشاعر: لا تَعبدُنَّ إلهًا دونَ خالقِكم... وإن دُعِيْتم فقولوا دونه حَدَدُ (٤)

стр. 1218

أي: مَنْعٌ. وقال تعالى أيضًا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ قيل: النَّهيان جميعًا في كلِّ الحدود، فلا ينبغي أنْ يَقربَ حدًّا؛ أي: ما مُنِع عن إتيانه، ولا (١) أن يتعدَّى حدًّا، وهو ما مُنِعَ عن مجاوزته، والحاصلُ أنَّ عليه الوقوفَ عندما وُقِّف؛ فلا يتخلَّفُ عنه ولا يَتجاوزُه. وقيل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ في النواهي، و ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ في الأوامر. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أمرَهُ ونهيَهُ، ووعدَهُ وعيدَه، وأحكامَه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ليتَّقوا. وقيل: أي: ليتهيَّأ لهم التَّقوى عند ورود البيان صريحًا أو دلالةً أو إشارة. وقيل: أي: الحكمة في البيان هي التَّقوى، وهي الائتمارُ والانزجارُ، دون مجرَّدِ السَّماع. * * * (١٨٨) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: ومن تلك الحدودِ والآيات ألَّا يأكلَ بعضُكم مالَ بعضٍ بوجهٍ هو غير الوجوه التي أحلَّ اللَّه تعالى بها ذلك.

стр. 1219

وقال ابنُ عيينة: هو كلُّ قمارٍ، وكلُّ أمرٍ لا يَصلُح؛ أي: الغَصب، والسَّرقةُ، والرِّشوةُ، والأكسابُ الخبيثة، والعقودُ الفاسدةُ ووجوهُ الخيانة. وقوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾؛ أي: وتُلقوا، وهو من إدلاءِ الدَّلو في البئر؛ أي: إلقائِها فيها، وللكلمة وجهان: أحدهما: أَنَّه على النَّهي، وهو معطوف على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، و"لا" مقدَّرةٌ فيه، وكذا هو في قراءة أبيِّ بنِ كعب (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢]. والثاني: أنَّه على الصَّرف (٢)، وإعرابُه على النَّصب، ومعناه: لا تَجمع بين أخذِ مال الغير بالباطل، وبين مخاصمته إلى القاضي لتحلفَ عنده ظالمًا، وهو كقول الشَّاعر: لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه... عارٌ عليكَ إذا فَعلتَ عظيمُ (٣) وقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾؛ أي: طائفةً وبعضًا منها. وقوله تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بالبيِّنةِ الكاذبة، أو اليمينِ الفاجرة.

стр. 1220

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: تَعلمون أنَّكم مُبطِلون وآكلونَ بالباطل. وقيل: وأنتم تعلمون وبالَ ذلك (١). وقيل: وأنتم تَعلمون ما نزلَ (٢) بمن كان قبلَكم بمخالفةِ الأمرِ والنَّهي، وأكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطل. ونزلت الآية في عَيدان (٣) بن الأشوع الحضرمي وامرئِ القيس بن عباس (٤) الكنديّ؛ ادعى عيدان على امرئ القيس أرضًا غصبًا في يده، واختصما إلى النبيِّ ﷺ ، فقال لعيدان: "ألك بيِّنة؟ " قال: لا، قال: "لك يمينُه"، فقال: إذن يذهب بأرضي، فقال النبيُّ ﷺ : "ليس لك إلا ذلك"، فحلفَ كاذِبًا باللَّه تعالى ما له قِبلهُ حقٌّ، فنزلت الآيةُ، فأقرَّ لعيدان، وردَّ أرضه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذَ من غلَّتِها (٥).

стр. 1221

(١٨٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ انتظامُها بما قبلها أنَّ الأولى في منعِ أموالِ النَّاس عن أربابها، والثَّانية في تأخير أداءِ حقوق النَّاس عن آجالها، فإنَّ الأهلَّة مِن مواقيت آجالِ الدُّيون مِن الأموال. والآيةُ نَزلت في عديِّ بن حاتم الطائيِّ (١) ومعاذِ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنهما سألا رسولَ اللَّه ﷺ عن الهلال، فنزلَت الآيةُ (٢)؛ أي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، ما لها تبدو صغيرةً، ثم تصيرُ بدورًا، ثمَّ تعودُ كالعرجون؟ وما معنى تغيُّر أحوالها؟ (٣) والأهلَّة (٤): جمع هلال، وهو إذا كان لليلةٍ أو ليلتين. وقيل: هو هلالٌ إلى

стр. 1222

ثلاث. وقيل: إلى ستٍّ، سُمِّيَ به لأنَّ الناس يرفعون أصواتَهم عند رؤيتِه، ومنه استهلالُ الصَّبيِّ، والإهلالُ بالحجِّ، ومنه ما أُهِلَّ به لغير اللَّه تعالى. يقول: يسألونك يا محمد عن الأهلة (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ هي جمع ميقات، وهو الوقت (٢)، وهي كالمواعيد جمعُ ميعاد، والموازين جمعُ ميزان؛ أي: هي آجالُ الناسِ في ديونِهم، وعقودِ سَلَمِهم، وأثمانِ بياعاتِهم، ومددٌ (٣) لإجاراتِهم، وعِددٌ لنسائهم، ومقاديرُ لما قدَّروا لأيمانِهم، وغير ذلك من حقوق الخلق، وكذا حقوقُ اللَّه تعالى؛ من الصِّيام والفطرِ والأضحى، والزَّكاة، والحجِّ وأمورِهِ المتعلِّقةِ بأوقاتٍ مخصوصةٍ. وخصَّ مِن بين العبادات الحجَّ لأنَّه أهمُّ وأشقّ، ودلَّ ذلك (٤) على غيرِه مِن هذه الأمور، ثمَّ بيَّن وقتَ الحجِّ مِن الشُّهور، فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. ثمَّ الشَّمسُ على حالةٍ واحدةٍ؛ لأنَّها ضياءٌ للعالَم، وقَوامٌ لمصالح النَّاس، والقمرُ يتغيَّر؛ لأنَّ اللَّه تعالى علَّق به ما قُلنا من المواقيت، وذلك يُعرَفُ بهذه الاختلافات، ودبَّر (٥) اللَّهُ هذا التدبيرَ العجيبَ لحاجةِ النَّاس إلى ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ظاهرُ هذا لا يُلائمُ ما

стр. 1223

ذُكِرَ في أوَّل هذه الآية. وقيل: هما حادثتان، لكن اتَّفقَ وقوعُهما في وقتٍ واحدٍ، فنزلَت الآيةُ فيهما معًا في وقتٍ واحدٍ. وقال الإمام القفَّال ﵀: أتبعَ اللَّهُ تعالى ما ذكرَ مِن الأهلَّة التي هي مِن مواقيت الحج ما كان بعضُ النَّاس غيَّروهُ مِن أمورِ الحجِّ؛ بدخول (١) البيوتِ مِن ظُهورها، ووصلَ بذلكَ ذكرَ القِتال؛ إشارةً إلى ما كان عرضَ للنَّبيِّ ﷺ في عمرة (٢) الحديبية التي كان فيها الإحصار، فذكرَ بعدهُ حكمَ الإحصارِ، ووصلَ به أحكامَ الحجِّ وما يتَّصلُ به. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال البراءُ بن عازب: نزلَت هذه الآيةُ فينا؛ كانت الأنصارُ إذا حجُّوا فجاؤوا لم يَدخلوا مِن أبوابهم، ولكن مِن ظهورها، فجاءَ رجلٌ مِن قِبَل بابِه، فنزلَت هذه الآيةُ (٣). وقيل: كانت الحُمْسُ (٤) -وهم المشدِّدون على أنفسهم من بني خُزاعة وبني كنانة في الجاهليَّة وبدءِ الإسلام- إذا أحرَموا واعتكفوا (٥)، لم يدخلوا بيوتَهم من أبوابها، فإن كانت بيوتُهم مِن الخيام رَفعوا ذيولَها، وإنْ كانت بيوتُهم مِن المَدَرِ، نَقبُوا

стр. 1224

في ظهور بيوتِهم، فدخلوا منها، أو من قبل السَّطح، وقالوا: لا ندخلُ بيوتًا (١) مِن الباب حتَّى ندخلَ بيتَ اللَّه تعالى، وكان منهم من لا يَستظِلُّ بسقفٍ بعدَ إحرامهِ، ولا يَدخلُ بيتًا، لا من بابه ولا من خلفِه، ولكن يَصعدُ السَّطحَ فيأمرُ بحاجتِه مِن السَّطح، وهذه أشياءُ وَضعوها مِن عند أنفسِهم مِن غيرِ شرعٍ، فعرَّفَهمُ اللَّهُ تعالى أنَّ هذا التَّشديدَ ليس ببِرٍّ ولا قُربةٍ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: البرَّ برُّ مَن اتَّقى، وهذا الإضمارُ كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والتَّقوى: هو (٣) الائتمارُ بأمرِه، والانتهاءُ بنهيه. وقوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ ولو قال: فأتوا البيوت من أبوابها، استقام (٤)، وكان الفاء للتعقيب، ووجهُ الواو أنَّه أضمرَ: فاتركوا ذلك، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لا تتكلَّفوا (٥) ذلك، تُظهِرونَ التَّقوى مِن أنفُسِكم، واتقوا اللَّه بالقلوبِ؛ لتكونوا أبرارًا مفلحين. وللآية تأويلٌ آخر قالَهُ الحسن، قال: كان أهلُ الجاهليَّة مَن همَّ بِسفَرٍ أو أمرٍ

стр. 1225

يَصنعُهُ، فمُنِعَ عن ذلك، لم يدخل دارَه مِن الباب حتَّى يحصلَ له ذلك (١)، وكان قريشٌ وقبائلُ مِن العرب مَن خرجَ (٢) لسفر أو حاجةٍ، ثمَّ رجعَ ولم يَظفَر بذلكَ، لم يَدخُل داره حولًا، وكان ذلك طِيَرةً، فنهاهُم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأخبرَ أنَّ التَّطيُّر ليس ببِرٍّ، وقال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: برُّ مَن اتَّقى اللَّهَ، ولم يَخَفْ غيرَهُ، وتَوكَّلَ عليه، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وحدَه لا غيرَهُ؛ لتُفلِحوا وتفوزوا وتظفروا، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. وقيل، وهو قولٌ متكلَّفٌ أشارَ إليه القفَّال، وهو أوفقُ لما قبلَه ولما بعده، لكنَّه خلافُ الرِّواياتِ الظَّاهرة فيه، وهو أنَّه تعالى ذكرَ أنَّ الأهلَّةَ مِن مواقيت الحجِّ، والحجُّ أشهرٌ معلومات، وكان العربُ بالنَّسيء الذي يفعلونهُ يُغيِّرونَ وقتَ الحجِّ، فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ هو استعارةٌ عن (٣) أداء (٤) الحجِّ في غير وقته. وقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: أدُّوا الحجَّ في وقته، وهو متعارَفٌ في اللِّسان، يُقال: فلانٌ أتى الشيءَ مِن غيرِ وجهه ومن خلفِه، وقال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]. * * * (١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

стр. 1226

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولمَّا خرجَ النبيُّ ﷺ مِن المدينة يريدُ مكَّة، وكان بالحديبيةِ، وصدَّهُ المشركون عن ذلك، ثمَّ وقعَ الصُّلحُ على أن يرجعَ رسولُ اللَّه ﷺ مع أصحابِه، ثمَّ يجيءَ في العام المقبل (١)، فيُخلوا له مكَّةَ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيطوفَ بالبيتِ، وينحرَ الهديَ، ويفعلَ ما يَشاءُ، رَجعوا، ثمَّ خرجوا في العام القابلِ للعمرة، وخافوا ألَّا يفيَ لهم قريشٌ بذلك، وأن يَصدُّوهم عن المسجد الحرام، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢). قال الكلبيُّ: سبيلُ اللَّه تعالى هاهنا هو الحرم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: قريشًا إن صدُّوكم فقاتلوكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ أي: لا تَبدؤوهم بالقتال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: البادئين بالقتالِ في هذا (٣) الحال. قال الرَّبيعُ: هذه أوَّلُ آيةٍ نزلَتْ في القتال بالمدينة، وكان النبيُّ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتلَهُ، ويَكفُّ عمَّن يكفُّ عنه، وبذلك أمرَهُ اللَّهُ تعالى، ثمَّ نُسِخَ هذا بقوله تعالى:

стр. 1227

﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية. * * * (١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أين وجدتموهم (٢)، في الحلِّ والحرم، وفي الأشهُرِ الحُرُم وفي غيرِ الأشهر الحرم؛ أي: هم (٣) الذين هتكوا حرمةَ الحرمِ والشَّهر الحرام بالبداية، فجازوهم بمثلِه. وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكَّةَ. وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ أي: كفرُهم با للَّه، وتعذيبُهم المسلمين؛ أعظمُ إثمًا مِن قتلِكم إيَّاهم في الحَرَم. والفتنةُ تَقعُ على الكفر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، ويقع على تعذيب المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لا تَبدؤوهم به في الحَرَمِ كلِّه، والمسجدُ الحرامُ يقعُ على كلِّ ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فإنْ بَدؤوكم به فيه.

стр. 1228

ومن قرأ: ﴿حتى يقتلوكم﴾ (١) فمعناه: حتى يقصدوكم؛ أي: (٢) حتى يقصدوا قتلكم، أو (٣) حتَّى يَقتلوا بعضَكم، وهذا سائغٌ (٤) في اللُّغة. * * * (١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فإنْ لم يَبدؤوكم، فكُفُّوا أنتم؛ فإنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ لكم بتركِكم قتالَهم، وإن كانوا كفَّارًا. وقيل: أي: فإن امتنعوا عن القتالِ والكُفرِ وإيذاءِ الرَّسول وأصحابِه، وآمنوا، فإنَّ اللَّهَ يَغفرُ لهم ما سلفَ مِن ذنوبهم (٥) ويرحمُهم في المؤتنف. * * * (١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إذا نقضوا العهدَ، فقاتلوهُم بعد ذلك إلى أن يُسلِموا، ولا يَبقى كفرٌ، ويكونَ الدِّينُ الظَّاهرُ هو الإسلام، ولا تَعقِدوا بعدَه عهدًا لترك القتال (٦) بعد نقضِهم هذا العهد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فإن امتنَعوا عن الكفرِ والقتال، لم يَبقَوا ظالمين، فلا تُقاتِلوهم؛ فإنَّه لا عدوانَ إلَّا على الظَّالمين؛ أي: لا

стр. 1229

جزاءَ على العدوان إلَّا لمن كان مِن أهلِ الظُّلم والعدوان، وجزاءُ العُدوان ليس بعُدوانٍ على الحقيقة، لكنَّه جزاء الحق (١)، وجزاءُ الشَّيء يُسمَّى باسمِه كما مرَّ في ذكرِ الخداع والاستهزاء في أوَّل هذه السُّورة. وقيل: معنى قوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: إلَّا على الذين ارتدُّوا فصاروا ظالمين، فيجازَون بذلك، فعلَّمَهم اللَّهُ ما يفعلون بالمشركين إن هُم صدُّوهم عن المسجد الحرام، فلم يصدُّوهُ، ووفَّوا له، فلم يتعرَّض لهم. * * * (١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وكانوا شرطوا له -أي: المشركون (٢) - بعد قضاء العمرة الإقامةَ بمكَّة ثلاثًا، وكان النبيُّ ﷺ تزوَّج ميمونةَ بنت الحارث، فأحبَّ المُقام بمكَّة ليُولِم عليها، فطالبوهُ بالخروج عنها، والوفاءِ بما عاهد، ففعل، وأولمَ على ميمونة وبَنى بها بسَرِف (٣)، وكان دخولهُ مكَّة للعمرة في ذي القَعدة، وكانوا صدُّوهُ في العام الماضي عن المسجدِ الحرام في ذي القَعدة، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذو القَعدة من هذه السَّنة قصاصٌ بذي القَعدة من العام الماضي. وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الحَرَم، وحُرمةُ الإحرامِ، وحرمة الشهر الحرام في السنة الأولى صارت مهتوكةً، بمنعهم عن إتمام عمرتهم، وصارت مؤداةً مراعاة في هذه السَّنة قصاصًا.

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ولمَّا كان يتوهَّمُ منهم البدايةَ بالقتال بعد هذا العام، وإن امتَنعوا في هذا العام؛ قال: فمَن بدأكُم به في الحَرَم أو الشَّهرِ الحرام، فافعلوا به كذلك. وسُمِّيَ جزاءُ الاعتداءِ اعتداءً لما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ائتمِروا بأوامره (١) وانزجِروا بزواجِره. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: ناصر الذين يَقفون عند حدودِ أمره ونَهيه. * * * (١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا في قصَّة الحديبية أيضًا، وسبيلُ اللَّه تعالى: هو طريقُ الغَزوِ، وكذا كلُّ طريقٍ يُبتغَى فيه رضى اللَّهِ تعالى فهو سبيلُ اللَّه، ووجهُ ذلك أنَّ مَن قصدَ مقصدًا طلبَ إليه سبيلًا، فمعناه: هذا وجهٌ يُلتمَسُ به رضى اللَّه تعالى، والوصولُ إلى ثوابِ اللَّه تعالى. قال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: خرجَ رسولُ اللَّه ﷺ في ذي القَعدة سنة سبعٍ مرجعَه من خيبر بأربعة أشهر، وهو الشَّهرُ الذي صدَّه فيه المشركون، فاعتمروا، فقال رجلٌ مِن أهل المدينة: واللَّهِ يا رسول اللَّه، ما لنا زادٌ وما مِن أحدٍ يُطعِمُنا، فأمرَ النبيُّ ﷺ أن يُنفقوا في سبيلِ اللَّه، وأنْ يَتصدَّقوا، وألَّا يُلقوا بأيديهم فيهلكوا (٢)، فقيل:
следующие страницы →