← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولمَّا خرجَ النبيُّ ﷺ مِن المدينة يريدُ مكَّة، وكان بالحديبيةِ، وصدَّهُ المشركون عن ذلك، ثمَّ وقعَ الصُّلحُ على أن يرجعَ رسولُ اللَّه ﷺ مع أصحابِه، ثمَّ يجيءَ في العام المقبل (١)، فيُخلوا له مكَّةَ ثلاثةَ أيَّامٍ، فيطوفَ بالبيتِ، وينحرَ الهديَ، ويفعلَ ما يَشاءُ، رَجعوا، ثمَّ خرجوا في العام القابلِ للعمرة، وخافوا ألَّا يفيَ لهم قريشٌ بذلك، وأن يَصدُّوهم عن المسجد الحرام، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (٢). قال الكلبيُّ: سبيلُ اللَّه تعالى هاهنا هو الحرم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: قريشًا إن صدُّوكم فقاتلوكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ أي: لا تَبدؤوهم بالقتال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: البادئين بالقتالِ في هذا (٣) الحال. قال الرَّبيعُ: هذه أوَّلُ آيةٍ نزلَتْ في القتال بالمدينة، وكان النبيُّ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتلَهُ، ويَكفُّ عمَّن يكفُّ عنه، وبذلك أمرَهُ اللَّهُ تعالى، ثمَّ نُسِخَ هذا بقوله تعالى:

стр. 1227

﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١)، وبقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية. * * * (١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أين وجدتموهم (٢)، في الحلِّ والحرم، وفي الأشهُرِ الحُرُم وفي غيرِ الأشهر الحرم؛ أي: هم (٣) الذين هتكوا حرمةَ الحرمِ والشَّهر الحرام بالبداية، فجازوهم بمثلِه. وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكَّةَ. وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾؛ أي: كفرُهم با للَّه، وتعذيبُهم المسلمين؛ أعظمُ إثمًا مِن قتلِكم إيَّاهم في الحَرَم. والفتنةُ تَقعُ على الكفر، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، ويقع على تعذيب المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لا تَبدؤوهم به في الحَرَمِ كلِّه، والمسجدُ الحرامُ يقعُ على كلِّ ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فإنْ بَدؤوكم به فيه.

стр. 1228

ومن قرأ: ﴿حتى يقتلوكم﴾ (١) فمعناه: حتى يقصدوكم؛ أي: (٢) حتى يقصدوا قتلكم، أو (٣) حتَّى يَقتلوا بعضَكم، وهذا سائغٌ (٤) في اللُّغة. * * * (١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فإنْ لم يَبدؤوكم، فكُفُّوا أنتم؛ فإنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ لكم بتركِكم قتالَهم، وإن كانوا كفَّارًا. وقيل: أي: فإن امتنعوا عن القتالِ والكُفرِ وإيذاءِ الرَّسول وأصحابِه، وآمنوا، فإنَّ اللَّهَ يَغفرُ لهم ما سلفَ مِن ذنوبهم (٥) ويرحمُهم في المؤتنف. * * * (١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إذا نقضوا العهدَ، فقاتلوهُم بعد ذلك إلى أن يُسلِموا، ولا يَبقى كفرٌ، ويكونَ الدِّينُ الظَّاهرُ هو الإسلام، ولا تَعقِدوا بعدَه عهدًا لترك القتال (٦) بعد نقضِهم هذا العهد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فإن امتنَعوا عن الكفرِ والقتال، لم يَبقَوا ظالمين، فلا تُقاتِلوهم؛ فإنَّه لا عدوانَ إلَّا على الظَّالمين؛ أي: لا

стр. 1229

جزاءَ على العدوان إلَّا لمن كان مِن أهلِ الظُّلم والعدوان، وجزاءُ العُدوان ليس بعُدوانٍ على الحقيقة، لكنَّه جزاء الحق (١)، وجزاءُ الشَّيء يُسمَّى باسمِه كما مرَّ في ذكرِ الخداع والاستهزاء في أوَّل هذه السُّورة. وقيل: معنى قوله: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: إلَّا على الذين ارتدُّوا فصاروا ظالمين، فيجازَون بذلك، فعلَّمَهم اللَّهُ ما يفعلون بالمشركين إن هُم صدُّوهم عن المسجد الحرام، فلم يصدُّوهُ، ووفَّوا له، فلم يتعرَّض لهم. * * * (١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وكانوا شرطوا له -أي: المشركون (٢) - بعد قضاء العمرة الإقامةَ بمكَّة ثلاثًا، وكان النبيُّ ﷺ تزوَّج ميمونةَ بنت الحارث، فأحبَّ المُقام بمكَّة ليُولِم عليها، فطالبوهُ بالخروج عنها، والوفاءِ بما عاهد، ففعل، وأولمَ على ميمونة وبَنى بها بسَرِف (٣)، وكان دخولهُ مكَّة للعمرة في ذي القَعدة، وكانوا صدُّوهُ في العام الماضي عن المسجدِ الحرام في ذي القَعدة، وفي ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذو القَعدة من هذه السَّنة قصاصٌ بذي القَعدة من العام الماضي. وقوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الحَرَم، وحُرمةُ الإحرامِ، وحرمة الشهر الحرام في السنة الأولى صارت مهتوكةً، بمنعهم عن إتمام عمرتهم، وصارت مؤداةً مراعاة في هذه السَّنة قصاصًا.

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ولمَّا كان يتوهَّمُ منهم البدايةَ بالقتال بعد هذا العام، وإن امتَنعوا في هذا العام؛ قال: فمَن بدأكُم به في الحَرَم أو الشَّهرِ الحرام، فافعلوا به كذلك. وسُمِّيَ جزاءُ الاعتداءِ اعتداءً لما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ائتمِروا بأوامره (١) وانزجِروا بزواجِره. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: ناصر الذين يَقفون عند حدودِ أمره ونَهيه. * * * (١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا في قصَّة الحديبية أيضًا، وسبيلُ اللَّه تعالى: هو طريقُ الغَزوِ، وكذا كلُّ طريقٍ يُبتغَى فيه رضى اللَّهِ تعالى فهو سبيلُ اللَّه، ووجهُ ذلك أنَّ مَن قصدَ مقصدًا طلبَ إليه سبيلًا، فمعناه: هذا وجهٌ يُلتمَسُ به رضى اللَّه تعالى، والوصولُ إلى ثوابِ اللَّه تعالى. قال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: خرجَ رسولُ اللَّه ﷺ في ذي القَعدة سنة سبعٍ مرجعَه من خيبر بأربعة أشهر، وهو الشَّهرُ الذي صدَّه فيه المشركون، فاعتمروا، فقال رجلٌ مِن أهل المدينة: واللَّهِ يا رسول اللَّه، ما لنا زادٌ وما مِن أحدٍ يُطعِمُنا، فأمرَ النبيُّ ﷺ أن يُنفقوا في سبيلِ اللَّه، وأنْ يَتصدَّقوا، وألَّا يُلقوا بأيديهم فيهلكوا (٢)، فقيل:

стр. 1231

يا رسولَ اللَّه بما نتصدَّق، وأحدُنا لا يجد شيئًا؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "بما (١) كان، ولو بشقِّ تمرة، ولو بمِشقص (٢) يحمل في سبيل اللَّه تعالى"، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) (٤). وقال الواقديُّ ﵀: لمَّا دخلَ هلالُ ذي القَعدة سنةَ سبعٍ، أمرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ أنْ يَعتمِروا، وألَّا يَتخلَّفَ أحدٌ ممَّن شهدَ الحديبية، فلم يَتخلَّف أحدٌ شهدَها، وكان المسلمون في عُمرة هذه القَضيَّة ألفين (٥). وحملَ رسولُ اللَّه ﷺ البِيضَ (٦) والدُّروع والرِّماحَ، وقادَ مئة فرسٍ، عليها محمَّدُ بنُ مَسْلَمَة، فقيل: يا رسول اللَّه، حملتَ السِّلاح، وقد شرطوا علينا ألَّا ندخلَ عليهم بسلاحٍ إلَّا بسلاحِ المسافر؛ السيوف في القرب؟! فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّا لن (٧) نُدْخِلَها عليهم الحرمَ، ولكن تكون قريبًا منَّا، فإن هاجنا (٨) هَيْجٌ مِن القوم كان السِّلاحُ قريبًا منَّا"، فقيل: يا رسول اللَّه تخاف قريشًا على ذلك؟ فسكت رسولُ اللَّه ﷺ ، وقدَّمَ البُدنَ (٩).

стр. 1232

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قيل: أي: لا تُلقوا أنفسَكُم بأيديكم إلى التَّهلُكة، فالأنفسُ مضمرة، والباءُ أداة. وقيل: الباء زائدة، ومعناه: لا تُلقوا أيديَكم إلى التَّهلكةِ، والأيدي عبارةٌ عن كلِّ البدنِ، كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ أي: تبَّ هو. وقيل: معناه: لا تستسلموا للهلاك؛ أي: لا تَمتنِعوا عن القتال لأجل الشَّهر الحرام إذا بَدؤكم، فتكونوا قد استَسلمتُم للهلاك، والعربُ تقول لمن استسلم للهلاك ولم يَدفَع عن نفسِه: ألقى بيديه، وأعطى بيديه، قال أبو تمام: أعْطَى بكِلْتا يَدَيْهِ حينَ قيل لَهُ... هذا أبُو دُلفَ العِجْلِيُّ قد دَلَفَا (١) وقيل: معناهُ: لا تخرجوا إلى الحرب بغير سلاحٍ. وقيل: بغير زادٍ. وقيل: لا تُهلِكوا أنفسَكم بترك الإنفاقِ في سبيل اللَّه تعالى على المحتاجين مِن أصحابِكم، وهو هلاكُ النَّفس بعقوبةِ الآخرة. وقيل: أي: يظفرُ بكم (٢) عدوُّكم، فيهلِكُكم إذا تركتُم الإنفاقَ في سبيل اللَّه تعالى. وقيل: أي: لا تَمنعوا ما فرضَ اللَّه تعالى عليكم من النَّفقة والصَّدقة (٣)، فتَهلِكوا عندَ اللَّه، قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقيل: أي: أنفِقوا ولا تَقولوا: إنَّا نخافُ الفقرَ إن أنفقنا فنهلك.

стр. 1233

وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾؛ أي: (١) إلى الفقراء بإعطاء المال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ إليهم. وقيل: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: استَعِدُّوا، وأعِدُّوا لغيركم (٢)، وتَعاونوا، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ أي (٣): لا تُخاطِروا بأنفسِكم فتبارزوا حيث تتيقَّنونَ أنَّكم تقتلون، ولا تَقدِرون أن تَنالوا منهم شيئًا (٤)، ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أي: أحسِنوا القتالَ إذا قَدَرتُم عليه، وأحسِنوا إلى أنفسِكم بحفْظِها عن الإلقاء في التَّهلُكَة من غير نفعٍ. وقيل [و] هو مرويٌّ عن البراء بن عازب ﵁: هو الرَّجلُ يُذنِبُ الذَّنْبَ فيُلقي بيديه، فيقول: لا يَغفرُ اللَّهُ لي أبدًا (٥). فمعناه على هذا: أنْفِقوا في طاعةِ اللَّه، ولا تُهلِكوا أنفسَكم بالقُنوط. وقيل: أي: بتركِ العملِ بعد ذلك، على اعتقادِه أنَّه لا تُقبَلُ توبتُه، ولا تَنفعُه طاعتُه. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: أحسنوا الظَّنَّ باللَّه تعالى. وقيل: أي: أحسنوا العملَ للَّه تعالى، ولا تُهلِكوا أنفسَكم بمعصيةِ اللَّه تعالى. وقيل: أي: افعلوا (٦) في العقل والشرع حُسنَه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: الفاعلين ذلك. وقال بعضُ أهل الحقيقة، وهو حسنٌ جدًا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أرواحَكم،

стр. 1234

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بمنعِكم أنفسكم عن الشَّهادة في سبيل اللَّه التي هي الحياةُ الأبديَّة، فتَهلِكوا معنًى بفوتِ هذه الحياة، ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ تسليمَ أنفسِكم إلى اللَّه تعالى، فقد اشتراها مِنكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ذلك (١). * * * (١٩٦) - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أدُّوهما تامَّين، ولا تُنقِصوا منهما شيئًا، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقيل: الإتمامُ يكونُ بعد الشُّروع، فيدلُّ على أنَّ مَن شَرَع فيهما لَزِمَهُ إتمامُهما، وبه نقول: إنَّ العمرةَ تَلزمُ بالشُّروع، فأمَّا الحجُّ فقد ثبتَ (٢) فرضيته بالنُّصوص، واستدلَّ الشَّافعيُّ ﵀ بالآيةِ على لزوم العمرة (٣)، فإنَّ اللَّه تعالى أمرَ بإتمامهما، والأمرُ للإيجاب، وقلنا: هذا في حقِّ مَن شرَعَ فيها. وقد قرئ: (والعمرةُ للَّه) بالرفع على الابتداء (٤).

стр. 1235

وقيل: معناه: وأتمُّوهما إذا شرعتُم فيها (١)، ولا تَتحلَلوا قبل التَّمام، إلَّا حالةَ الإحصار، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. وانتظامُها بما قبلَها من هذا الوجه أنَّ سياقَ هذه الآيات في إحصار النبيِّ ﷺ وأصحابِه بالحديبية. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: مُنِعتُم بمرضٍ أو عدوٍّ. وقال الكسائيُّ: يقال: حصرَهُ العَدوُ يَحصُى حصرًا؛ أي: حَبسَهُ (٢)، وأحْصَرَهُ المرضُ إحصارًا (٣). وكذا قال أبو عبيد (٤). وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: فإنْ أحصرتم؛ أي قام بعيرٌ، أو مرضتم (٥)، أو ذهبَتْ نفقتُكم، أو فاتَكمُ الحجُّ، والمحصور: الذي جُعِلَ في بيتٍ أو سجنٍ (٦). وقال الخليلُ بن أحمد: الحصر: الحبس، والإحصارُ أنْ يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره (٧). وعن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃: مَن كُسِر أو عرجَ فقد أُحصِر، وهو مذهبُ أصحابِنا رحمة اللَّه عليهم (٨).

стр. 1236

وقال الشافعيُّ ﵀: لا يكونُ الإحصارُ إلا مِن عدوٍّ؛ فإنَّ إحصارَ النبيِّ ﷺ وأصحابَهُ كان بالعدوّ (١)؛ ولأنَّه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، وذاك زوالُ خوفِ العدوِّ. وقلنا: العبرةُ لعموم اللَّفظ لا لخصوص السَّبب، واللفظُ لما قلنا لعلَّة (٢)، والأمنُ يكون عن العللِ أيضًا، قال (٣) النبيُّ ﷺ : "الزُّكامُ أمانٌ مِن الجُذام" (٤). وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ أي: فعليكم ما تيسَّرَ مِن الهديِ، تبعثونَهُ، فيُذبَحُ في محلِّهِ، فتَتحلَّلون. و"ما" رفعٌ على هذا الوجهِ. وقيل: هو نصبٌ على الإغراء، ومعناه: المتيسِّر من الهدي (٥)، فابعثوهُ. و ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ بمعنى: تيسَّرَ، كقولك: تيقَّنَ واستيقنَ، وتعجَّلَ واستعجَل، وتكبَّرَ واستكبَر (٦). وهو شاةٌ؛ لأنَّ الهديَ مِن الثلاث، من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي: لا تتحلَّلوا بحلقِ الرَّأس إلى أن يَصِلَ هذا الهديُ المبعوثُ إلى محِلِّه؛ أي: موضعِه الذي يَحِلُّ ذبحُه فيه، وهو

стр. 1237

الحرمُ عندنا، قال (١) تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، والمرادُ هو الحَرَمُ كلُّه؛ لأنَّه يتبعُه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهو ما يُؤذِيه؛ أي: يُتْعِبُه ويَشُقّ عليه؛ من صُدَاعٍ، أو شقيقةٍ أو قَمْل. وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فحلَق، فعليه فديةٌ، هذا مضمَرٌ، كما في قوله تعالى: فأفطر (٢) ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ نزلت الآيةُ في حق كعبِ بنِ عُجْرَة ﵁: مرَّ عليه رسولُ اللَّه ﷺ والقَمْل تتهافتُ في وجهِه، فقال له: "يا كعب، أيؤذيكَ هوامُّ رأسِك؟ " قال: نعم، فنزلت الآية، فأمرهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يَصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو يَتصدَّقَ بثلاثةِ أصوعٍ (٣) مِن حنطةٍ على ستَّة مساكين، على كلِّ مسكينٍ بنصف صاعٍ، أو يذبحَ شاةً (٤). و"أو" للتخيير، والنسك: ما يُنسَكُ؛ أي: يُذبَح، وأصله: ما يُتقرَّبُ به إلى اللَّه تعالى، وهذا واحدٌ مِن ذلك. والمريضُ المذكور في أوَّله هو المريضُ الذي يكون له في حَلْقِ الرَّأسِ خِفَّةٌ، أو تكونُ مداواتُه مِن هذا الوجه.

стр. 1238

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ أي: مِن المرضِ، أو العدو، وهو الذي وقعَ به الإحصارُ. ثم قيل: هاهنا إضمارٌ؛ أي: فاقضوا ما تحلَّلتُم عنه بسبب الإحصار، وهو الحجُّ أو العمرة (١) أو كلاهما (٢)، ثم ابتدأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾. وقيل: لا إضمارَ فيه، وفيه بيانُ أنَّه إذا أُحْصِرَ ثمَّ زالَ الإحصارُ وهو متمتِّعٌ، ووقتُ الحجِّ باقٍ، فحكمُه ما ذكر، وحكمُ المتمتِّع الذي لم يُحصر (٣) كذلك بالاستدلال؛ لأنَّه إذا زالَ الإحصارُ والوقتُ (٤) باقٍ؛ فكأنَّه لم يكن. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أي: أتى بالمتعةِ، وهو أنْ يُحرِمَ بالعمرة في أيَّام الحجِّ، فيأتي بأفعالِ العُمرة، ويتحلَّلُ منها، ثمَّ يُحرِمُ بالحجَّة مِن عامه ذلك، فيحُجُّ، سمِّيَت بها؛ لأنَّه انتفاعٌ بنُسكَينِ في وقتٍ واحدٍ، في سفرٍ واحدٍ، من عامٍ واحدٍ (٥)، ووجبَ عليه الشكر على ذلك بالهديِ، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهو شاةٌ على ما بيَّنَّا. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ دليلٌ على أنَّه يَفرُغُ أوَّلًا مِن العمرةِ، ثمَّ يصيرُ إلى الحجِّ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهديَ. وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في أيَّام

стр. 1239

الحجِّ، وهي في تسع ذي الحجَّة، إن شاءَ تابعَ (١)، وإن شاء فرَّقَ؛ لأنَّه مطلَقٌ. وقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: وعليكم صيامُ سبعةِ أيَّامٍ إذا رجعتُم من الحجِّ؛ أي: فرغتُم منه، وعند الشافعيّ ﵀ المرادُ به الرُّجوع إلى بلدِه، فلا يجوزُ صيام السَّبعةِ عنده قبل الرُّجوع إلى بلده (٢). ثمَّ قولُه تعالى: ﴿تَمَتَّعَ﴾ على المغايبة؛ لأنَّه فعلُ "مَن" وقولُه تعالى: ﴿فَصِيَامُ﴾ أضمرنا فيه: فعليه؛ لأنَّه يرجعُ إلى من لم يجد، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ خطابٌ للجمع؛ لأنَّ ابتداءَ الآيةِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، وتقديره: وأنتم متمتِّعون فعليكم ذلك، فالتوحيدُ والمغايبةُ يرجعان إلى المعترِض بينهما من كلمة "مَن"، والخطابُ والجمعُ يرجعان إلى المذكورينَ في أولها. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ أي: تامَّةٌ في البدلِ عن الهديِ لا نقصان فيها. وقيل: أي: تامَّة في الثَّواب كثواب الهَدي، لا تَنقصُ عنه. وقيل: أي: تامَّةٌ في حصول ثوابِ القِران بينهما، من غير تَحلُّلٍ بينهما. وقيل: أي: تامَّةٌ في المعنى الذي جُعِلْتَ له، فتمتَّع (٣) فلا حاجةَ إلى شيءٍ آخرَ، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ بعدَها؛ لأنَّه لمَّا قال: ﴿ثَلَاثَةِ﴾، ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ كان يُتوهَّمُ أنَّه يُضَمُّ إليهما شيءٌ آخر، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ إعلامًا أنَّ هذا العدد قد تمَّ، ولأنَّه تعالى لو قال: فعليه صيامُ عشرةِ أيَّامٍ كاملةٍ؛ ثلاثةٌ في الحجِّ، وسبعةٍ إذا رجع، استقام، فكذا إذا قدَّم الثلاثةَ والسبعةَ وأخَّر الجملةَ.

стр. 1240

وقيل: الواو قد تكون بمعنى "أو"، كما في قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فلو اقتصرَ على ذكرِ الثَّلاث (١) والسَّبعة، فربَّما يُتوهَّمُ أنَّه إنْ شاءَ صامَ ثلاثةً (٢) في الحجِّ، وإن شاء صامَ سبعةً بعد الرُّجوع، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾؛ ليُعلَمَ أنَّ الواجبَ كلُّها. وقيل: كان في العرب قلَّةُ معرفةٍ بمبالغ الحساب، فكان الرجلُ إذا خاطبَ صاحبَهُ بأعدادٍ متفرِّقةٍ جمعَها له، ليُسرعَ فهمُه إليها، قال الفرزدق: ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ... وواحدةٌ تَميلُ إلى شِمامِ (٣) وقال آخر: يَجمعنَ شتَّى مِن ثلاثٍ وأربع... وواحدةٍ حتَّى كَمَلنَ ثَمانيَا (٤) وأنشد نفطويه: وسرت إليهمُ عشرين شهرًا.. وأربعةً فذلك حِجّتانِ (٥) وقال النابغة: تَوهَّمتُ آياتٍ بها فعَرَفْتُها... لستَّة أعوامٍ وذا العامُ سابعُ (٦)

стр. 1241

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذلك التمتُّعُ للذي لا يَسكنُ مكَّةَ، وإنَّما ذكرَ الأهلَ؛ لأنَّ الغالبَ (١) أنَّ الإنسانَ يَسكنُ حيث يَسكنُ أهلُه، فعبَّرَ بسكونِ الأهلِ عن سكون نفسه. و ﴿حَاضِرِي﴾ جمع، ومحلُّه نصبٌ؛ لأنَّه خبرُ كان، وحذف (٢) النون من آخره للإضافة. و ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هو الحرمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنَّما صدُّوهم عن الحرمِ كلِّه، وحاضرو المسجدِ الحرام عندنا هم أهلُ مكَّةَ، ومَن كان منزلُه داخلَ المواقيت، فلا متعةَ لهم، وهي لأهلِ الآفاق، ورُخِّصَ لهم تحصيلُ النُّسُكين (٣) في أشهر الحجِّ ضرورةً، وحاضرو المسجدِ الحرام يَنبغي لهم أنْ يَعتمِروا في غيرِ أشهرِ الحجِّ، ويُفردوا أشهرَ الحجِّ للحجّ. وقال الشافعيُّ ﵀: حاضرو المسجد الحرام: أهلُ مكَّةَ ومَن كان دون أدنى المواقيت إلى مكَّة، وهو ما دونَ يومٍ وليلةٍ؛ أدنى مدَّة السفرِ عندَه (٤). وقال مالكٌ ﵀: هم أهل مكَّة وأهل ذي طوى، فأمَّا أهلُ مِنى فلهم المتعةُ (٥) عنده (٦).

стр. 1242

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: اتَّقوهُ، فلا تخالفوا ما (١) أمرَكم به وما نهاكم عنه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن لم يتَّقِه؛ أي: فهو أهلٌ أن يُتَّقى فإنَّ عقابَه شديدٌ. * * * (١٩٧) - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: وقتُ أوان (٢) الحجِّ؛ لأنَّ الحجَّ فعلٌ، والفعلُ لا يكونُ أشهرًا، فعُلِم ضرورةً أنَّه أريدَ به وقتُه، وهو متعارَفٌ، يقال: آتيك صلاةَ الظهر؛ أي: وقتَها، وقال ﷺ : "أينما أدركتني الصَّلاةُ تيمَّمتُ وصلَّيتُ" (٣)؛ أي: أدركنى (٤) وقتها. وقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ هي شوَّالُ، وذو القَعدة، وعشرٌ من (٥) ذي الحجَّة، وإنَّما لم يُسَمِّها بأعيانها في الآية؛ لأنَّها كانت معروفةً (٦) عندهم على ما توارثوه، إلَّا أنَّهم كانوا يُدخِلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنَّها هي أوقاتُه دونَ

стр. 1243

غيرِها، وأطلقَ اسمَ الأشهر على شهرينِ وبعض الثَّالث؛ لأنَّ ذلك أكثرُها، ويجوزُ إطلاقُ اسم الشَّيء على أكثرِه، كقول (١) الرَّجل: لم أرَ فلانًا منذ ثلاثة أيَّام، وهو بَعدُ في الثالث. ومنهم مَن يقول: هي شوَّال، وذو القَعدة، وتسعُ (٢) ذي الحجَّة؛ لأنَّ الحجَ يفوتُ بطلوع الفجرِ الثَّاني من يوم النَّحر، وهو اليومُ العاشرُ، ومَن أطلقَ العشرَ فإنَّما أرادَ به عشرَ ليالٍ؛ لأنَّ ليلةَ النَّحرِ يَصِحُّ فيها الوقوفُ بعرفةَ، فيُدرِكُ به الحجَّ. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾؛ أي: في هذه الأشهرِ، ومعنى ﴿فَرَضَ﴾؛ أي: أحرمَ بذلك، وأوجبَهُ على نفسِه، وأصلُ الفَرضِ: إيجابُ الشَّيءِ مقدَّرًا (٣)، يقول: إنَّ الحجَّ يكون في السَّنةِ مرَّةً في وقتٍ معلوم، فمَن عقدهُ على نفسِه فيه (٤)، فليُحصِّنهُ عن الرَّفث والفُسوقِ والجِدال. وقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: فلا يَرفث، نفيٌ بمعنى النَّهي، كقول النبيِّ ﷺ : "لا إغْلالَ ولا إسْلال" (٥)، والرَّفثُ: الجماع، قال الشاعر: فبَاتوا يَرفُثونَ وباتَ منَّا... رجالٌ في سلاحِهِمُ رُكُوبَا (٦)

стр. 1244

وهو الفحشُ مِن الكلام أيضًا، قال الشاعر: ورَبِّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّم (١) ... عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكلُّم (٢) وقال النبيُّ ﷺ : "إذا كان يومُ صوم أحدِكم، فلا يَرفُث، ولا يَجهل، فإن امرؤ شاتَمهُ فليَقل: إنِّي صائم" (٣). وجملتُه أنَّه هو الجماعُ وما دونَهُ مِن شأنِ النساءِ ممَّا يُفضِي إلى ذلك، وقد رُوي أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ قال وهو مُحرمٌ: فهنَّ يمشينَ بنا هَمِيسا... إنْ تَصدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا فقال أبو العالية: أترفُثُ وأنت محرِمٌ؟! قال: ذلك بحضرةِ النِّساء (٤). والحاصلُ أنَّ الجِماعَ محظورُ الإحرام، وهو قبلَ الوقوفِ بعرفةَ مفسدٌ، وبعدَه موجبٌ البَدنةَ، وحُرِّمَت دواعيه؛ لئلَّا يقعَ فيه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ أي: فلا (٥) يفسق، وأصلُه: الخروجُ عن الطَّاعة، وتكلَّموا في المراد به هاهنا. قيل: هو السِّباب، قال النبيُّ ﷺ : "سِبابُ المسلمِ فسوقٌ" (٦)، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، فجعلَ التَّنابزَ بالألقابِ فسوقًا.

стр. 1245

وقال مالك ﵀: هو الذَّبحُ للأصنام، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] (١). وقال بعضُهم -وهو مرويٌ عن ابنِ عبَّاس ﵄ وابن عمر-: إنَّه المعاصي كلُّها (٢). وهو الصحيح؛ لأنَّ ذلك كلَّهُ خروجٌ عن الطَّاعة، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعل ضِرار الكاتبِ والشَّهيدِ فسوقًا، فدلَّ أنَّه يقعُ على كلِّ معصيةٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾؛ أي: لا يُجادِلُ غيرهُ جِدالًا يُفضِي إلى التَّضاغُنِ وزوالِ التَّآلفِ، فأمَّا الجدالُ على وجهِ النَّظرِ في أمرٍ مِن أمور الدِّين بالدَّليل، فلا بأسَ به. وقيل: كانوا يَتجادلون، فيقولُ أحدُهم: أنا أتمُّ حجًّا، ويقولُ الآخرُ: بل أنا أتمُّ حجًّا، وكانوا يَختلفون في الموقفِ، وفي الإفاضة، وفي فسخِ الحجِّ إلى العمرة، وفي أشياء كانوا عليها في الجاهليَّة، فعرَّفَهم أنَّ ما كان في الجاهليَّة فقد ارتفعَ، واستقرَّ على سُنَّةِ إبراهيم ﵇، على ما أمرَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يُنادى: "اثبتوا على مشاعرِكم، فإنَّكم على إرثٍ من إرث إبراهيمَ ﵇" (٣)، وقال ﷺ : "خذوا عنِّي مناسكَكُم، لعلِّي لا ألقاكُم بعد عامي هذا" (٤).

стр. 1246

وقال مالكٌ ﵀ في "الموطأ": الجدالُ: أنَّ قريشًا كانت تَقِفُ عندَ المشعَرِ الحرامِ بالمُزدلفةِ بقُزَح، وكانت العربُ وغيرُهم يَقفون بعرفات، وكانوا يتجادلون؛ يقول هؤلاء: نحن أصوبُ، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال اللَّهُ تعالى: و ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال: فهذا هو الجدالُ فيما نُرى. واللَّه أعلم (١). وقيل: هو أمر النَّسيء (٢)، ومعناه: لا جدالَ في أنَّ الزَّمانَ قد عادَ إلى ما كان، كما قال ﷺ : "ألا إنَّ الزَّمانَ قد استدارَ كهيئتِه يومَ خلق اللَّهُ السَّماوات والأرض" الحديث (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ نَهى عن ثلاثةِ أشياءَ مِن المعاصي، ورغَّب في كلِّ الطَّاعات، و"ما" كلمةُ شرطٍ، و ﴿تَفْعَلُوا﴾ مجزومٌ بالشَّرط، ولذلك حذفَ من آخره النون، و ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جُزمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط؛ أي (٤): ما عملتموهُ مِن أعمال الحجِّ وغيرِه مِن فرضٍ أو نفلٍ، فإنَّ اللَّه (٥) عالمٌ به، حافظٌ له، يجزيكم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قيل: ادَّخروا لأنفسِكم

стр. 1247

الخيرَ بتقوى اللَّه تعالى؛ في الائتمار بأوامره، والانتهاءِ بنواهيه؛ فإنَّ تقوى اللَّهِ خيرُ ما يُتَزوَّدُ (١) ويُدَّخر؛ فإنَّه باقٍ، وغيرُه فانٍ. والزَّادُ المعروفُ: هو ما أُخِذَ من الطَّعام وغيرِه عِدَّةً لوقتِ الحاجة إليه، فجُعِلَ مثلًا للأعمال الصالحة (٢)؛ لحصولِ هذا المعنى بها. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: واخشَوني، واحذَروا عقابي أيُّها الذين مَنَنتُ عليهم بالعقول التي هي أفضلُ ما جُعِلَ في الخَلْقِ؛ فإنَّ لُبَّ الشَّيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جَعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التَّمييزِ ومعاوِن التَّدبير، فيَسهُلُ معها التَّقوى والتَّفكير (٣). ودليلُ صحَّةِ هذا التَّأويل أنَّه وإنْ أُطلِقَ التَّزوُّد، ولكن عُطِفَ عليه قولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، والفاءُ واصلةٌ للثَّاني بالأوَّل، ومخبِرةٌ بتشاكُلِهما، ويبعد أن يقال: تَزوَّدوا الطَّعام؛ فإن خير الزاد شيءٌ غيرُه. وقال الحسنُ في تفسير هذه الآية: إنَّما هذه الدنيا بُلْغَةٌ؛ فمتزوِّدٌ خيرًا، ومتزوِّدٌ شرًّا، وكلٌّ (٤) خارجٌ منها بما (٥) تزوَّدَ منها. وعامَّةُ المفسِّرين على أنَّه أمرَ بأخذِ الزَّادِ إذا خرجوا للحجِّ وألَّا يتَّكِلوا على مسألةِ النَّاس، وكان أهلُ اليمن يَخرجونَ بغيرِ زاد، ويقولون: نتوكَّل على اللَّه تعالى (٦)،

стр. 1248

وكان قلوبُ رُفقائِهم تَشتغلُ بذلك، فأمرَهم اللَّهُ تعالى بالتزوُّد، وأخبرَ أنَّه مِن التَّقوى؛ فإنَّه ائتمارٌ بأمرِ اللَّه تعالى، وتخفيفٌ عن عبادِ اللَّه تعالى، وخيرُ الزَّادِ التَّقوى. وقال مقاتلٌ ﵀: كان ناسٌ من أهلِ اليَمن وغيرِهم يَحجُّونَ بغير زادٍ، ويُصيبون مِن أهل الطَّريق ظُلمًا، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أي: فتزودوا (١) مِن الطعام؛ كيلا تَظلِموا مَن تمرُّون به؛ ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ أي (٢): أن تتَّقوا اللَّهَ تعالى باتِّقائكُم ظلمَ النَّاس (٣). ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قد فسَّرناه. * * * (١٩٨) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: لا إثمَ عليكم في أن تتَّجِروا في طريق الحجِّ، وكانوا يَمتنعون عن ذلك، ويقولون للتُّجَّار في هذا الطريق: هؤلاء الداجّ، وليسوا بالحاجِّ. والداجُّ: المكتَسِبُ الملتقِطُ، مشتَقٌّ مِن الدَّجاجة، قاله القفَّال. وقال غيره: الدَّاجُّ عندهم اسمٌ معروفٌ لِمَن يَخرجُ مع الحاجِّ تبعًا

стр. 1249

للحاجِّ (١) مِن الخَدَمِ والأتباع، مأخوذٌ (٢) من قولهم: دجَّ؛ أي (٣): دبَّ. فأخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّ ما كان مباحًا مِن أمورِ الدُّنيا، ولا بدَّ منه لإقامةِ المعاش، فلا مَنْعَ عنه. وفضلُ اللَّه تعالى هو المالُ والسَّعةُ بالتِّجارةِ وغيرِها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: كانت عُكاظٌ ومَجَنَّةٌ وذو المَجازِ أسواقًا في الجاهليَّة، فلمَّا كان الإسلامُ كأنَّهم كرِهوا أنْ يتَّجِروا في الحجِّ، فسألوا النبيَّ ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٤). وقال قتادة: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كان أهلُ الجاهليَّة يُسمُّون ليلةَ النَّفْرِ ليلةَ الصَّدرِ، وكانوا لا يَمكثون على كسيرٍ، ولا على ضالَّة ولا لحاجة (٥)، ولا يَبتغون فيها تجارةً، فأحلَّ اللَّهُ تعالى ذلك للمؤمنين أنْ يَمكثوا على حاجاتهم، ويبتغوا مِن فضلِ اللَّه تعالى (٦). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي: رجعتُم منها بعد الوقوفِ بها،

стр. 1250

وحقيقةُ الإفاضةِ هاهنا هو اجتماعُ الكثيرِ في الذَّهاب والمسير، ومنه قولُهم: أفاضَ البعيرُ بجِرَّتِه (١)؛ أي: أجراها كثيرًا متفرِّفًا، وإفاضةُ قِداحَ الميسر: جمعُها، ثمَّ إلقاؤُها متفرِّقةً، وإفاضةُ الماءِ على البدن، وإفاضةُ الدُّموع، والإفاضةُ مِن القومِ في الحديث؛ كلُّها تَرجِعُ إلى هذا، وكذا قولُهم: النَّاس فوضى، ونيَّاتهم فوضى، على هذا. وعرفات: موضِعٌ مخصوصٌ، بها الوقوفُ الذي هو ركنُ الحجِّ، وسُمِّيَت بها؛ لأن آدمَ -صلوات اللَّه عليه- وجد بها حواء، فعرَفها بعدما كانا تَفارقا مدَّةً. وقيل: لأنَّ جبريلَ ﵇ عرَّف بها آدمَ ﵇ (٢) مناسكَ الحج (٣). وهي جمعُ عَرَفة، وهي ما ارتفعَ مِن الأرض، وكذلك الأعراف، وإن كان (٤) الاسمُ شاملًا لأجزاء ذلك المكان، واليوم الذي يُوقَف (٥) بها يومُ عرفة، ووقوفُ النَّاس بها فيه (٦) تعريفٌ. وكان (٧) قريشٌ ومَن دخل في جملتهم من الحُمْس لا يجاوزون الحرمَ؛ تعظيمًا له، وكراهيةَ أن يحطُّوا قدره، فيكون فيه حطُّ أقدار (٨) أنفسهم؛ إذ عظَّموا غيرَ الحرم، وكانوا لا يَقفون بعرفةَ؛ لأنَّها مِن الحلِّ، وكان غيرُهم يَقفون بعرفة،

стр. 1251

وكان الواقفون بعرفةَ يُفيضون قبلَ غروبِ الشَّمس، وكان الواقفون بالمزدلفة يَدفعون إذا طَلَعت الشَّمس، فردَّهم اللَّهُ ﷻ بنبيِّه ﷺ إلى ملَّة إبراهيم ﵇ (١)، فوقفَ بعرفات، وأفاض منها بعد غروب الشَّمس، ودفعَ من المزدلفة قبلَ طلوعِ الشَّمس، ونزل القرآن بالإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وقولِه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، وفيه دليلُ تَقدُّم (٢) الوقوف عليه، وهو ركنٌ، قال ﷺ : "الحجُّ عرفة" (٣)، فمن وقفَ بعرفة فقد تمَّ حجُّه؛ أي: أمِنَ الفوتَ؛ فإنَّه لم يبق ركنٌ إلَّا الطَّوافُ بالبيت، وذلك لا يَفوتُ؛ فإنَّه يُقْضَى بعد أيَّامِ النَّحر، فأمَّا الوقوفُ بعرفة، فإنه إذا فاتَ يومُ عرفةَ وليلةُ النَّحر، فقد فات الحجُّ. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أي: صلُّوا للَّه تعالى، وهي المغربُ والعشاءُ جمعًا في وقتِ العشاء، وقولُه: ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أي: المزدلفة، وا لمشعر: المعْلَم؛ أي: للعبادة، والشَّعائرُ: العلامات، والحرام: المحترمُ والمحرَّم، وكذا المسجدُ الحرام، والبيتُ الحرام، والشَّهرُ الحرام، وكذا الحرمُ؛ يَحِلُّ حرمتُها ولا يحلُّ هتكها. ومنهم من حملَ قولَه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ على مطلقِ الذِّكر باللِّسان،

стр. 1252

والحملُ هاهنا على الصَّلاةِ أولى (١)؛ لأنَّ الذِّكرَ باللِّسانِ دَخلَ (٢) فيما ذُكرَ بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، فيُحمَلُ هذا على الصَّلاة؛ لزيادةِ الإفادة، والذِّكرُ يَجيءُ بمعنى الصَّلاة، قال تعالى خبرًا عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: آثرْتُ حبَّ الخيلِ (٣) على صلاة ربِّي، وقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: صلاة الجمعة. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: اذكروه بألسنتِكم على الوجوه (٤) الذي علَّمكم، وإنْ كنتُم لا تَهتدون إليه قبل ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وهو وصفُه بما يَليقُ به (٥)، ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وهو تنزيهُه عما لا يليقُ به. وقيل: واذكروه بالشُّكرِ على ما هداكُم للدِّين الحقِّ، وقد كنتم قبل ذلك من الضَّالِّين عن الهُدى. و"إن" كلمةُ تأكيدٍ بمعنى "قد"، واللامُ للتَّأكيد أيضًا. وقيل: (إن) نفيٌ، واللام استثناء؛ أي: وما كنتم قبلَ ذلك إلَّا مِن الضَّالين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبلِ الهُدى، وهو ثابتٌ دِلالةَ قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾.

стр. 1253

ومن حملَ الذِّكرَ الأوَّلَ على اللِّسان، فإنَّه يَقول: التَّكرار للتَّأكيد، ولأنَّ الأوَّل أمرُ بالذِّكر، والثَّاني أمرٌ بالذِّكرِ وبيان السَّببِ الذي يُوجبُه، أو بيان صفتِه التي يُبتغى عليها، ولأنَّه أمرٌ بوصل الذِّكر بالذِّكر وبمداومة الشُّكر لتوالي الإنعام والبِرِّ. * * * (١٩٩) - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي: ارجعوا يا قريش والحمس مِن عرفات كما يرجع سائرُ النَّاس منها، وهو أمرٌ بالوقوفِ بعرفات. و ﴿ثُمَّ﴾ ليس (١) للترتيب هنا (٢)، فإنَّه ليس بعد (٣) الوقوف بالمزدلفة، لكنَّه بمعنى "مع"، وأريد به العطف المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله : ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢ - ١٧]؛ أي: مع ذلك كان مؤمنًا. وقيل: أراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: إبراهيمُ ﵇، وأولادُه، وأمَّتُه، ومتَّبِعوه؛ فإنَّهم كانوا غيَّروا ذلك، فرُدُّوا إلى الأصل. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: أفيضوا الآن كما أُمِرتُم (٤)، واستغفرُوا (٥) لِما سلفَ منكم، يَغفر لكم اللَّه ويَرحمكم.

стр. 1254

وقيل: إذا ذكرتُم اللَّهَ تعالى، ووصفتموه (١) بالطَّهارة، فاسألوا (٢) اللَّهَ تعالى لأنفسِكم الطَّهارةَ. * * * (٢٠٠) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: فإذا أتممتُم أمورَ حجِّكم. وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ (٣) أي: احمدوهُ وأثنوا عليه بما أنعمَ (٤) عليكم، كما تذكرون آباءَكم بإنعامٍ منهم يكون عليكم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ أي: بل أشدَّ ذكرًا، فإنَّ نِعمَ اللَّه تعالى غيرُ محصورةٍ، وقد ذكرنا لكلمة "أو" وجوهًا أخر عند قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وهذا على ذلك. وقال القفَّال: ومجازُ اللُّغة في مثلِ هذا معروفٌ، يقول الرجلُ لآخر: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه (٥)، لا يريد به التَّشكيك، وإنَّما يريدُ به النَّقلَ عن الأوَّل إلى ما هو أقربُ منه وقتًا.

стр. 1255

وقالوا: كانوا في الجاهليَّة في المواسم عند اجتماعِ النَّاس وتوافرِ القبائل، يتفاخرون بآبائهم، ويُعددون إيَّامَهم، ويَذكرونَ محاسنَهم، يريدُ كلُّ واحدٍ منهم الشُّهرةَ لنفسِه، والتَّرفُّعَ بمآثرِ سلفِه بعرفات ومنى وغير ذلك، قال جريرٌ يخاطِبُ الفرزدق: ألم تر أنَّ اللَّهَ أخزى مُجاشِعًا... إذا ضمَّ أحياءَ الحجيجِ المُعَرَّفُ (١) وقال الفرزدقُ يخاطبُ جريرًا: وإنَّك لاقٍ بالمشاعرِ من مِنى... فخارًا فخبِّرني بمَنْ أنْتَ فاخِرُ (٢) فلمَّا جاء الإسلامُ نهاهُم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأمَرهم أنْ (٣) يَجعلوا بدلَ ذكرِهم آباءَهم ذكرَ اللَّهِ تعالى وتمجيدَهُ والثَّناءَ عليه بنعمِه؛ إذ الخيرُ كلُّه مِن عندِه، وآباؤهم عبيدُه، ونالُوا ما نالوا بإفضالِه. وقال الحسن البصري ﵀: معناه: اذكروني كما يَذكُرُ الصَّغيرُ أباهُ، فإنَّه أول ما يَتكلَّمُ يقول: يا أب، يا أب، فعلى كلِّ مسلمٍ أن يقولَ على الدَّوام: يا رب، يا رب. وقيل: اذكروني بالوحدانيَّة كما يَذكرُ الولدُ أباه، فإنَّه لا يَرضى بأنْ يُذكَر له أبوان، فلا يَنبغي للعبدِ أنْ يَسكُتَ إذا قيل: ربَّان. وقيل لابن عباس ﵄ في هذه الآية: إنَّ الرجلَ ليأتي عليه زمانٌ ما يَذكُرُ أباهُ، قال: إنَّه ليس بذلك، ولكنَّه يقول: تغضبُ للَّه تعالى إذا عُصِيَ أشدَّ مِن غضبِك لوالدِك إذا ذُكِرَ بسوءٍ (٤).

стр. 1256

وقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ أي: مِن الذين يَشهدون الحجَّ مَن يَسألُ اللَّهَ حظوظَ الدُّنيا، فيقول: يا ربَّنا أعطِنا في الدُّنيا؛ أي: الجاهَ والغِنى والنُّصرةَ على الأعداء، وما هو مِن الحظوظِ العاجلة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: نصيب، واختُلف فيهم أنَّهم مَن هم؟ قيل: هم الكفَّار؛ لأنَّهم كانوا يُعظِّمون البيتَ، فيَحجُّونَهُ (١)، ويَدعونَ بحوائجِ الدُّنيا دون (٢) الآخرة، فإنَّهم كانوا يَجحدون البعثَ بعد الموت، فذكرَ (٣) اللَّهُ تعالى أنَّه (٤) لا حظَّ لهم في الآخرة ممَّا ينالُه المؤمنون مِن الجنَّة وأنواعِ الكرامة. وقيل: هم المؤمنون الذين يَسألون الدُّنيا دون الآخرة، وهو ذنبٌ منهم؛ إذ سألوا اللَّهَ تعالى في أشرفِ المشاهدِ حُطَام الدُّنيا، وغَفَلوا عن نعيمِ (٥) العقبى، وقولُه تعالى في حقِّهم: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: إلا أن يتوب. وقيل: أي (٦): إلَّا أن يعفوَ اللَّهُ تعالى عنه. وقيل: أي (٧): ليس له خَلاق كخلاقِ مَن سأل اللَّهَ تعالى لآخرتِه.

стр. 1257

(٢٠١) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ أي: ومِن الذين يَشهدون الحجَّ مَن يَسألُ اللَّهَ تعالى خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، والحفظَ مِن نار جهنَّم. والحسنةُ كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ الخيراتِ في الدَّارين، قال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] هي الخِصبُ وسَعَةُ الرِّزق، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ١٥٢]، وهما الظَّفرُ والشَّهادة. وقال ثابت: قالوا لأنس: ادعُ لنا، فقال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، قالوا: زدنا، قال: سألتُ خيرَي (١) الدُّنيا والآخرة (٢). وقال عكرمة: الحسنةُ في الدُّنيا: المرأةُ الصَّالحة. وقال الحسنُ ﵀: الحسنةُ في الدُّنيا: الفقهُ والعبادة (٣). وقال في روايةٍ: الحسنةُ في الدُّنيا: الرِّزقُ الطَّيِّبُ والعملُ الصَّالح، وفي الآخرة: الجنَّة (٤). وقيل: حسنةُ الدُّنيا: التَّوفيقُ والعِصمةُ، وحسنةُ الآخرة: العفوُ والمعفرة.

стр. 1258

وقال الشيخ الإمام أبو القاسم الحكيم (١): حسنةُ الدُّنيا: عيشٌ على سعادة (٢)، وموتٌ على شهادة، وحسنةُ الآخرة: بعثٌ مِن القبرِ على بشارة، وجوازٌ على الصِّراطِ على سلامة. وقيل: الحسنةُ في الدُّنيا: العافية، وفي الآخرة: العفو. وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: احفظْنا مِن عذابِ جهنَّم، والوقايةُ تتعدَّى إلى مفعولَين، و ﴿عَذَابَ﴾ مفعولٌ ثان. * * * (٢٠٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: هؤلاء الذين سألوا (٣) الحسنتين، لهم حظٌّ صالحٌّ بما حجُّوا على الوجهِ، وسألوا على العلم. وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ يرجعُ إلى الفريقين، ومعناه: لكلِّ واحدٍ منهم جزاءٌ على وفقِ عمله، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].

стр. 1259

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيه إشارةٌ إلى (١) الجزاء على الخير والشرِّ جميعًا، فيوافقُ القولَ الذي مرَّ أنه في الفريقين. ثمَّ معناه عند بعضِهم: سريعُ الجزاء على الأعمال، و ﴿الْحِسَابِ﴾ يرادُ به نفسُ الجزاء على الأعمال (٢)، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ٨]، وهذا في الدُّنيا فكان جزاءً، ووجهُه أنَّ الحسناتِ (٣) تكون مكافأةً من جهة الأخذِ والإعطاء، فإذا قال القائلُ: حاسبْتُ فلانًا؛ أي: أخذتُ منه ما كان لي عليه، وأعطيتُه ما كان له عليَّ. وقيل: معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أنَّ (٤) محاسبةَ اللَّه تعالى عبادهُ آتيةٌ لا محالة، وما هو آتٍ فكأن قد. وقيل: إنَّه سريعُ الحسابِ؛ لأنَّه (٥) لا يَشغلُه شأنٌ عن شأن، فيحاسِبُ الكلَّ جملةً. وقيل: هو سريعُ الحساب؛ لأنَّه لا جحودَ يومئذٍ، فيؤتى كلُّ واحدٍ بكتابِه وفيه أعمالُه، وقد ظهرَ جزاؤه، فيُقضى عليه للحالِ بما يَستحقُّه. * * * (٢٠٣) - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

стр. 1260

وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيَّامُ التَّشريقِ، وهي أيَّامُ رميِ الجِمار، وهي ثلاثةٌ بعدَ اليوم العاشر من ذي الحجَّة (١)، وهو أمرٌ بالتَّكبير وغيرِه عند رميِ الجِمار فيها. وقيل (٢): هو أمر بالتَّكبير في أدبار الصَّلوات. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: تعجَّلَ بالرُّجوع، واكتفى برميِ الجِمارِ في يومين من (٣) هذه الأيَّام الثَّلاثة، فلم يمكثْ حتى يَرمي في اليوم الثَّالث. قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لا يأثمُ بهذا التَّعجيل، وهو مرخَّصٌ له. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾؛ أي: رمى في الثَّلاثة الأيام، ثم رجع. وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ يقال: إنَّه قال في المتعجل: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ولم يقيِّدهُ بشرطِ التقوى، وقال في المتأخِّر: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، والأوَّل (٤) أخذَ بالرُّخصة، والثَّاني (٥) بالعزيمة، فكان اشتراطُ التَّقوى زيادةً على عمله هناك أولى، فلمَ جاء النص بخلافه؟ قلنا: معنى الأول: فلا إثمَ عليه بالتَّعجُّل (٦)، ومعنى الثاني: فلا يبقى عليه إثمٌ مِن آثام عمره إذا اتَّقى اللَّهَ تعالى في هذا الحجِّ، فإنَّه يُتقبَّلُ منه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والحجُّ المبرورُ يُكفِّرُ كلَّ ذنبٍ.

стр. 1261

وقيل في نزوله: إنَّه كان يتعجَّل بعضُهم، ويتأخَّرُ بعضُهم، فيَعيبُ هذا على هذا، وهذا على هذا، فنزلَت الآيةُ أنَّه لا عيب على متعجِّل ولا على متأخِّر. ثم قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ فيه ثلاثةُ أقاويل: قال أبو العالية: أي: يَجيءُ يومَ القيامة ولا إثمَ عليه، إذا اتَّقى (١) فيما بقيَ مِن عمره، فلم يَرتكب ذَنبًا (٢) بعد ما غُفِرَ له في الحجِّ (٣). وقيل: لمن اتَّقى قبل الحجِّ، فحجَّ وهو مُتَّقٍ؛ فأمَّا المذنبُ المصِرُّ إذا حجَّ فلا يُقبَلُ منه. وقيل: لمن اتَّقى محظوراتِ إحرامِه، فلم يُذنِب ذنبًا في حجَّتِه (٤)، قال ﷺ : "من حجَّ ولم يرفث ولم يفسق، رجعَ كما ولدته أمه" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في أوامرِه ونواهيه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تُبعثونَ وتُجمَعون وتُجزَون بما كنتم تعمَلون. * * * (٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.

стр. 1262

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّه ذكرَ فريقين يَشهدون الحجَّ؛ كفَّارٌ يَسألون الدُّنيا، ومؤمنون يَسألون الآخرة، ثمَّ ذكر فريقًا ثالثًا، وهم المنافقون الذين ظاهرُهم مع هؤلاء، وباطنُهم مع هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾؛ أي: يَروقُكَ كلامُه وفصاحتُه. وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلَت في الأخنسِ بن شَرِيقٍ الثَّقفيِّ؛ أقبلَ (١) إلى النبيِّ ﷺ ، فأظهرَ له الإسلامَ، وكان له منظرُ ولسانٌ، فأَعجَبَ النبيَّ ﷺ ذلك، وقال: جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يَعلمُ إنِّي لصادقٌ (٢)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣)؛ أي: يَستشهِدُ باللَّه أنَّ ما يُضمِرُه موافقٌ لِما يُظهِرُه (٤)، فيقول: أشهدُ باللَّه إنِّي لمخلص. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: شديدُ المخاصمة؛ يقال: لَدَّ يَلُدُّ لَدَدًا فهو ألدُّ، من باب عَلِم، واللُّدُّ جمع الألدِّ، قال تعالى: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. و ﴿الْخِصَامِ﴾ مصدرُ قولِك (٥): خاصمَهُ يُخاصِمُه مخاصمةً (٦) وخصامًا.

стр. 1263

والزَّجَّاجُ جعل الألف في الألد (١) للتَّفضيل، وجعل الخِصامَ جمعَ خصم (٢)؛ أي: هو ألجُّ الخصوم؛ أي: أشدُّهم لجاجًا. وقيل: الألندد واليلندد كا لألد، واشتقاقُه مِن لَديدي العُنُق، وهما صفحتاه، ولديدا (٣) الوادي جانباه، ومعناه أنَّه هو الذي إذا أخذَ خصمُهُ في وجهٍ، قابلَهُ بوجهٍ (٤) آخر، فغلبَهُ وقهرَه. * * * (٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾؛ أي: إذا رجعَ وأعرضَ عنك هذا المنافقُ، سعى في الأرض بالإفساد، وهو ما ذكرَ بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال السُّدِّيُّ ﵀: مرَّ على زرعِ مسلمٍ فأحرقَه، وعلى أتانٍ له فعقرَها (٥). والحرثُ هو الزَّرعُ، وأصله الشَّقُّ، وقد حرثَ الحرَّاث؛ أي: (٦) شَقَّ الأرضَ وبذرَ فيها.

стр. 1264

والنَّسلُ: ما خرجَ مِن كلِّ أُنثى (١) من أجناس الحيوان، ومنه سُمِّيَ ما يخرجُ من الوَبَر والشَّعر نَسِيلًا (٢)، قال امرئ القيس: وإنْ تكُ قد ساءَتك منِّي خليقةٌ... فسُلِّي ثيابي مِنْ ثيابِك تَنْسُلِ (٣) أي: تَخرج (٤). وقيل في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ﴾: إنَّ (٥) الأخنسَ كان حليفًا لبني زُهرة (٦)، وقال لهم يوم بدر: إنَّ محمَّدًا ابنُ أختكم (٧)، فإن يكُ كاذبًا كفاكُم ذؤبان العرب، وإن يك صادقًا كنتم أسعدَ الناس به، فارجعوا. فقالوا: نعم الرأي (٨) رأيت! قال: فإذا نُودِي في الناس بالرحيل، فإنِّي أنخنسُ بكم فاتبعوني، ففعلوا، فسُمِّيَ الأخنس (٩)، وكان اسمه أُبيَّ بنَ شَرِيق، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فأعجبَه. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: في أمور الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]. وقيل في قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: هو إفسادُ قلوبِ النَّاس بالتَّلبيس وإدخالِ

стр. 1265

الشُّبَهِ، والمنافقون موصوفون بذلك في قوله تعالى (١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قيل: هو نهايةُ وصفٍ له بالفساد، وهو في غاية الفصاحة، فإنَّ قيامَ الدُّنيا بما يَخرجُ مِن الأرض ومن الأنثى، فإذا انْقَطعا، خربت الدُّنيا، وهذا كما قال تعالى في وصف الجنَّة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، وهو نهايةُ ما في الجنَّة مِن النِّعمة، وقال تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وهو نهايةُ ما في الأرض من العطيَّةِ. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أي: يُهْلِكَ الأمَّهاتِ والأولاد، فإنَّ النساءَ حرثٌ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يَستحْسنُه ولا يَرضاهُ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا خُوِّفَ هذا المنافقُ باللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتهُ حميَّتُه وعزَّتُه في نفسِه على ردِّ (٢) النُّصح، وإظهارِ الغضبِ، والإصرارِ على الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ أي: حميَّةٍ وعداوة. والباء على هذا صلةُ: ﴿أَخَذَتْهُ﴾، ولا فرقَ بين قولك: أخذتهُ بِكذا، وحملتُه على كذا. وقيل: معناه: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾؛ أي: لَزمتهُ الحميَّةُ وعزَّةُ النَّفسِ، وتمَّ الكلام، كما
следующие страницы →