← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وقيل في نزوله: إنَّه كان يتعجَّل بعضُهم، ويتأخَّرُ بعضُهم، فيَعيبُ هذا على هذا، وهذا على هذا، فنزلَت الآيةُ أنَّه لا عيب على متعجِّل ولا على متأخِّر. ثم قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ فيه ثلاثةُ أقاويل: قال أبو العالية: أي: يَجيءُ يومَ القيامة ولا إثمَ عليه، إذا اتَّقى (١) فيما بقيَ مِن عمره، فلم يَرتكب ذَنبًا (٢) بعد ما غُفِرَ له في الحجِّ (٣). وقيل: لمن اتَّقى قبل الحجِّ، فحجَّ وهو مُتَّقٍ؛ فأمَّا المذنبُ المصِرُّ إذا حجَّ فلا يُقبَلُ منه. وقيل: لمن اتَّقى محظوراتِ إحرامِه، فلم يُذنِب ذنبًا في حجَّتِه (٤)، قال ﷺ : "من حجَّ ولم يرفث ولم يفسق، رجعَ كما ولدته أمه" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في أوامرِه ونواهيه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تُبعثونَ وتُجمَعون وتُجزَون بما كنتم تعمَلون. * * * (٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.

стр. 1262

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّه ذكرَ فريقين يَشهدون الحجَّ؛ كفَّارٌ يَسألون الدُّنيا، ومؤمنون يَسألون الآخرة، ثمَّ ذكر فريقًا ثالثًا، وهم المنافقون الذين ظاهرُهم مع هؤلاء، وباطنُهم مع هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾؛ أي: يَروقُكَ كلامُه وفصاحتُه. وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلَت في الأخنسِ بن شَرِيقٍ الثَّقفيِّ؛ أقبلَ (١) إلى النبيِّ ﷺ ، فأظهرَ له الإسلامَ، وكان له منظرُ ولسانٌ، فأَعجَبَ النبيَّ ﷺ ذلك، وقال: جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يَعلمُ إنِّي لصادقٌ (٢)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (٣)؛ أي: يَستشهِدُ باللَّه أنَّ ما يُضمِرُه موافقٌ لِما يُظهِرُه (٤)، فيقول: أشهدُ باللَّه إنِّي لمخلص. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾؛ أي: شديدُ المخاصمة؛ يقال: لَدَّ يَلُدُّ لَدَدًا فهو ألدُّ، من باب عَلِم، واللُّدُّ جمع الألدِّ، قال تعالى: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. و ﴿الْخِصَامِ﴾ مصدرُ قولِك (٥): خاصمَهُ يُخاصِمُه مخاصمةً (٦) وخصامًا.

стр. 1263

والزَّجَّاجُ جعل الألف في الألد (١) للتَّفضيل، وجعل الخِصامَ جمعَ خصم (٢)؛ أي: هو ألجُّ الخصوم؛ أي: أشدُّهم لجاجًا. وقيل: الألندد واليلندد كا لألد، واشتقاقُه مِن لَديدي العُنُق، وهما صفحتاه، ولديدا (٣) الوادي جانباه، ومعناه أنَّه هو الذي إذا أخذَ خصمُهُ في وجهٍ، قابلَهُ بوجهٍ (٤) آخر، فغلبَهُ وقهرَه. * * * (٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾؛ أي: إذا رجعَ وأعرضَ عنك هذا المنافقُ، سعى في الأرض بالإفساد، وهو ما ذكرَ بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، قال السُّدِّيُّ ﵀: مرَّ على زرعِ مسلمٍ فأحرقَه، وعلى أتانٍ له فعقرَها (٥). والحرثُ هو الزَّرعُ، وأصله الشَّقُّ، وقد حرثَ الحرَّاث؛ أي: (٦) شَقَّ الأرضَ وبذرَ فيها.

стр. 1264

والنَّسلُ: ما خرجَ مِن كلِّ أُنثى (١) من أجناس الحيوان، ومنه سُمِّيَ ما يخرجُ من الوَبَر والشَّعر نَسِيلًا (٢)، قال امرئ القيس: وإنْ تكُ قد ساءَتك منِّي خليقةٌ... فسُلِّي ثيابي مِنْ ثيابِك تَنْسُلِ (٣) أي: تَخرج (٤). وقيل في قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُكَ﴾: إنَّ (٥) الأخنسَ كان حليفًا لبني زُهرة (٦)، وقال لهم يوم بدر: إنَّ محمَّدًا ابنُ أختكم (٧)، فإن يكُ كاذبًا كفاكُم ذؤبان العرب، وإن يك صادقًا كنتم أسعدَ الناس به، فارجعوا. فقالوا: نعم الرأي (٨) رأيت! قال: فإذا نُودِي في الناس بالرحيل، فإنِّي أنخنسُ بكم فاتبعوني، ففعلوا، فسُمِّيَ الأخنس (٩)، وكان اسمه أُبيَّ بنَ شَرِيق، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فأعجبَه. وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: في أمور الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]. وقيل في قوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: هو إفسادُ قلوبِ النَّاس بالتَّلبيس وإدخالِ

стр. 1265

الشُّبَهِ، والمنافقون موصوفون بذلك في قوله تعالى (١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قيل: هو نهايةُ وصفٍ له بالفساد، وهو في غاية الفصاحة، فإنَّ قيامَ الدُّنيا بما يَخرجُ مِن الأرض ومن الأنثى، فإذا انْقَطعا، خربت الدُّنيا، وهذا كما قال تعالى في وصف الجنَّة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، وهو نهايةُ ما في الجنَّة مِن النِّعمة، وقال تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، وهو نهايةُ ما في الأرض من العطيَّةِ. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أي: يُهْلِكَ الأمَّهاتِ والأولاد، فإنَّ النساءَ حرثٌ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يَستحْسنُه ولا يَرضاهُ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا خُوِّفَ هذا المنافقُ باللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتهُ حميَّتُه وعزَّتُه في نفسِه على ردِّ (٢) النُّصح، وإظهارِ الغضبِ، والإصرارِ على الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ أي: حميَّةٍ وعداوة. والباء على هذا صلةُ: ﴿أَخَذَتْهُ﴾، ولا فرقَ بين قولك: أخذتهُ بِكذا، وحملتُه على كذا. وقيل: معناه: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾؛ أي: لَزمتهُ الحميَّةُ وعزَّةُ النَّفسِ، وتمَّ الكلام، كما

стр. 1266

يُقال: أخَذَتْهُ الحُمَّى، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بسببِ الإثم الذي في قلبِه، وهو النِّفاقُ وحبُّ الفساد. وقوله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيهِ دخولُ النَّار والخلودُ فيها؛ جزاءً على عملِه (١)، وهو وعيدٌ شديدٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: ولبئسَ ما مهدَ لنفسِه في الآخرة؛ أي: وطَّأ وهيَّأ. قبَّح بهذا فعلَه، وعجَّب عبادَه منه. والمِهاد في الأصل يُستعمَلُ في الخير، قال تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]، لكن ذكر هذا للكافر بمقابلة ما ذَكرَ للمؤمن، وهو كالبِشارة، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، وقال تعالى في مقابلته: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. * * * (٢٠٧) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لمَّا ذكر في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ واحدًا مَذمومًا من أعدائِه، ذكرَ في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ واحدًا محمودًا من أوليائه، ترغيبًا للنَّاس، وترهيبًا، وتعريفًا للنَّاس أنَّه لا يَجعلُ المسيءَ كالمحسن. وقوله تعالى: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾؛ أي: يبيعُها مِن اللَّه تعالى يبتغي بذلك أنْ يكونَ ثمنُها رضى اللَّه تعالى.

стр. 1267

وبيعُه نفسَه للَّه تعالى: بذلُها في الطَّاعة والجهادِ للَّه عزَّ وعلا، وهذه استعارةٌ عن بذلِ النَّفسِ للَّه تعالى؛ رجاءَ ثوابِ اللَّه تعالى عوضًا عنها، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: هو في غايةِ الرَّحمةِ بهم، ولهذا عوَّضَهُم النَّعيمَ المقيمَ على عملٍ (١) منقطع. والآيةُ نزلَت في شأن صهيبٍ الروميِّ خرجَ من مكَّة يريدُ الهجرةَ إلى المدينة (٢)، وهو يومئذٍ ابنُ مئة سنةٍ (٣)، وكان معه كنانته وسهامُه (٤)، فتبعَهُ أهلُ مكة ليأخذوهُ ويردُّوه، فقال لهم: إنَّكم لن تَصِلوا إليَّ ما بقيَ معي سهم -وكان راميًا مصيبًا-، ولن ينفعَكم كوني فيكم، ولي مالٌ في داري، فارجعوا وخذُوه وخلُّوا عنِّي، ففعلُوا، وسارَ هو إلى المدينة، فقبلَ أن يصل إليها نزلَت هذه الآية، وأخبرَهُم رسولُ اللَّه ﷺ بقدومِه، فاستقبلوهُ، وسبقهم عمر، وقال: يا صهيبُ، ربح البيع! وتلا عليه هذه الآية (٥).

стр. 1268

وقال قتادةُ: هم أصحابُ نبيِّ اللَّه ﵊ مِن المهاجرين والأنصار (١)، لمَّا رأوا المشركين يَدعون مع اللَّه إلهًا آخر، قاتَلوا على دينِ اللَّه تعالى، وشَروهُ بأنفسِهم (٢) غضبًا له، وجاهدوا في سبيلِ اللَّه حتَّى أظهرَ اللَّه ﷻ دينَه. * * * (٢٠٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قيل: هو (٣) خطابُ المنافقين؛ أي: يا أيُّها الذين آمنوا ظاهرًا، ادخلوا في الإسلام (٤) جميعًا باطنًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: وساوسَه في الإقامةِ على النِّفاق. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: يريدُ تخليدَكُم في النَّارِ بعداوته. * * * (٢٠٩) - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 1269

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: مِلتُم عن الإخلاصِ، وثبتُّم على النِّفاق بعد ظهورِ الحجج. وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: يَنتقمُ منكم في الدُّنيا والآخرة، وهو حكمة منه، وتنتظمُ هذه الآية قصَّة (١) الأخنس. وقيل: هو خطابٌ لأهل الكتاب؛ أي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ببعض الرُّسُل والكتب، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أي: آمِنوا بمحمَّدٍ وكتابِه، وادخلوا في الاستسلام (٢) للَّه تعالى جميعًا على التمام، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ في تحسينِه عندكم (٣) الاقتصارَ على اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يريدُ أنْ تَبقوا (٤) في جهنَّم خالدين، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: عدلتُم عن الإسلامِ وبقيتُم على اليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، مِن بعد ما قامت البيِّناتُ على حقيقة الإسلام، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يَمتنعُ عليه أخذُكم وتعذيبُكم، وهو ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَدعُ مجازاةَ المسيئينَ على إساءتهم. وقيل: هو خطابٌ لِمَن آمنَ مِن أهل الكتابِ، مثل عبدِ اللَّه بن سَلام وأصحابِه، وكانوا يَتمسَّكون ببعضِ شرائع التَّوراةِ؛ مِن السَّبتِ، وتحريمِ لحم (٥) الإبل، وأشياءَ كانوا يَرون أنَّ الكفَّ عن ذلك (٦) مباحٌ في الإسلام، وإنْ كان واجبًا في شريعتِهم،

стр. 1270

فثبتوا على ذلك، مع اعتقادهم حلَّها؛ استيحاشًا مِن مفارقةِ العادة، فقال اللَّهُ تعالى لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واعتقدوا الإسلامَ، ﴿ادْخُلُوا﴾ في شرائعِ الإسلام كلِّها، ولا تتمسَّكوا بشيءٍ ممَّا نُسِخَ، ودَعوا ما ألِفتموهُ، ولا تستوحشوا مِن النُّزوعِ عنه، فإنَّه لا وحشةَ مع الحقِّ، وإنَّما هو مِن تَزيينِ الشَّيطان، فلا تتَّبعوه، فإنه يريد أن يُفسِدَ عليكم بهذه الوساوسِ إسلامَكم، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾؛ أي: زُلتُم عمَّا دخلتُم فيه، فاعلموا أنَّ اللَّهَ يَنتقمُ منكم، وهو حكمةٌ منه. وقال الحسنُ وقتادةُ وجماعةٌ: هو خطابٌ للمسلمين المخلِصين (١)؛ أي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ظاهرًا وباطنًا بكلِّ الأنبياءِ والكتب، ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أي: اثبتُوا على الدِّين الحقِّ أبدًا جميعًا، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ وساوسَ الشيطان فلا ترجعوا، ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ (٢) بعد وضوحِ الحُجَج لبلاءٍ ينالُكم في أبدانكم وأموالِكم في جهاد أعدائكم، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يَدع (٣) نصرةَ دينِه، بل يأتي بغيرِكم ممَّن يَنصرُه وَيتحمَّلُ الشَّدائدَ. ويتَّصلُ هذا بما بعده إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، ويتَّصل به أيضًا قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: أعداؤكم معاندون (٤) قد لزمَتهُمُ الحُجَّة.

стр. 1271

والسلم بالفتح والكسر لغتان في الصُّلح والاستسلامِ والإسلام، كالحَجِّ والحِجِّ، والرَّطْلِ والرِّطل. وقيل: بالفتح: الإسلام، وبالكسرِ: الصُّلح. وقال الفرَّاء على عكسِه (١). و ﴿كَافَّةً﴾ معناه: جميعًا، قال الزَّجاجُ ﵀: هو من الكف؛ أي: المنع (٢)، ومعنى ﴿كَافَّةً﴾ (٣) أي: مجتمعين عليه، مانعًا بعضُكم بعضًا أن يخرجَ منه. ثمَّ (٤) على القول الذي هو خطابٌ للمنافقين، يكون حالًا للمخاطبين؛ أي: جميعًا كلُّكم. وعلى القول الثاني الذي هو خطابٌ لأهل الكتاب، يمكن أن (٥) يكون حالًا للسِّلم؛ أي: في كلِّ الاستسلام. وكذا على القولِ الثالث أنَّه لِمَن أسلمَ مِن أهل الكتاب؛ أي: في كلِّ شرائعِ الإسلام. وعلى القولِ الرَّابعِ يصحُّ على الوجهين. * * *

стр. 1272

(٢١٠) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظرون؟ ﴿هَلْ﴾ استفهامٌ بمعنى الجحد، وكذا كلُّ "هل" بعدَه "إلا"، ونظر بمعنى انتظر، كما في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]؛ أي: ما ينتظرُ أهلُ مكَّة إذا (١) لم يدخلوا في السِّلمِ كافَّةً، ولم يُؤمِنوا بمحمَّدٍ خاتَم النبيِّين، وبكتابِه آخر الكتب، وقد وَضَحَت الآياتُ، وقامتِ البيِّناتُ، إلَّا ما لا يكون، وهو إتيانُ اللَّه تعالى؛ فإنَّه مستحيلٌ على ما يُعرَفُ مِن إتيان الأجسام. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ (٢) أي: هم يتوقَّعون المحال، وهو كسلطانٍ يَدعو أحدًا برسولٍ يَبعثُه إليه، فلا يجيء، فيقول هو: ما يَنتظرُ إلَّا إتياني بنفسِي لدعوتِه! أي: هو يتوقَّعُ ما لا يكون (٣)، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]. وقيل: معناه: ما يَنتظرون إلَّا أنْ يأتيَهُم اللَّهُ تعالى بظُلَل مِن الغَمام فيها العذاب، فيهلكَهُم بها، كما فعلَ بقومِ يونسَ، وقوم عادٍ، وقوم شعيبٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]؛ أي: قد قامت الحُجَجُ، فلم يَبق إلَّا نزولُ العذاب، و ﴿فِي﴾ بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]؛ أي: به، ولا يجوزُ حملُه على الإتيان الذي هو الانتقالُ المكانيُّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى خالقُ كلِّ مكان، ومنزَّهٌ عن الانتقال مِن مكانٍ إلى مكان؛ لأنَّه كان ولا مكان، وهو اليومَ على

стр. 1273

ما (١) كان، كذا رويَ عن عليٍّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنَّه (٢) سئل: أين كان اللَّهُ تعالى قبل خلق السَّموات والأرض؟ قال: "أين" سؤالٌ عن المكان، وكان اللَّهُ تعالى ولا مكان، وهو اليومَ على ما كان (٣). وقال الكلبيُّ ﵀: هذا من المكتوم الذي لا يفسَّر (٤). وقال الحسن ﵁: أي: يأتيهم أمر اللَّه تعالى، وهو القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: هو بأمرِه، ودلَّ على هذا التَّقديرِ قولُه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. ثمَّ ليس إطلاقُ لفظ المجيء والإتيان في كل موضعٍ يَقتضي الانتقالَ المكانيَّ، فإنَّه يُقال: أتانا خبرُ فلانٍ، أو أتانا (٥) أمر فظيعٌ، وكذا أجمعت (٦) الأمة في قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] في حقِّ حصن بني النضير، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] في قصةٍ مخصوصةٍ = أنَّه لم يكن إتيانَ انتقالٍ، فكذا في كلِّ آية، وهذا لأنَّ اللَّهَ تعالى قال في الآية المحكمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلم يجز تشبيهه بشيءٍ من خلقه.

стр. 1274

والانتقالُ مِن صفات الأجسام، ومِن أمارات العجزِ والحدوث، واللَّه تعالى منزَّه عن ذلك، ولأنَّ انتقالَ المنتقلِ مِن مكانٍ إلى مكانٍ لأحد شيئين؛ إمَا لحاجةٍ (١) إلى ما يَنتقلُ إليه، أو لملالةٍ عمَّا يَنتقلُ عنه، واللَّه تعالى منزَّهٌ عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ جمع ظُلَّة، وهي السُّترةُ، ومعناها القطعةُ منه، والغَمَامُ: السَّحاب. وقيل: هو شيءٌ كالسَّحاب، وليس بسحابٍ، تأتي فيه الملائكةُ يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وتأتي الملائكةُ، ويَجوزُ وصفُهم (٢) بالإتيان، والمراد به حضورُهم يومَ القيامة للحساب مع الخلق. وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فُرِغَ مِن حساب الخلقِ، وهو ماضٍ بمعنى المستقبل، وفي القرآنِ مِن ذلك كثيرٌ مِن (٣) أمور الآخرة. وقال عطاءٌ ﵀: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: انقضَت الدُّنيا. ثم هو فعلُ ما لم يسمَّ فاعلُه، وفاعلُه هو اللَّهُ في الحقيقة. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: مرجِعُ الأمور في الخَلْقِ وأعمالِهم إلى اللَّه تعالى، هو القاضي بينهم يومَ القيامة، والمثيبُ، والمعاقِبُ. * * *

стр. 1275

(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: سل يا محمَّدُ هؤلاءِ الموجودين؛ من (١) في عصرِك مِن رؤساء بني إسرائيل، وهم اليهودُ الذين (٢) خاطبَهم بقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وقوله: ﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ ﴿كَمْ﴾ كلمةُ تكثيرٍ، وقولُه تعالى: ﴿آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ أي: كم (٣) جئناهم بآيةٍ واضحةٍ، لا يَخفى على (٤) المفكر أنَّها مِن عند اللَّه؛ كفلق البحر لهم، وتغريق آل فرعون، وإنزال المنِّ والسَّلوى، وغيرِ ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ أي: ائتنا به. وأضمر هاهنا: فبدَّلوها، يدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ وتبديلُهم إيَّاها: كفرُهم بها، وتركُهم الشُّكر عليها. وقولُه تعالى: ﴿جَاءَتْهُ﴾ دلَّ على أنَّ المرادَ بقوله: ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: آتيناهم بها، وهذا التبديلُ كالذي ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وقيل: معناه: كم أعطيناهم في كتابِهم مِن آيةٍ دالَّةٍ على صدق نبوَّتك، فكتَموها، وكفروا هذه النِّعمة؟! وهذه الآياتُ والدَّلائلُ نعمةٌ مِن اللَّه تعالى؛ لأنَّه يُهتَدى بها.

стр. 1276

ويجوزُ أن يكونَ أرادَ بالنِّعمةِ دينَ الإسلام، وتبديلُهم إيَّاها: كفرُهم. ويجوزُ أن يكونَ المرادُ بالنِّعمة محمَّدًا ﷺ ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. وإنَّما خصَّ بني إسرائيلَ بالسُّؤال عنهم لوجهين: أحدُهما: لزيادة اليقين (١) للصحابة إذا سمِعوا مِن علماءِ بني إسرائيلَ ما يُوافِقُ خبرَ نبيِّهم. والثاني (٢): لزيادة الحجَّة على مَن لم يُؤمِن مِن بني إسرائيل، وهذا على قولِ مَن يقول: إنَّ الأمرَ بالسُّؤال كان من عبدِ اللَّه بنِ سَلام وأصحابِه الذين أسلموا. وقيل: لم يرد به حقيقةَ السؤال، ومن المعتاد إذا أراد الواحدُ منَّا توبيخَ أحدٍ (٣)، وأن يُلزِمَهُ الحجَّةَ، ويُبَيِّنَ كفرانَه النِّعمةَ، ويُوقِعَ به النِّقمة، يقول (٤) لمن حضره: سَلْهُ كم أنعمتُ عليه، وكم حذَّرتُه، لا يريدُ به حقيقةَ السُّؤال، لكن يريد به ما قلنا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لِمن بدَّلَ النِّعمةَ في الدُّنيا والآخرة، وقد عاقَبهم في الدُّنيا بالقتل، وذلك في بني قريظة، وبالإجلاء، وذلك في بني النَّضير، ويوم القيامة يُعذَّبون في السَّعير. * * *

стр. 1277

(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: إنَّما بدَّلوا نعمةَ اللَّه تعالى لمَّا زُيِّن لهم هذه الحياة الدُّنيا الفانية، وهو فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وتكلَّموا في فاعله: قيل: اللَّهُ تعالى زَّينها لهم؛ إذ خلقها شهيَّةً لذيذةً؛ ابتلاءً لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧]، وقد جعل اللَّهُ تعالى الدُّنيا دارَ ابتلاءٍ وامتحان، فركَّبَ في الطبائع الميلَ إلى اللَّذات (١)، وحبَّ الشهوات، لا على معنى التَّسخيرِ الذي لا يُمكِنُ الامتناعُ عنه (٢)، لكن على معنى التَّحبيبِ الذي تَميلُ إليه النَّفسُ مع إمكان ردِّها عنه؛ ليَتِمَّ بذلك الامتحانُ، وليُجاهِدَ العبدُ نفسَهُ، ويطيعَ ربَّه، ويَرفعَ قَدْرهُ. وقيل: المزيِّنُ هو الشيطان لعنه اللَّه، قال تعالى خبرًا عنه: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحجر: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وهو بالوسوسَة. وقيل: التزيينُ مِن غُواتِهم ورؤسائِهم، هم زيَّنوها لهم، وحثُّوهم على طلب الدُّنيا، والحرصِ عليها، وطلبِ لذَّاتِها، وأوهموهم أنَّه لا صحَّة لما يَدعو إليه النبيُّ ﵊ مِن أمرِ الآخرة، وذلك أنَّهم كانوا لا يُؤمنون بالمعاد، ويقولون: إنْ هيَ إلَّا حياتُنا الدُّنيا، وكانوا يَسخرون بذلك مِن المؤمنين. وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهزؤون، ويقولون: ترَكوا

стр. 1278

لذَّات الدُّنيا، وعذَّبوا أنفسَهم بالعبادات، وفوَّتوا الرَّاحاتِ مِن غير نفعٍ يكون لهم اليوم أو غدًا، فأخبر اللَّهُ أنَّهم قد حصَّلوا بذلك لأنفسِهم نِعمَ الآخرة وكراماتِها. وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يكونُ المؤمنون في علِّيِّين، والكفَّار في سجِّين، وكانوا في الدُّنيا منهم يضحكون، وغدًا المؤمنون منهم يضحكون، على الأرائك ينظرون. وقيل: السَّاخرون هم علماء اليهود لِضَعفةِ المسلمين. وقيل: المنافقون للمُخلِصين. وقيل: هم المشركون من المسلِمين، وهم أبو جهل وأمثالُه من كفَّار مكَّة لعنَهم اللَّه. وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: في الحجَّة؛ لزوال الشُّكوكِ عن الكفَّار في حياتهم في الدُّنيا على الباطل، وفي حياةِ المؤمنين على الحقِّ. وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قيل: في الدُّنيا؛ مَن يشاء مِن مؤمنٍ وكافرٍ بغيرِ تقدير. وقيل: المؤمنين (١) في الآخرة رزقًا واسعًا كافيًا، لا فناءَ له ولا انقطاعَ ولا مضايقةَ، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، ومَن أعطى شيئًا جُزافًا لا تقديرَ فيه، فهو بغير حساب، وكذا ما لا انقطاعَ له أبدًا، فلا حساب له. وقيل: أي: يُعطِيهم في الجنَّة، مِن غيرِ محاسبةٍ لهم على طاعاتِهم؛ ليعطيهم بقدرها، بل تفضُّلًا منه بالكثير، قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾

стр. 1279

[فاطر: ٣٠]، ولا يناقضه قولُه تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]؛ لأنَّ ما كان جزاءً للعمل، فهو حسابٌ له، وما كان فضلًا على ذلك مِن اللَّه تعالى، فلا حساب له. وقال الحسنُ: أي: يُعطي ولا يُنْقِصُ ممَّا عندَه ما أعطى منه، فلذلك ليس فيه حساب، إنَّما الحسابُ فيما إذا (١) أعطيَ منه نقص، كإعطاء الإنسانِ ألفًا من ألفين، أو عشرة من مئة. وقيل: أي: يعطي الكثيرَ، ولا يُطالِبُ عليه بجزاءٍ ولا مكافأة، فلا يكونُ المعطِي محاسِبًا للمعطَى له بشيءٍ. وقال الضَّحَّاك: أي: لا يُحاسِبُ نفسَهُ بما يُعطِي (٢) العباد (٣)، معناهُ أنَّ الواحدَ منَّا قد يُثِيبُ مقدارَ ما يُعطِي فتقفُ عليه، فإذا انتهى حيث يُنقِصُهُ العطاءُ، ويَتضرَّرُ به، أو لا يأمنُ معه الإعدامَ، أمسَكَ، واللَّه تعالى لا تفنى خزائنه. وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا يحاسبُه أحد فيقول له: لم أعطيت؟ (٤) وقيل: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: بغير حسابِ العبد، يقولُ الرَّجلُ إذا جاءَه ما لم يكن في ظنِّه: لم يكن هذا في حسابي، فيجوزُ أن يكون معناهُ أنَّ الكفَّار يَسخرون مِن فقراءِ المسلمين، وعسى اللَّهُ أنْ يَرزقَ هؤلاءِ ما يُغنيهم، وقد فعلَ ذلك بهم بما أفاءَ عليهم مِن أموالِ بني قريظة وبني النَّضير، وبما فتحَ على رسولِه وبعد (٥) وفاتَه على أصحابِه، حتى ملكوا كنوزَ الملوك.

стр. 1280

(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ذكرَ الكفَّارَ وسُخريتَهم مِن المؤمنين، فصاروا قسمين، ثمَّ أخبرَ أنَّهم كانوا في الأصل قِسمًا واحدًا. وفي الآية ثلاثةُ أوجه: قيل: كان النَّاس مجتمعين على الدِّين الحقِّ في عهد آدم ﵇، وهو قول قتادة (١). وقيل: في عهدِ نوحٍ بعد هلاك الكفَّار إلى وقت صالحٍ وهود (٢)، وهو قولُ ابن عباس ﵄، ثمَّ اختلفوا، فبعثَ اللَّهُ تعالى الرُّسل. وقيل: كانوا مجتمعين على الكفرِ في زمن إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه، وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ (٣)، وهو قولُ الحسن رضي اللَّه تعالى عنه، ويُرادُ به الغالب، فإن الصَّحيحَ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُخلِي الدُّنيا عن داعٍ إلى الحقِّ. وقيل: كانوا مجتمعين على غير دينٍ مشروع، وهو روايةُ عطاء عن ابن عباس

стр. 1281

رضي اللَّه عنهما، وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (١): فبعثَ اللَّهُ تعالى الرُّسلَ بالدِّين الحقِّ (٢). ثمَّ في قولِه تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] هذا في الكفر، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] هذا على الإسلام. وأصل الأمَّةِ في اللُّغةِ: القومُ المجتمعون على الشيءِ، يَقتدي بعضُهم ببعض، وهو مأخوذٌ من الائتمام، وقد (٣) يجتمعون على الحقِّ، وقد يجتمعون على الباطل، وأمَّةُ محمَّدٍ ﷺ هم المقتدونَ به، المجتمعون على الحقِّ. ويقال أيضًا للذين بُعِثَ فيهم محمَّدٌ ﷺ : أمَّتُه، وهم أمَّةُ دعوتِه، لجمعِ الدَّعوةِ إيَّاهم إلى أن تفرَّقَ بهم الإجابة. وفي مصحف عبد اللَّه بنِ مسعودٍ ﵁: (كان النَّاسُ أمَّةً واحدةً فاختلفوا فبعث اللَّه النبيين) (٤)، وهذا يدلُّ على أنَّهم كانوا على الحقِّ، ويدلُّ عليه ما بعده: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وتقديرُه: كان النَّاسُ في أوَّلِ أمرِهم مجتمعين على الحقِّ، فاختلفوا بعد ذلك، فأَوجتِ الحكمةُ بعثَ النَّبيِّين لتعريف الدِّين الحقِّ. وقوله تعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: ليبشِّروا مَن أطاع بالجِنان، وليُنذروا مَن عصى بالنِّيران.

стр. 1282

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكُتُب، واسمُ الجنسِ يَصلُحُ للجمع. وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لبيانِ الحق. وقيل: أي: بالعدل. وقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: ليحكمَ الكتابُ بينهم؛ أي: يكونَ مرجعًا لهم، محفوظًا بينهم، يتلونَهُ وَيقفون على أحكام الشَّرعِ بما فيه، مع بعدِهم عن النَّبيِّ المبعوث فيهم، وبعد فقدِهم ذلك النبيَّ ﵊، فيما اختلفوا فيه مِن أمرِ الدِّين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وما اختلفَ في الحقِّ المختلفون فيه قبل مجيءِ النَّبيين إلَّا الذين كانوا أوتوا الحقَّ وجاءَتهُمُ البيِّناتُ، إلَّا أنَّهم تَباغَوا وتَحاسدوا؛ طلبًا للرئاسةِ وميلًا إلى الدُّنيا، كما فعل قابيلُ بهابيل، وما قتلَه لإشكالِ الحقِّ عليه، وقصورِ البيانِ عنه، بل حسَدًا منه على أخيه (١) وبغيًا، وهكذا في كلِّ عصرٍ، وهذا (٢) فعلُ الرُّؤساءِ، ثمَّ العامَّةُ أتباعٌ لهم، وفعلُهم مضافٌ إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فتبيَّن أنَّ الاختلافَ في الحقّ أمرٌ متقادِم في الأسلاف (٣)، ويجري عليه الأخلاف (٤). و ﴿بَغْيًا﴾ مفعولٌ له متَّصِلٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ وهو مقدَّمٌ على قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.

стр. 1283

وقال الفرَّاء: للاختلاف معنيان؛ أحدهما: التَّبديل، والثاني: كفرُ بعضِهم بكتاب بعض (١). وقوله تعالى: ﴿أُوتُوهُ﴾ أي: الحقَّ، وقيل: أي: الكتابَ، وقد سبقَ ذكرُ كلِّ واحدٍ منهما. وقوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: فهدَى اللَّهُ تعالى المؤمنينَ لما اختلفَ فيه المختلفون؛ أي: لمعرفةِ الحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، أو لتَصحيحِ ما اختلفُوا فيه (٢)، فحذِفَ لدلالةِ الكلام عليه. ودخول ﴿مِنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ لبيان الجنس؛ لأنَّهم مختلفون في أمورٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيل: بأمرِه؛ أي: أمرَهم بما هو الحقُّ، فكان ذلك هدايةً وإرشادًا إلى الحقِّ. وقيل: هداهم؛ أي: خلقَ فيهم فعلَ الاهتداء، وذلك بإذنِه؛ أي: بعلمِه، قال تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]؛ أي: اعلموا. ومعناه: هداهُم وقد علمَ استحقاقَهم لذلك بقصدِهم واختيارِهم الحقَّ، أو يكون صلةً للاختلاف؛ أي: اختلفوا في الحقِّ وهو يعلمُه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بيَّنَ أنَّ مشيئتَة خاصَّة في الهداية، وليست كما تقوُل المعتزلةُ: إنها عامَّةٌ للخلق.

стр. 1284

وعندنا الهدايةُ التي هي خَلْقُ الاهتداءِ خاصَّةٌ، والتي هي البيان (١) عامَّةٌ، وللآيةِ وجوهٌ أُخَرُ مروَّيةٌ عن السَّلف: قال مجاهد: كان الناس أمَّةً واحدةً؛ يعني: آدمَ وحدَه، ثمَّ خلق حوَّاء، ونَشرَ منهما النَّاس (٢). وقال محمَّدُ بنُ إسحاق ﵀: كان أولادُ آدمَ لصُلبِه مجتمعينَ على الإسلام؛ فاختلفوا حين قتلَ قابيلُ هابيلَ، وما اختلفَ فيه إلا الذين أوتوا العلمَ، وهو قابيل؛ أمرَهُ أبوهُ أنْ يُنْكِحَ أختَه (٣) هابيل، فأبى ذلك. وقال مقاتل: ﴿كَانَ النَّاسُ﴾ وهم أهلُ سفينةِ نوحٍ ﵇ على ملَّةِ الإسلام، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿النَّبِيِّينَ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ولوطًا ﵈، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ صحفَ إبراهيم؛ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ فدعا بها إبراهيمُ وإسحاقُ قومَهما، ودعا بها إسماعيلُ جُرهمًا، فىمنُوا به، ودعا بها يعقوبُ أهلَ مصر، ودعا بها لوط أهلَ سدوم وعامورا وصبوابرهم ودادوما (٤)، فلم يُسلِم منهم غيرُ ابنتَيه زعورا وريثا (٥)، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الدِّين إلَّا الذين أعطوا الكتابَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: تَفرَّقوا حسدًا منهم، فهَدى اللَّهُ الذين آمنوا للتَّوحيد (٦).

стр. 1285

وروى عطاءٌ عن ابن عباسِ ﵄ أنَّه قال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لم (١) يكن لهم دين، مثل البهائم، فبعثَ اللَّهُ تعالى النَّبيين (٢) وأنزل الكتب، وأعطى محمَّدًا ﷺ القرآنَ فيه مجامِعُ الكلام، وفيه بيانُ كلِّ شيء. ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المهاجرينَ والأنصار. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "كتبَ اللَّهُ تعالى الجمعةَ على مَن كان (٣) قبلنا، فاختلفوا فيها، فهدانا اللَّه لها، فالناس لنا تَبَعٌ (٤)؛ اليهود والنَّصارى" (٥). وقال الحسنُ ﵀: كان النَّاسُ ضُلَّالًا؛ أي: العامَّه، إلَّا خواصَّ (٦) من أهل الحجَّة، وذلك من وفاةِ آدمَ إلى مبعث نوحٍ ﵉، وبعثَ اللَّهُ تعالى النَّبيِّين (٧)، فاختلفوا، فآمنَ بعضٌ، وكفرَ بعض، فهدى اللَّهُ الذين آمنوا، فمَضى حكمُ اللَّه تعالى أنَّ مَن أرادَ الهُدى وتمسَّك به، لم يمنعْهُ اللَّهُ تعالى إيَّاه، وأعانَهُ عليه، وإنَّما يهتدون بإذن اللَّهِ تعالى. وقال ابنُ كيسان: كان قومُك يا محمَّدُ أمَّةً واحدةً على الكفر، كما كان قومُ هودٍ

стр. 1286

وصالحٍ ولوط (١)؛ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ في الأممِ المجتمعة على الكفر، وأنزلَ عليهم وعليك الكتابَ الذي فيه تفصيلُ الحقِّ مِن الباطل؛ ليفصلَ بين النَّاس بالحُجج، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ الآية، يعني: محمدًا ﷺ وأهلَ دينِه خاصَّةً. وقيل: كان النَّاسُ قبل موسى ﵇ أمَّةً واحدةً، أكثرُهم في الضَّلال، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) مِن بني إسرائيل مُبَشِّرين ومُنذِرين، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وابتدعوا (٣) من المذاهبِ والعبادات، ﴿فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾؛ أي: فلم يَزل بمجيء موسى ﵇ أمرُ بني إسرائيل على الاستقامة، حتَّى اختلفَ في الدِّين مَن أوتي الكتاب؛ أي: العلماء المَرجوعُ إليهم في تأويلِ الكتاب، فحرَّفوه تنافسًا في الرئاسة، ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ (٤) أمَّة محمَّدٍ ﷺ ، لِما اختلفَ فيه أهلُ الكتاب من الحقِّ، وعرَّفهم ما بدَّلوه؛ تفضيلًا لهم، ومنًّا عليهم، واللَّه يَتفضَّل على مَن يشاءُ بالهداية إلى صراطٍ مستقيم. * * * (٢١٤) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: أظننتم؟ وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار، ﴿أَمْ﴾ إذا لم يَتقدَّمهُ ألفُ الاستفهامِ كانت كألف الاستفهام، أو يُقدَّرُ استفهامٌ أوَّلًا، ثمَّ يُبنى هذا عليه، يعني: يا أصحابَ محمَّدٍ، أتظنُّون

стр. 1287

أنَّكم تَنالون الجنَّة مع أنَّه لم يُصِبكم مثلُ ما أصابَ مَن قبلَكم مِنَ الشَّدائد. وانتظامُها بما قبلَها أنَّه ذكرَ المختلِفِين الأوَّلين، ثمَّ اختلافَ الآخِرين، وأمرَ المهتدين بمقابلةِ المخالِفين، فأصابتهمُ الشِّدَّة فيها، فشقَّ عليهم ذلك، فنزلَت الآيةُ. وقيل: نزلَتْ يومَ الأحزاب حيثُ أصابَهم الجوعُ والبردُ والخوف (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ الواو للحال، و"لمَّا" بمعنى "لم"، ومعه "ما"، و"ما" زائدةٌ مؤكِّدةٌ وُصِلَتْ بها. وقال الفرَّاءُ وسيبويه: "لما" و"لم" واحد (٢). وقال ثعلب: "لم" لنفي المذكورِ فقط، و"لمَّا" لنفيه مع انتظارِ وجودِه، فيُقال لرجلٍ: أتاك فلانٌ؟ فيقول: لم يأتني، فهذا نفيُ الإتيان لا غير، فإذا (٣) قال: لما يأتني، فمعناه: لم يأتني بعدُ ولكن أتوقَّعُ إتيانَه مِن بعد. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المَثَلُ والمِثْلُ كالشَّبَهِ والشِّبْه؛ أي: لم يأتِكم مَثَلُ ما كان أتى الذين مضَوا من قبلِكم. وقوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾؛ أي: أصابَتهُمُ الشِّدَّةُ مِن الخوفِ والجوعِ والفاقة، وهي البأساءُ، وأصابتهُمُ الآلامُ والأمراض، وهي الضرَّاء. وقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: حُرِّكوا أشدَّ التَّحريك، والزَّلزلةُ تضعيفُ الزَّلَّة، وهو كقولك: كفَّ وكفكف، وصرَّ وصرصر (٤)، ومنه زلزلةُ الأرض.

стр. 1288

وهذا التَّحريكُ كان بالجوع (١). وقيل: بالخوف. وقيل: باضْطِراب الأقدامِ في القتال. وقيل: هي اضطرابُ القلوب من الهيبة. وقيل: مِن وقوع الشُّبهات للضُّعفاء. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قُرِئ بالنَّصب، وهو للغايةِ، وهو على تقديرِ صيغة الاستقبال؛ أي: إلى أن يقولَ الرَّسولُ كذا. وقُرِئ بالرَّفع (٢)، ومعناه: حتى كان يقولُ، أو هو للماضي، ومعناه: حتى قال الرسول. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ لهذا ثلاثةُ أوجه: أحدها: قال الرَّسولُ والمؤمنون جميعًا: أيُّ وقت فرجُنا الموعود (٣)؟ وهذا ليس بشكٍّ فيما وُعِدوا مِن النَّصر، لكن التماسٌ للتعجيل، وهو كلامٌ معهودٌ، فقال اللَّهُ تعالى في جوابِهم فيما أوحى إلى نبيِّهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. والثاني: أنَّه ذكرَ أوَّلًا قائلَين، وهما الرَّسول والمؤمنون، ثمَّ ذكر قولَين، وهما: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وأحدُ القولَينِ لأحد القائلَين، والآخَرُ للآخَرِ؛ أي: قال المؤمنون: متى نصر اللَّه؟ فقال الرسول: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وهو كقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، ذكر وقتَين وأمرَين، فانصرفَ السُّكون إلى اللَّيل، وابتغاءُ الفضلِ إلى النَّهار. والثالث: أنَّهم جميعًا قالوا: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، وهذه (٤) كلمةُ انتظار؛ أي: انتَظَروا

стр. 1289

ذلك فلم يتغيروا، وتمَّ الكلامُ، ثمَّ قال اللَّهُ تعالى لهذه الأمَّة: ألا إنَّ نصرَ اللَّه قريبٌ لكم ممَّا أنتم فيه، كما كان قريبًا لهم. ومعنى القريب أنَّه آتٍ لا محالة، وكلُّ آتٍ قريب. وقيل: الكلامان جميعًا (١) منهم جميعًا، قالوا: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ عند ظهورِ هاجس النفس، ثمَّ قالوا: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ عند قوَّة اعتقادِ القلب. وعن خبابِ بن الأرتِّ رضي اللَّه تعالى عنه قاك (٢): شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ ما نَلقى من المشركين فقال: "إنَّ من كان قبلَكم مِن الأُمم، كانوا يعذَّبون بأنواعِ البلاء، فلا يَصرفُهم ذلك عن دينِهم، حتَّى إنَّ الرَّجلَ يُوضَع على رأسهِ المنشارُ، فيُشَقُّ فِلقين، ويُمشَطُ الرَّجلُ بأمشاطِ الحديد بما دونَ العظمِ مِن لحمٍ وعصبٍ، ما يصرفُه ذلك عن دينِه، وايمُ اللَّه، ليُتِمَّنَّ اللَّهُ تعالى هذا الأمرَ حتَّى يسيرَ الرَّاكبُ منكم مِن صنعاءَ إلى حضرمَوتَ، لا يخشى إلَّا اللَّهَ، أو الذِّئبَ على غنمه، ولكنَّكم تَعجلون" (٣). وقال اللَّه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآيات [العنكبوت: ١ - ٢]. * * * (٢١٥) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ اتِّصالُه بما قبلَه أنَّ الأوَّل في القتال بالنَّفس، وهذا في التقرُّب بالمال، واللَّهُ تعالى أمرَ بالمجاهدةِ بالنَّفسِ والمال.

стр. 1290

و ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قال الزَّجَّاج: له وجهان: أحدهما: أنَّ "ذا" في معنى الذي؛ أي: ما الذي ينفقون؟ و"ما" مبتدأ، و"ذا" خبرُه، وهما مرفوعان. والثاني: أنهما شيءٌ واحد، وتقديره: أيَّ شيءٍ؟ وهو منصوبٌ بـ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ (١). وقيل: إن "ذا" صلةٌ زائدةٌ، و"ما" اسمٌ منصوبٌ بالفعلِ المذكور بعدَه. وقيل: "ما" بمعنى "مَن"، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، و"ذا" بمعنى الذين؛ أي: مَن الذين يُنفِقون عليهم؟ فإنَّ السُّؤالَ لم يكن عن نفسِ الإنفاق، بل محلِّ الإنفاق، بدلالة أنَّ الجواب وردَ عن ذلك، وصار كقولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨]، كان هذا سؤالًا عن صفاتِ البقرة، حيث وردَ الجوابُ عن ذلك، وإن كان ﴿مَا هِيَ﴾ في الظاهرِ سؤالًا عن ماهية البقرة. ولو حُمِلَ "ما" على ظاهره، وجُعِلَ سؤالًا عن الإنفاق، ووردَ الجوابُ بما وردَ، فهو صحيحٌ في نظمِ الكلام، فإنَّ السُّؤالَ المختصرَ إذا عُرِفَ المرادُ منه صحَّ الجوابُ على (٢) المراد. والآيةُ نزلَت في شأن عمرو بن الجموح الأنصاريِّ؛ فإنَّه لمَّا نزل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ جاء وسألَ النَّبيَّ ﷺ ، فقال: كم نُنفِق؟ وعلى من نُنفِق؟ فنزل جواب السُّؤالين في آيتين من هذه السورة، جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وجواب قوله: على من ننفق؟ في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا

стр. 1291

أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ (١)؛ أي: قل يا محمَّد: أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يُسمَّى خيرًا، كما هو في قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وإنَّما سمَّاه اللَّهُ تعالى هاهنا خيرًا؛ لأنَّه مذكورٌ في موضع الصَّرف إلى الخير. وقوله تعالى: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات. وقيل: كان هذا للإيجابِ، ونسخَها الأمرُ بالزَّكاة. وقيل: كان هذا (٢) للاستحبابِ، وهو باقٍ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ "ما" كلمةُ شرطٍ، ولذلك جزمَ به، وعلامةُ الجزمِ حذفُ النُّون، وجزاؤه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ أي: ما عملتُم مِن طاعةٍ فاللَّهُ عليمٌ بثوابه، وإذا ذُكِر هذا في عملِ الشَّرِّ، فمعناه: فاللَّه (٣) عليمٌ بعقابِه، وذكرُ العلم بعد العمل (٤) أبلغُ وعدٍ ووعيد، وأعلى بشارةٍ وتهديد. * * * (٢١٦) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي: فُرِضَ عليكم الجهادُ المذكورُ قبل هذا بآيةٍ.

стр. 1292

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ الكُره والكَرهُ لغتان. وقيل: بالضَّمِّ: الكراهة، وبالنَّصبِ الإكراه، وهذا مصدرٌ أريدَ به المفعول، أو أضمرَ فيه: ذو؛ أي: ذو كُرهٍ لكم؛ أي: أمرتُم به وأُلزِمتمُوه لا باختياركم، وأنتم تَكرهونَه بطبائِعكم، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذَّمَّ، بل تُحقِّقُ معنى العبوديَّة إذا فعل ذلك اتِّباعًا للشَّرع مع نُفرةِ الطَّبع، قال تعالى في صفة (١) الصَّحابة: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ١٥]، فأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ "عسى" كلمةٌ تَجري مجرى "لعلَّ"، وهي من العباد للترجِّي، ومن اللَّه تعالى للتَّرجية. وقال المفسِّرون، وذكره الخليل بن أحمد في "العين" أيضًا: عسى من اللَّه تعالى واجب (٢). وقيل: هي كلمةُ مقاربةٍ، ككلمة "كاد"، و"كاد" (٣) يوصَلُ به المستقبلُ بغير "أن"، يُقال: كاد يفعلُ كذا، وعسى موصولة بـ "أن"، قال تعالى (٤): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾. وقيل: هذا وإن كان من اللَّه تعالى، ولا يخفى عليه شيءٌ، ولكن لمَّا كان خطابًا لِمن لا يَعلمُ العواقبَ، استقامَ خطابُهم بهذه الكلمة، وكذلك طريق "لعلَّ" في كل آيةٍ، وتقديرُه: وما يدريكم لعلَّ ما تكرهونَه فهو خير لكم، فإنَّه إعزازٌ للدِّين،

стр. 1293

وقهرٌ للأعداء، ووصولٌ إلى الغَنيمةِ، وإنْ قَتلوكُم فأنتم شهداءُ أحياءٌ عند اللَّه تعالى، ووصلتُم إلى الدَّرجاتِ العُلى، والنِّعمِ التي تبقى، وليس لها (١) منتهى. وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: إنَّكم تحبُّون تركَ القتال، وفيه تحمُّل الذُّلِّ، وغَلبةُ الأعداء، وتخريبُ الدِّيار، وحِرْمانُ الثَّواب. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: اللَّه (٢) يعلمُ أنَّ القتالَ خيرٌ لكم، وأنتم لا تَعلمون ذلك. والآية نزلت في سعدِ بن أبي وقَّاص والمقدادِ بنِ الأسود وأصحابهما، وذلك أنَّ الكفَّارَ -لعنهم اللَّه- كانوا يؤذونَهم، فكانوا يقولون: لو أُذِنَ لنا في القتال، لشفينا بهم صدورَنا، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ وفُرِضَ عليهمُ القتالُ، وكرهوهُ طبعًا، ونزلَ في شأنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧] (٣)، ونزلَ قولُه تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]. * * * (٢١٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

стр. 1294

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ نزلَت الآيةُ في شأن عبدِ اللَّه بن جحش، ابنِ عمَّةِ النَّبيِّ ﷺ أميمةَ بنتِ عبد المطَّلب، بعثَهُ رسولُ اللَّه ﷺ في جمادى الآخرة، قبل قتالِ بدرٍ بشهرين، على رأسِ سبعة عشر شهرًا (١) مِن مقدمهِ المدينة، ومعه ثمانيةٌ مِن المهاجرين، ليس فيهم أنصاريٌّ، وهو تاسعُهم، وأمَّرهُ عليهم؛ وهم سعدُ بنُ أبي وقَّاص الزُّهريُّ، وعكاشةُ بنُ مِحْصَن الأسديُّ (٢)، وعتبةُ بنُ غزوان السلمي، وأبو حذيفة بنُ عتبة، وسهيلُ (٣) بنُ البيضاء القرشيُّ (٤)، من بني الحارث، وعامرُ بنُ ربيعة القرشيّ، من بني عَدِيّ، وواقدُ بنُ عبد اللَّه الحنظليُّ، وخالد بن بكير (٥)، وكتب له كتابًا، وقال له (٦): أمسك كتابي في يدك، فإذا سرت يومين فانْشُرهُ، وانظر ما فيه، ثم امضِ لأمرِك، فسار عبدُ اللَّه ليلتَيْنِ، ثمَّ نَشَر وقرأَ ما فيه، فإذا فيه: "بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم، أمَّا بعد، فسِر على بركةِ اللَّه بمَن معك مِن أصحابِك، حتى تنزل بطن نخلة، ولا تُكره أحدًا من أصحابِك على المسيرِ معك، وامضِ لأمري في من معك منهم، حتَّى تقدُمَ بطنَ نخلة، فترصَّد بها عِيرَ قُريش، لعلَّك تأتينا منهم بخبر".

стр. 1295

فلمَّا قرأ الكتابَ قال: سمعٌ (١) وطاعة لأمرِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثمَّ قال لأصحابِه (٢): مَن أحبَّ منكم الجهادَ وأرادَ الشَّهادةَ، فلينطلق معي؛ فإنِّي ماضٍ لأمرِ رسول اللَّه، ومَن أحبَّ مِنكم أنْ يتخلَّفَ فليتخلَّف؛ فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، قد أمرَني (٣) أن لا أُكْرِهَ منكم أحدًا. فمضى، وانطلقَ القومُ معه، حتَّى أتى المكانَ الذي أمرَهُ به رسولُ اللَّه ﷺ ، فنزلَ ببطن نخلة بين مكَّة والطَّائف، فبينما هم كذلك إذ مرَّ بِهم عِيْرُ قريش، فيها عمرو بنُ (٤) الحضرميِّ، والحكمُ بنُ كيسان مولى هشام بن المغيرة، وعثمانُ بنُ عبد اللَّه بنِ المغيرة، ونوفلُ بنُ عبد اللَّه بن المغيرةِ المخزوميَّان، فلمَّا رأوا أصحابَ رسولِ اللَّه ﷺ هابوهم، فقال عبد اللَّه بن جحش: إنَّ القومَ قد ذُعِروا منكم، فاحلِقوا رأسَ رجلٍ منكم، فليتعرَّض لهم، فإذا رأوهُ محلوقًا، أمِنوا وقالوا (٥): قومٌ عمَّار. فحلقوا رأسَ عُكاشةَ بنِ مِحْصَن الأسديِّ، ثمَّ أشرفَ عليهم، فقالوا (٦): عُمَّار، لا بأسَ عليكم منهم. فأَمِنوا مِن (٧) أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، وكان ذلك آخرَ يومٍ مِن جُمادى الآخرة، فقال قائلهم: إنْ لم نقاتلهم (٨) هذا اليوم دخلَ الشَّهرُ الحرامُ، فأمِنوا، ولم يحلَّ لكم

стр. 1296

قتالُهم فيه، وإن أصبتموهم في الشَّهر الحرام، ولم يأمرْكُم رسولُ اللَّه ﷺ بالقتالِ فيه، أثِمتم. ثمَّ إنَّ القومَ تشجَّعوا (١)، وأجمعوا أمرَهم في مواقعة القوم، فرمى واقدُ بنُ عبدِ اللَّه الحنظليُّ عمرَو بنَ الحضرميِّ بسهمٍ فقتلَهُ، واستأسرُوا الحكمَ بنَ كَيْسان، وعثمانَ بنَ عبد اللَّه، وهرب نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرة على فرسٍ له، واستاقوا العِيرَ وفيها أُدْمٌ وزبيبٌ وأشياء (٢) مِن تجارةِ أهلِ الطَّائف، وذلك في أوَّلِ يومٍ مِن رجب، وهم يحسبون أنَّه آخرُ يومٍ مِن جُمادى الآخرة، حتَّى قدِموا على رسولِ اللَّه ﷺ به. وأخبرَ نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرةِ قريشًا بالأمرِ الذي وقعَ، فقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمَّدٌ الشَّهرَ الحرامَ! شهرٌ يأمنُ فيه الخائفُ، فسفكَ (٣) فيه الدِّماءَ، وأخذَ الأموال! وأقبل القومُ على مَن عندَهم مِن المؤمنين يُعيِّرونهم (٤) بذلك. فوقفَ رسولُ اللَّه ﷺ العِيْرَ والأُدم، ولم يأخذْ منها شيئًا، وحبسَ الأسيرين، وقال لأصحابِه: "إنِّي لم آمركُم بالقتال في الشَّهرِ الحرام". فعظُم ذلك على أصحاب تلك السَّرِيَّة، وسُقِطَ في أيديهِم، وظنُّوا (٥) أنَّهم هلكوا، وعيَّرهُم المسلمون بما صَنعوا، وقالوا لهم: قاتلتُم في الشَّهرِ الحرام! وكتب مَن بمكَّة مِن المسلمين إلى عبد اللَّه بن جَحش بالذي تعيِّرُهم به

стр. 1297

المشركون (١) مِن أخذِهم الأموالَ، وسفكِهمُ الدِّماءَ في الشَّهرِ الحرام، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ في ذلك، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، وقال عبد اللَّه بن جحش: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قتلنا ابنَ الحضرميِّ، ثمَّ أمسينا، ثمَّ نظرنا إلى هلالِ رجب، فلا ندري أفي رجبٍ أصبنا، أم في جمادى الآخرة؟ وقد عيَّرَنا بذلك المشركون، فحلالٌ ما صنعنا، أَم حرام؟ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية، ولمَّا نزلت الرُّخصةُ قَبضَ رسولُ اللَّه ﷺ العِيرَ والغنيمة (٢). وقال عطاء: ردَّ الأسارى والغنيمة. وقال مقاتل: كان ذلك أوَّلَ أسيرٍ، وقتيلٍ (٣)، واستغنامٍ في سبيل اللَّه تعالى (٤). وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ خفض ﴿قِتَالٌ﴾؛ لأنَّه بدلٌ مِن (٥) الشهر؛ أي: يسألونك عن قتالٍ فيه، وهو كقولك: أردتُ زيدًا مجيئَه (٦)؛ أي: أردتُ مجيئه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ أي: كبيرُ الإثمِ، أو كبيرُ العقوبة، وحُذِفَ المضافُ إليه منه كما في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصفِ الرِّيح.

стр. 1298

أو هو نعتُ منعوتٍ محذوفٍ، وتقديرُه: قل قتالٌ فيه ذنبٌ كبير، أخبرَ أنَّه حرامٌ، وليس بحلال، ولكن بيَّن أنَّ فعلَ الكفَّار أكبرُ إثمًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا (١) ابتداءٌ؛ أي: وصدُّ الكفَّارِ (٢) المسلمينَ، وهو منعُهم إيَّاهم عن دينِ اللَّه، وهو الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ أي: باللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ خفضه بثلاثةِ طُرُق: أحدها: بعطفه على ﴿بِهِ﴾؛ أي: وكفرُهم بالكعبة، وجحودِهم حقيَّتها (٣)، ومنع النَّاس عنها، على اعتقاد أنَّه واجبٌ أو جائزٌ. والثاني: بعطفِه على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومنعُهم المسلمينَ عن دخول المسجد الحرام. والثالث: قتال فيه وفي المسجدِ الحرام. وقال الفرَّاء: ﴿وَصَدٌّ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿كَبِيرٌ﴾؛ أي: القتالُ فيه ذنبٌ كبيرٌ، وهو أيضًا صدٌّ عن سبيل اللَّه (٤)، ثمَّ قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ابتداء، ﴿وَإِخْرَاجُ﴾ عطفٌ عليه، وخبرُهما ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾؛ أي: وإخراجُهم أهلَ المسجد من المسجد

стр. 1299

الحرام (١)، وأهلُ المسجدِ هم المسلمون، وإخراجُهم مِن (٢) المسجدِ (٣) إخراجُهم مِن مكَّة باضْطِرارِهم إلى الهجرة، وسمَّاهم: أهلَ المسجدِ، وإن كانوا خارجين عن مكَّة؛ لأنَّهم قائمون بما يجبُ عليهم مِن حقِّه، ولانهم يصيرون أهلًا له في العاقبةِ، فسمَّاهم باسم العاقبة، ولم يسمِّ الكفَّارَ أهلَ المسجدِ الحرام، وإن كانوا بمكَّة؛ لأنَّ مُقامَهم بمكَّة عارضٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) [الأنفال: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذه الأشياءُ الأربعةُ من الكفَّارِ أكبرُ إثمًا وعقوبةً مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في الشَّهر الحرام؛ لأنَّ القتالَ في الشَّهر الحرامِ يَحِلُّ بحالٍ، والكفرَ لا يَحِلُّ بحالٍ، ولانهم كانوا متأوِّلينَ في القتال؛ لأنَّهم شكُّوا في اليوم، ولا تأويلَ للكفَّارِ في الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا ابتداءٌ آخر؛ أي: كُفْرُ الكفَّارِ أشدُّ خطرًا مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في رجب، والفتنةُ اسمٌ للكفر، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقيل: أي: تعذيبُ الكفَّارِ المسلمين أشدُّ قُبحًا مِن قتلِ هؤلاء المسلمين ذلك الكافرَ، والفتنةُ اسمٌ لذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]. وقال مقاتلُ بن حيان: كان القتالُ في الشَّهرِ الحرام حرامًا، ثمَّ نُسِخَ بقوله

стр. 1300

تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، يعني: في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرها، وهو قولُ عامَّةِ العلماء. وقال عطاء: هو باقٍ، ولا يجوزُ قتالُهم في الشَّهر الحرام إلَّا إذا بدؤونا (١). ثمَّ أخبرَ أنَّ هؤلاءِ الكفَّار كيف قصدُهم في حقِّ المسلمين؟ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: هم يدومون على محاربتِكم على قصدِ صرفِكم عن الإسلام؟ ليصرفوكم عنه إن قدَروا عليه، وهو بيانُ أنَّهم لا يَقدرون عليه، وهو تطييبٌ (٢) لقلوب المؤمنين. ثمَّ ذكرَ وعيدَ مَن انصرفَ عن الدِّين، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]، بقَّى التَّضعيف هناك، وأظهر التَّضعيفَ هاهنا، وكلاهما مستعملان على الصحَّة والفصاحة. وقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ﴾ معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِد﴾، وكلاهما مجزومان بالشَّرط. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الواو للحال؛ أي: ومَن يَمُت على كفرِه؛ لم يَتُب (٣)، ولم يَعُد إلى الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (٤) "أولئك" جمعٌ، ويَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ﴾؛ لأنَّه للجمع معنى، و ﴿حَبِطَتْ﴾ أي: بَطَلت وتلاشَت، وهو مِن
следующие страницы →