← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قتالُهم فيه، وإن أصبتموهم في الشَّهر الحرام، ولم يأمرْكُم رسولُ اللَّه ﷺ بالقتالِ فيه، أثِمتم. ثمَّ إنَّ القومَ تشجَّعوا (١)، وأجمعوا أمرَهم في مواقعة القوم، فرمى واقدُ بنُ عبدِ اللَّه الحنظليُّ عمرَو بنَ الحضرميِّ بسهمٍ فقتلَهُ، واستأسرُوا الحكمَ بنَ كَيْسان، وعثمانَ بنَ عبد اللَّه، وهرب نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرة على فرسٍ له، واستاقوا العِيرَ وفيها أُدْمٌ وزبيبٌ وأشياء (٢) مِن تجارةِ أهلِ الطَّائف، وذلك في أوَّلِ يومٍ مِن رجب، وهم يحسبون أنَّه آخرُ يومٍ مِن جُمادى الآخرة، حتَّى قدِموا على رسولِ اللَّه ﷺ به. وأخبرَ نوفلُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ المغيرةِ قريشًا بالأمرِ الذي وقعَ، فقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمَّدٌ الشَّهرَ الحرامَ! شهرٌ يأمنُ فيه الخائفُ، فسفكَ (٣) فيه الدِّماءَ، وأخذَ الأموال! وأقبل القومُ على مَن عندَهم مِن المؤمنين يُعيِّرونهم (٤) بذلك. فوقفَ رسولُ اللَّه ﷺ العِيْرَ والأُدم، ولم يأخذْ منها شيئًا، وحبسَ الأسيرين، وقال لأصحابِه: "إنِّي لم آمركُم بالقتال في الشَّهرِ الحرام". فعظُم ذلك على أصحاب تلك السَّرِيَّة، وسُقِطَ في أيديهِم، وظنُّوا (٥) أنَّهم هلكوا، وعيَّرهُم المسلمون بما صَنعوا، وقالوا لهم: قاتلتُم في الشَّهرِ الحرام! وكتب مَن بمكَّة مِن المسلمين إلى عبد اللَّه بن جَحش بالذي تعيِّرُهم به

стр. 1297

المشركون (١) مِن أخذِهم الأموالَ، وسفكِهمُ الدِّماءَ في الشَّهرِ الحرام، فلمَّا أكثرَ النَّاسُ في ذلك، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، وقال عبد اللَّه بن جحش: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قتلنا ابنَ الحضرميِّ، ثمَّ أمسينا، ثمَّ نظرنا إلى هلالِ رجب، فلا ندري أفي رجبٍ أصبنا، أم في جمادى الآخرة؟ وقد عيَّرَنا بذلك المشركون، فحلالٌ ما صنعنا، أَم حرام؟ فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية، ولمَّا نزلت الرُّخصةُ قَبضَ رسولُ اللَّه ﷺ العِيرَ والغنيمة (٢). وقال عطاء: ردَّ الأسارى والغنيمة. وقال مقاتل: كان ذلك أوَّلَ أسيرٍ، وقتيلٍ (٣)، واستغنامٍ في سبيل اللَّه تعالى (٤). وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ خفض ﴿قِتَالٌ﴾؛ لأنَّه بدلٌ مِن (٥) الشهر؛ أي: يسألونك عن قتالٍ فيه، وهو كقولك: أردتُ زيدًا مجيئَه (٦)؛ أي: أردتُ مجيئه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ أي: كبيرُ الإثمِ، أو كبيرُ العقوبة، وحُذِفَ المضافُ إليه منه كما في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ أي: عاصفِ الرِّيح.

стр. 1298

أو هو نعتُ منعوتٍ محذوفٍ، وتقديرُه: قل قتالٌ فيه ذنبٌ كبير، أخبرَ أنَّه حرامٌ، وليس بحلال، ولكن بيَّن أنَّ فعلَ الكفَّار أكبرُ إثمًا منه، وهو قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا (١) ابتداءٌ؛ أي: وصدُّ الكفَّارِ (٢) المسلمينَ، وهو منعُهم إيَّاهم عن دينِ اللَّه، وهو الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾؛ أي: باللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ خفضه بثلاثةِ طُرُق: أحدها: بعطفه على ﴿بِهِ﴾؛ أي: وكفرُهم بالكعبة، وجحودِهم حقيَّتها (٣)، ومنع النَّاس عنها، على اعتقاد أنَّه واجبٌ أو جائزٌ. والثاني: بعطفِه على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومنعُهم المسلمينَ عن دخول المسجد الحرام. والثالث: قتال فيه وفي المسجدِ الحرام. وقال الفرَّاء: ﴿وَصَدٌّ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: ﴿كَبِيرٌ﴾؛ أي: القتالُ فيه ذنبٌ كبيرٌ، وهو أيضًا صدٌّ عن سبيل اللَّه (٤)، ثمَّ قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ابتداء، ﴿وَإِخْرَاجُ﴾ عطفٌ عليه، وخبرُهما ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾؛ أي: وإخراجُهم أهلَ المسجد من المسجد

стр. 1299

الحرام (١)، وأهلُ المسجدِ هم المسلمون، وإخراجُهم مِن (٢) المسجدِ (٣) إخراجُهم مِن مكَّة باضْطِرارِهم إلى الهجرة، وسمَّاهم: أهلَ المسجدِ، وإن كانوا خارجين عن مكَّة؛ لأنَّهم قائمون بما يجبُ عليهم مِن حقِّه، ولانهم يصيرون أهلًا له في العاقبةِ، فسمَّاهم باسم العاقبة، ولم يسمِّ الكفَّارَ أهلَ المسجدِ الحرام، وإن كانوا بمكَّة؛ لأنَّ مُقامَهم بمكَّة عارضٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٤) [الأنفال: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذه الأشياءُ الأربعةُ من الكفَّارِ أكبرُ إثمًا وعقوبةً مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في الشَّهر الحرام؛ لأنَّ القتالَ في الشَّهر الحرامِ يَحِلُّ بحالٍ، والكفرَ لا يَحِلُّ بحالٍ، ولانهم كانوا متأوِّلينَ في القتال؛ لأنَّهم شكُّوا في اليوم، ولا تأويلَ للكفَّارِ في الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ هذا ابتداءٌ آخر؛ أي: كُفْرُ الكفَّارِ أشدُّ خطرًا مِن قتلِ المسلمين ابنَ الحضرميِّ في رجب، والفتنةُ اسمٌ للكفر، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقيل: أي: تعذيبُ الكفَّارِ المسلمين أشدُّ قُبحًا مِن قتلِ هؤلاء المسلمين ذلك الكافرَ، والفتنةُ اسمٌ لذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]. وقال مقاتلُ بن حيان: كان القتالُ في الشَّهرِ الحرام حرامًا، ثمَّ نُسِخَ بقوله

стр. 1300

تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، يعني: في الأشهرِ الحُرُمِ وغيرها، وهو قولُ عامَّةِ العلماء. وقال عطاء: هو باقٍ، ولا يجوزُ قتالُهم في الشَّهر الحرام إلَّا إذا بدؤونا (١). ثمَّ أخبرَ أنَّ هؤلاءِ الكفَّار كيف قصدُهم في حقِّ المسلمين؟ وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: هم يدومون على محاربتِكم على قصدِ صرفِكم عن الإسلام؟ ليصرفوكم عنه إن قدَروا عليه، وهو بيانُ أنَّهم لا يَقدرون عليه، وهو تطييبٌ (٢) لقلوب المؤمنين. ثمَّ ذكرَ وعيدَ مَن انصرفَ عن الدِّين، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٥٤]، بقَّى التَّضعيف هناك، وأظهر التَّضعيفَ هاهنا، وكلاهما مستعملان على الصحَّة والفصاحة. وقوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ﴾ معطوفٌ على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِد﴾، وكلاهما مجزومان بالشَّرط. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الواو للحال؛ أي: ومَن يَمُت على كفرِه؛ لم يَتُب (٣)، ولم يَعُد إلى الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (٤) "أولئك" جمعٌ، ويَرجِعُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ﴾؛ لأنَّه للجمع معنى، و ﴿حَبِطَتْ﴾ أي: بَطَلت وتلاشَت، وهو مِن

стр. 1301

حدِّ: علم، والمصدرُ الحُبوط والحَبْطة (١)، ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: حسناتهم؛ لأنَّها تنفي (٢) الأعمالَ في (٣) الحقيقة؛ إذ السيِّئات مما ينبغي أن لا يكون، ويُقال لِمَن عملَ ما لا يُنتفَع به: لم يعمل شيئًا، وليس هذا بعملٍ، وبطلانُ العملِ هو بطلانُ أثرِه، وهو ما يبتغى (٤) به مِن نفعِ (٥) الدَّارَين. وقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الدُّنيا فقطعُ حياتِه بقتلِه على ردَّته، وفواتِ موالاة المسلمين، ونصرِهم، والثناءِ الحسن، وزوالِ النِّكاح، وحرمانِه مِن مواريثِ المسلمين، ونحوِ ذلك ممَّا يَجري على نفسِ المرتدِّ وأهلِه ومالِه، وأمَّا في الآخرة ففوتُ الثواب (٦) وحسنِ المآب. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّار﴾ (٧)؛ أي: الباقون فيها، وهو كما يقال: فلانٌ صاحبُ شراب، يُرَادُ به ملازمتُه ذلك، لا ما يُفهَم مِن قولهم: هو صاحبُ الدَّار؛ أي: مالكُها. وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون. ثمَّ الطَّاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدَّة عندنا، بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ

стр. 1302

عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، والموتُ عليها ليس بشرطٍ عندنا، وقال الشافعي ﵀: هو شرطٌ بهذه الآية، وقلنا: إنما جعل الموت على الكفر شرطَ جميعِ ما ذُكِرَ في بقيَّةِ الآية؛ مِن حبوطِ العمل، والخلودِ في النَّار، وبه نقول. * * * (٢١٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ثَبَتوا على إيمانِهم، فلم يرتدُّوا. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: من مكَّة إلى المدينة. وقيل: أي: فارقوا أعمالَ السُّوء وأصحابَ السُّوء. والأوَّل كان فرضًا، ونُسِخَت (١) فرضيته، والثاني فرضيته باقية. وقوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: قاتَلوا الكفَّار. وقيل: استَفْرَغوا المجهودَ في العملِ للَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: هؤلاء لا تَحبَطُ أعمالُهم، بل يأتون راجِينَ رحمةَ اللَّه، مؤمِّلينَ (٢) ثوابَه، وليس هذا على التَّشكيك، ولكن مدحٌ لهم باستقصارِهم (٣) أعمالَهم، واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قَبوله، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].

стр. 1303

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ ذنوبَهم وتقصيرَهم، ويرحمُهم فلا يعذِّبهم. وقال المفسِّرون: نزلت الآيةُ في عبد اللَّه بن جحش وأصحابه، خافوا من القتالِ في الشَّهر الحرام، ولَمَّا نزل قولُه (١) تعالى: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال بعضُ النَّاس: إنْ لم يكن عليهم وِزْرٌ، فليس لهم أجرٌ، فنزل قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (٢). وقيل: بل سألوا رسولَ اللَّه ﷺ : هل يُطمعُ لنا في غزوةٍ نجاهدُ فيها، فنصيبُ أجرًا؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، يخبِرُهم أنَّهم على رجاءٍ ممَّا طَلبوا (٣). * * * (٢١٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ انتظامُها بما قبلَها أنَّه قدَّمَ ذِكرَ الجِهاد، ولا يقومُ ذلك إلَّا بالمال وتظاهرِ القوم، وفي الخمرِ والميسر ذهابُ المالِ،

стр. 1304

ووقوعُ التَّنافرِ، وزوالُ التَّظاهرِ، فبيَّنَ حُرمتَهما؛ ليمتنعوا عنهما (١)، فتَحصُل آلةُ (٢) القوَّة على الجهاد. ونظمٌ آخر: أنَّه جمعَ بين سؤالاتٍ سألَها الصَّحابة رسولَ اللَّه ﷺ ، فأخبرَ اللَّهُ تعالى عن ذلك بقوله عزَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾، قال ابنُ عباس ﵄: ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ما سألوهُ إلَّا عن ثلاثَ عشرةَ مسألة، قص (٣) كلها في القرآن، ما كانوا يسألونَه إلَّا عمَّا ينفعُهم (٤) وينفعُ المسلمين. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ أي: يا محمَّد ﴿عَنِ الْخَمْرِ﴾ وهو النِّيءُ مِن ماء العنب إذا غلا واشتدَّ وقذفَ بالزَّبد، سُمِّيَت بها؛ لأنَّها تُخامِرُ العقل؛ أي: تغطِّيهِ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: القمار. وقال القتبيُّ: الميسر: الجزور، سمِّيَ ميسرًا؛ لأنَّه يُجَزَّأ أجزاء، وكلُّ شيءٍ جزَّأتَه فقد يَسَرْتَه، والياسِرُ: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئُ لحمَ الجَزور (٥)، وكان المتقامرون يَشترون جزورًا يَضمنونَ ثمنَه، ولا يُؤدُّونه؛ ليظهرَ بالقمار أنَّه على مَن يجب، فيضربون

стр. 1305

بالقِداح، وهم ياسرون في اللُّغة أيضًا؛ لأنَّهم جازرون على التسبيب، فسُمُّوا به لمعنى التَّجزئة في العاقِبة. والقِداحُ عشرةٌ: ذاتُ الحظوظ سبعةٌ؛ الفَذُّ، وعليه فرضٌ؛ أي: جزء، والتَّوأمُ، وعليه فرضان، والرَّقيب، وعليه ثلاثةُ فروض، والحِلْسُ، وعليه أربعةُ فروض، والنافِسُ، وعليه خمسة فُروض، والمُسْبَلُ، وعليه ستَّةُ فروض، والمُعلَّى، وعليه سبعةُ فروض. والأغفالُ التي لا حظوظَ (١) لها ثلاثةٌ؛ المَنِيحُ والسَّفِيح والوَغْدُ، وكان للفذِّ نصيبٌ، وللتَّوأم نصيبان، على هذا إلى آخره (٢)، ثمَّ يجتمع الأيسار (٣)، وهم سبعةٌ في الأغلب، وينحرون الجزورَ، فيجعلونَه عشرةَ أجزاء، ويأخذون قِداحَ الميسرِ، فيجمعونَها ويجعلونها (٤) في يدِ واحدٍ (٥)، فيجعلُها في شيءٍ، ويُجيلُها (٦)، ويُخرِجُ سهمًا سهمًا باسم كلِّ واحد، فمن خرجَ سهمُه بنصيبٍ، أخذَ قدرَهُ مِن الجَزور، ومَن بقيَ في آخرِه غرِمَ ثمنَهُ، ولم يأكلْ مِن لحمِه شيئًا. وفي "تفسير أبي القاسم بن حبيب (٧) ": إذا خرج في المرَّة الأولى الفَذُّ، فله

стр. 1306

نصيبٌ واحدٌ، وهو عُشْر الجَزور، فيأخذُه الذي أخرج على اسمه، ويقال: قُم، واعتزل، وسَلِمَ مِن الغُرم، وإن كان الخارجُ التَّوأم، أخذَ صاحبه عُشرَين، وسَلِمَ مِن الغُرم، واعتزلَ القوم، ولم (١) يبق من أعشار الجزورِ بعد الفذِّ والتَّوأمِ والمعلَّى شيءٌ، فتَنقطعُ الإجالةُ والإخراج، ويَصيرُ ثمنُ الجَزور على الأربعة الذين لم تخرج قِداحُهم، وهم صاحبُ الرَّقيب، وصاحبُ الحِلْسِ، وصاحبُ النَّافس، وصاحبُ المُسْبَل، وعلى هذا كانوا يعملون (٢). وعن الضَّحَّاك أنَّ هذا السَّائلَ كان حمزة بن عبد المطَّلب، قال: يا رسول اللَّه أفتنا في الخمر، فإنَّها مسلبةٌ للعقل، مَتْلَفَةٌ للمال، فنَزَل التَّحريم (٣). وقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا﴾؛ أي: في استعمالِهما وبسببهما (٤). وقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: عظيمٌ، ﴿كَبِيرٌ﴾؛ أي: متعدِّدٌ، وما كَبِرَ كثُر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ هي المغالاةُ بثمنِ الخمر إذا جَلبوها مِن الأطراف، وفيها: تقويةُ الضَّعيف، وهضمُ الطَّعام، والإعانةُ على الباءة، وتسليةُ المحزون، وتشجيعُ الجبان، وتَسخِية البخيل، وتصفيةُ اللَّون، وإنطاقُ العَييّ

стр. 1307

والحَييّ، وتهييجُ الهِمَّةِ، ومنافعُ الميسِر: التَّوسعةُ على ذوي الحاجة، فإنَّ الياسرِين كانوا يفرِّقونها على المحتاجين. وقال الواقديُّ: كان الواحدُ منهم ربَّما قمر في مجلسٍ (١) مئةَ بعيرٍ، فيصيبُ مالًا عظيمًا بلا نَصَبٍ ولا ثمن، ثمَّ يُعطيه المحتاجين، فيكتسبُ به الثناءَ والمدح. وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وفي الخمرِ: إيقاعُ العداوةِ والبغضاءِ، والصَّدُّ عن ذكرِ اللَّه وعن الصَّلاة، وهي تُسفِّهُ الحليمَ، وتُصيِّرُ شاربَها بحيثُ يَلعبُ ببولِه وعذِرَتِه وقيئِه. وعن العباسِ بن مرداس أنَّه قيل له في الجاهلية: لمَ لا تَشربُ الخمرَ، فإنَّه يزيدُ في جُرأتِك؟ قال: ما أنا بآخذٍ جهلي بيدي، فأدخلَه في جوفي، وأصبح سيد قومي وأمسي سفيههم (٢). وروي أنَّ جبريلَ صلوات اللَّه عليه قال للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ اللَّه تعالى شكرَ لجعفر الطَّيَّار أربعَ خصالٍ، كان عليها في الجاهليَّة، وهو عليها في الإسلام، فسألَ النبيُّ ﷺ جعفرًا عن ذلك، فقال: لولا أنَّ اللَّهَ تعالى أطلعَك عليها لما أخبرتُك بها؛ ما شربتُ خمرًا قَطُّ، لأنِّي رأيتُها تُزيلُ العقلَ، وأنا إلى أن أزيدَ فيه أحوجُ منِّي إلى أن أزيلَهُ، وما عبدتُ الصنم (٣) قَطُّ؛ لأنِّي رأيتُه لا يَضرُّ ولا يَنفع، وما زنيتُ قَطُّ؛ لغَيرتي على أهلي، وما كذبتُ قَطُّ؛ لأنِّي رأيتُه دناءةً. ومن مضارِّ الميسر: ما يَجري بينهم مِن الجُحود والسِّباب، والمُنازعةِ والسَّفه،

стр. 1308

وأنَّه أكلُ المالِ بالباطل، وهو مانعٌ عن الصَّلاة، وعن ذِكر اللَّه تعالى، وسببٌ للعداوة أيضًا. وقيل: معناه: ﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ بعد التَّحريم ﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ قبلَ التحريم. وقيل: في الخمر إثمٌ كبيرٌ ما دامت خمرًا، وفيها منافعُ للنَّاس إذا صارت خلًّا، وفي الميسر الإثمُ في الأخذِ، والنَّفعُ في البذل. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لا نفعَ فيها بعد التَّحريم، وما حرَّمَ اللَّهُ تعالى شيئًا حتَّى نزعَ منه جميعَ منافعِه (١). وقيل: أي: لا نفعَ فيهما بعد التَّحريم في الدِّين، فأمَّا النَّفعُ مِن حيث الدُّنيا فقد يكون. وقولُ ابن مسعودٍ ﵁: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يَجعلْ شفاءَكُم فيما حَرَّمَ عليكم (٢)؛ فمنهم مَن حملَهُ على ظاهِره؛ أنَّه لا يقعُ به شفاءٌ بوجهٍ، وقيل: معناه: لم يُجوِّز استشفاءَكم (٣) به، مع أنَّه قد يكون. والميسرُ يَقع على كلِّ قمارٍ؛ مِن النَّردِ، والشَّطرنج، والكعابِ، ولعبِ الصِّبيان

стр. 1309

بالجوز، وعلى كل مخاطرة (١)، رويَ أنَّ رجلًا (٢) خاطرَ رجلًا على أن يأكلَ كذا كذا (٣) بيضةً على كذا من المال، فقال عليٌّ ﵁: هذا قِمار. فأمَّا مخاطرةُ أبي بكر الصديق رضيَ اللَّه تعالى عنه المشركين التي ذكرت في حديث غلبةِ الرُّوم، وقول النبي ﷺ له: "زد في الخطر، وأبعِد في الأجل" (٤)، فإنَّها كانت قبل تحريم القمار، ثمَّ نُسخت به، فهذه الآيةُ (٥) أوَّلُ آيةٍ نزلَتْ في الخمر والميسر (٦)، فنبَّههم بها أنَّ اجتنابَهما (٧) أولى من اقترابِهما؛ إذ الحكمُ في الأمور للأغلب، ألا تَرى أنَّ مَن غَلبت عليه أفعالُ (٨) الخيرِ حَمِدوهُ، وإن كان فيه بعضُ ما يُذَمُّ، ومَن غلبَتْ عليه أفعالُ الشَّرِّ ذمُّوه، وإن كان فيه بعضُ ما يُحمَد. ولما تقرر هذا عندَهم وردَ النهيُ بعد ذلك عن الشُّرب وقتَ الصَّلاة لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فامتنعوا عن ذلك للصَّلوات، فخلا أكثرُ أوقاتِهم عن الشُّرب، فسَهُلَ نقلُهم عنها إلى التَّحريم المطلق، ثمَّ نزلَ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠].

стр. 1310

وروي أنَّ عمر ﵁ قال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلت الآيةُ التي في "البقرة": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فدُعيَ عمرُ ﵁، فقرِئَت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلَت الآيةُ التي في "النساء": ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي النبيِّ ﵊ ينادي إذا أقيمت: لا تَقربوا الصلاة وأنتم سكارى (١)، فقال عمر ﵁: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمرِ بيانًا شافيًا، فنزلَت الآيةُ التي في "المائدة": ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فقال عمر ﵁: انتهينا يا ربّ (٢). وقال الشَّعبيُّ (٣) ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ (٤) ومقاتل بن حيان (٥): أوَّلُ ما نزلَ في الخمر قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ وهو خمرُ

стр. 1311

التَّمر (١)، ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وهو ما يتَّخذ منه سواها، فعقلَ كبراءُ الصَّحابة -رضوان اللَّه عليهم- أنَّه لو كان فيها خيرٌ لم تُميَّز (٢) عن الرِّزق الحسن، فتركوها، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بمسألةِ حمزةَ ومعاذٍ ﵄ (٣)، فذمَّهما ولم يُحرِّمهُما، فامتنعَ كثيرٌ منهم عن ذلك، وبعضُهم كانوا يشربونها (٤)، فصنعَ عبدُ الرَّحمن بن عوف طعامًا لجماعةٍ مِن المهاجرين والأنصار، فسقاهُمُ الخمرَ، وصلَّوا في منزلِه وهو إمام، فقرأ في صلاة المغرب: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فأنزلَ اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٥). وهذه الآية أشدُّ مِن الأولى؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم السُّكْرَ عند مواقيتِ الصَّلوات، فقال عمر ﵁: إنَّ اللَّهَ يُقارِبُ في النَّهيِ عن شُربِ الخمر، وما أُراهُ إلَّا سيُحرِّمُها (٦)، فكانوا يشربونَها في غير مواقيت الصلوات (٧). فصنعَ عتبانُ بنُ مالك طعامًا، ودعا رجالًا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص ﵁، وكان شوى لهم رأسَ بعير، فأكلوا منه، وشربوا الخمرَ حتى أخذت فيهم، ثمَّ إنَّهم افتخروا عند ذلك، وانتسبوا، وتناشدوا الأشعارَ، فأنشدَ سعدٌ

стр. 1312

قصيدةً فيها هجاءُ (١) الأنصارِ، وفَخَر بقومه، فقام رجل مِن الأنصار، فأخذَ لَحْيَ البعيرِ، فضربَ به رأسَ سعدٍ فشجَّه (٢) موضِحةً (٣)، فانطلقَ سعدٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فشكا إليه الأنصاريَّ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠] بعد غزوة الأحزاب بأيَّام، فقال المسلمون: قد انتهينا يا ربّ (٤). وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قد ذكرنا أنَّ عمرَو بنَ جموح الأنصاري سألَ رسول اللَّه ﷺ سؤالين: على مَن يُنفِق؟ وكم يُنفِق؟ فنزلَ جوابُ الأوَّل في قوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، وجوابُ الثاني في هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، والسؤالان بصيغةٍ (٥) واحدةٍ، لكن عرف اختلافُهما باختلاف جوابيهما (٦)، وقد بيَّنَّا وجهَه. والعفوُ: ما سَهُل وفَضَل، يُقال: خُذ ما أتاكَ عفوًا؛ أي: سَهلًا (٧)، وأعْفَى فلانٌ فلانًا بحقِّه؛ أي: أوصلَهُ (٨) إليه بسهولةٍ مِن غير إلحاح، والعفوُ عن الجاني تسهيلٌ عليه، قال ﵇ (٩):. . . . . . .

стр. 1313

"وعفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (١) هو تسهيلٌ بالإسقاط، وقولُه تعالى للنَّبيِّ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ أي: ما سَهُلَ مِن أخلاقِ (٢) النَّاس. ويقرأ بالنَّصب؛ لوقوع فعل الإنفاق عليه، ويقرأ بالرفع، على إضمار: هو (٣). والعفوُ اسمٌ للفَضل أيضًا، قال النبيُّ ﷺ : "أوَّلُ الوقتِ رضوانُ اللَّه (٤)، وآخره عفوُ اللَّه" (٥) أي: فضلُ اللَّه. أو جعل هاهنا عبارةً عن الفضل على الحاجة؛ لما أنَّه سهل (٦) عليه ذلك، فلا يشقُّ عليه بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّه يسَّر على النَّاسِ ولم يعسر عليهم (٧). وشرعُ النَّفقةِ والصَّدقةِ على وجهٍ لا إسرافَ فيه ولا تقتير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال عز وعلا: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال النبيُّ ﷺ : "خيرُ الصَّدقة ما أبقت غنى، ولا تلام على كفاف" (٨).

стр. 1314

وقال جابرُ: بينما نحن عند رسولِ اللَّه ﷺ إذ جاءَه رجل بمثلِ البيضةِ مِن ذهب (١)، فقال: يا رسولَ اللَّه، خُذها صدقةً، فواللَّه لقد أصبحتُ ما أملكُ غيرَها، فأعرضَ عنه رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم أتاهُ مِن الجانب الآخر، فقال (٢) مثلَ ذلك، فأعرضَ عنه رسولُ اللَّه ﷺ ، ثمَّ أتاهُ مِن بين يديه، فقال له مثلَ ذلك، فقال (٣): "هاتها" مغضبًا، فأخذَها منه، ثمَّ رماهُ بها، فلو أصابَهُ لأوجَعهُ، ثمَّ قال: "يأتيني أحدُكم بماله، لا يَملِكُ غيرَه، ثمَّ يجلسُ يَتكفَّفُ النَّاس! إنَّما الصَّدقةُ عن ظهر غنى، خُذها فلا حاجة لنا فيها" (٤). وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: كان التَّصدُّق بالفضل في أول الإسلام إذا كان الرجلُ صاحبَ زرعٍ، أمسكَ لنفسِه قوتَ سنةٍ، وتصدَّقَ بالفضل، وإذا كان صانعًا، أمسكَ قوتَ يومِه، وتصدَّقَ بالفضل، فنُسِخت بآيةِ الزكاة. وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: هكذا يبيِّن اللَّهُ لكم مواضعَ

стр. 1315

الصَّدقات، لتتفكروا (١) في الدُّنيا فتعلموا أنَّها دارُ بلاءٍ (٢)، ثمَّ هي دارُ فناءٍ، فيزهدوا فيها، ويتفكَّروا في الآخرةِ، فيعلموا أنَّها دارُ بقاءٍ فيرغَبوا فيها (٣). وقيل: أي: كما بيَّنَ اللَّهُ تعالى لكم حكمَ الخمرِ والميسر، والإنفاقَ وقدرَه ومصارفَه، كذلك يبيِّنُ اللَّه لكم في المستقبلِ جميعَ ما تَحتاجون إلى معرفتِه مِن أمرِ (٤) دُنياكم وآخرَتِكم، لتتفكَّروا في الدُّنيا، أنَّي خلقتُها لأمتحنكم فيها بالأمرِ والنَّهي والمِحَن، وفي الآخرة؛ أنِّي خلقتُها لأجازيَ (٥) المحسن والمسيء. وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا، فتَحبِسوا مِن أموالِكم ما تتعيَّشون به، وتتفكَّروا في الآخرة، فتُنفِقوا الباقيَ فيما ينفعُكم فيها. وقيل: أي: لتَتفكَّروا فيما أعطاكُمُ اللَّهُ تعالى في الدُّنيا مِن الأموالِ الكثيرة، وأمرَكُم أنْ تُخرِجوا منها اليسيرَ، ثمَّ وعدَكُم عليه في الآخرةِ أضعافًا كثيرةً، فتَعلَموا فضلَهُ، وتؤدُّوا شُكرَه. وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا وفنائِها، وفي الآخرةِ وبقائِها، فتعمَلوا في هذه لتلك. وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا، فتُمسِكوا القوتَ لأهاليكم، وتَتفكَّروا في الآخرة، فتُقدِّموا الفضلَ لأنفُسكم.

стр. 1316

وقيل: أي: لتَتفكَّروا في الدُّنيا أنَّ اللَّهَ تعالى وَعَدَ فيها الرِّزقَ بغير عملٍ منكم، وتَتفكَّروا في الآخرة أنَّ اللَّهَ تعالى وعدَ فيها الثَّوابَ على عملِكم، ثمَّ تجتهدون في هذا، ولا حاجة إليه! فما لكم لا تَجتهدون في ذلك، ولا يُنالُ ذلك إلَّا به؟! * * * (٢٢٠) - ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ وانتظامُها بما قبلَها (١) أنَّهم لمَّا أُمِروا بالإنفاق مِن أموالِهم، استقصوا (٢) على أنفسِهم، فظَنُّوا أنَّهم أُمِروا بإنفاقٍ يُجحِفُ بهم، فسأَلوا عن ذلك، فأجيبوا بما عادَ عليهم (٣) بالنَّفع لهم في آخرَتِهم، والرِّفقِ بهم في دُنياهم، وأُمِروا بإنفاقٍ يَخِفُّ عليهم، ولَمَّا أُمِروا بمراعاةِ حقِّ اليتامى بالإنفاقِ عليهم، وألَّا يقربوا أموالَهم إلَّا بالأحسن، وألَّا يأكلوا أموالَهم ظُلمًا، استقصَوا في ذلك، فعزلوا أموالَهم عن أموالِهم، ولم يُخالِطوهم فيتضرَّر به اليتامى، فرخَّصَ اللَّهُ تعالى لهم في المخالطةِ والمؤاكلةِ على وجهٍ يَجمعُ الرِّفقَ للفريقين. وعن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: لمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، انطلقَ مَن كان عنده يتيمٌ، فعزلَ طعامَه عن طعامِه، وشرابَه عن شرابِه، فجعلَ يُمسِكُه عليه، حتَّى يأكلَه أو يفسُدَ، فاشتدَّ ذلك

стр. 1317

عليهم، فذكروا ذلكَ لرسول (١) اللَّه ﷺ ، فنزلَتِ الآيةُ (٢). وروي أنَّ السَّائلَ كان عبدَ اللَّه بنَ رواحة، قال: يا رسولَ اللَّه، هل تحلُّ لنا مخالطَتُهم؟ فنزلت الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٣)، قال الكلبيُّ: أي: عن مخالطةِ اليتامى، ودلَّ على هذا الإضمارِ الجوابُ، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال مقاتل ﵀: أشفقَ المسلمون من مخالطةِ اليتامى، فعزَلوا بيتَ اليتيمِ وطعامَهُ وخادمَهُ (٤)، فشقَّ عليهم ذلك، فقال ثابتُ بنُ رِفاعةَ للنبيِّ ﷺ : قد أنزلَ اللَّهُ تعالى في اليتيمِ ما أنزلَ، فعزلناهُم والذي لهم، واعتَزلنا والذي لنا، فشقَّ علينا (٥) وعليهم، وليس كلُّنا يجدُ سَعةً، فهل تَصلحُ لنا مخالطتهم، فيكونُ البيتُ والطَّعام واحدًا لا نرزأُهم شيئًا، إلا أنْ نعودَ عليهم بأفضل منه، فنزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٦)، قيل (٧): إصلاحُ أموالِهم خيرٌ لكم؛ أي: ما فعلتُم وفيه صلاحُهم (٨) فهو خيرٌ لكم. وقيل: بل معناه: خيرٌ لهم مِن عزلِهم وتركِ مخالطتهم.

стр. 1318

وقال ابنُ عباس ﵄: المخالطةُ أن تأكلَ من ثمره ولبنه وقصعتِه، وهو يأكلُ من (١) ثمرِك ولبنك وقصعتك (٢). وهذا إذا أصابَ مِن مالِ اليتيم بقدرِ عملِه له أو دونَه، فلا يَزيدُ على أجر مثلِه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وقد تكون المخالطةُ بخلط المالَين، وتناولِ الكلِّ منه، ثمَّ وإن وقعَ التفاوتُ بقلَّةِ الأكل وكثرتِه لكن (٣) اعتباره يوقِعُ في الحرج (٤)، وهو منفيٌّ شرعًا، وعلى هذا اجتماعُ الرِّفقةِ في السَّفر على خلطِ المال، ثمَّ اتِّخاذُ (٥) الأطعمة به، وتناولُ الكلِّ منها مع وهم التَّفاوتِ: مرخَّصٌ لهم؛ استدلالًا بهذه الآية. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ هو إصلاحُ أنفسِهم (٦) وقلوبِهم بتعويدِهم الأكلَ مع النَّاس، فإنَّ شرَّ النَّاسِ مَن أكلَ وحده. قال: وفيه دليلٌ على أنَّ مالَ الصَّغير (٧) يحتمل قليل التبرع (٨). قال: وفيه دليلٌ على أنَّ علَّة الرِّبا ليست هي الطُّعم، بل الكيلُ والوزن، فإنَّ اللَّهَ تعالى أباحَ المخالطةَ مع تفاوتِ الأكلِ في المطعوم، لعدم الكيلِ والوزن (٩).

стр. 1319

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ في الدِّين (١)؛ أي: هم إخوانكم، ومِن حقِّ الأخِ أنْ يُعان ولا يخان. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ بيَّن أنَّه تعالى لا يَخفى عليه قصدُ المخالطةِ بما فعلَ، وأنَّه يجزيهِ على وفقِ عمله، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قيل: لشقَّ عليكم، فلم يُرخِّص المخالطةَ. وقال ابنُ عباس ﵄: لضيَّق (٢) عليكم (٣). وقال مقاتل ﵀: لأثَّمكم بتحريمِ ذلك (٤). وقيل: لأهلكَكُم. وأصلُ العنت: المشقَّة؛ يقال: أكمةٌ (٥) عنوتٌ أي: طويلةٌ (٦) يَشُقُّ صعودُها، وعَنَتَ العظمُ عنتًا، إذا أصابَه وهنٌ أو كسرٌ، والإعناتُ: الحملُ على مكروهٍ لا يُطيقُه، والتَّعنُّت في السُّؤالِ: التَّشديدُ فيه والتَّغليظ. والعنتُ: الإثم. وقيل: المشقَّة والهلاك. وقيل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]: إنَّه الإثم. وقيل: الهلاكُ بالوقوع في الزِّنى. وقوله تعالى: ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]؛ أي هلكتم.

стр. 1320

وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: ما يَشُقُّ عليكم. وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ أي: شديدٌ عليه ما يَشُقُّ عليكم. وقيل: ما أثمتم. وقيل: أي: هلاكُكم بالذُّنوب. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: منيعٌ (١)، لا يَمتنعُ عليه ما يشاء، و ﴿حَكِيمٌ﴾ فلا يَحكمُ إلَّا بما فيه حكمة. وقيل: المرادُ بالمخالطة المذكورة في هذه الآيةِ هي المخالطةُ بالأنْفُسِ بالمناكحات، وهو أن يكون ابنًا، فيزوِّجَهُ ابنتَه، أو يكون بنتًا، فيزوِّجَها ابنه، فتوكَّدَ (٢) الألفة، ويخلطه بنفسه وبعشيرته؛ إيناسًا لوَحشتِه، وإزالةً لوحدته، وهو مرويٌّ عنِ الحسن. وقريبٌ مِنه ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، ويدلُّ على هذا في هذه الآية ذِكر النِّكاحِ فيما بعدَهُ. * * * (٢٢١) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ هو قيل: كانوا يلونَ (٣) يتامى أهل

стр. 1321

الشِّرك مِن قراباتهم، ويَرغَبون في المناكحة؛ تحقيقًا للمخالطةِ التي رُخِّصَ لهم فيها، فبيَّنَ أنَّ نكاحَ المشركةِ الحربية ليس من ذلك، ثم معناه: لا تتزوَّجوا الكافرات، ويقع الاسمُ على أهل الكتاب أيضًا في الأصل، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١]، وكان ذلك جائزًا في ابتداءِ الإسلام، وقد زوَّجَ رسولُ اللَّه ﷺ ابنتَه زينبَ من أبي العاص، وهو مشركٌ، فلما وردَ هذا النهيُ، وهاجرت زينبُ، بانَت منه، فلمَّا أسلمَ أبو العاص زوَّجَها منه ثانيًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: إلى أن يُسلِمن، مدَّ النهيَ إلى غايةٍ، ثمَّ خُصَّ مِن هذا العمومِ الكتابيِّاتُ الذمِّياتُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] حرائرهم وإماؤهم (١)، وبقيَت الحربيَّات في عمومِ هذه الآية. ونزولُه فيما ذكرَ الكلبيُّ قال: بعث رسولُ اللَّه ﷺ رجلًا من غَنِيّ (٢)، يُقالُ له: مرثد بن أبي مرثد -وقال عطاء: هو أبو مَرْثَد كنَّازُ بنُ الحُصين الغنوي (٣) - إلى مكَّة ليخرج أناسًا من المسلمين بها سرًّا (٤)، فلمَّا قدِمَها سَمِعَت به امرأةٌ يقال لها: عَناق (٥)، وكانت خليلةً له في الجاهليَّة، فأتتهُ فقالت له: يا مرثد، ألا تخلو؟ فقال: إنَّ الإسلامَ قد حالَ بيننا وبين ذلك، وحرَّمَهُ علينا، ولكن إن شئتِ تزوَّجتُكِ، إذا رجعتُ إلى

стр. 1322

رسول اللَّه ﷺ استأمرتُه، ثمَّ تزوَّجتُكِ، فاستغاثَت عليه، فضربوه ضربًا شديدًا، ثمَّ خلَّوه، فانصرفَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأعلمَه الذي كان من أمرِه وأمر عناق (١)، وقال: أيحلُّ لي أنْ أتزوَّجها؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية ينهاه (٢) عن ذلك (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ اللَّام للتأكيد. والأمةُ: الرَّقيقة، وجمعها الإماء، والمصدرُ الأمُوَّة، وقد أميتُها وتَأمَّيتُها؛ أي: استرققتُها. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾؛ أي: أفضلُ وأحقُّ مِن حرَّةٍ مشركة، وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: وإنْ راقتْكُم، وإن بلغَ بكم النهايةَ في الإعجاب؛ أي: وسَّعَ اللَّه تعالى الأمرَ، وكثَّر المنكوحات، فلا حاجةَ إلى المشركات. وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ﴾ قال مقاتلُ بنُ حيَّان: نزلَت في خنساء، وكانت وليدةً سوداءَ لحُذيفة بنِ اليمان، قال: يا خنساء، قد ذُكِرتِ في الملأ الأعلى مع سوادِك ودمامَتِك، وأنزلَ اللَّهُ تعالى ذكرَك في كتابِه، فأعتقَها وتزوَّجها (٤).

стр. 1323

وقال السُّدِّيُّ: نَزلَت في عبدِ اللَّه بنِ رواحة، كانت له أمةٌ سوداءُ، فغَضِبَ عليها، فلطَمَها، ثمَّ فزعَ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبرَه، فقال له النبيُّ ﷺ : "وما هي يا عبدَ اللَّه؟ " قال: هي تشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّه، وأنك رسوله (١)، وتصومُ رمضان، وتُصلِّي، وتُحسِنُ الوضوء، قال: "يا عبد اللَّه، هذه مؤمنة"، قال: فوالذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا، لأُعتقنَّها، ولأتزوَّجنَّها، ففعلَ، فعَظُمَ ذلك على أناسٍ من المسلمين، وقالوا: أتنكح أمةً؟! فنزلت الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾؛ أي: لا تزوِّجوهم بناتكم، وهذا في حقِّ الصغيرات، فأمَّا الكبيرةُ، فلها أن تتزوَّجَ بنفسِها، ولا يُزوِّجُها أبوها إلَّا برضاها، وسكوت البكرِ رضى. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾؛ أي: مِن حرٍّ مشركٍ، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ بمالِه وجمالِه وخِصالِه. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ وبيَّن علَّة المنعِ، فقال: أولئك (٣) يَدعون إلى الكفر والمعاصي التي تُوجِبُ النَّار. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: يدعوكُم إلى مخالطةِ المؤمنين؛ لأنَّ ذلك أوصلُ لكم إلى الجنَّة والمغفرة. وقيل: أي: يدعوكم إلى الأمرِ الذي أَذِن به، وبه تدخلون الجنَّة، وهو نكاحُ المسمَّاة (٤) هاهنا، وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ يتَّصلُ به من الوجهِ الذي قلنا.

стр. 1324

وقيل: يَدعو إليها بالأمرِ بسلوك الطَّريقِ الذي يؤدِّي إليه. وقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أوامرَهُ ونواهيه، ووعدَهُ ووعيدَه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: ليتَّعِظوا، وقد ذكَّرتُه فتذكَّر؛ أي: وعظتُه فاتَّعظَ، والذِّكرى: الموعظة. * * * (٢٢٢) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَ﴾ انتظامُ الآيتين: أنَّ الأولى فيها نهيٌ عن نكاح المشركةِ التي بها نجاسةُ الشِّرك، والثانيةَ فيها نهيٌ عن قربانِ المسلمةِ التي بها نجاسَةُ الحيض. وفيه (١) شرفُ المؤمن؛ حيث نزَّههُ عن مخالطةِ الأنجاسِ إلى وقت زوالِ الأدناس، فقال تعالى ثمَّةَ: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وقال تعالى هاهنا: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. وقوله: ﴿عَنِ الْمَحِيضِ﴾ أي: الحيض، وهو اللَّوثُ الخارجُ من الرَّحمِ في وقتٍ معتاد، يقال: حاضت الأرنبُ إذا خرجَ من قُبُلِها دمٌ، وحاضَتِ السَّمُرةُ (٢) إذا خرجَ من شقِّها حمرةٌ، ويقال: حاضَتِ المرأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحِيْضًا (٣)، كما يقال: حادَ

стр. 1325

يَحِيدُ حَيْدًا ومَحِيْدًا فهو حائدٌ، وحاصَ يَحِيصُ حَيْصًا ومَحِيصًا (١) فهو حائص. والسُّؤالُ مطلقٌ وفيه إبهامٌ فتبيَّن بالجوابِ أنَّ سؤالَهم كان عن مخالطةِ النِّساء في المحيض. ونزولُه فيما روى أنس قال: كانت اليهودُ إذا حاضتِ المرأةُ منهم، لم يُؤاكِلُوها، ولم يُشَارِبوها، ولم يَجتمعوا معها في البيوت، فسُئِل النَّبيُّ ﷺ عن ذلك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية، فأمرَهُمُ النبيُّ ﷺ أنْ يُؤاكلوهنَّ، ويُشارِبوهنَّ، وأن يكونوا معهنَّ، وأن يفعلوا كلَّ شيءٍ ما خلا النكاح؛ أي: الوطء، فقالت اليهودُ: ما يريد (٢) هذا الرجلُ منَّا؟ لم يدع شيئًا مِن أمرِنا إلَّا خالَفنا فيه! قال: فجاء عبَّادُ بنُ بِشْر (٣) وأُسَيدُ بنُ حضير إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبراه بذلك، وقالا: يا رسول اللَّه، أفلا ننكحُهنَّ في المحيض؟ -أي: أفلا نطَؤهُنَّ- فتغيَّر وجهُ رسولِ اللَّه ﷺ ، حتَّى ظننَّا أن قد غضبَ عليهما، فقاما، فاستقبلَتهما (٤) هديةٌ مِن لبنٍ، فأرسل النبيُّ ﷺ إليهما فسقاهُما، فعلِما أنَّه لم يغضب عليهما (٥). وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عمرو بنِ الدَّحداحِ البلويّ، وبلي حي من قضاعة (٦)، قال: ولمَّا نزلت هذه الآيةُ لم يؤاكلوهنَّ في إناءٍ واحد، وأخرجوهنَّ مِن بيوتهنَّ ومِن الفرش، كفعلِ العجَم، فقال أناسٌ مِن الأعراب: قد شقَّ علينا اعتزالُ

стр. 1326

الحُيَّض، والبردُ شديدٌ، فإن آثرناهنَّ بالثِّيابِ هَلكَ سائرُ أهلِ البيت، وإن آثرنا أهلَ البيت هَلكَت النِّساءُ بردًا، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّكم لم تؤمروا باعتزالهنَّ مِن البيوت، وإنَّما أُمرتُم باعتزالِ الفُروجِ إذا حِضْنَ، ويؤتينَ إذا طَهُرن"، وقرأ عليهم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١). وقال مقاتلُ بن حيَّان: نزلَت في أبي الدَّحداحِ صاحبِ الحديقة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾؛ أي: قَذَر. وقيل: أي (٢) شيءٌ تتأذَّى به المرأةُ، ويتأذَّى به مَن يَجِد ريحَها منها، وهذا بيانُ العلَّة، وبعده بيانُ الحكم، وهو قولُه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: اجتنبوهُنَّ، وتَنحَّوا عنهن، يقال: عزلتُه فانعزلَ؛ أي: نحَّيتُه فتنحَّى، ومنه: عزلُ الوالي، وعزلُ الماء عن المرأة، وعزلُ بعضِ الأقرباء عن الميراث، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ يجوزُ أن يكون مصدرًا كالأوَّل؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، ومعناه: تنحَّوا عنهنَّ حالةَ حيضِهنَّ. ويجوزُ أن يكون مَوضِعًا، كالمرجِع والموضع، ويكونُ عبارةً عن الفرج، ويدلُّ عليه ما روينا: "إنما أمرتم باعتزال الفروج" (٣). واستدلَّ به محمَّدُ بنُ الحسن ﵀ في قوله: إنَّ الزَّوجَ يَجتنبُ شِعارَ الدَّم، وله ما سوى ذلك، وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه احتاطا، فألحقا به ما

стр. 1327

تحتَ الإزار؛ لأنَّ الدَّم قد يَصِلُ إلى ذلك، وقد قال النبيُّ ﷺ لعائشة ﵂: "اتَّزِري، وعودي إلى مضجعِك" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تَطَؤوهنَّ، وفسَّر ذلك (٢) قولُه: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾، ولولاه لتُوهِّم بالاعتزالِ المفارقةُ بكلِّ البدنِ في كلِّ شيءٍ. وقيل: أكَّدهُ بصيغتين: نهيٍ وأمرٍ؛ مبالغةً في المنع؛ لما أنَّ الزَّوجين مجتمعان (٣) غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهرًا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتَّشديد في قراءة حمزةَ والكسائيِّ وعاصمٍ في رواية أبي بكر؛ أي: يغتسلنَ، و ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف في قراءة الباقين (٤)؛ أي: يَخرجنَ مِن الحيضِ بانقطاعِ الدَّم. وإذا كانت أيامُها عشرةً فكما انقطعَ، حلَّ وطؤها للزَّوج والمولى، وإذا كانتْ دون ذلك فانقطعَ واغتسلت، فكذلك، وإذا لم تَغتسِل، ومضى عليها وقتُ صلاةٍ، فكذلك، وعند زُفر والشافعيِّ ﵀: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، ويحتجَّان (٥) بقراءة التَّشديد، ونحن نعملُ بالقراءتين في حالتين (٦).

стр. 1328

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ أي: اغتسلنَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال مجاهد: سألتُ ابنَ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما عن هذا، فقال: هذا أمرُ إباحةٍ ورخصة (١)، ويَنصرفُ إلى ما وقعَ النَّهيُ عنه، وهو القُربانُ في موضعِ الحيض لأجلِ الحيض، فإذا زالَ الحيضُ أُبيحَ الإتيانُ في ذلك الموضعِ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم إتيانَ القُبل في أيَّام الحيض للأذى، فيحرمُ إتيانُ الدُّبُر في الأحوال كلِّها لِما فيه مِن الأذى، وهو القذر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (٢)؛ أي: عن إتيانِهم النِّساءَ في حالةِ الحَيض وفي الدُّبُر، وقوله تعالى ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾؛ أي: المتَنزِّهينَ عنهما، فلا يأتونَهُما قَطّ. وقد قبَّح اللَّهُ تعالى ذلك الفعلَ، حيث قال في صفةِ أهلِه: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، ووصفَ المتباعِدَ عنه بالتَّطهُّر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقيل: أي: يحبُّ التَّوابين مِن كلِّ الجنايات، والمتَطهِّرين مِن كلِّ النَّجاسات. وقال أبو القاسم الحكيم: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من الذُّنوب، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

стр. 1329

مِن العُيوب، فالذُّنوبُ ظاهرةٌ، كالسَّرقة والزِّنى وشُربِ الخمر، والعيوبُ باطنةٌ، كالحقدِ والغِلِّ والحسدِ وسوءِ الخُلُق، وقدَّم التوَّابين، تسكينًا للعُصاةِ حتَّى لا يَقنطوا، كما قيل في تقديم الظَّالِم على المقتصدِ والسَّابق (١). وقيل: لأنَّ التوَّابين أكثرُ مِن المتطهِّرين الذين يَبقونَ على الطَّهارة، فلا يتلوَّثون بذنبٍ، والأكثر يُبدَأُ به، كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وفي قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. * * * (٢٢٣) - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (٢) أي: مَحْرَثٌ ومَزْرَعٌ للأولاد، سُمِّيَ موضعُ الفعل بالفعل، كالبيت سُمِّي به؛ لأنَّه موضعٌ يُباتُ فيه، وقال الشاعرُ يصفُ امرأتَهُ بأكل الجراد: إذا أكلَ الجرادُ حروثَ قومٍ... فحَرثي همُّه أكلُ الجرادِ (٣) ووحَّدَ الحرثَ مع ذكرِ جماعةِ النِّساء؛ لأنَّه في الأصل مصدرٌ. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي: موضعَ حرثِكُم، وهو الفرجُ؛ لأنَّه موضعُ الولد دونَ الدُّبر.

стр. 1330

وقوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾؛ أي: كيف شئتم، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، والمرادُ مِن التخيير في الكيفية؛ أي: قيامًا وقعودًا، ومقابلةً ومدابرة، وعلى الجنب، ومجبِّيةً؛ أي: على هيئةِ الرَّاكعة (١)، وعزلًا للماء، وغيرَ عزلٍ برضاها، وفي الأمةِ المملوكةِ لا يُشترَطُ رضاها، وفي الأمةِ المنكوحة يُشترَطُ رِضى مولاها عند أبي حنيفةَ ﵀ (٢). وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه ﵁: كانت اليهودُ تقول: إذا أتى الرجل امرأته (٣) من خلفها في قبلها، كان ولده أحول، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٤). ورَوَت حفصةُ رضي اللَّه تعالى عنها أنَّ امرأةً قالت للنبيِّ ﷺ : إنَّ زوجَها يأتيها وهي مدبرةٌ، فقال ﵊: "لا بأسَ إذا (٥) كان في صمامٍ واحد" (٦). وعن أمِّ سلمةَ رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كانت اليهودُ يقولون للأنصار: إنَّه من جبَّى أهلَه ولدَ له أحول، فكان (٧) نساءُ الأنصار لا يُتابِعنَ بُعولتهُنَّ على ذلك، فلمَّا

стр. 1331

قدمَ المهاجرون المدينةَ نَكحوا في الأنصار، فأرادَ رجلٌ امرأتَه على ذلك، فأبت (١)، وقالت: حتَّى أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فدخلَت على أمِّ سلمةَ رضي اللَّه تعالى عنها، فذكرَتْ ذلك لها، فقالت لها: كوني مكانَك حتَّى يَدخُلَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فدخلَ، فكأنَّ الأنصاريَّة استحيَت، فذكرَت أمُّ سلمةَ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "ادْعِيها"، فدعَتها، فقعَدت بين يدَي رسولِ اللَّه ﷺ (٢)، فقرأ عليها رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا (٣) " (٤). وقال سعيدُ بن جُبَير رضي اللَّه تعالى عنه: كنتُ أنا ومجاهد عند ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، فسأل (٥) رجلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فقال: أُمِرتَ أن تأتيَ مِن حيثُ جاء الدَّمُ، فقال الرَّجلُ: كيف بالآيةِ التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟ فقال: ويحك (٦)! هل في الدُّبُرِ مِن حَرْث؟! (٧) وقال عطاء: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: متى شئتم من ليلٍ أو نهار (٨). وقالوا: هذا لا يَصلحُ في اللُّغة؛ لأنَّ له ثلاثةَ معانٍ فقط: معنى: كيف، ومعنى:

стр. 1332

أين، ومعنى من (١) أيِّ وجه، قال تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فأمَّا معنى (٢) متى، فليس ذلك في اللُّغة. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قيل: التَّسمية، قال ﵊: "إذا وطِئتَ امرأتَك أو ما مَلكَتْ يمينُك، فقل: بسم اللَّه، يُكتَب لك حسناتٌ ما لم تَفرُغ، فإنْ قُدِّرَ لك ولدٌ، كُتِبَ لك بكلِّ نفسٍ مِنه ومِن عَقِبه عشرُ حسناتٍ إلى يوم القيامة" (٣). وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم النِّيَّة الخالصة؛ أي: لا تَقتصِروا على قضاءِ الشَّهوة (٤)، ولكن اقصِدوا التَّعفُّفَ والولدَ. وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم قصدَ الائتمارِ للَّه تعالى (٥)، وقد تقدَّمَ الأمرُ بالإنفاقِ والقتالِ وتركِ الاختلاف وكثيرٍ مِن الأشياء، إلى أنْ أمرَ باجتنابِ الحائض، ثمَّ قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخرَ بطاعةِ اللَّه تعالى فيما أمَرَ ونَهى في هذه الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تَعصوهُ في شيءٍ مِن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: آتوهُ يومَ القيامةِ للجزاء.

стр. 1333

وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يُقدِّمون هذا، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وهو هذا، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. * * * (٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ انتظامُ هذه الآية بما قبلَها أنَّه قال في تلك الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ونَهى في هذه الآية أنْ تُجعَلَ اليمينُ باللَّه تعالى مانعةً عن تقوى اللَّه. ونظمٌ آخر: أنَّ نزولَها في قول الكلبيِّ في عبد اللَّه بن رواحة، وأنَّه حلفَ ألَّا يدخلَ على خَتَنِه، ولا يُكلِّمَهُ، ولا يُصلِحَ بينَه وبين زوجتِه -وهي أختُه- وكان طلَّقها وأرادَ أن يتزوَّجَها بعد ذلك، فجعلَ يقول: حلفتُ باللَّه ألَّا أفعلَ، ولا يحلُّ لي، إلَّا أن أبرَّ في (١) يميني، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)، فمنعَه عن منعِ الحرث عن الحارثِ المذكور في تلك الآيةِ. وقال القفَّالُ: لمَّا أمرَ اللَّهُ تعالى في الآيات المتقدِّمةِ بفعلِ الخَيرات، ونَهى عن الاختلافِ والبَغيِ، ودعا إلى الإصلاح (٣)، وإيتاءِ اليَتامى والمساكين وابنِ السَّبيل، وحسنِ معاشرةِ النِّساء؛ نَهى أنْ يَمتنعوا عن شيءٍ مِن ذلك بسببِ اليَمين.

стр. 1334

وقال مقاتلُ بن حيَّان: نزلَتِ الآيةُ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ حين حلفَ ألَّا يَصِلَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ حتَّى يُسلِم (١). وقيل: نزلَت (٢) فيه حين حلفَ ألَّا يُنفِق على مِسْطح بنِ أُثاثةَ، حين خاضَ في حديث الإفك (٣). وقوله تعالى: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) قيل: أي: علَّةً مانعةً لكم مِن البِرِّ والتَّقوى والإصلاح، بأن تَحلفوا ألَّا تفعلوا ذلك، فتَعتلُّوا بها، أو تقولوا: حلفنا، ولم تَحلِفوا به، رُويَ هذا عن الحسن وطاوس وقتادة (٥). وهي فُعلةٌ من (٦) الاعتراض، والمعترِضُ بين الشَّيئين مانعٌ، يقول: أردتُ أن أفعل كذا، فعرَضَ لي أمرٌ، أو اعترضَ لي أمرٌ، وأصلُه أنْ يوضعَ الشَّيءُ في الطَّريق عَرْضًا، فيُسدَّ به الطَّريق. وما رُوي عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ ﵃: ﴿عُرْضَةً﴾ أي: حُجَّةً (٧)، فذاك قريبٌ ممَّا قُلنا: علَّةٌ مانعة. وقيل: أي: مبتذَلًا في كلِّ شيءٍ، ورويَ ذلك عن عائشة ﵂، وقالت:

стр. 1335

لا تحلفوا بهِ وإن بررتم (١)، كأنَّه قال: وإنْ كنتُ جعلتُ لكم مخرجًا مِن الأيمان بالكفارات، فلا يَحملَنَّكُم ذلك على الإكثارِ منها، وعلى هذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هو حفظُ اليمين أن (٢) يُحلَفَ بها، والعربُ تَمدحُ بقلَّةِ اليمينِ، والامتناع عنها، قال الشَّاعرُ: قليلُ الأَلايا حافظٌ ليَمينِهِ... وإنْ بدرت (٣) منهُ الأليَّةُ برَّت (٤) واللَّهُ تعالى ذمَّ المُكثِرَ (٥) منها بقوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ [القلم: ١٠]، و ﴿عُرْضَةً﴾ على هذا القول مِن قولِهم: فلانٌ عُرْضةٌ للنَّاس؛ أي: لا يَزالون يَقعون فيه، قال الشَّاعرُ: ولا تَجعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ (٦) أي: معرَّضًا لكثرةِ ملامهنَّ. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ قيل (٧): هو صلةُ قوله: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: لأيمانِكم على ألَّا تَبرُّوا، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
следующие страницы →