← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

قدمَ المهاجرون المدينةَ نَكحوا في الأنصار، فأرادَ رجلٌ امرأتَه على ذلك، فأبت (١)، وقالت: حتَّى أسألَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فدخلَت على أمِّ سلمةَ رضي اللَّه تعالى عنها، فذكرَتْ ذلك لها، فقالت لها: كوني مكانَك حتَّى يَدخُلَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فدخلَ، فكأنَّ الأنصاريَّة استحيَت، فذكرَت أمُّ سلمةَ ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "ادْعِيها"، فدعَتها، فقعَدت بين يدَي رسولِ اللَّه ﷺ (٢)، فقرأ عليها رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا (٣) " (٤). وقال سعيدُ بن جُبَير رضي اللَّه تعالى عنه: كنتُ أنا ومجاهد عند ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، فسأل (٥) رجلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، فقال: أُمِرتَ أن تأتيَ مِن حيثُ جاء الدَّمُ، فقال الرَّجلُ: كيف بالآيةِ التي بعدها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟ فقال: ويحك (٦)! هل في الدُّبُرِ مِن حَرْث؟! (٧) وقال عطاء: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: متى شئتم من ليلٍ أو نهار (٨). وقالوا: هذا لا يَصلحُ في اللُّغة؛ لأنَّ له ثلاثةَ معانٍ فقط: معنى: كيف، ومعنى:

стр. 1332

أين، ومعنى من (١) أيِّ وجه، قال تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، فأمَّا معنى (٢) متى، فليس ذلك في اللُّغة. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قيل: التَّسمية، قال ﵊: "إذا وطِئتَ امرأتَك أو ما مَلكَتْ يمينُك، فقل: بسم اللَّه، يُكتَب لك حسناتٌ ما لم تَفرُغ، فإنْ قُدِّرَ لك ولدٌ، كُتِبَ لك بكلِّ نفسٍ مِنه ومِن عَقِبه عشرُ حسناتٍ إلى يوم القيامة" (٣). وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم النِّيَّة الخالصة؛ أي: لا تَقتصِروا على قضاءِ الشَّهوة (٤)، ولكن اقصِدوا التَّعفُّفَ والولدَ. وقيل: قدِّموا لأنفُسِكم قصدَ الائتمارِ للَّه تعالى (٥)، وقد تقدَّمَ الأمرُ بالإنفاقِ والقتالِ وتركِ الاختلاف وكثيرٍ مِن الأشياء، إلى أنْ أمرَ باجتنابِ الحائض، ثمَّ قال: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخرَ بطاعةِ اللَّه تعالى فيما أمَرَ ونَهى في هذه الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تَعصوهُ في شيءٍ مِن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: آتوهُ يومَ القيامةِ للجزاء.

стр. 1333

وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يُقدِّمون هذا، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وهو هذا، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠]. * * * (٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ انتظامُ هذه الآية بما قبلَها أنَّه قال في تلك الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ونَهى في هذه الآية أنْ تُجعَلَ اليمينُ باللَّه تعالى مانعةً عن تقوى اللَّه. ونظمٌ آخر: أنَّ نزولَها في قول الكلبيِّ في عبد اللَّه بن رواحة، وأنَّه حلفَ ألَّا يدخلَ على خَتَنِه، ولا يُكلِّمَهُ، ولا يُصلِحَ بينَه وبين زوجتِه -وهي أختُه- وكان طلَّقها وأرادَ أن يتزوَّجَها بعد ذلك، فجعلَ يقول: حلفتُ باللَّه ألَّا أفعلَ، ولا يحلُّ لي، إلَّا أن أبرَّ في (١) يميني، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)، فمنعَه عن منعِ الحرث عن الحارثِ المذكور في تلك الآيةِ. وقال القفَّالُ: لمَّا أمرَ اللَّهُ تعالى في الآيات المتقدِّمةِ بفعلِ الخَيرات، ونَهى عن الاختلافِ والبَغيِ، ودعا إلى الإصلاح (٣)، وإيتاءِ اليَتامى والمساكين وابنِ السَّبيل، وحسنِ معاشرةِ النِّساء؛ نَهى أنْ يَمتنعوا عن شيءٍ مِن ذلك بسببِ اليَمين.

стр. 1334

وقال مقاتلُ بن حيَّان: نزلَتِ الآيةُ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ حين حلفَ ألَّا يَصِلَ ابنَه عبدَ الرَّحمنِ حتَّى يُسلِم (١). وقيل: نزلَت (٢) فيه حين حلفَ ألَّا يُنفِق على مِسْطح بنِ أُثاثةَ، حين خاضَ في حديث الإفك (٣). وقوله تعالى: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ (٤) قيل: أي: علَّةً مانعةً لكم مِن البِرِّ والتَّقوى والإصلاح، بأن تَحلفوا ألَّا تفعلوا ذلك، فتَعتلُّوا بها، أو تقولوا: حلفنا، ولم تَحلِفوا به، رُويَ هذا عن الحسن وطاوس وقتادة (٥). وهي فُعلةٌ من (٦) الاعتراض، والمعترِضُ بين الشَّيئين مانعٌ، يقول: أردتُ أن أفعل كذا، فعرَضَ لي أمرٌ، أو اعترضَ لي أمرٌ، وأصلُه أنْ يوضعَ الشَّيءُ في الطَّريق عَرْضًا، فيُسدَّ به الطَّريق. وما رُوي عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ ﵃: ﴿عُرْضَةً﴾ أي: حُجَّةً (٧)، فذاك قريبٌ ممَّا قُلنا: علَّةٌ مانعة. وقيل: أي: مبتذَلًا في كلِّ شيءٍ، ورويَ ذلك عن عائشة ﵂، وقالت:

стр. 1335

لا تحلفوا بهِ وإن بررتم (١)، كأنَّه قال: وإنْ كنتُ جعلتُ لكم مخرجًا مِن الأيمان بالكفارات، فلا يَحملَنَّكُم ذلك على الإكثارِ منها، وعلى هذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هو حفظُ اليمين أن (٢) يُحلَفَ بها، والعربُ تَمدحُ بقلَّةِ اليمينِ، والامتناع عنها، قال الشَّاعرُ: قليلُ الأَلايا حافظٌ ليَمينِهِ... وإنْ بدرت (٣) منهُ الأليَّةُ برَّت (٤) واللَّهُ تعالى ذمَّ المُكثِرَ (٥) منها بقوله: ﴿حَلَّافٍ﴾ [القلم: ١٠]، و ﴿عُرْضَةً﴾ على هذا القول مِن قولِهم: فلانٌ عُرْضةٌ للنَّاس؛ أي: لا يَزالون يَقعون فيه، قال الشَّاعرُ: ولا تَجعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ (٦) أي: معرَّضًا لكثرةِ ملامهنَّ. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ قيل (٧): هو صلةُ قوله: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: لأيمانِكم على ألَّا تَبرُّوا، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].

стр. 1336

وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾ عطفٌ على الأوَّل. وقيل: هو صلةُ ﴿عُرْضَةً﴾؛ أي: لا تجعلوا اليمينَ باللَّه تعالى مانعةً عن أنْ تَبرُّوا وتتَّقوا وتُصلِحوا، وعلى هذا لا يُضمَرُ فيه "لا". وهذا خطابٌ لمن حَلف لا (١) يُكلِّمُ أبوَيهِ، أو على شيءٍ في فعلِه تقوى اللَّه، أو على إصلاحٍ بين المتهاجرين، أو حُكمٍ بين اثنين حكَّماهُ، وحلفَ ألَّا يَحكُمَ بينهما، فلا ينبغي له أنْ يَدومَ على ذلك، بل يُحنِّثُ نفسَه، ويُكَفِّر، قال النبيُّ ﷺ : "من حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، ثم ليُكفِّر عن (٢) يمينِه" (٣). وقيل على القولِ (٤) الذي هو منعٌ عن اليمين باللَّه في كلِّ شيء: أي: لا تَحلفوا باللَّه في كلِّ حقٍّ وباطل؛ لأن تبرُّوا وتَتَّقوا وتُصلِحوا بين النَّاس؛ أي: لتكونوا بتركِ النَّهيِ عن اليمينِ مِن الأبرار المتَّقين المُصْلِحين. وقيل: تمَّ الكلامُ بقوله: ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ ابتداءٌ، ومعناه: البرُّ والتَّقوى والإصلاحُ بين النَّاسِ أولى. وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: معناهُ: لا تحلفوا باللَّه كاذبين لتُروا النَّاسَ أنَّكم صادقون، والناسُ لا يَعلمون الغيبَ، واللَّهُ يَعلمُ ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ (٥)؛ أي: لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بنِيَّاتِكم (٦)، وهذا وعيدٌ.

стр. 1337

(٢٢٥) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾ (١) المؤاخذةُ مفاعلةٌ مِن الأخذ، وهي المعاقبة هاهنا. وقوله تعالى: ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ أي: السَّاقِطِ الباطل، يُقال: لغا الشيءُ يلغو؛ أي: سقطَ وبطلَ، وألغيتُه؛ أي: أسقطتُه وأبطلتُه، واللَّغوُ مِن الكلام، واللَّغوُ في الحساب مِن ذلك. وقوله تعالى: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هي جمعُ يمين، وهي الحَلِف، وسُمِّيَت بها لمعنيين: أحدهما: أنَّه من اليمين التي هي اليدُ اليمنى، وكانوا إذا تحالَفوا في العهودِ، تصافحوا بالأيمان، فسُمِّيَت بذلك. والثاني: أنَّ اليمينَ هي القوَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، وسُمِّيَت به؛ لأنَّ الحالِفَ يَتقوَّى بيمينِه على حفظِ ما حَلَفَ عليه من فعلٍ أو ترك. ومعنى قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي؛ لا يُعاقِبُكم بما سقطَ وبَطَلَ اعتبارُه مِن أيمانكم، ولذلك ثلاثة أوجه: أحدها: يتَّصلُ بما قبلَه؛ أي: باليمينِ التي حلفتُم على تركِ برٍّ أو تقوى أو إصلاح، ثمَّ حَنَّثتُم أنفسَكم، وكفَّرتُم، فقد أبْطلتُم وأسقطتم حكمَها، فلا تَبقى بها مؤاخذةٌ. والثاني -وهو قولنا- وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه (٢)

стр. 1338

الخطأ (١)، وهو أنْ يَرى شخصًا، فيَظُنَّ أنَّه زيدٌ، فيَحلِفُ أنَّه زيدٌ، فيَظهرُ أنَّه عمرو، أو على ظنٍّ أنَّه كذا، فإذا هو غيرُه. والثالث -وهو قول الشافعي ﵀: هو ما يجري على لسانِه مِن غيرِ قصده: لا واللَّه، وبلى واللَّه (٢)، وهو قولُ عائشةَ ﵂ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ على القول الأول: هو الثَّباتُ على يمينِ ترك البرِّ والتَّقوى والإصلاح. وعلى القول الثاني: هو قَصدُ الكذبِ مع العلمِ به، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو أنْ يَحلِفَ على شخصٍ أنَّه زيدٌ، وهو يَعلمُ أنَّه عمرو، أو يحلفَ أنَّه فعلَ كذا، وهو يعلمُ أنَّه لم يَفعل، أو على العكس، وهي اليمينُ الغموسُ، وفيها المؤاخذةُ بالعقوبةِ في الآخرة، ولا كفارةَ فيها عندنا. وهذه الآيةُ في مؤاخذةِ الآخرة، فأمَّا المؤاخذةُ المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فهي المؤاخذةُ بالكفَّارة، لكنَّها في اليمينِ المعقودةِ، فالآيتان في مؤاخذَتَين مختلفتَين. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أي: للذُّنوب بالتَّوبة، ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أي: بالإمهالِ إلى وقتِ التَّوبة. * * *

стр. 1339

(٢٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: يَحلِفون، والأَلِيَّةُ: الحَلِفُ، وجمعُها الأَلايا، وقد آلى يُؤلِي إيلاءً؛ أي: للأزواجِ الذين يحلفونَ مِن زوجاتهمِ على تَركِ وطئهنَّ. وقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ أي: انتظارُ هذه المدَّة، وقد تربَّص تربصًا (١)، وربصَ ربصًا كذلك، والرُّبصَةُ: اللُّبثُ؛ أي: مَن حلفَ لا يَقربُ امرأتَهُ، فهذا قسمٌ له حكمان؛ حكمُ الحِنث وحكمُ البِرّ: فحكمُ الحِنْث: وجوبُ الكفَّارة بالوطءِ في هذه المدَّة، إن كانت اليمينُ باللَّه، ونزولُ الطَّلاق، أو العِتاق، أو النَّذرِ المسمَّى، إن كان القَسمُ (٢) بذلك. وحكمُ البِرِّ: وقوعُ طلقةٍ بائنةٍ عند مُضيِّ هذه المدَّةِ؛ إن كانت المنكوحةُ حُرَّةً، فإن كانت منكوحتُه (٣) أمةَ الغيرِ فمدَّتُها شهران، وتتنصَّفُ كما في العِدَّة، ولو آلى من أمتِه لم يكن له هذا الحكمُ في البِرِّ، وفي حكم الحِنْثِ هو يمينٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فاختصَّ بالمنكوحات. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾؛ أي: رَجَعوا عن هذا الإضرارِ بتركِ القُرْبان، فقَرُبوا في المدَّة، والفَيءُ: الرُّجوع، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ [الحجرات: ٩]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ ذنبَ الزَّوجِ -وهو إضرارُه بها- بالفيءِ، ويَغفرُ ذَنْبَ الفيء الذي هو حِنْثٌ بالتَّكفير، ﴿رَحِيمٌ﴾ حيثُ أجازَ له الحِنْثَ، وقَبِلَ منه الكفَّارةَ، ورفعَ عنه (٤) الذَّنْبَ.

стр. 1340

(٢٢٧) - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ أي: حقَّقوا الطلاقَ وأكَّدوهُ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: وإنْ ثَبتوا في المدَّةِ على تركِ القُربان حتَّى مضتِ المدَّةُ، وقعَت طلقةً بائنةً. وكان الإيلاءُ طلاقَ أهلِ الجاهليَّة، فجعلَ اللَّهُ تعالى حكمَهُ في الإسلامِ ما قُلنا. وقولُه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: سمع كلامَ الزَّوجِ، وعَلِمَ قصدَه. * * * (٢٢٨) - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾؛ أي: المنكوحاتُ الحرائرُ اللَّاتي طلَّقهنَّ أزواجهنَّ صريحَ الطَّلاقِ بغيرِ مالٍ وقد دَخلوا بهنَّ، ينتظرنَ بأنفسهنَّ؛ أي: يعتددن. والتَّطليقُ رفعُ القيد، وقد طلَّقَها يُطَلِّقُها تطليقًا وطلاقًا، كما يقال: سَلَّمَ يُسَلِّمُ تسلِيمًا وسلامًا، وكلَّمَ يُكَلِّمُ (١) كلامًا وتكليمًا، وطَلَقت هي بفتحِ اللام تَطلُقُ طلاقًا، كما يقال: كَمَلَ يَكمُلُ كمالًا، وطَلُقت بضمِّ اللامِ لغةٌ، والأوَّلُ أصحّ (٢)، وهي طالقٌ بغير الهاء؛ لأنَّه صفةٌ خاصَّةٌ لها. وقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ نصب على الظَّرف، والقُروءُ جمع قُرء، وهو

стр. 1341

الحيضُ عندنا، وعند الشافعيِّ ﵀ هو الطُّهر، وأجمعَ أهلُ اللُّغةِ أنَّ اللفظَ صالح لهما، وقد وردَ في الشَّرع في كلِّ واحدٍ منهما، قال النبيُّ ﷺ لامرأةٍ: "دعي الصَّلاةَ (١) أيَّام أقرائكِ" (٢)؛ أي: حيضِك، وقال لعبدِ اللَّه بن عمر ﵁: "إنَّ مِن السُّنَّة أنْ يُطلِّقَها في كلِّ قُرءٍ تطليقة" (٣)؛ أي: في كلِّ طهرٍ، ووَرَدَ في اللُّغة لهما أيضًا، قال الشَّاعرُ: يا ربَّ ذي ضِغْنٍ وضبٍّ فارضِ (٤) ... له قروءٌ كقروءِ الحائِضِ (٥)

стр. 1342

وأراد بها الحيضَ، وقال آخر: أفي كلِّ عامٍ أنت جاشمُ غزوةٍ... تَشدُّ بها أقصى عزيمِ عزائِكَا مُوَرِّثةٍ مالًا وفي الحيِّ رِفعةً... لما ضاعَ فيها مِن قُرُوءِ نسائكا (١) وأرادَ بها الأطهارَ، وإنَّما صلحَ (٢) لهما؛ لأنَّه في الأصل اسمٌ للوقتِ المعتاد (٣)، قال الشاعر: كَرِهْتُ العقرَ عَقْرَ بني شُلَيلٍ... إذا هبَّت لقارِئها الرِّياحُ (٤) أي: لوقتٍ معتاد (٥). والحيضُ والطُّهرُ كلُّ واحدٍ منهما له وقتٌ معتادٌ، فصَلَحَ

стр. 1343

الاسمُ لكلِّ واحدٍ منهما، فوجبَ التَّرجيح (١)، فرجَّحه أصحابُنا ﵏ بدلائل: أحدهما: أنَّ اللَّهَ تعالى حصرَها بثلاثةٍ، والحَصرُ بعددٍ (٢) لا يَحتملُ النُّقصانَ عنه، ولو (٣) حملناها على الأطهار، والطَّلاقُ يُوقَعُ في الطُّهر، فإذا مضى منه شيءٌ وإن قلَّ لم يكن الأطهارُ ثلاثةً حقيقة. والثاني: أنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ الاعتدادَ بالأشهُر بدلًا عن الاعتداد بالقُروء، وقال في تلك الآية ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، فلمَّا شرَّعَ ذلك عند ارتفاع الحيضِ، دلَّ أنَّ الأصلَ كان هو الحيضُ. والثالث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "عدَّةُ الأمةِ حيضتان" (٤)، فدلَّ على أنَّ عِدَّةَ الحرَّةِ ثلاثُ حِيَض؛ لأنَّه تنصيفُ ما على الحرَّة كما في الأشهر، لكنَّ الحيضَ لا يَتجزَّأ، فكمِّلَ حيضتين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ﴾؛ أي: يُخفينَ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ هي جمعُ رَحِم، وقال أهلُ التَّفسير: إنَّه الحيضُ والحَبَلُ.

стр. 1344

وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: الإيمانُ باللَّهِ وبالقيامة حامل على الطَّاعةِ فيما وردَ به الأمرُ، فقد حَرُم عليهنَّ الكتمانُ، فكان إيجابًا للإظهار، وإذا وجبَ عليهنَّ الإظهارُ، وجبَ على الأزواج (١) القَبول، فكانت المرأةُ أمينةً في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: أزواجُهنَّ، والبعلُ: الزَّوجُ، وهو كالفحل والفُحولة، والعَمِّ والعمومة، والبَعلةُ: المرأة، والمباعلةُ: المباشرة، والبِعالُ كذلك، قال النبيُّ ﷺ : "أيَّام العيد والتَّشريق أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ وبِعال" (٢)، وقال ﵊: "جهادُ المرأة حسنُ التَّبعُّل" (٣)؛ أي: حسنُ القيامِ بما عليها في بيت الزَّوج، وسُمِّيَ الزَّوجُ بعلًا؛ لأنَّه كأنَّه مالكٌ للمرأة وربٌّ لها، قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥]؛ أي: ربًا، ودلَّت تسميةُ الزَّوجِ بَعلًا بعدَ طلاقِها (٤) الصريح أنَّ النِّكاحَ قائمٌ، والحِلَّ ثابت، وقوله: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: أوْلَى بمراجعَتِهنَّ. وقوله تعالى: ﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في (٥) التَّربُّص؛ أي: حالةَ الاعتدادِ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ أي: إنْ قصدَ الأزواجُ إقامةَ الحدودِ وتداركَ الفسادِ، فلهم الرَّجعة، وليس هذا على الشَّرط حكمًا، وهو كقولِه تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وتجوزُ الكتابةُ حُكمًا وإن لم يعلم فيهم خيرًا، وكذا

стр. 1345

تصحُّ رجعَتُهُ حُكمًا، وإنْ لم يَقصِد بها الإصلاح، لكن هذا تنبيهٌ أنَّ الإطلاقَ في حقِّ مَن قصدَ ذلك، فأمَّا مَن قصدَ الإضرارَ (١) بمراجعتِها بأنْ يُطلِّقَها بعد ذلك، ثمَّ يُراجعَها (٢)؛ تطويلًا للعدَّة عليها، فإنَّه آثمٌ بذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: وللنِّساء على الأزواج حقوقٌ كما لهم عليهنَّ حقوق، بما هو مستحسَنٌ شرعًا وعرفًا، ويجوزُ أن يكون هذا تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾؛ أي: إقامةً للحُقوق من الطَّرفين، فله أنْ يُرَاجِعها مِن غيرِ رضاها، وعليها أنْ تُطيعَهُ، وعليه أن يُحسِنَ إليها ولا يضارَّها. وقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ أي: منزلةٌ؛ فإنَّ الطَّلاق بأيديهِم، والنَّفقةَ عليهم، والولايةَ عليهن لهم، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وقال النبيُّ ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان" (٤)، ولمَّا كان لهم عليهنَّ درجةٌ نُدِبوا إلى توفية حقوقهنَّ. وقيل: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ في كمالِ العقل؛ فهم أَولى بأداءِ الحقِّ منهنَّ، وإثمُهم في المراجعة لا على إرادة الإصلاح والإضرارِ بهنَّ أكثرُ مِن إثمهنَّ بكتمانِ ما خلقَ اللَّهُ في أرحامهنَّ.

стр. 1346

ويجوزُ أن يكون تنبيهًا للنِّساء على تعظيمِ الأزواج؛ فإنَّ الزَّوجين يَشتركان في التَّلذُّذ، ويَختصُّ الزَّوجُ بالقيام والإنفاقِ، فهو أعظمُ حقًّا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛ أي: منيعُ السُّلطان، لا يُعتَرضُ عليه فيما شرعَ لعبادِه، حكيمٌ فيما حكمَ. * * * (٢٢٨) - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؛ أي: الطَّلاقُ الرَّجعيُّ دُفعتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: تمسُّكٌ وتعلُّقٌ وحِفْظٌ؛ أي: فللزَّوج مراجعةٌ على موافقةِ الشَّرع؛ بألَّا يَقصدَ الإضرارَ بها (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ و ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير، والتَّسريحُ: التَّخلية، والإحسانُ: أنْ يُمَتِّعَها ويُلاطفَها (٢) ولا يجفوها. وقيل: هو تفريقُ (٣) الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وقوله ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾؛ أي: مراجعةٌ، وقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: تطليقٌ آخرُ في طُهْرٍ آخر. وروى هشامٌ عن أبيه قال: كان النَّاس والرَّجلُ (٤) يُطلِّقُ امرأتَهُ، ثمَّ يُراجعُها في

стр. 1347

العِدَّة، فهي امرأتُه وإن طلَّقها ألفًا وراجعها، فقال رجلٌ من الأنصارِ لامرأتِه: واللَّه لا أقربُكِ، ولا تَحِلِّين منِّي، فقالت: وكيف ذاك؛ قال: أطلِّقُك فإذا دنا أجلُك راجعتُك، فجَزِعَت، فأتَت رسولَ اللَّه ﷺ ، فذكرَت ذلك له، فنزلَ قولُه ﷻ : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١)، فصار الطَّلاقُ محصورًا (٢) بثلاث. وعن أبي رَزين الأسديِّ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ قولَ اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثَّالثة؟ فقال: "التَّسريح بإحسان (٣) ". وقيل: هو قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ (٤) خطاب للأزواج بأنَّه يَحرمُ (٥) عليهم أنْ يَسترِدُّوا ما أعطَوهنَّ مِن المهر. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾؛ أي: إلَّا أنْ يَعلمَ الزَّوجُ والمرأة، يُسمَّى (٦) العلمُ خوفًا؛ لأنَّه إذا علمَ ما يُخافُ خاف. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: علمَ الزَّوجُ أنَّها لا تُحبُّه، ولا تَقومُ بحقِّه، فيَحملُه ذلك على أنْ يُجازِيها بمثلِه، فقد تركا إقامةَ حدودِ اللَّه، فيَحلُّ في هذه الحالة أن تَختلعَ منه، وهو في حلٍّ أن يأخذَ بدلَ الخُلعِ منها.

стр. 1348

وقوله (١) تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾؛ أي: أيُّها القضاةُ والمتوسِّطون ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: ألَّا يُقيم الزَّوجُ والمرأةُ حدودَ اللَّه؛ أي: الحقوقَ التي أثبتَها في النِّكاح. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: لا إثمَ على الزَّوجين. وقوله تعالى: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: فيما أعطَتهُ المرأةُ مِن بدلِ الخُلع، وإذا لم يكن عليها جُناحٌ في الدَّفع، لم يكن على الزَّوجِ جُناحٌ في الأخذِ. وسببُ نزولِه فيما رواهُ الكلبيُّ عن ابن عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما قال: نزلَت الآيةُ في جميلة بنتِ عبدِ اللَّه بن أبي أوفى، زوجُها ثابتُ بنُ قيس بن شمَّاس، كانت تبغضُه بغضًا شديدًا، وكان يحبُّها ثابتٌ، فأتت رسولَ اللَّه ﷺ ، فشكَت إليه زوجَها، وقالت: لا أنا ولا ثابت (٢)، فأرسلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى ثابتٍ، فقال: "يا ثابت، مالكَ ولأهلِك؟ " قال: والذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا (٣) ما على الأرض أحبُّ إليَّ منها غيرك، فقال لها: "ما تقولين؟ " فكرِهَت أن تكذبَ عند رسول اللَّه ﷺ ، قالت: صدقَ يا رسولَ اللَّه، ولكن خشيتُ أن يُهلِكَني، فأخرجني منه، فقال ثابت: لقد (٤) أعطيتُها حديقةً لي، فقل لها (٥) فلتردَّها عليَّ، وأنا أُخلِّي سبيلَها، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "أتردِّين (٦) حديقتَه، وتملكين أمرك؟ " قالت: نعم، قال: "يا ثابتُ،

стр. 1349

خذ منها ما أعطيتَها، وخلِّ سبيلَها"، ففعل، فكان أوَّل خُلْعٍ (١) في الإسلام (٢). ثمَّ الاختلاعُ على قدْرِ المقبوضِ من الزَّوج جائزٌ بهذا الخبر، وأمَّا الاختلاعُ بالزِّيادة على ذلك، فعن أصحابنا ﵏ فيه روايتان: في رواية الأصل يُكرهُ؛ لما روي في هذا الخبر في روايةٍ أنَّها قالت: نعم وزِيادَة، فقال ﵊: "أمَّا الزيادة فلا" (٣). وفي رواية "الجامع الصغير": فلا يُكرَه لظاهر هذه الآية، وهو قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ أي: هذه أحكامُ اللَّهِ وفرائضُه، فلا تَجاوزُوها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: ومن يتعدَّ أمرَ اللَّه إلى ما نهاهُ عنه فأولئك هم (٥) الضارُّون أنفسَهم، والواضعونَ الشَّيءَ غيرَ موضعه. و"مَن" للجمع، فلذلك قال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾.

стр. 1350

وقيل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يرجعُ إلى جميع ما ذُكرَ مِن الأحكام؛ قيل (١): هذا من الخمرِ والميسر إلى هاهنا، ويجوزُ أن ينصرفَ إلى ما قبل ذلك أيضًا. * * * (٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الطَّلقةَ الثَّالثة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ أي: حَرُمت على زوجِها المطلِّق ثلاثًا، فلا يحلُّ له نكاحُها إلى غايةٍ، وهي أنْ تَنكِحَ هي (٢) زوجًا غيرَه. قيل: هذا النِّكاحُ هو التزوُّج. وقوله: ﴿زَوْجًا﴾؛ أي: رجلًا أجنبيًّا، سمَّاه زوجًا؛ لأنَّه بالعقدِ يَصيرُ زوجًا، فسمَّاه باسم العاقبة، كما في قوله: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقوله: ﴿تَنْكِحَ﴾ دلَّ أنَّ لها أنْ تُزوِّجَ نفسَها، والنكاح يَنعقدُ بعبارتها، وبه قال أصحابُنا ﵏، خلافًا للشافعيِّ. ثمَّ ظاهرُ النَّصِّ يدلُّ على إنهاءِ (٣) الحرمةِ بالعقد، ورويَ أنَّ سعيدَ بنَ المسيَّب كان يقولُ بذلك. وقولُ (٤) عامَّة الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم مِن عُلماء الدِّين على أنَّ الحِلَّ لا يَثبُتُ بدون دخولِ الزَّوج الثَّاني بها.

стр. 1351

وقالوا (١): ثبتَ اشتراطُ ذلك زيادةً على النَّصِّ بالحديث المشهورِ، وهو ما رويَ أنَّ تميمةَ بنْتَ أبي عبيدٍ القُرظيَّة (٢) -وقيل: عائشة بنت عبد الرَّحمن بنِ عَتيك النَّضريَّة (٣) - كانت تحت رِفاعة بن رافع -وقيل: رفاعة بن وهب بنِ عتيك ابنِ عمِّها (٤) - فطلَّقها ثلاثًا، فتزوَّجَت (٥) عبدَ الرَّحمن بنَ زَبير (٦) القُرَظيَّ، ثمَّ طلَّقها، فأتَت رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالت: إنَّ زوجي عبدَ الرَّحمن بن زَبيرٍ القُرظيّ طلَّقني قبلَ أن يَمسَّني، فأرجعُ إلى زوجي الأوَّل؟ فقال ﵊: "لا، حتَّى يكون مسٌّ". وفي روايةٍ قالت: ما كان ما عنَده بأغنى عنه من هُدبةِ ثوبه. وفي روايةٍ قالت: ما كان معه إلَّا مثلُ هدبةِ ثوبي هذا، فقال: "لا، حتَّى تذوقي مِن عُسيلتِه، ويَذوقَ مِن عُسَيلتِك" (٧). ثمَّ جاءت بعد ذلك وقالت: كان مسَّني. وفي روايةٍ قالت: كان غشيني، فقال لها: "كذبتِ في قولك الأوَّل، فلن أُصدِّقَكِ في الآخر". فلبِثَت حتَّى قُبضَ رسولُ اللَّه

стр. 1352

- ﷺ ، ثمَّ أتت أبا بكرٍ ﵁، فقالت: أرجع (١) إلى زوجي الأوَّل؛ فإنَّ زوجي الأخيرَ قد مسَّني، فقال لها أبو بكرٍ ﵁: قد عَهِدتُ رسولَ اللَّه ﷺ حين قالَ لك ما قال، فلا تَرجعي إليه، فلمَّا قُبضَ أبو بكرٍ ﵁ أتت عمرَ ﵁، فقال لها: لئن أتيتِني بعدَ مرَّتك هذه لأرجمنَّك، فمنعَها (٢). وبعضُ المحقِّقين مِن علمائنا ﵏ قال: هذا ثابتٌ بنصِّ القرآن، فإنَّ قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ معناه: حتى تُمَكِّنَ من وطئِها زوجَها؛ لأنَّ (٣) النِّكاحَ في هذا ليس بعقدٍ، لأنَّه ذكرَ بعدَه زوجًا، والمرأةُ لا تُزوِّجُ نفسَها زوجَها، فكان ذِكْرُ الزَّوج اشتراطًا للنِّكاح، وذكرُ النِّكاحِ اشتراطًا للوطءِ وهو اسمٌ له حقيقةً. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزَّوجُ الثَّاني بعدَ الدُّخولِ بها. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: لا إثمَ على الزَّوجِ الأوَّلِ والمرأة (٤). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يَرجعا إلى الحالةِ الأولى بنكاحٍ جديدٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾؛ أي: عَلِما بغالبِ الظَّنِّ أنَّهما يقيمان حقوقَ النِّكاح، فلا يَرجِعان إلى التَّنافرِ الأوَّل، ولا يَقصِدُ أحدُهما إضرارَه بالآخر،

стр. 1353

وهذا ليس بشرطِ صحَّة النِّكاحِ حُكمًا، لكن بيانٌ أنَّ إطلاقَ الشَّرعِ لهما، ورفعَ الإثم عنهما؛ في هذه الحالة، فأمَّا إذا قصدا غيرَ ذلك فهما آثمان. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: أحكامُ اللَّه تعالى، ومعالمُ شرعِه. وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يَنتفِعُ بها مَن يَعلم؛ أي: يَتدبَّرُ ليَعلمَ أنَّ اللَّهَ تعالى أراد ببيانِه صلاحَهم في الدُّنيا والآخرة. ويَرجعُ قوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى جميعِ أحكامِ النِّكاحِ التي مرَّت في هذه الآيات. * * * (٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: نساءَكم، فالألفُ واللامُ بدلُ الإضافة. وقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: فقارَبْنَ مضيَّ العِدَّة. والأجلُ: الوقتُ المضروبُ مدَّةً للشَّيء، والبلوغُ: المقاربةُ هاهنا، كما يَقول (١) من قارب البلد: قد بلغناهُ، ويقولُ الرَّجلُ لآخر: إذا بلغتَ مكَّةَ فاغتَسِل بذي طُوى. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: راجعوهنَّ بالجميل، والمعروفُ: ما ألِفتهُ العقولُ، واستحْسَنتهُ (٢) النُّفوس، وضدُّه المنكر، وهو: ما نَفرَت منه العقولُ، واستقبحَتهُ النُّفوس عرفًا وعادةً، والمرادُ به هاهنا حسنُ المعاشرة.

стр. 1354

وقيل: هو الهديَّة. وقيل: هو الزيادةُ في المهر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾؛ أي: خَلُّوهنَّ حتَّى تَنقضي عدَّتُهن، والمعروفُ: ما قُلنا مِن حُسنِ العشرةِ، وإعطاءِ ما بقيَ مِن المهرِ، والبِرِّ بالمتعةِ، وحسنِ القَول. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾؛ أي: لا تُراجعوهنَّ على قصدِ المضارَّةِ، وقد ضارَرتُهُ مُضارَّةً (١) وضِرارًا، كما يقال: ساررتُه مسارَّةً (٢) وسِرارًا، وهو أنْ يُراجِعَها ليظلمَها ويؤذيَها ويسيءَ معاشرَتَها. وقيل: هو أنْ يقصدَ تطويلَ العِدَّةِ عليها، بأن (٣) يراجعَها في الحيضةِ الثَّالثة، ثمَّ يُطلِّقَها، ثمَّ يراجعها في الحيضةِ الثَّالثة كذلك، يَفعلُ ذلك ثلاثًا، فيكونُ قد أضرَّ بها. وقوله تعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ أي: لتجاوزوا الحدَّ، وله وجهان: أحدُهما: لا تُمسِكوهنَّ ضرارًا لقصدِ ظُلمِهن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. والثاني: لا تُمسِكوهنَّ ضِرارًا؛ لأنَّكم تَصيرون بذلك مُتَعدِّينَ حدَّ الشَّرعِ. فالأوَّلُ تعليلُ فعلِهم، والثَّاني بيانُ عاقبةِ فعلهم. ثمَّ النَّهيُ عن الإمساكِ ضرارًا كان دخلَ في الأمر بالإمساكِ بالمعروف، وإنَّما أُعيدَ تأكيدًا، كما يقال: أطعِ اللَّهَ ولا تَعصِه.

стр. 1355

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: مَن أمسكَها ضِرارًا فقد أضرَّ بنفسِه، حيث جعلَها مستحقَّةً للوعيد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فيه أقاويل: قيل: أي: لا تَستخِفُّوا بآياتِ القرآن التي فيها أمرُه ونهيُه، ووعدُه ووعيدُه، وأحكامُه، ولا تخالِفوها؛ فإنَّ مَن فعلَ ذلك فقد اتَّخذَها هزوًا؛ أي: سخريةً؛ فإنَّها كانت للقَبول والعملِ بها. وقيل: هذه الآياتُ التي في أحكامِ الأزواجِ فيها بيانُ (١) مصالحِ دينِكُم ودُنياكم، فلا تَتهاونوا بها، ولا تُعرِضوا عن العملِ بها، فتفوتَكم المصالحُ المتعلِّقةُ بها. وقيل: أي: الطَّلاقُ والرَّجعةُ والنِّكاحُ وسائرُ التَّصرُّفات شُرِعَت لمصالحَ تعلَّقَت بها؛ فالنِّكاحُ للسَّكَن وغيرِه، والطَّلاقُ للتَّخلُّصِ، والرَّجعةُ للتَّداركِ، فإذا نَكحتُم لا للسَّكن، ورَاجعتُم لا للتَّداركِ، وطلَّقتُم لا للتَّخلُّص، بل راجعتُم مرارًا تعنتًا وضِرارًا، فقد اتَّخذتُم آياتِ اللَّه هُزُوًا؛ باستعمالِ التَّصرُّفات لا لأغراضها، ويوضحهُ روايةُ أبي موسى الأشعريِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال (٢): "ما بالُ قومٍ يَلعبونَ بِحدود اللَّه؟ يقولُ أحدُهم لامرأتِه: طلَّقتُك، راجعتُك" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ يجوزُ أن تكونَ النِّعمةُ للعموم، فيَتناولُ الكُلَّ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. وقيل: المرادُ هاهنا: واذكروا إنعامَ اللَّه عليكم بتعليمِ ما جهِلتُم.

стр. 1356

وقيل: بأنْ خلقَكُم رجالًا، وجعلَ لكم أزواجًا تَسكنون إليها، وجعلَ النِّكاحَ والطَّلاقَ والرَّجعةَ بأيديكُم، ولم يُضيِّق عليكم كما ضيَّق على الأوَّلين، حين أحلَّ لهم امرأةً واحدةً، ولم يُجوِّز (١) لهم بعدَ موتِ المرأةِ نكاحَ أُخرى. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على الأوَّل: واذكُروا ما أنزل على نبيَكم، وهو كالمنزَلِ عليكم، فإنَّ نفعَه حاصلٌ لكم. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قد فسَّرناهُما في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ الوعظُ: التَّخويفُ بسوءِ العاقبةِ، يُقالُ للمكروهِ يَنزِلُ بقومٍ: إنَّه عظةٌ لغيرِهم، وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ يرجعُ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾؛ أي: لا تُخالِفوا أمرَهُ ونهيَه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: مِن الاتِّقاء، والاتِّعاظِ، والذِّكر، وغيرِ ذلك، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ. * * * (٢٣٢) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: استوفينَ عدَّتهنَّ، والبلوغُ هاهنا عبارةٌ عن حقيقةِ الانتهاء؛ لأنَّ المذكورَ بعدَه النِّكاح، ولا يكونُ ذلك إلَّا بعد

стр. 1357

انقضاءِ العِدَّة، وفي الآية الأُولى ذِكرُ الرَّجعة، وذاك يكونُ في العِدَّة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ أي: لا تَمنعوهنَّ أيُّها الأولياءُ. وقد عَضلَها يَعضُلُها عضلًا، من بابِ: دخلَ؛ أي: منعَها عن التَّزوُّجِ، وأعضلَ الدَّاءُ الأطبَّاءَ؛ أي: أعياهُم أنْ يُعالِجوهُ، وامتنعَ عليهم لشدَّتِه، وهو داءٌ عضالٌ، والأمرُ المُعضِلُ؛ أي: الشَّاقُّ الممتنعُ، وعَضَّلتُ عليه تعضيلًا؛ أي: ضَيَّقتَ (١) فمنعتَه عن الخروج، وعَضلَتِ المرأةُ بولدِها إذا عَسُرَ وِلادُها وامتنعَ، وأعضَلَت كذلك، وعَضَّلت الدَّجاجة إذا نَشِبَ البيضُ فيها، والعُضَلُ: الدَّواهي، جمع عُضلة. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾؛ أي: يتزوَّجنَ الأزواج الذي كانوا لهن. قال الشافعيُّ ﵀: هذه الآيةُ أدلُّ دليلٍ على أنَّ النِّكاح لا يَنعقدُ بعبارةِ النِّساء، فإنَّ اللَّهَ تعالى نَهى الأولياءَ عن منعهنَّ، فدلَّ (٢) أن الولاية لهم. قلنا: بل هي أدلُّ دليلٍ على أنَّه يَنعقدُ بعبارتها (٣)، فإنَّه قال: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ (٤)، فأضافَ النِّكاحَ إليهنَّ، وهذا صريحٌ واضحٌ بحمدِ اللَّه تعالى. وعن الحسن ﵀ أنه قال: حدَّثني معقلُ بن يسار قال: كانت لي أخت تُخطَبُ إليَّ، وأمنعُها من النَّاس، فأتاني ابنُ عمٍّ لي -وفي رواية مقاتل اسم الزوج أبو الدَّحداح بن عاصم بن عديّ بن عجلان (٥) البلويّ القضاعي (٦)، واسمُ أختِ معقل

стр. 1358

جمل بنت يسار المزنيّ- قال: فأنكحتُها إيَّاه، فاصطحبا زمانًا، ثمَّ طلَّقها طلاقًا له رَجعة، ثمَّ تركَها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها، فلمَّا خُطِبَت إليَّ أتاني يخطبها في الخُطَّاب، فقلت: خُطِبت إليَّ، فمنعتُها النَّاس، وآثرتُك بها، ثمَّ إنَّك طلَّقتَها وتَركتَها، حتَّى انقضَت عدَّتُها، فلمَّا خُطِبَت إليَّ جئتَ تَخطُبُها مع الخطَّاب! واللَّهِ لا أزوِّجُكَها أبدًا، ففيَّ نزلَت هذه (١) الآيةُ، قال: فكفَّرتُ عن يميني، وأنكحتُها إيَّاه (٢). وفي روايةٍ أخرى: فلمَّا انقضَت العِدَّة هويها وهويته، فَخَطَبَها، فقال معقل: يا لُكع! أكرمتُك بها، زوَّجتُكَها فطلَّقتَها، واللَّهِ لا تَرجعُ إليك أبدًا، فعلمَ اللَّهُ حاجتَه إليها، وحاجتَها إليه، فأنزلَ هذه الآية، فقال معقل: سمع لربِّي، ثمَّ دعاهُ فزوَّجهُ إليها (٣). وفي روايةٍ: أرادت هي أنْ تتزوَّجهُ، فقال مَعقِل: لئن فعلتِ لا أُكلِّمُكِ أبدًا إنْ عُدتِ إليه. الحديث (٤). قال القفَّال: عَلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ الرَّجلَ قد يُضارُّ امرأتَهُ، ثمَّ إذا بانَتْ منه نَدِمَ على طلاقِها، وتبعَتها نفسُه، وقد يكونُ ذلك إذا رأى كثرةَ خُطَّابِها، فتَحدُثُ له رغبةٌ فيها، ويَمتنعُ وليُّها عن تزويجِها منه؛ حميَّةً للطَّلاق المتقدِّم، أو إشفاقًا عليها مِن أن يعودَ إلى المضارَّةِ، فأمرَ الوليَّ ألَّا يمنعَها؛ لما عسى أن يكونَ صَلَحَ كلُّ واحدٍ منهما، وزالَ ما كان؛ لأنَّ القلوبَ تتقلَّب.

стр. 1359

وقيل: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطابٌ للأزواجِ المطلِّقين ألَّا يَمنعوهنَّ أنْ يتزوَّجنَ بمَن شِئن؛ فإنَّ الرَّجلَ قد يُطَلِّقُ امرأتَهُ، ويندمُ إذا انقَضَت عدَّتُها، ويَغارُ إذا خطبَها غيرُه، فيضارُّها بجحودِ طلاقِها، أو دعوى رجعتِها أو نكاحِها، أو يَدسُّ إليها أو إلى من يَخطُبُها بتهديدٍ، أو يُسيءُ القولَ فيها بما تنبو (١) القلوب عنها، فنُهوا عن ذلك. وهذا وإن كان يَحتمِلُه ظاهرُ النَّصِّ، ويوافِقُ أوَّلَ الآيةِ، فإنَّ الخطابَ الأوَّلَ للأزواج، لكن الرِّواياتِ على ما قلنا. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الأزواجُ والزَّوجات، وغُلِّبَ التَّذكيرُ عند الاجتماع؛ فإنَّ اللغةَ كذلك. والمعروف: هو اجتماعُ شرائطِ الجواز (٢) والاستحباب. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ خطابُ النبيِّ ﷺ ، وفي سورةٍ أُخرى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وهو خطابٌ للمذكورين (٣) قبلَه، ويجوزُ أن يكون التَّوحيدُ لِما أنَّ الكلمةَ تُفهِمُ إشارةً مفردة، فلا يُراعَى حقُّ الخطابِ في آخره توحيدًا وجمعًا، كأنَّها إشارةٌ لا غير، و ﴿بِهِ﴾ ترجع الكنايةُ إلى ﴿ذَلِكَ﴾ وهو واحدٌ وإنْ دلَّ على كلِّ مذكورٍ قبلَه. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إنَّما يَنتفعُ بالوعظِ مَن صدَّقَ اللَّهَ، وأقرَّ بالقيامة والجزاءِ فيها على الخير والشَّرِّ.

стр. 1360

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾؛ أي: اتِّعاظُكم بهذا الوعظِ، وتركُ الضِّرارِ والعَضل (١)، خيرٌ لكم من الفُرقة، وأطهرُ لكم مِن الرِّيبة. وقيل: الكلمتان بمعنًى واحد، وهو الطَّهارة. وقيل: الزَّكاةُ (٢): النَّماءُ، والطُّهرُ: النظافة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: واللَّهُ يَعلمُ (٣) المصالحَ، وأنتُم لا تَعلمونها. * * * (٢٣٣) - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ رَضِعَ اللَّبنَ يَرْضَعُ رَضاعًا ورَضاعةً ورَضْعًا، من باب: صَنَع وعَلِمَ وضَرَب، فهو راضع، وارتضعَ كذلك، وأرضعتهُ أمُّه إرضاعًا، والاستِرْضاعُ: سؤالُ الإرضاعِ وطلبُه، والرَّضيعُ: الصَّبيُّ الذي هو في حدِّ الرَّضاع، وهما رَضيعا لِبانٍ، والمُرضِعةُ التي تُرضِعُ، والمُرضِعُ التي لها ولدٌ

стр. 1361

رضيع، ولئيمٌ راضِع هو الذي يَرضعُ لبنَ ناقتِه (١) مِن لؤمِه؛ لئلَّا يَسمعَ الضَّيفُ صوتَ الشَّخبِ، والرَّاضِعتان: الثنيَّتانِ متقدِّمتا (٢) الأسنان؛ لأنَّه يشربُ (٣) عليهما اللبن، وأصلُه: مصُّ الثدي. وقوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فعلٌ مستقبِلٌ، أريدَ به الأمرُ؛ أي: ليُرضِعنَ، كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ويجوزُ أن يكون مستقبلًا. وقوله تعالى: ﴿أَوْلَادَهُنَّ﴾ جمعُ ولد، وهو المولودُ؛ ذكرًا كان أو أُنثى. وقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ﴾ ثنيةُ حَوْل، وهو السَّنة، وهو من الحَوَلان والتَّحوُّل. وقوله تعالى: ﴿كَامِلَيْنِ﴾؛ أي: تامَّين، وهو صفةُ الحولِ، ونصبُهما على الظَّرف، وجمعُ الحَوْلِ أحوال. ومعنى الآية -واللَّه أعلم-: والأمَّهاتُ المطلَّقاتُ يُرضِعنَ أولادهنَّ؛ أي: هنَّ أحقُّ بإرضاعِ الأولاد من أجنبيَّاتٍ يَسْتَرضِعُهنَّ الآباءُ؛ لأنَّهنَّ أرقُّ عليهم، وألطفُ بهم، وهم آلفُ بهنَّ وآنس، فإنْ حُمِل ﴿يُرْضِعْنَ﴾ على حقيقة الاستقبال، فهو إخبارٌ أنَّه هو المشروع، وإن (٤) حملَ على الأمرِ، فهو أمرُ ندبٍ واستحباب، دون فرضٍ وإيجاب، فإنَّه حقُّهنَّ، لا المستحَقُّ عليهنَّ، وهذا الحقُّ لهنَّ إلى أنْ يَتزوجنَ بغيرِ آباءِ الأولاد، قال النبيُّ ﷺ لتلك المرأة: "أنتِ أحقُّ به ما لم تتزوَّجي" (٥)، والمعنى فيه أنَّهنَّ يَشتغِلنَ بخدمةِ الأزواجِ، فلا يتفرَّغنَ لحضانتهم على الوجه، ولأنَّ الرَّبيب

стр. 1362

يتضرَّر بالرَّابِّ؛ فإنَّه يَنظرُ إليه شَزرًا، وينفقُ عليه نَزْرًا، كما ورد في الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إنَّما وصفَهما؛ لأنَّه قد يُقال: حولان لحولٍ وبعضِ الآخر، وإذا (٢) قيِّدَ بالكاملين، لم يَقع على ما دونَ الحولين الكاملين. ثمَّ قولُه تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ التي هي (٣) المدَّةُ التَّامَّهُ التي ليس للأبِ وحدَه أنْ يُنقِصَ عنها، ويَمنعَ أجرَ الإرضاع إليها، ولا للأم أنْ تزيدَ عليها، فتطلبَ أجرَ الإرضاع على ذلك بغير رضا الأب، ودلَّ هذا على أنَّ النُّقصانَ عن ذلك والزيادةَ عليه بالتَّراضي عند وقوع الكفايةِ بما دونَها ووقوع الحاجة إلى الزيادة: جائزان، حيثُ علَّق ذلك بالإرادةِ. ثمَّ اختُلِفَ في مدَّة الإرضاعِ التي يَثبتُ فيها حكمُه، قال أبو يوسف ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ ﵏: يَثبتُ إلى حولينِ، ولا يَثبتُ بعد ذلك. وقال أبو حنيفة ﵀: يثبتُ إلى سنتين ونصفِ سنة (٤). وقال زفرُ ﵀: يَثبُتُ إلى ثلاث سنين، ودلائلُها تُعرفُ في (٥) كتبِ الفقه. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: على الأب، وأريدَ به الجمعُ، ﴿رِزْقُهُنَّ﴾: طعامهنَّ، ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾: لباسهن، وهذا على طريقِ الأجر؛ لأنَّهنَّ يَحتجنَ إلى ما يُقِمنَ به أبدانهنَّ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَغتذي باللَّبن، وإنَّما يحصلُ

стр. 1363

لها ذلك بالاغتذاءِ، وتَحتاجُ هي إلى التَّستُّر (١)، فكان هذا من الحوائجِ الضَّروريَّة، وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: مِن غيرِ إسرافٍ ولا تقتير؛ نظرًا للجانبين. وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: لا يَحملُ أحدٌ إلَّا طاقتَه، فلا يُكلَّفُ الزَّوجُ ما لا يُطيقُ مِن الأجر، ولا المرأةُ ما لا تَستطيعُ مِن العمل، ولا الرَّضاعَ (٢) بما لا يَكفيها من الأجر، وهذه الآيةُ كالآية التي في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ [الطلاق: ٦ - ٧]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قرأ أبو عمرو وابنُ كثير بالرَّفع على الاستقبال، وهو إخبارٌ أنَّه هو المشروع. وقرأ نافعٌ وأهل الكوفة بالنَّصب على النَّهي (٣)؛ لأنَّ أصلَه الجزمُ، وحُرِّكَ لاجتماع (٤) السَّاكنين، واختير الفتحُ؛ لأنَّهُ أخفُّ الحركات، ومعناه: لا تضارَّ الأمُّ بسببِ ولدِها، ولا الأبُ بسبب ولده. ولقوله: ﴿تضارّ﴾ (٥) وجهان صحيحان: أحدهما: أنَّ أصلَه: لا تُضارِر؛ بكسر الرَّاء الأُولى، وسُكِّنَت للإدغام، وهو نهيٌ لها عن الإضرارِ بالأب.

стр. 1364

والثاني: أنَّ أصلَهُ: لا تُضارَر، بفتح الرَّاء الأولى، وسُكِّنَت للإدغام، وهو نهيٌ على صيغة (١) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ويكونُ نهيًا للأبِ عن الإضرار بها. ثم قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ عطفٌ على الأوَّل، فيكونُ الأوَّل على الوجهِ الأوَّل نهيًا للأمِّ عن الإضرار بالأب، ثمَّ نهيًا للأب عن الإضرارِ بالأمِّ، وعلى الوجه الثاني يكونُ نهيًا مضافًا إلى الأمِّ ظاهرًا على صيغةِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وحقيقتُه نهيُ الأب عن الإضرار بها، ثمَّ يكون عطفًا لنهي الأب على هذا الوجه، وحقيقتُه نهيُ الأمِّ عن الإضرارِ به. ومعنى الإضرارِ مِن كلِّ واحدٍ منهما بالآخر، سواءٌ بُدِئ به أو بها: أنَّه لا يجوزُ لواحدٍ من الوالدين أنْ يُضارَّ الآخرَ بالولد، فتَمتنعَ الأمُّ من الإرضاع (٢) إلا بأن تُعطى أكثر (٣) من وسع الوالد، أو يمتنعَ الوالدُ مِن إعطاءِ الأمِّ قدرَ الوِسْعِ بالمعروف. وكذلك لا يجوزُ للوالدِ أنْ يَنزِعَ الولدَ عنها وهي تُرضِعُ بأجرِ المثل، ولا للأمِّ أنْ تُلقيَ الولدَ عليه مع قُدرتِها عليه، وهو يُعطيها أجرَ المِثل، وهذا كلُّه نظرٌ للصَّغير. ومنهم مَن حملَ الآيةَ على الوالداتِ المنكوحات، وجعلَ الرِّزقَ والكسوةَ مِن النَّفقة دون الأجر، وظاهرُ الآيةِ أنَّها في المطلَّقة؛ لأنَّ ما قبلَها وما بعدَها في ذِكْرِ المطلَّقات، وحكمُ المنكوحةِ في استحقاقِ الإرضاعِ لها ووجوبِ النَّفقةِ عليه كذلك بالإجماع، ولو امتَنعَتْ مِن الإرضاعِ لم تُجبَر عليه بالإجماع. ولو استأجرَ زوجٌ منكوحتَهُ لإرضاعِ ولدِه منها، فأَرضعَتْهُ، لم تَستحقَّ الأجرَ

стр. 1365

عندنا، والمبانةُ التي انقضَت عدَّتُها (١) لو استُؤجِرت لذلك استحقَّتِ الأجرَ بالإجماع. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي: وعلى وارثِ الصَّغير عند عدمِ الأب مثلُ ما كان على الأب مِن أجرِ إرضاع الولد للمُرضعة. وفي قراءة عبدِ اللَّه بن مسعود ﵁: (وعلى الوارثِ ذي الرَّحم المحرم مثلُ ذلك) (٢)، وبه أخذَ أصحابُنا ﵏، فأوجبوا أجرَ الإرضاعِ على الوارثِ الذي هو ذو رحمٍ محرَم (٣)، ولا يجبُ على كلِّ وارث، وكذا نفقةُ المحارم تجبُ عندنا بهذه الآية (٤). والشافعيُّ ﵀ لا يَرى ذلك، ويُحمَلُ قولُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على وجهين: أحدهما: وعلى وارث الصغيرِ مثلُ ما على الأب من أن [لا] (٥) يُضارَّها، لا النَّفقة (٦). والثاني: أنَّ الوارثَ هو الولدُ نفسُه؛ أي: إذا ورثَ مالًا مِن أبيه، فأجرُ إرضاعه فيه. وهذا قولٌ متكلَّفٌ، والمرويُّ عن الصَّحابة عمرَ وابنِ مسعود وزيد ما ذَكرنا، وعليه المفسِّرون.

стр. 1366

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فإن شاءَ الوالدُ والوالدةُ فطامَ الولدِ بتراضِيهما، أو نظرِهما في حالة أنَّه وقعَت الكفايةُ ولا ضررَ عليه، فلا إثمَ عليهما. والفِصالُ: الفِطام، والفُصولُ: خروجُ العِير والجُند، والفَصل: التَّفريقُ والحُكمُ، وصرفُ الكُلِّ على تفاوتِ المصادر من بابِ: ضرب يضرب، وبعضُها في المعنى قريبٌ مِن بعض، وأصلُه التَّفريقُ، والفصيل: الحُوَارُ (١) المفصولُ عن الناقة. والتَّراضي: اجتماعُهما على الرِّضا، وهو الدَّليلُ على كمالِ نظرِهما في حالِه، وأنَّ الفِطامَ لا يَضرُّ بجسمِه. والتَّشاورُ اجتماعُهما في المَشُورَة، وهي استخراجُ صوابِ الرَّأي بإشارةِ المستشار، وأصلُه مِن شَوْرِ العسل، وهو اجتناؤُه وهو اشتراط لكمال تأمُّلِهما في حاله؛ لأن لا يُضِرَّا به بقطع غذائِه قبل وقتِ فصالِه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؛ أي: وإن شئتُم أيُّها الآباءُ، ويجوزُ أن يكون خطابًا للآباءِ والأمَّهات، ولكلِّ مَن احتاجَ إلى الاسترضاعِ وأرادَ ذلك. والاسترضاع (٢): طلبُ الإرضاع من الظِئْر، وسؤالُهُ منها؛ فإنَّ سينَ الاستفعال للطَّلب والسُّؤال، وذاك يكون عند عجزِ الأمِّ، أو إبائِها، وقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ أي: لأولادِكم، وحذف اللام تخفيفًا، وهو في غير موضعِ الاشتباه؛ لأنَّهُ يُعلمُ أَنَّه لا يُرادُ به وجودُ الإرضاعِ من الأولاد، وصار كما في قوله:

стр. 1367

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (١) [المطففين: ٣]؛ أي: كالوا لهم ووَزنوا لهم، ولا يشتبه هاهنا الحال، ويُعلَم (٢) أنَّه لم يُرِد كيلَ أعيانِهم، ولا وزنَهم، ولا يجوزُ في موضع الاشتباه، لا يقال: دعوت زيدًا، في موضع: دعوتُ لزيدٍ؛ لأنَّ دعاه متحقِّق. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: سلَّمتم إلى الظِّئر ما سمَّيتم لها مِن الأجرِ، والإيتاءُ لا يُحمَل هاهنا على الإعطاءِ الذي هو المناولَة؛ لأنَّ تسليمَ ذلك تسليمُ المُسْلَم، وهو ممتنعٌ، لكن يُحمَلُ على الإيتاءِ الذي هو التَّمليك، وهو كإيتاءِ الزَّكاة، أُريدَ به التمليك، والتمليكُ في العقدِ يَقعُ بالتَّسمية. وقيل: معنى قوله: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾؛ أي: التزمتُم، كما في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: يلتزموها، فإنَّ ذلك يَقعُ بالالتزام، لا بحقيقةِ الأداء. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالأداءِ الجميل، ثمَّ ظاهرُه أنَّه لا إثمَ على مَن استرضعَ لولدِه امرأةً إذا أعطاها ما شرَطَ لها. ويحتملُ: وإن أردتم أيُّها الآباءُ أنْ تَسترضِعوا أجنبيَّةً لإرضاعِ الولدِ بعدما أرضعتهُ الأمُّ زمانًا، ثمَّ تركَتهُ لعجزٍ، أو إرادة التزوُّج بزوجٍ، فلا إثمَ عليكم أن تَنتزِعوا الولدَ منها، وتَدفعوه إلى الأجنبيَّةِ إذا سلَّمتُم لأمِّ الولد ما شرطتُم لها على إرضاعِها. ويحتمل: لا جُناحَ عليكم أنْ تَسترضعوا؛ أي: في الابتداء للولدِ أجنبيَّة إذا امتنعَت الأمُّ عن إرضاعِه، إذا سلَّمتُم للأمِّ بقيَّةَ مهرِها، وسائرَ حقوقِها التي كانت. وقرأ ابن كثير: ﴿ما أتيتم﴾ بغيرِ مدَّةٍ (٣)، من الإتيان، وعلى هذا يكون معنى

стр. 1368

قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ (١)؛ أي: إذا اتَّفقتُم، يعني الآباءَ والأمهات، من تسليمِ الخصمِ لخصمِه، وهو موافقتُه وتركُ الخلافِ عليه؛ أي: إذا توافقتُم وتراضيتُم على ما أتيتم؛ أي: عملتُم مِن الاسترضاع. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: [لا] (٢) تخالفوا أوامرَهُ ونواهيه، واعلموا أنَّ اللَّه (٣) يَرى أعمالَكم، فيُوفِّي جزاءكم. * * * (٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ التوفِّي: الإماتةُ، وقد توفَّاهُ اللَّهُ تعالى؛ أي: أماتَهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وأصلُ التَّوفِّي والاستيفاء هو استِتمامُ القبض، يُقال: وفَّيتُه حقَّهُ توفيةً، فتوفَّاهُ واستوفاه، ومعنى ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾؛ أي: تُقبَضُ أرواحُهم بالموت. وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قرأ: (يَتوفَّون) بفتحِ الياء (٤)، ومعناهُ: يَستوفونَ أعمارَهم، وهو كنايةٌ عن الموتِ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يَتركون زوجاتٍ، ويَذَرُ مستقبل أُميتَ ماضيه ومصدرُه، وكذلك: يدع، والأزواجُ جمعُ زوجٍ، والمنكوحةُ تُسمَّى زوجًا

стр. 1369

وزوجةً، والتَّذكيرُ أغلب، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويُجمَع: أزواجًا، على لغةِ التَّذكير. وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: زوجاتُهم يَنتظِرنَ بأنفسِهنَّ، ومعناه: يَعتَدِدنَ. ثمَّ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، ولا بدَّ له مِن خبرٍ، واختلف في خبره هاهنا. قال الزَّجَّاجُ: خبرُه محذوفٌ، وتقديره: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فأزواجهم ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (١). و (٢) قال الأخفش: خبرُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ولكن لا بدَّ مِن إضمار عائدٍ على المبتدأ، فيُضمر: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بعدهم (٣). وقال قطرب: تقديره ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ينبغي لهن أنْ يتربَّصن. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: "الذين" أُقيم مقام: أزواجهم، وتقديره: وزوجاتُ الذين يُتوفون منكم. إلى آخره (٤)، ونظيرُ هذا ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]؛ أي: ومثلُ واعظِ الذين كفروا. وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ تعديةُ الانتظار بالباء؛ أي: يُلبِثنَ أنفسَهنَّ عن التزوُّج إلى انقضاء العِدَّة. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ﴿أَرْبَعَةَ﴾ نُصبَ على الظرف للتربُّص

стр. 1370

﴿وَعَشْرًا﴾؛ أي: عشرَ ليالٍ، وذِكْرُها ذكرٌ لأَيَّامها لغةً، وكذا ذكرُ الأيام ذِكْر للياليها، قال تعالى (١) في قصَّةِ زكريَّا ﵇: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، والقصَّة واحدةٌ، فدلَّ أنَّ ذِكرَ أحدِهما يتضمَّنُ الآخر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: استوفينَ مدَّتهنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يا معاشرَ أولياءِ الأزواج الذين ماتوا (٢). وقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: فيما فعلَ النِّساءُ المعتدَّاتُ مِن التَّشوُّفِ، والتزيُّنِ للخُطَّاب، والتَّزوجِ بزوجٍ آخر؛ أي: بعدما (٣) زالت عُلقةُ الزوج، فلا بأسَ لوليِّ الزَّوجِ أن يَتركَها تتعرَّضُ (٤) لزوجٍ آخر، فقد آنَ أوانُه، وكان قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ إذا تَركتِ الإحدادَ، وتَشوَّفَت للخُطَّابِ، فللقُضاة وأولياءِ الأزواج منعهنَّ عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: على موافقةِ الشَّرع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ أي: عليمٌ، ويجوزُ أن يكونَ خِطابًا للرِّجالِ والنِّساء جميعًا، وهو وعدٌ ووعيدٌ على الخيرِ والشَّرِّ. * * * (٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ
следующие страницы →