← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فإن شاءَ الوالدُ والوالدةُ فطامَ الولدِ بتراضِيهما، أو نظرِهما في حالة أنَّه وقعَت الكفايةُ ولا ضررَ عليه، فلا إثمَ عليهما. والفِصالُ: الفِطام، والفُصولُ: خروجُ العِير والجُند، والفَصل: التَّفريقُ والحُكمُ، وصرفُ الكُلِّ على تفاوتِ المصادر من بابِ: ضرب يضرب، وبعضُها في المعنى قريبٌ مِن بعض، وأصلُه التَّفريقُ، والفصيل: الحُوَارُ (١) المفصولُ عن الناقة. والتَّراضي: اجتماعُهما على الرِّضا، وهو الدَّليلُ على كمالِ نظرِهما في حالِه، وأنَّ الفِطامَ لا يَضرُّ بجسمِه. والتَّشاورُ اجتماعُهما في المَشُورَة، وهي استخراجُ صوابِ الرَّأي بإشارةِ المستشار، وأصلُه مِن شَوْرِ العسل، وهو اجتناؤُه وهو اشتراط لكمال تأمُّلِهما في حاله؛ لأن لا يُضِرَّا به بقطع غذائِه قبل وقتِ فصالِه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؛ أي: وإن شئتُم أيُّها الآباءُ، ويجوزُ أن يكون خطابًا للآباءِ والأمَّهات، ولكلِّ مَن احتاجَ إلى الاسترضاعِ وأرادَ ذلك. والاسترضاع (٢): طلبُ الإرضاع من الظِئْر، وسؤالُهُ منها؛ فإنَّ سينَ الاستفعال للطَّلب والسُّؤال، وذاك يكون عند عجزِ الأمِّ، أو إبائِها، وقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله: ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ أي: لأولادِكم، وحذف اللام تخفيفًا، وهو في غير موضعِ الاشتباه؛ لأنَّهُ يُعلمُ أَنَّه لا يُرادُ به وجودُ الإرضاعِ من الأولاد، وصار كما في قوله:

стр. 1367

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (١) [المطففين: ٣]؛ أي: كالوا لهم ووَزنوا لهم، ولا يشتبه هاهنا الحال، ويُعلَم (٢) أنَّه لم يُرِد كيلَ أعيانِهم، ولا وزنَهم، ولا يجوزُ في موضع الاشتباه، لا يقال: دعوت زيدًا، في موضع: دعوتُ لزيدٍ؛ لأنَّ دعاه متحقِّق. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: سلَّمتم إلى الظِّئر ما سمَّيتم لها مِن الأجرِ، والإيتاءُ لا يُحمَل هاهنا على الإعطاءِ الذي هو المناولَة؛ لأنَّ تسليمَ ذلك تسليمُ المُسْلَم، وهو ممتنعٌ، لكن يُحمَلُ على الإيتاءِ الذي هو التَّمليك، وهو كإيتاءِ الزَّكاة، أُريدَ به التمليك، والتمليكُ في العقدِ يَقعُ بالتَّسمية. وقيل: معنى قوله: ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾؛ أي: التزمتُم، كما في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: يلتزموها، فإنَّ ذلك يَقعُ بالالتزام، لا بحقيقةِ الأداء. وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بالأداءِ الجميل، ثمَّ ظاهرُه أنَّه لا إثمَ على مَن استرضعَ لولدِه امرأةً إذا أعطاها ما شرَطَ لها. ويحتملُ: وإن أردتم أيُّها الآباءُ أنْ تَسترضِعوا أجنبيَّةً لإرضاعِ الولدِ بعدما أرضعتهُ الأمُّ زمانًا، ثمَّ تركَتهُ لعجزٍ، أو إرادة التزوُّج بزوجٍ، فلا إثمَ عليكم أن تَنتزِعوا الولدَ منها، وتَدفعوه إلى الأجنبيَّةِ إذا سلَّمتُم لأمِّ الولد ما شرطتُم لها على إرضاعِها. ويحتمل: لا جُناحَ عليكم أنْ تَسترضعوا؛ أي: في الابتداء للولدِ أجنبيَّة إذا امتنعَت الأمُّ عن إرضاعِه، إذا سلَّمتُم للأمِّ بقيَّةَ مهرِها، وسائرَ حقوقِها التي كانت. وقرأ ابن كثير: ﴿ما أتيتم﴾ بغيرِ مدَّةٍ (٣)، من الإتيان، وعلى هذا يكون معنى

стр. 1368

قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ (١)؛ أي: إذا اتَّفقتُم، يعني الآباءَ والأمهات، من تسليمِ الخصمِ لخصمِه، وهو موافقتُه وتركُ الخلافِ عليه؛ أي: إذا توافقتُم وتراضيتُم على ما أتيتم؛ أي: عملتُم مِن الاسترضاع. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: [لا] (٢) تخالفوا أوامرَهُ ونواهيه، واعلموا أنَّ اللَّه (٣) يَرى أعمالَكم، فيُوفِّي جزاءكم. * * * (٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ التوفِّي: الإماتةُ، وقد توفَّاهُ اللَّهُ تعالى؛ أي: أماتَهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وأصلُ التَّوفِّي والاستيفاء هو استِتمامُ القبض، يُقال: وفَّيتُه حقَّهُ توفيةً، فتوفَّاهُ واستوفاه، ومعنى ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾؛ أي: تُقبَضُ أرواحُهم بالموت. وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قرأ: (يَتوفَّون) بفتحِ الياء (٤)، ومعناهُ: يَستوفونَ أعمارَهم، وهو كنايةٌ عن الموتِ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يَتركون زوجاتٍ، ويَذَرُ مستقبل أُميتَ ماضيه ومصدرُه، وكذلك: يدع، والأزواجُ جمعُ زوجٍ، والمنكوحةُ تُسمَّى زوجًا

стр. 1369

وزوجةً، والتَّذكيرُ أغلب، قال اللَّه تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويُجمَع: أزواجًا، على لغةِ التَّذكير. وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ أي: زوجاتُهم يَنتظِرنَ بأنفسِهنَّ، ومعناه: يَعتَدِدنَ. ثمَّ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، ولا بدَّ له مِن خبرٍ، واختلف في خبره هاهنا. قال الزَّجَّاجُ: خبرُه محذوفٌ، وتقديره: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ فأزواجهم ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ (١). و (٢) قال الأخفش: خبرُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾، ولكن لا بدَّ مِن إضمار عائدٍ على المبتدأ، فيُضمر: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بعدهم (٣). وقال قطرب: تقديره ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ينبغي لهن أنْ يتربَّصن. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: "الذين" أُقيم مقام: أزواجهم، وتقديره: وزوجاتُ الذين يُتوفون منكم. إلى آخره (٤)، ونظيرُ هذا ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]؛ أي: ومثلُ واعظِ الذين كفروا. وقوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ تعديةُ الانتظار بالباء؛ أي: يُلبِثنَ أنفسَهنَّ عن التزوُّج إلى انقضاء العِدَّة. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ﴿أَرْبَعَةَ﴾ نُصبَ على الظرف للتربُّص

стр. 1370

﴿وَعَشْرًا﴾؛ أي: عشرَ ليالٍ، وذِكْرُها ذكرٌ لأَيَّامها لغةً، وكذا ذكرُ الأيام ذِكْر للياليها، قال تعالى (١) في قصَّةِ زكريَّا ﵇: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، والقصَّة واحدةٌ، فدلَّ أنَّ ذِكرَ أحدِهما يتضمَّنُ الآخر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: استوفينَ مدَّتهنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يا معاشرَ أولياءِ الأزواج الذين ماتوا (٢). وقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: فيما فعلَ النِّساءُ المعتدَّاتُ مِن التَّشوُّفِ، والتزيُّنِ للخُطَّاب، والتَّزوجِ بزوجٍ آخر؛ أي: بعدما (٣) زالت عُلقةُ الزوج، فلا بأسَ لوليِّ الزَّوجِ أن يَتركَها تتعرَّضُ (٤) لزوجٍ آخر، فقد آنَ أوانُه، وكان قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ إذا تَركتِ الإحدادَ، وتَشوَّفَت للخُطَّابِ، فللقُضاة وأولياءِ الأزواج منعهنَّ عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: على موافقةِ الشَّرع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ أي: عليمٌ، ويجوزُ أن يكونَ خِطابًا للرِّجالِ والنِّساء جميعًا، وهو وعدٌ ووعيدٌ على الخيرِ والشَّرِّ. * * * (٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ

стр. 1371

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ وعلِمَ اللَّهُ تعالى أنَّ المرأةَ إذا ماتَ زوجُها قد يكونُ لها مالٌ، أو جَمالٌ، أو معنًى يَرغبُ النَّاسُ فيها، فأطلقَ للرَّاغبِ أنْ يُعَرِّضَ بالخطبةِ في العِدَّة، أو يُخفيَه في قلبِه، وهو قاصدٌ له حالَ قيامِ العِدَّة، ثمَّ يُظهِرَه بعد انقضاءِ العِدَّة، وهو نهى عن التَّصريحِ به في العِدَّةِ، وكما لا يجوزُ له أن يَنكِحَها في عِدَّتِها، لا يجوزُ له أن يخطُبَها صريحًا فيها (١)، فأمَّا التَّعريضُ فلا بأسَ به. والتَّعريضُ: هو إفهامُ المعنى بالشَّيء المحتمِلِ له ولغيرِه. وقيل: هو تَضمينُ الكلامِ دِلالةً على شيءٍ (٢) ليس فيه ذِكْرٌ له، كقولك لرجلٍ (٣): ما أقبحَ البُخلَ، تُعرِّضُ بأنَّه بخيلٌ، وقولُك: لعنَ اللَّه الظَّالمين، تُعرِّضُ أنَّه ظالمٌ. وفي الخبرِ: "إنَّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب" (٤)، وهو أنْ يُقال: إنَّه

стр. 1372

وضعَ رأسه، أو: ليس هاهنا، أو: عليَّ المشيُ إلى بيت اللَّه، أو: لا أشتري جاريةً، ولا أتزوَّجُ عليك، يَتحرَّزُ بهذا كلِّه عن الكذب، على إرادةِ شيءٍ آخرَ سوى الظَّاهرِ على ما عُرف (١). والخطبةُ: الاستنكاحُ، وهي مأخوذةٌ (٢) من الخِطاب، والخُطبةُ بالضمِّ مِن الخِطاب أيضًا، وهي خِطابُ النَّاس بالحمدِ، والصَّلاةِ، والوَعظِ والدُّعاء. ومن التَّعريض في الخطبة أن يقولَ: إنِّي أشتهي أنْ تكونَ لي امرأةٌ مثلُك، ولعلَّ اللَّهَ يَقضي به بيني وبينك، أو يقول: أنا أحتاج (٣) إلى امرأةٍ صفتُها (٤) كذا، فتَعلمَ أنَّه يرغبُ فيها، أو يَصِفُها بالجمالِ والعقلِ والعفَّة والبصارة (٥) والكفاية، فتَعلمُ أنَّه يَرغبُ فيها، أو يقول: إنِّي حسنُ الخُلُقِ، كثيرُ الإنفاقِ، جميلُ العِشرةِ، مُحسنٌ إلى النِّساء، فيصفُ نفسَه لترغبَ فيه، أو يقول: ربَّ راغبٍ فيكِ، وحريصٍ عليك، وأنتِ بحيث تُحبِّين، وما عليك لائمة، وما يَجري مجرى هذا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: سترتُم وأسررتُم وأضمرتم (٦)، قال تعالى: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤]، والمكنون: المصون، وهو بالسِّترِ يكون.

стр. 1373

وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ قيل: أي: ستَخطُبونهنَّ، وفي الحديث: كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ أن يُزوِّجَ بعضَ بناتِه، دَنى مِن خِدرها ويقول: "إنَّ فلانًا يَذكرُ فلانة" (١)، يعني: يخطُبُها، يعني أَنَّكم تَحتاجون بعد انقضاءِ العِدَّةِ إلى الخِطبة، فأباحَ لكم تمهيدَ ذلك بالتَّعريضِ في العِدَّة؛ لئلَّا يَسبقكُم غيرُكم بالخِطبة فتفوتَكم. وقيل: معناه: ستَذكرونهنَّ بقلوبِكم، وتتفكَّرون في أنَّكم تَطلبون ذلك بعد انقضاءِ العِدَّة، فأزالَ الجُناحَ عنكم بإضمارِكُم ذلك في القلب؛ إذ ليس فيه وَهْمُ فسادٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾؛ أي: جِماعًا، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يُفعَل سِرًّا (٢)، قال امرؤ القيس: ألَا زعمَتْ بَسْباسةُ اليومَ أنَّني... كبِرْتُ وأنْ لا يُحسِنُ السِّرَّ أمثالي (٣) أي: لا يَقُلْ أحدكُم لها في العدَّةِ: إنِّي قادرٌ على هذا العملِ، ومحسِنٌ لهذا العمل؛ فإنَّه قبيحٌ في المعاملة، وبعيدٌ عن (٤) المجاملة، ولأنَّه مُهَيِّجٌ لشَهوتها، وقد يوقِعُها في الفتنة بذلك في عدتها (٥). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ليس هذا حقيقةَ (٦) استثناءٍ عن مواعدةِ السِّرِّ التي هي ذِكْرُ الجِماع؛ فإنَّه لا يَنبغي أنْ يُقال ذلك بوجهٍ مِن

стр. 1374

الوجوه (١)، لكن معناه: أي: لكن قولوا قولًا جميلًا ممَّا قُلناه (٢) في التَّعريضات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: لا تحقِّقوا العقدَ في العِدَّة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: تحقَّق. وقيل: أي: لا تُلزِموهنَّ (٣) عقدَ النِّكاحِ في العِدَّة، من قولك: عزمتُ عليك أنْ تفعلَ كذا، ولم يرد به القصدَ، ولو أرادَ ذلك لقال: ولا تَعزِموا على عُقدةِ النِّكاح، وذاك هو الإكنان الذي رفعَ اللَّهُ الجُناحَ فيه. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: حتَّى نتهي ما كَتبَ اللَّهُ عليهنَّ مِن التَّربُّصِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، وقوله تعالى: ﴿أَجَلَهُ﴾؛ أي: بلغ ذلك غايتَه، وهو انقضاءُ العِدَّةِ. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: مِن الطَّاعةِ والتَّعظيمِ والخوفِ وخلاف ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: اخشَوا أنْ يَطَّلِعَ على خلافٍ (٤) منكم، واحذروا أنْ يُعَاقِبَكم عليه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ أي: لا تَغترُّوا بأنَّه غفورٌ يَسترُ الذُّنوب، وحليمٌ لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ، ثمَّ قد يأخذُ. أو هو (٥) غفورٌ، فتوبوا مِن الخلاف؛ ليغفرَ لكم، وحليمٌ لا يَرُدُّ التَّوبةَ لما سلفَ مِن الإفراط.

стр. 1375

والحليمُ هو الذي لا يَستخفُّهُ عصيانُ العصاة، ولا يَستفِزُّهُ (١) الغضبُ عليهم. ثمَّ لا يَصِحُّ عند المعتزلة على أصولهم وصفُ اللَّه جلَّ وعلا بأنَّه حليمٌ؛ لأنَّ حقيقةَ الحِلم تركُ عقوبةِ مَن يَستحِقُّها، ولا يَجوزُ عندَهم للَّه تعالى تركُ عقوبةِ العصاةِ، واللَّهُ تعالى وصفَ نفسَهُ بالحِلمِ تَرغيمًا (٢) لهم، وتكذيبًا لقولهم. * * * (٢٣٦) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الجُناحُ: الوِزرُ، من قولهم: جَنحَتِ السَّفينةُ؛ أي: مالَت لثِقلها، والوِزْرُ: الثِّقَلُ، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثَقَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. قيل: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لكثرةِ ما أوصى أصحابَه بالنِّساءِ ظنُّوا أَنَّه سَيُحرِّمُ طلاقَهنَّ، فنزلَتِ الآيةُ لبيان أنَّه مباحٌ، وليس على المطلِّقِ إذا وافقَ الشَّرعَ جُناحٌ. وقيل: هذه الآيةُ (٣) في غيرِ المدخولِ بها، فقد قال تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وإنَّما خصَّها بالذِّكرِ؛ لأنَّ طلاقَها في كلِّ وقتٍ مشروعٌ مباحٌ، وفي المدخولِ بها يَختلفُ الحال. وقيل: الآيةُ في رفعِ الجُناحِ عمَّن لا يُعطيها المهرَ إذا طلَّقها قبلَ الدُّخولِ بها، ولم يُسَمِّ لها مهرًا؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا شدَّدَ في منعِ المهرِ، واستردادِ المهرِ، والمضارَّةِ

стр. 1376

ليَختلعَ بالمهر، بالآياتِ التي مرَّت؛ توهَّموا أنَّ في غير المدخولِ بها التي لم يُسَمَّ لها المهرُ (١) يأثمون بأن لا يعطوا المهرَ، فبيَّنَ أنَّه لا جُناحَ فيه، وأنَّ المهرَ غيرُ واجبٍ، بل الواجبُ المتعةُ، كما قال تعالى: ﴿وَمَتِعُوهُنَّ﴾. وقيل: معناهُ: لا إثمَ عليكم في الطَّلاقِ ومنعِ المهر، إلَّا إذا مسَستموهنَّ، أو فرضتُم لهنَّ مهرًا، فإنَّه يَجِبُ مهرُ المثلِ في المسِّ وإنْ لم يفرضْ لها شيئًا، ويَجِبُ نصفُ المهرِ المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها، ولذلك أدخلَ ﴿أَوْ﴾ بين قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، وفي كلِّ واحدةٍ مِن هاتين الحالتين يأثمُ بمنعِ المهر. وقيل: بل معناه: ما لم تَمسُّوهنَّ، ولم تفرضوا لهنَّ فريضةً، أو: ما لم تمسوهن ولا فرضتم لهن فريضة؛ لأنَّ الأوَّلَ نفيٌ، و ﴿أَوْ﴾ في عطف النفي كذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ليس هذا للشكِّ ولا للتَّخييرِ، بل النَّهيُ عن طاعتِهما جميعًا، وتقديرُه: وكفورًا. ووجهٌ آخر: ولا كفورًا. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿ما لم تُماسوهن﴾ (٢). والمماسَّة: الملامسةُ، وهي الوطءُ؛ لأنَّ المفاعلةَ بين اثنين، وقرأ الباقون: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ والمسُّ: هو اللَّمسُ، ويَقعُ على اللمسِ باليدِ وعلى الوطءِ، فكلُّ واحدٍ منهما يؤكِّدُ كلَّ المهرِ عندنا، والفرض: تقديرُ المهر، والفريضة: المقدَّر (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ أي: أعطوهنَّ في حالِ عدمِ التَّسميةِ والطَّلاق قبلَ الدُّخولِ المتعةَ، وأصلُ المتعةِ والمتاع: ما يُنتفَعُ به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ، بل ينقضي

стр. 1377

عن قريبٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ الآية [غافر: ٣٩]، ويُسمَّى التَّلذُّذُ تمتُّعًا لذلك، ونظيرُ المتعةِ والمَتاع: البُلغةُ والبَلاغ. واختُلِفَ في تقديرِها، وعندنا هي ثلاثةُ أثوابٍ؛ دِرْعٌ، وخِمارٌ، وملحفة، والأخبارُ والآثارُ فيها مختلفة. قال الكلبيُّ ﵀: نزلَت في رجلٍ من الأنصار تَزوَّجَ امرأةً مِن بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثمَّ طلَّقها قبلَ أنْ يمسَّها، فقال النبيُّ ﷺ : "متِّعها ولو بقَلنسوتِكَ، أما إنَّها لا تُساوي شيئًا، ولكنِّي أحببتُ أن أحييَ السُّنَّة" (١). وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: أفضلُها خادمٌ، وأوضعُها ثوب (٢). وقال الشَّعبيُّ: أوسطُها أربعةُ أثواب؛ دِرعٌ، وخِمارٌ، ومِلْحفةٌ، وجِلباب (٣). وقال ابن عمر: ﵄ أدناها ثلاثون درهمًا (٤). ومتَّع عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ رضي اللَّه تعالى عنه امرأتَه (٥) بجاريةٍ سوداءَ، والحسنُ (٦) بن عليٍّ ﵄ امرأتَهُ (٧) بعشرةِ آلاف درهم.

стр. 1378

وروى جابرٌ ﵁ أنَّ أبا عمرو بن حفص بن المغيرة طلَّقَ امرأتَه فاطمةَ بنت قيس أختَ الضَّحاكِ بنِ قيس، فذَكرَ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "متِّعها"، فقال: ما أجد، قال: "متِّعها ولو بصاعٍ من تمر" (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ الموسِعُ: الغنيُّ، وقد أوسعَ؛ أي: صار في السَّعة، وهي الغنى، كما يقال: أصبح وأمسى؛ أي: صار في الصَّباح والمساء. والمُقترُ: المُقِلُّ، والتَّقتير في الإنفاقِ هو التَّقليل، وقتارُ المرَقةِ: ريحُها، وهي قليلهُ منها، والقَترَةُ: الغبار، وهو قليلٌ مِن التُّراب. وقوله: ﴿قَدَرُهُ﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿قدْره﴾ بتسكين الدَّال (٢)، والباقون بفتحِها، وهما المقدارُ؛ أي: المتعةُ على الزَّوج على قدرِ يسارِه وإعسارِه. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ نصبَ على المصدر، فقد سبق الفعلُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وقيل: على القطع، فقد قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ (٣) بالرفع، وذاك معرفةٌ وهذا نكرة، فنُصِبَ على القطع من ذلك. وقيل: بل هو مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل: "هن" في ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.

стр. 1379

والمعروفُ: ما لا تقتيرَ فيه ولا إسراف. وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: واجبًا على الذين يُحسِنون الائتمارَ بأمر اللَّه تعالى. وقيل: ﴿حَقًّا﴾ مصدرُ فعلٍ مضمرٍ؛ أي: حقَّ ذلك حقًا. وليس هذا الإحسانُ هو التَّبرُّع بما ليس عليه؛ فإنَّ المتعةَ في هذه -أي: في هذه (١) الصُّورة (٢) - واجبةٌ. * * * (٢٣٧) - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ثمَّ بيَّنَ حُكمَ التي سُمِّيَ لها المهرُ في الطَّلاق قبل المسِّ وقوله: ﴿وَقَدْ﴾ الواو للحال، وقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فعليكم نصفُ ما سمَّيتُم، أو فلهنَّ نصفُ ما سمَّيتُم، والنِّصفُ أحدُ جزأي الكمال. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: إلَّا أنْ يُسقِطنَ (٣) هذا النِّصفَ، فلا يأخذْنَ شيئًا، والواو هاهنا واوُ أصلِ الكلمة، وليس بواو الجمع، وتقديرُه: يَفْعُلْنَ، والنُّون نونُ جمعِ النِّساء، وليست بنونِ الرَّفع، ولذلك لم تَسقط بالنَّاصِب، وهو "أن".

стр. 1380

وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ نُصِبَ لأنَّهُ عطف على قوله: ﴿يَعْفُونَ﴾، وقد دخل فيه ناصبٌ، لكن لم يظهر فيه النَّصبُ للتَّسكينِ اللَّازمِ، ومعناه: أو يَتفضَّلَ؛ فإنَّ العفوَ هو الفضلُ على ما مرَّ. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أي: الزَّوجُ يَتفضَّلُ فيُعطِي الكلَّ صلةً لها وإحسانًا إليها؛ أي: الواجبُ شرعًا هو النِّصفُ، إلَّا أنْ تُسقِطَ هي الكلَّ، أو يعطي هو الكلَّ. وإنَّما كان الزَّوجُ هو الذي بيدِه عقدةُ النِّكاح؛ لأنَّ الطَّلاقَ بيدِه، فكان إبقاءُ العقدة بيده، فسُمِّيَ به. وكذا فسَّره سعيدُ بن جبير وشُريح ومجاهدٌ (١) وجماعةٌ ﵃، وأصلُه عن علي ﵁ وروي عنه أنَّه سألَ شُريحًا عن الذي بيده عقدةُ النِّكاح، فقال: هو الوليُّ، فقال عليٌّ: لا، ولكنَّه (٢) الزوج (٣). وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ (٤)، وأحدُ قولَي الشَّافعيِّ ﵀ (٥). وقال مالكٌ والشافعيُّ في قولٍ (٦): هو الوليُّ للصَّغيرةِ والبِكر، وله حطُّ هذا النِّصف (٧). وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّبرُّعَ بحقِّ الصَّغيرةِ، ولا بحقِّ الكبيرةِ بغير رضاها.

стр. 1381

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: والعفوُ منكم أقربُ إلى التَّقوى. وقيل: هو خطابُ الأزواج، وكذا قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ندبَ الزَّوجَ إلى إكمال المهرِ؛ إظهارًا للمروءة، وعملًا بالفتوة. وقيل -وهو الأظهر الأشهر-: إنَّه خطابٌ للأزواج والزَّوجاتِ جميعًا؛ أي: عفوُ الزَّوجِ بإعطائِه كلَّ المهرِ خيرٌ له، وعفوُ المرأةِ بإسقاطِ كلِّه خيرٌ لها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ تقريرٌ للأوَّل (١)، فلا يَنبغي للزَّوجِ أنْ يَنسى الإفضال، فيقول: إنَّها كانت محبوسةً بعقدي، ولم تَنل منِّي نصيبًا، فلا أحرِمُها مِن المسمَّى شيئًا، ولا يَنبغي للمرأةِ أن تتركَ الإحسانَ، وتقول: إنَّ زوجي لم يَصِل إليَّ، ولم يكن له منِّي شيءٌ، فأنا لا آخذُ منه شيئًا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: لا يَخفى عليه ما عمِلتُم مِن الفضلِ والجودِ والانتصاف (٢). والجملةُ أنَّ المنكوحاتِ المطلَّقاتِ أربعةُ أصناف؛ مسمَّى لها مدخول بها، وغيرِ مسمَّى لها غيرِ مدخول بها، ومسمًّى لها غيرِ مدخول بها، وقد ذكرنا أحكامَ هذه الثَّلاث في هذه الآيات، وغيرِ مسمًّى لها مدخول بها، وقد ذُكرَ حكمُها في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٣) لمَّا ذكرَ أحكامَ النِّكاح، وفيه الشَّهوات،

стр. 1382

وفي اتِّباعِها إضاعةُ الصلوات؛ عقَّبها الأمرَ بمحافظتِها؛ ليتحرَّزوا عنها، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ولأنَّ ذلك مِن حقوقِ الخَلْقِ، وهذا مِن حقوقِ الحقِّ، والقرآنُ يَشتمِلُ على بيان الحقَّين، وهو مثانٍ؛ لإتيانِه على هذين الاثنين. * * * (٢٣٨) - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. ومعنى ﴿حَافِظُوا﴾؛ أي: داوِموا ولازِموا، وأصلُ الحِفظِ: الضَّبطُ، وحفظُ الشَّيء عن النِّسيان هو ضبطُه في القلبِ، وحفظُ الشَّيء عن الضَّياع هو ضبطُه بالنَّفْس. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ هي المكتوباتُ الخمسُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ثبتَ عددُها بغيرها من الآيات، وبالأحاديث المتواترة، وبإشارةٍ في هذه الآية، وهو ذكرُ ﴿الْوُسْطَى﴾، والأوسط (١): ما اكتنفَهُ -أي: أحاطه (٢) - عددان متساويان، وأقلُّ ذلك خمسةٌ، ولا يقال بأنَّ الثَّلاث بهذه الصِّفة؛ لأَنَّا نقول: الثَّلاثُ لا يَكتنفُها عددان، فإنَّ الذي قبلَها واحدٌ، والذي بعدَها واحدٌ، والواحدُ ليس بعددٍ؛ فإنَّ العددَ ما إذا جُمِعَ بين طرفَيه صارَ ضعفَه، والواحدُ ليس له طرفان؛ فإنَّه ليس قبلَهُ شيء. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾؛ أي: وحافظوا على الصَّلاة الوُسطى منها، ومحافظتُها: حِفْظُ أوقاتِها، وأركانِها وشرائِطها وواجباتِها، وسُننِها وآدابِها وفضائلها. ثمَّ اختُلِفَ في الوسطى:

стр. 1383

قال قوم: هي غير مُعيَّنةٍ، وإذا حافظ على كلِّها، فقد حافظَ عليها. قال أبو بكر الورَّاق ﵀: لو شاء اللَّهُ لعَيَّنها، ولكنه أرادَ تنبيهَ الخلقِ على أداءِ الصَّلواتِ؛ ليُحافِظوا عليها (١)، كما نبَّه الناسَ على ليلة القدر، ولم يُعيِّنها، وكما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ في الجُمُعة لساعةً (٢) لا يُوافقُها عبدٌ مسلمٌ يَسألُ اللَّه فيها خيرًا، إلَّا أعطاهُ إيَّاه" (٣)، ولم يُعيِّنها. وسُئِلَ الرَّبيع بن خثيم عنها، فقال للسَّائل: أرأيتَ إنْ عرفتَها، أكنتَ محافظًا عليها ومضيِّعًا سائرها؛ قال: لا، قال: فإنَّك إذا حافظتَ عليهنَّ فقد حافظتَ عليها (٤). وقال ابنُ سيرين: سألتُ شُرَيحًا ﵀ عن ذلك، فقال: حافظْ عليهنَّ تُصِبها (٥). وقيل: هي صلاةُ الفجر، رويَ ذلك عن عليٍّ وابنِ عباس وابنِ عمرَ وأبي موسى وجابرٍ وجماعةٍ من التَّابعين (٦) رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وهو اختيارُ الشافعيِّ ﵀، وقالوا: يَدلُّ عليه أنَّه وردَ فيه في القرآن (٧) زيادةُ ترغيبٍ، وهو

стр. 1384

قولُه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ أي: تَشهدُه ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار، وليست هذه الخصوصيةُ لغيرِها، وتحقيقُ اسمِ الوُسْطى لها أنَّها بين صلاتَي ليلٍ وصلاتي (١) نهار، ولأنَّها بين صلاتَي جهرٍ وصلاتَي مخافتةٍ، ولأنَّها بين سوادِ اللَّيلِ وبياضِ النَّهار. وقال ابنُ عمر ﵄ في روايةٍ وزيدُ بنُ ثابت: هي صلاةُ الظُّهر (٢). قال زيدٌ ﵁ كان النبيُّ ﷺ يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرة، ولم تكن صلاةُ أشدَّ على الصَّحابةِ ﵃ منها، فنزل قولُه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣). وخُصت بالذِّكرِ؛ لأنَّها أوَّلُ صلاةٍ فُرِضت، وسُمِّيَت وسطى؛ لأنَّها في وسط النَّهار، ولأنَّها بين صلاة نهارٍ وصلاة ليلٍ تتقدَّمان، وبين صلاة نهارٍ وصلاةِ ليل تتأخَّران، وهي صلاةٌ تَقعُ في وقتِ اشتغالِ النَّاسِ في الأسواق، ولأنَّها وقتُ القيلولةِ، وفيها خطرُ الفَوت. وقال عليٌّ في روايةٍ، وابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو أيوبَ الأنصاريُّ، وأبو هريرة، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وعائشةُ، وحفصةُ، وأمُّ سلمةَ، والحسنُ البصريُّ (٤)، وهو قولُ الأكثرِ رضوانُ اللَّه عليهم: هي صلاةُ العصرِ، وفيه خبرٌ عن النبيِّ ﷺ فإنَّه (٥)

стр. 1385

فاتتهُ العصر يوم الأحزاب فقال: "شغلونا عن الصَّلاة الوسطى عن صلاة العصر، ملأَ اللَّهُ قلوبَهم وقبورَهم نارًا" (١). وقال النبيُّ ﷺ : "مَن فاتتهُ العصرُ، فكأنَّما وترَ أهلَهُ ومالَه" (٢). وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ قُربِ فراغ النَّاسِ عن أعمالِهم، والغالبُ هو حِرصُهم عليها، وإقبالُهم على إتمامها. وسُمِّيَت وُسْطى؛ لأنَّها بين صلاتَي نهارٍ وصلاتَي ليل. وقال قبيصةُ بن ذؤيب وعمرو ومكحولٌ وضمرةُ بنُ حبيب: هي صلاةُ المغرب (٣)؛ لأنَّها ثلاثُ ركعاتٍ، فهي بين الأربعِ والمثنى، ولأنَّها بين صلاتَي مخافتةٍ وبين صلاتَي جهر، ولأنَّها بين بياضِ النَّهار وسوادِ اللَّيل. وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ الرَّغبةِ في الطَّعام، وقد ورد التَّشديدُ والتَّهديدُ في تأخيرها (٤). وقيل: هي صلاةُ العشاء؛ لأنَّها بين صلاةِ جهرٍ وصلاةِ مخافتة يتقدَّمان، وبين

стр. 1386

صلاة جهرٍ وصلاةِ مخافتةٍ (١) يتأخران، ولأنَّها بين صلاةِ ليلٍ وصلاةِ نهارٍ يُجهَرُ بها، فهي صلاةُ جهرٍ بين صلاتَي جهرٍ. وخُصَّت به؛ لأنَّه وقتُ غَلَبةِ النَّوم. وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال الضَّحَّاكُ ﵀: أي: مُطيعين؛ فإنَّ سائرَ أهل الأديان يقومون في الصَّلاة عاصين (٢). وقال زيدُ بنُ أرقم: كنَّا على عهدِ النبيِّ ﷺ يُكلِّمُ أحدُنا صاحبَه في الصَّلاة بحاجتِه، حتَّى نزلَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ أي: ساكتين (٣). وعن ابنِ عبَّاس ﵄ أنَّه صلَّى بهمُ الصُّبحَ فقنَتَ فيه، وقال: هذه الصَّلاةُ التي قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤). وقيل: معناه: خاشعين. وقيل: مُطيلين للقِيام. وقيل: مُخلِصين. وقيل: قارئين للقرآن. وقال مجاهد: من القنوت: الرُّكودُ والخشوع (٥)، وغضُّ البصرِ، وخفضُ الجناحِ مِن رهبة اللَّه تعالى (٦).

стр. 1387

(٢٣٩) - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا﴾؛ أي: وحافظوا عليها في حالِ خوف العدوِّ أيضًا، فلا تؤخِّروها، وصلُّوا رجالًا، وهو جمعُ راجل، وهو القائمُ على الرِّجلِ، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة. وقوله تعالى: ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ هو جمعُ راكب، ولهم أن يصلُّوا وُحدانًا، ولا يجوزُ أن يصلوا (١) بجماعةٍ عندنا؛ لأنَّه سقطَ فرضُ الاستقرارِ عنهم، فلم يَجمعْهُم مكانٌ واحدٌ، فبطلَ الاقتداءُ. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: فإذا أمنتُم العدوَّ، فصلُّوا للَّه، والذِّكْرُ اسمٌ للصلاة، وقد دللنا عليه فيما مرَّ. ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ اللَّه، ولم تكونوا علمتُم ذلك؛ أي: صلُّوا (٢) طائفةً واحدةً، مِن غير انصرافٍ، وفي الخوف يُصلُّون طائفتين، وتَنصرفُ كلُّ طائفةٍ إلى العدوِّ عند تمامِ ركعةٍ (٣)، على ما نبيِّنُ في سورة النِّساء إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. * * * (٢٤٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 1388

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد مرَّ تفسيرُه. وقوله تعالى (١): ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ (٢) قرأ حمزة وأبو عمرو وحفص بالنَّصب (٣)، ووجهُه: فليُوصوا وصيَّةً، وقرأ عاصمٌ (٤) والكسائيُّ بالرَّفع، وتقديره: فعليهم وصيَّةٌ لزوجاتهم، أو فيه تقديمٌ وتأخير، وتقديره: فلزوجاتِهم وصيَّةٌ، وهي بالنَّفقةِ والسُّكنى. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ونصْبُهُ بإضمارِ الفعل، أو على القطع، أو على الحال، أو على إيقاع فِعلِ الوصيَّةِ عليه. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قيل: هو على الحال، وتقديرُه: غيرَ مخرجين لهنَّ. وقيل: هو صفةُ ﴿مَتَاعًا﴾. وقيل: هو مصدر، وتقديره: لا (٥) إخراجًا. وقيل: هو نصبٌ بنزعِ الخافض، وتقديرُه: مِن غير إخراج. وقال الأخفش: تقديرُه: متِّعوهنَّ متاعًا، لا تخرجوهنَّ إخراجًا (٦). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾؛ أي: بعد السَّنةِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ

стр. 1389

فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أي: لا إثمَ عليكم يا أولياءَ الزَّوجِ فيما فعلنَ في أنفسِهنَّ (١) مِن التَّزيُّنِ لطلبِ الزَّوجِ على وفق الشرع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: منتقمٌ ممَّن عصاهُ، ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: مصيبٌ فيما حكمَ. وكان هذا حُكمًا مَشروعًا في الابتداء، ثمَّ نُسِخَ، وكانت العربُ إذا مات رجلٌ وله امرأةٌ، منعَ أهلُهُ المرأةَ عن التزوُّجِ أبدًا، وكانوا يرثون مالَ الميِّتِ وامرأته (٢)، فلا يعطونَها إرثًا، وكانوا يأخذونَها إرثًا، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، وكانوا ألِفوا ذلك، واللَّهُ تعالى نقلهم (٣) عن ذلك بالتَّدريج، فأمرَ أوَّلًا بأنْ يُوصوا للمرأةِ بالنَّفقةِ والسُّكنى مكانَ الميراث، وجعلَ العِدَّةَ المانعةَ عن التَّزوُّجِ سنةً واحدةً بهذه الآيةِ، ثمَّ نَسخَ الوصيَّةَ بالميراث، وهو الرُّبع أو الثُّمن، ثمَّ نسخَ الاعتدادَ بالسَّنةِ بالأربعةِ الأشهُرِ والعَشر، على مابيَّنَّا، فهذه الآيةُ متأخِّرةٌ في نظمِ السُّورة، وهي منسوخةٌ، وتلك الآيةُ متقدِّمةٌ، وهي ناسخة. وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: نزلت الآيةُ في حكيمِ بن الأشرف الطائيِّ (٤)، قدِمَ المدينةَ، فماتَ بها، وتركَ أبوين وأولادًا وزوجةً، فجعلَ النَّبيُّ ﷺ الميراثَ للأبوين

стр. 1390

والأولاد، وجعلَ للمرأةِ نفقةَ العِدَّةِ والكسوةَ والسُّكنى حولًا، فنُسِخَ (١) هذا. ورويَ أنَّ المعتدَّة في الوفاة حولًا، كانت تَسكنُ في بيتٍ مظلمٍ، لا تَتطيَّبُ، ولا تَغتسلُ، ولا تُجدِّدُ الثِّيابَ، ثمَّ تَخرجُ بعد (٢) تمامِ الحول، وتَرمي ببَعرةٍ وراءَ ظهرِها؛ تُظهِر أن حدادها في مراعاةِ حقِّ زوجِها في هذه المدَّة كان أهونَ عليها مِن هذه؛ أي من هذه (٣) البعرة، ولذلك قال ﵊ حين سُئِل عن البُروز في المدَّة: "كانت إحداكنَّ في الجاهليَّة الجهلاء، تَجلسُ حولًا في شرِّ بيتٍ، أفلا أربعةَ أشهرٍ وعشرًا؟ " (٤). * * * (٢٤١) - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي (٥): وللمطلَّقاتِ اللَّاتي سُمِّيَ لهنَّ المهرُ متعةٌ أيضًا بطريق الاستحباب، وقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ أي: يحق هذا حقًّا على مَن كان متَّقيًا، فليس بواجبٍ هذا، لكن مِن شرطِ (٦) التَّقوى التَّبرُّع بهذا تَطييبًا لقلبها. * * *

стр. 1391

(٢٤٢) - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: كما يُبيِّنُ هذه الأحكامَ يُبَيِّنُ بعد هذا لكم كلَّ ما تحتاجون إليه؛ لتعقلوا؛ أي: لتَستعمِلوا عقولَكم في قَبولها، والتَفكُّر فيها والعملِ لها (١). * * * (٢٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. وقيل: الآياتُ هي جميعُ ما تقدَّم مِن أمرِ الحجِّ والقتال وكلِّ الأحكام إلى هاهنا. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هذه الآيةُ في ذِكر القتال (٢) الذي به تَحصينُ الدِّين، وقبله ذكرَ الطَّلاقَ بعد النِّكاح الذي فيه تحصينُ الدِّين، فلذلك انتظما. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الألف ألفُ الاستفهام (٣) بمعنى التَّقرير، والرُّؤيةُ بمعنى العِلم، وقائمةٌ مقامَ النَّظر، ولذلك وصلَ بـ ﴿إِلَى﴾، وتقديرُه: ألم تنظر إلى الذين؛ أي: ألم تسمع ذلك؟ ألم تعلم ذلك؟ وتحقيقه: اعلمْ ذلك، اسمعْ ذلك. وقيل: معناه: ألم تُخبَر فيَقعَ لك العلمُ به، كما يقعُ بالنَّظر، وهي كلمةُ تنبيهٍ؛

стр. 1392

ليتأمَّل فيما يُلقى اليه ممَّا اُريدَ الإنباءُ عنه؛ اذ كان قد سبقَ الإنباءُ به (١)، فأريدَ منه تجديدُ العهدِ بالتأمُّل فيه. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ﴾؛ أي (٢): منازلهم، جمع دار. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ قيل: هو جمعُ آلِف، كما يُقال: قاعِدٌ وقُعود، وساجِدٌ وسُجود؛ أي: متألِّفون. وقيل: هذا جمع أَلْف، وهو العددُ المعروف. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كانوا أربعةَ آلاف (٣). وقال مقاتلُ بنُ حيان: كانوا ثمانية آلاف. وقال أبو روق: كانوا عشرةَ آلاف. وقال أبو مالك: كانوا ثلاثين ألفًا. وعن ابن عباس ﵄ في رواية أربعين ألفًا (٤). وقال عطاء: سبعين ألفًا (٥). وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: لخوف الموتِ مفعول له. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قيل: يجوزُ أن يكونَ اللَّهُ تعالى أسمعَهم كلامَ بعضِ ملائكته: موتوا، فماتوا.

стр. 1393

ويجوز أن يكون معناه: فأماتَهم اللَّه، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]؛ أي: يكونه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: أماتَهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيه، لا موتَ انقضاءِ آجال، ثمَّ أعادَهم أحياءً؛ ليَستوفوا بقيَّة أعمارِهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: تَفضَّل على أولئك فأحياهُم بعد أن أماتَهم، فأمهلَهُم (١) في الدُّنيا حتَّى تابوا وقبِلَ توبتَهم؛ إذ خرجوا مِن ديارهم فرارًا من الموت، وكان ذلك عصيانًا منهم، وإنَّه لذو فضلٍ على النَّاس؛ أي: على (٢) غيرِهم، بأنْ بيَّن هذا ليَعتبروا بحالِهم، ويوقِنوا (٣) بالبعث بعد الموت، وفيه فضلٌ مِن اللَّه تعالى على عبادِه؛ بذكرِ هذه الآيات المحرِّكة لهم على طاعتِه، وقتالِ عدوِّه، وتفويضِ الأمور إليه، وإخلاصِ الخوفِ والرَّجاء له. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لا يُؤدُّونَ حقَّ نعمِه بالشُّكرِ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. واختلف في سبب (٤) نزوله وقصَّته. قيل: هو جوابُ قول بعض المنافقين لمَّا قُتِل بعضهم، قالوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فأخبرَهم اللَّهُ تعالى بأنَّ جهلَهم بقضاء اللَّه تعالى وقدَرِه، وأنَّه لا عاصمَ لأحدٍ مِن أمرِه؛ حملَهم على هذا القول، كما أنَّ جهلَ بني

стр. 1394

إسرائيلَ حملَهم على الخروجِ فرارًا من الموت، ثمَّ لم يُنجِهم فرارُهم حتَّى أماتَهمُ اللَّهُ جميعًا، ثمَّ أحياهم، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٤]، وقولِه: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (١)، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وقال ابنُ عباس ﵄: هم سِبْطٌ من بني إسرائيل خرجوا من ديارهم فرارًا من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فابتلوا بالطَّاعون، فأماتَهُمُ اللَّه ﷻ قبل انقضاءِ آجالِهم؛ عقوبةً لهم، ثمَّ أحياهُم ليستكمِلوا بقيَّة آجالِهم (٢). وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ملِكًا مِن ملوك بني إسرائيلَ أمرَ بني إسرائيلَ أنْ يَخرجُوا إلى قتالِ عدوِّهم فخَرجوا فعسكروا ليغزوا عدوَّهم، فجَبُنوا، وكرهوا الموتَ، وقالوا لملكهم: إنَّ الأرضَ التي تأتي فيها الوباء، فلا نأتيها حتَّى ينقطعَ الوباءُ منها، فذلك حذَرُ الموت، ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فماتوا، وهم ثمانيةُ آلافٍ، فمكثوا ثمانيةَ أيَّام حتى انتفخوا، وبلغ بني إسرائيلَ خبرُ (٣) موتِ أصحابِهم، فخرجوا إليهم ليدفنُوهم، فعَجَزوا عنهم مِن كثرتِهم، فحظروا عليهم الحظائرَ، ثمَّ أحياهم اللَّهُ تعالى بعد ثمانيةِ أيَّام، فبقيت فيهم بقايا من ريحِ النَّتنِ، حتَّى إنَّه بقيَ في أولادِهم إلى اليوم (٤). وقال مقاتل: إنَّ نبيَّهم حزقيا، والأشهرُ الأظهر: حزقيل (٥)، وهو ذو الكفل،

стр. 1395

نَدبَهم إلى قتالِ عدوِّهم، فأبَوا عليه؛ جُبنًا مِن عدوِّهم، واعتلُّوا بأنَّ (١) الأرضَ فيها الطَّاعون، فأرسلَ اللَّهُ تعالى عليهم الموتَ، فلمَّا رأَوا أنَّ الموتَ كثُرَ فيهم، خَرجوا مِن ديارِهم فِرارًا مِن الموت، فلمَّا رأى ذلك حزقيا قال: اللهمَّ ربَّ يعقوبَ وإلهَ موسى، قد تَرى معصيةَ عبادِك، فأرِهم آيةً في أنفُسهم حتَّى يَعلموا أنَّهم لا يَستطيعون فِرارًا منك، فلمَّا خرجوا قال اللَّه تعالى: موتوا؛ عقوبةً لهم، فماتوا جميعًا، ومات دوابُّهم، كموتِ رجلٍ واحدٍ ثمانيةَ أيَّام، فخرجَ إليهم النَّاسُ، فعجَزوا عن دفنِهم، وأَرْوَحَتْ أجسادُهم، ثمَّ إنَّ حزقيا بكى إلى ربِّه، فقال: يا ربَّ يعقوب وإلهَ موسى ﵉ لا تكن على عبادِك الظلمة كأنفسهم، واذكُر فيهم ميثاقَ الأوَّلين -وفي رواية: قال يارب، أرِهم رحمتَك كما أريتَهُم قدرتَك- فأمرَهُ اللَّهُ تعالى أنْ يَدعوَهم بكلمةٍ واحدةٍ، فقاموا كقيامِ رجلٍ واحدٍ، كأنَّهم كانوا نيامًا، فاستيقظوا، ثمَّ أمرَهم أنْ يَرجِعوا إلى عدوِّهم فيجاهدوهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وقال الحسنُ ﵀: إنَّما سُمِّيَ حزقيلُ ذا الكِفل؛ لأنَّه كَفَل سبعين نبيًّا، وأنجاهُم مِن القتل، وقال لهم: اذهبوا، فإنِّي إنْ قُتِلتُ كان خيرًا لكم مِن أن تُقتَلوا جميعًا، فلمَّا جاء اليهودُ، وسألوا ذا الكفلِ عن الأنبياء السبعين، قال: إنَّهم ذَهبوا، ولا أدري أين هم؟ ومنعَ اللَّهُ تعالى ذا الكفل عن (٣) اليهود (٤). وقال السُّدِّيُّ: هم فرقةٌ مِن بني إسرائيلَ خرجوا مِن ديارِهم فِرارًا مِن الطَّاعون،

стр. 1396

فأماتَهمُ اللَّه تعالى، ومرَّت عليهم السُّنون حتَّى عَرِيَت عظامُهم، وتفرَّقَت أوصالهم، فمرَّ بهم نبيٌّ يُقالُ له: حزقيل، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أنْ نادِ فيهم: قُوموا بإذن اللَّه تعالى، فنادى، فنظرَ إليهم قيامًا يقولون: سبحانك اللهمَّ وبحمدِك، لا إلهَ إلا أنت (١). وقال هلال بن يساف: هم قومٌ مِن بني إسرائيلَ وقعَ فيهم الطَّاعون، فذهبَ أشرافُهم وأغنياؤهم، وأقامَ سَفِلَتُهم وفقراؤهم، فكثُر فيهم الموتُ، ونجا الذين خرجوا، لم يُصِبهُم مِن ذلك شيءٌ فقال الذين نجوا: لو أقمنا بالبلدةِ كما أقامَ هؤلاء هَلَكنا كما هَلكوا، وقال هؤلاء: لو ظعنَّا كما ظعنوا لنجونا، فأجمعوا أنْ يَظعنوا جميعًا، فأرسلَ اللَّهُ عليهم الموتَ، فماتوا حتَّى صاروا عظامًا تَبْرُقُ، فمرَّ بهم نبيٌّ -أحسبه حزقيل- فقال: يارب، لو شئتَ أحْيَيْتَهم فعبدوك، وعَمَروا بلادَك، فقيل له: تكلَّم بكذا وكذا، فإنَّهم سيَحيون، فتكلَّم بالكلامِ، فجعلَ يَرى العظامَ تخرج إلى العِظام، حتَّى اجتمعَ بعضُها إلى بعضٍ، وكُسِيَت لحمًا، ثمَّ أُمِرَ بأمرٍ، فتكلَّم به، فإذا هم قعودٌ يَذكرونَ اللَّهَ تعالى، ويُسَبِّحونَه (٢). ورَوى (٣) السُّدِّيُّ عن أبي مالكٍ رحمهما اللَّهُ قال: كانوا في قريةٍ يقال لها: داوَرْدان، قريبًا من واسِطْ، فوقعَ فيهم الطَّاعون، فأقامت طائفةٌ، وهربَتْ طائفةٌ، فوقعَ الموتُ في مَن أقامَ، وسَلِمَ الذين رحلوا (٤)، فلمَّا ارتفعَ الطَّاعونُ رَجعوا إليهم، فقال

стр. 1397

الذين بقوا: إخوانُنا كانوا أحزمَ منَّا، لو صنعنا مثلما صنعوا، سلمنا وقال الراجعون: لو بقينا إلى أنْ يقعَ الطَّاعونُ أصابَنا ما أصابَهم، فوقعَ الطَّاعونُ مِن قابل، فخَرجوا جميعًا حتَّى أتوا واديًا أفيح (١)، فنزلوا فيه بين جبلين، فبعث اللَّه ملكين إليهم؛ مَلَكًا بأعلى الوادي، وملكًا بأسفله، فنادَياهم أنْ موتوا، فماتوا، فمكثوا ما شاءَ اللَّهُ، فمرَّ بهم حزقيل، فرأى تلك العظامَ، فوقف متعجِّبًا لكثرةِ ما يرى، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أن (٢) نادِ: أيَّتُها العظام، إنَّ اللَّهَ تعالى يأمرُك أن تَجتمعي، فاجتمعَت مِن أعلى الوادي وأدناه، حتَّى التزقَ بعضها ببعض فصارت أجسادًا مِن عظامٍ، لا لحمَ ولا دمَ، ثمَّ أوحى اللَّه تعالى إليه: ناد: أيَّتُها العظام، إنَّ اللَّهَ ﵎ يأمرُك أن تَقومي، فقاموا، وبُعِثوا أحياءً (٣)، فرجعوا إلى بلادهم. * * * (٢٤٤) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قد روينا أنَّ هذا كان خطابًا للذين ماتوا ثمَّ أحياهُمُ اللَّه تعالى. وقيل: هو خطاب لأهل عصرِ النَّبيِّ ﷺ ومَن بعدهم. فعلى القول الأوَّل أضمرَ في أوَّل هذه الآية: وقال لهم، عطفًا على قولِه: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. وقوله ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: قاتلوا (٤) لإعلاء كلمةِ اللَّه.

стр. 1398

وروي أنَّ النبيَّ ﷺ قيل له: إنَّ الرجلَ يُقاتِلُ ليغنمَ، ويُقاتِلُ ليُذكرَ، ويُقاتِلُ ليُرى مكانُه، فقال النبيُّ ﷺ : "مَن قاتلَ لتكون كلمةُ اللَّه هي العُليا فهو الذي يقاتل في سبيل اللَّه" (١). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: لا تَقولوا كما قال هؤلاء الملأ: نَخرجُ مِن ديارنا لنَسلمَ مِن الموت، ولا تُضمِروا ما أضْمَروه مِن اعتقادِ الخَلاص بالفِرار؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سميعٌ عليم (٢)؛ يَسمعُ ما يُقال، ويَعلمُ ما يُضمَر. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيريُّ ﵀: يعني: إنْ مسَّكُم ألمٌ، فتصاعدَ منكم أنينٌ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لأنينِكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالِكم، والآيةُ توجبُ عليهم تسهيلَ ما يقاسونَهُ مِن الألم، قال قائلُهم: إذا ما تمنَّى النَّاسُ روحًا وراحةً... تمنَّيتُ أنْ أشكو إليكَ وتَسمعُ (٣) * * * (٢٤٥) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أمرَ بالقتال في سبيلِ اللَّه تعالى، ويُحتاجُ فيه إلى المال، فحثَّ على الصَّدقة ليتهيَّأ أسبابُ الغزاة. وقوله: ﴿مَنْ ذَا﴾ استفهامٌ بمعنى الأمرِ، و ﴿ذَا﴾ إشارةٌ إلى المقرِضِ، وهو

стр. 1399

رفع بـ ﴿مَنْ﴾؛ أي: مَن هذا الذي يُقرض؟ و ﴿الَّذِي﴾ صفة لـ ﴿ذَا﴾، و ﴿يُقْرِضُ﴾ صلةٌ له. والقرضُ في موضع الحقيقة: مالٌ يُقبَضُ (١) ببدلِ مثله من بعدُ، سُمِّيَ به؛ لأنَّ المعطي يُقرِضُهُ؛ أي: يُقطِعه مِن ماله، فيَدفعُه إليه، ومنه: المقراض، ومنه: قرضُ الفأرةِ الثَّوب، ومنه الانقراضُ، وهو الانقضاءُ والانقطاع، وقرضُ (٢) الشعر منه أيضًا، وهو قطعُ الشَّاعرِ الكلامَ مِن المنثور بالقافيةِ والوزنِ، والشِّعرُ: قريضٌ، وقُراضاتُ الثَّوبِ والذَّهبِ والفضَّة: ما يُقرَضُ بالمِقراض؛ أي: يُقطَع. وقوله: ﴿قَرْضًا﴾ ظاهرُه اسمٌ للمُعطى، ويجوز أن يكونَ مصدرًا لقوله: ﴿يُقْرِضُ﴾، وإن كان ذلك من المتشعِّبِ، وهذا من الثُّلاثيِّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]؛ لأنَّ الأصلَ هو الثُّلاثي، فيجوزُ ردُّ المصدرِ إليه عند وضوحِ المرادِ بذكرِ الفعل. وقوله ﴿حُسْنًا﴾؛ أي: جميلًا، وهو نعتُ القرضِ، والمرادُ مِن القَرضِ في هذه الآية هو أنْ يَقطعَ بعضَ مالِه، فيُعطيَهُ الفقيرَ؛ طلبًا لرضى اللَّه تعالى، وأملًا لثوابِ اللَّه. والحَسَنُ عند ابن عباس ﵄: أن يُعجِّلَه ويَسترَه ويَستصغرَهُ. وقيل: هو ألَّا يَمُنَّ على الفقير ولا يؤذيه، كما قال: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢]. وقيل: هو أن يَقطعَ قلبَهُ عنه.

стр. 1400

وقال ابنُ المبارك: القرضُ الحسن: أن يكون المالُ مِن الحلال (١). وقال سهل بن عبد اللَّه التستري (٢): هو ألَّا يطلبَ (٣) عليه عوضًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قيل: هو ألَّا يُعطَى على الغفلة. قال: وقيل: القرضُ الحسن على لسان الفقهاء: أنْ يُعطَى عن ظهرِ غنى، وعلى لسان أهل المعرفة: أن يعطى بحكمِ الإيثار، فيُعطَى ما لا بدَّ له منه من له منه بدٌّ. قال: وقيل: هو على لسان العلماء: إعطاءُ خمسةٍ من مئتين، وعلى لسانِ أهل المعرفة: إعطاءُ الكلِّ، وزيادةُ الرُّوحِ على ما يَبذل (٤). وقيل: سمَّاه حسنًا؛ لأنَّه جودٌ، والبُخل قبيحٌ، فكان الجودُ حسنًا. وقالوا: هذا فضل مِن اللَّه تعالى؛ أعطانا المالَ تفضُّلًا منه، ثمَّ سألَنا بعضَهُ باسم القرضِ؛ تسهيلًا للأداء، وإطماعًا في الجزاء. وقيل: فعل ذلك تشريفًا للفقراء، وصيانةً لهم، فاستقرضَ بنفسِه لأجلِهم، وجعلَ رسولَه محمَّدًا ﷺ قابضًا بحقِّ النيابةِ عليهم (٥)، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، فكان النبيُّ ﷺ هو القابض، واللَّهُ تعالى هو القابلُ، والفقير هو الآكل. ثمَّ ذكرَ أنَّه ليس كقرضِ العباد، أنَّه يعوَّضُ بمثلٍ واحدٍ، بل وعدَ الأضعافَ

стр. 1401

الكثيرةَ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، فيه أربعُ قراءات: قرأ أبو عمرو ونافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ بالألف والرَّفع. وقرأ عاصم غير المفضل (١) بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالتشديد والرفع (٢). وقرأ ابنُ عامر بالتَّشديدِ والنَّصب (٣). فالرَّفعُ عطفٌ (٤) على قوله: ﴿يُقْرِضُ﴾، أو معناه: فهو يضاعفُه، أو فإنَّه يضاعفُه، أو سيضاعفه (٥)، والنَّصبُ على أنَّه جوابُ الاستفهامِ بالفاء. والتَّضعيفُ والمضاعفةُ: هو الزِّيادةُ على أصلِ الشَّيءِ (٦) يصير مثلَه أو مثلَيه أو أكثر. والضِّعفُ: هو المثلُ الزَّائدُ على أصلِه، وجمعُه الأضعاف، وأضعَفَ الرَّجلُ، إذا وجد الضَّعفَ أو الأضعاف (٧)، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وقال الأزهريُّ: الضِّعفُ في كلامِ العرب: المثلُ إلى ما زاد، وليس بمقصورٍ على مثلين، بل جائزٌ في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفُه؛ أي: مثلاه وثلاثةُ أمثالِه؛ لأنَّ الضعفَ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورةٍ، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ

стр. 1402

الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧]، لم يُرِد به مِثلًا ولا مِثلين، ولكنَّه أرادَ به الأمثال، وأولى الأشياءِ به أنْ يُجعَل عشرةَ أمثالِه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأقلُّه محصورٌ بالمِثل، وأكثرُه غير محصور (١)، قال تعالى هاهنا: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢). وقوله: ﴿كَثِيرَةً﴾ هذا قطع الأوهامِ عن مبلغِ الحساب، وقد قال في هذه السورة أيضًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ورَوى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى ليضاعفُ بالحسنة ألفي ألف ضعف من الحسناتِ، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ سهَّل بهذا عليهم الإقراض، قال: واللَّهُ هو الذي يُضيِّقُ على عبادِه (٤) الرِّزقَ، وهو الذي يُوسِّع، وإذا علمَ العبدُ ذلك هانَ عليه الإعطاءُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى هو الرزَّاق، وهو الذي وسَّع عليه، فهو يسألُ منه ما هو أعطاهُ، ولأنَّه مخلِفُه (٥) عليه في الدُّنيا، ويُثيبُه عليه في العُقبى. وقيل: أي لا تخافوا الإقلالَ بالإعطاء، ولا تَظنُّوا بقاءَ السَّعةِ بالإمساك؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّقُ، لا الإمساك والبذل.

стр. 1403

وقيل: معناه أنَّ اللَّهَ تعالى هو الذي فاوتَ بين الخلقِ، فوسَّعَ على بعضٍ، وضيَّقَ على بعضٍ، فليُنفق كلُّ إنسانٍ ممَّا أعطاهُ اللَّه، قلَّ أو كثُرَ، ولا يَمتنعنَّ المقلُّ استقلالًا لما يُعطي، أو اتَّكالًا على أنَّه غيرُ (١) موسَّعٍ عليه، أو قولًا: إنَّ الموسَّعَ عليه أولى به منه، فكم من موسَّعٍ عليه يَتخلَّفُ عن المضيَّقِ عليه في الصَّدقةِ والنَّفقةِ، ولكلٍّ عندي (٢) ثوابه. وقيل: اللَّهُ يوسِّعُ على الغنيِّ، ويُضيِّقُ على الفقير؛ فلا يَنظرنَّ المعطي إلى فضلِ نفسِه بما يُعطي، ولا يَحقرنَّ الفقيرَ بما يأخذُه منه وحاجتِه إليه؛ فإنِّي أنا الموسِّعُ على الغنيِّ، والمضيِّقُ على الفقير، فليكن النَّظرُ إلى حكمي وفضلي. وقيل: واللَّهُ تعالى يبسطُ؛ أي: يُوفِّقُ له مَن يشاءُ، ويَقبضُ؛ أي: لا يُوفِّقُ من يشاء. وقيل: يقبض إذا قبضَ حتى لا طاقةَ، ويَبسُطُ إذا بسطَ حتَّى لا فاقةَ. وقال الإمام القشيري ﵀: يَقبِضُ (٣) الصَّدقةَ مِن الأغنياء قبضَ قَبولٍ، ويَبسطُ عليهم بسطَ خلف. وقيل: يَقبضُ على الفقراء؛ ليَمتحنَهُم بالصَّبر، ويَبسطُ على الأغنياء؛ ليُطالبَهم بالشُّكر. وقيل: يقبضُ تسليةً للفقراء؛ لئلَّا يَروا التَّقتيرَ مِن الأغنياء، ويَبسطُ (٤) لئلَّا يَتقلَّدوا المنَّة مِن الأغنياء.

стр. 1404

قال: والقبضُ لِما يَغلِبُ على القلوبِ مِن الخوف، والبَسطُ لِما يَغلبُ عليها مِن الرَّجاء، والقبضُ لقهرِهِ، والبَسطُ لبرِّه، والقبضُ لسِرِّه، والبَسطُ لكشفه (١)، والقبضُ للمريدين، والبَسطُ للمرادين، والقبضُ للمشتاقين (٢)، والبَسطُ للعارفين. وقيل: يقبضُك عنك، ثمَّ يبسُطُك به. وقيل: القبضُ لمن تَولَّى عن الحقِّ، والبَسطُ لمن تجلَّى له الحقُّ. وقيل: القبضُ إذا أشهدَك فعلَك، والبَسطُ إذا أشهدَك فضلَه. وقيل: القبضُ بذكر العذاب، والبَسطُ بذكرِ الإيجاب (٣). واجتمعَ جماعةٌ مِن الأغنياء والفقراء، فقال غنيٌّ: إنَّ اللَّهَ رفعَ درجَتنا حيث (٤) استقرضَ منَّا، فقال فقيرٌ: بل رفعَ درجتَنا حيث استقرضَ لنا، والواحدُ قد يَستقرضُ مِن غير الحبيب، ولكن لا يستقرض إلَّا لأجل الحبيب، قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ودِرْعُه عند يهوديٍّ بشعيرٍ أخذَهُ لقوتِ عياله (٥)، انظر ممَّن استدان ولمن استدان. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: رجوعُكم إلى جزائِه في الآخرة (٦)، فيَجزيكم على جودِكمُ الجنّةَ، وعلى بُخلِكُم النَّار، وهو وعدٌ ووعيد.

стр. 1405

وقيل: هو تنبيهٌ أنَّ الغنيَّ يُفارِقُ مالَه (١) بالموتِ، فليبادرِ الفوتَ. ولَمَّا نزلَت هذه الآيةُ قال أبو الدحداح عمرُ بن الدَّحداح الأنصاريِّ: يا رسول اللَّه، إنَّ اللَّهَ تعالى يَستقرِضُنا وهو غنيٌّ عن القرض؟ قال: "نعم، يريدُ أنْ يُدخِلَكم بذلك الجنَّة"، قال: فإنْ أقرضتُ اللَّهَ قرضًا، تضمنُ لي به الجنة؟ قال: "نعم"، قال: وزوجتي؟ قال: "نعم، وزوجتك"، قال: وصبياني؟ (٢) قال: "اللَّه واسعٌ كريمٌ، نعم يا أبا الدحداح"، قال: فإنِّي أشهِدُكَ أنِّي جعلتُ حائطَيَّ للَّه قرضًا، قال ﷺ : "إنَّا لم نسألكَ كليهِما، فاجعل أحدَهما للَّه تعالى، والآخرَ معيشةً لك ولعيالك"، قال: فإنِّي قد جعلتُ خيرَهما للَّه، قال: "إذًا يَجزيكَ اللَّهُ به الجنَّة"، فانطلقَ أبو الدَّحداحِ حتَّى أتى أمَّ الدَّحداح وهيَ مع صبيانِها في الحديقة تدورُ تحت النَّخلة، فأنشأ يقول: هداكِ ربِّي لسُبُلَ الرَّشادِ... إلى سبيلِ (٣) الخيرِ والسَّدادِ بيني مِن الحائطِ لي بالواد... فقد مضى قرضًا إلى التَّنادِ أقرضتهُ اللَّهَ على اعتمادِ... بالطَّوع لا مَنٍّ ولا ارتدادِ إلى رَجا التَّضعيفِ (٤) في الميعادِ... فارتحلي بالنَّفسِ والأولادِ والبِرُّ لا شكَّ فخيرُ زادِ... قدَّمهُ المرءُ إلى المعادِ قالت أم الدَّحداح: أمَّا إذا بعتَ مِن اللَّه ورسوله، فبَيعٌ مربحٌ لا يُقَال ولا يُستقال، وايم اللَّه لولا ذلك لم تملك إلا حصتك فأنشأ أبو الدحداح يقول:
следующие страницы →