← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الكثيرةَ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، فيه أربعُ قراءات: قرأ أبو عمرو ونافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ بالألف والرَّفع. وقرأ عاصم غير المفضل (١) بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالتشديد والرفع (٢). وقرأ ابنُ عامر بالتَّشديدِ والنَّصب (٣). فالرَّفعُ عطفٌ (٤) على قوله: ﴿يُقْرِضُ﴾، أو معناه: فهو يضاعفُه، أو فإنَّه يضاعفُه، أو سيضاعفه (٥)، والنَّصبُ على أنَّه جوابُ الاستفهامِ بالفاء. والتَّضعيفُ والمضاعفةُ: هو الزِّيادةُ على أصلِ الشَّيءِ (٦) يصير مثلَه أو مثلَيه أو أكثر. والضِّعفُ: هو المثلُ الزَّائدُ على أصلِه، وجمعُه الأضعاف، وأضعَفَ الرَّجلُ، إذا وجد الضَّعفَ أو الأضعاف (٧)، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. وقال الأزهريُّ: الضِّعفُ في كلامِ العرب: المثلُ إلى ما زاد، وليس بمقصورٍ على مثلين، بل جائزٌ في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفُه؛ أي: مثلاه وثلاثةُ أمثالِه؛ لأنَّ الضعفَ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورةٍ، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ

стр. 1402

الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: ٣٧]، لم يُرِد به مِثلًا ولا مِثلين، ولكنَّه أرادَ به الأمثال، وأولى الأشياءِ به أنْ يُجعَل عشرةَ أمثالِه؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأقلُّه محصورٌ بالمِثل، وأكثرُه غير محصور (١)، قال تعالى هاهنا: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٢). وقوله: ﴿كَثِيرَةً﴾ هذا قطع الأوهامِ عن مبلغِ الحساب، وقد قال في هذه السورة أيضًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ورَوى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى ليضاعفُ بالحسنة ألفي ألف ضعف من الحسناتِ، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ سهَّل بهذا عليهم الإقراض، قال: واللَّهُ هو الذي يُضيِّقُ على عبادِه (٤) الرِّزقَ، وهو الذي يُوسِّع، وإذا علمَ العبدُ ذلك هانَ عليه الإعطاءُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى هو الرزَّاق، وهو الذي وسَّع عليه، فهو يسألُ منه ما هو أعطاهُ، ولأنَّه مخلِفُه (٥) عليه في الدُّنيا، ويُثيبُه عليه في العُقبى. وقيل: أي لا تخافوا الإقلالَ بالإعطاء، ولا تَظنُّوا بقاءَ السَّعةِ بالإمساك؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّقُ، لا الإمساك والبذل.

стр. 1403

وقيل: معناه أنَّ اللَّهَ تعالى هو الذي فاوتَ بين الخلقِ، فوسَّعَ على بعضٍ، وضيَّقَ على بعضٍ، فليُنفق كلُّ إنسانٍ ممَّا أعطاهُ اللَّه، قلَّ أو كثُرَ، ولا يَمتنعنَّ المقلُّ استقلالًا لما يُعطي، أو اتَّكالًا على أنَّه غيرُ (١) موسَّعٍ عليه، أو قولًا: إنَّ الموسَّعَ عليه أولى به منه، فكم من موسَّعٍ عليه يَتخلَّفُ عن المضيَّقِ عليه في الصَّدقةِ والنَّفقةِ، ولكلٍّ عندي (٢) ثوابه. وقيل: اللَّهُ يوسِّعُ على الغنيِّ، ويُضيِّقُ على الفقير؛ فلا يَنظرنَّ المعطي إلى فضلِ نفسِه بما يُعطي، ولا يَحقرنَّ الفقيرَ بما يأخذُه منه وحاجتِه إليه؛ فإنِّي أنا الموسِّعُ على الغنيِّ، والمضيِّقُ على الفقير، فليكن النَّظرُ إلى حكمي وفضلي. وقيل: واللَّهُ تعالى يبسطُ؛ أي: يُوفِّقُ له مَن يشاءُ، ويَقبضُ؛ أي: لا يُوفِّقُ من يشاء. وقيل: يقبض إذا قبضَ حتى لا طاقةَ، ويَبسُطُ إذا بسطَ حتَّى لا فاقةَ. وقال الإمام القشيري ﵀: يَقبِضُ (٣) الصَّدقةَ مِن الأغنياء قبضَ قَبولٍ، ويَبسطُ عليهم بسطَ خلف. وقيل: يَقبضُ على الفقراء؛ ليَمتحنَهُم بالصَّبر، ويَبسطُ على الأغنياء؛ ليُطالبَهم بالشُّكر. وقيل: يقبضُ تسليةً للفقراء؛ لئلَّا يَروا التَّقتيرَ مِن الأغنياء، ويَبسطُ (٤) لئلَّا يَتقلَّدوا المنَّة مِن الأغنياء.

стр. 1404

قال: والقبضُ لِما يَغلِبُ على القلوبِ مِن الخوف، والبَسطُ لِما يَغلبُ عليها مِن الرَّجاء، والقبضُ لقهرِهِ، والبَسطُ لبرِّه، والقبضُ لسِرِّه، والبَسطُ لكشفه (١)، والقبضُ للمريدين، والبَسطُ للمرادين، والقبضُ للمشتاقين (٢)، والبَسطُ للعارفين. وقيل: يقبضُك عنك، ثمَّ يبسُطُك به. وقيل: القبضُ لمن تَولَّى عن الحقِّ، والبَسطُ لمن تجلَّى له الحقُّ. وقيل: القبضُ إذا أشهدَك فعلَك، والبَسطُ إذا أشهدَك فضلَه. وقيل: القبضُ بذكر العذاب، والبَسطُ بذكرِ الإيجاب (٣). واجتمعَ جماعةٌ مِن الأغنياء والفقراء، فقال غنيٌّ: إنَّ اللَّهَ رفعَ درجَتنا حيث (٤) استقرضَ منَّا، فقال فقيرٌ: بل رفعَ درجتَنا حيث استقرضَ لنا، والواحدُ قد يَستقرضُ مِن غير الحبيب، ولكن لا يستقرض إلَّا لأجل الحبيب، قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ودِرْعُه عند يهوديٍّ بشعيرٍ أخذَهُ لقوتِ عياله (٥)، انظر ممَّن استدان ولمن استدان. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: رجوعُكم إلى جزائِه في الآخرة (٦)، فيَجزيكم على جودِكمُ الجنّةَ، وعلى بُخلِكُم النَّار، وهو وعدٌ ووعيد.

стр. 1405

وقيل: هو تنبيهٌ أنَّ الغنيَّ يُفارِقُ مالَه (١) بالموتِ، فليبادرِ الفوتَ. ولَمَّا نزلَت هذه الآيةُ قال أبو الدحداح عمرُ بن الدَّحداح الأنصاريِّ: يا رسول اللَّه، إنَّ اللَّهَ تعالى يَستقرِضُنا وهو غنيٌّ عن القرض؟ قال: "نعم، يريدُ أنْ يُدخِلَكم بذلك الجنَّة"، قال: فإنْ أقرضتُ اللَّهَ قرضًا، تضمنُ لي به الجنة؟ قال: "نعم"، قال: وزوجتي؟ قال: "نعم، وزوجتك"، قال: وصبياني؟ (٢) قال: "اللَّه واسعٌ كريمٌ، نعم يا أبا الدحداح"، قال: فإنِّي أشهِدُكَ أنِّي جعلتُ حائطَيَّ للَّه قرضًا، قال ﷺ : "إنَّا لم نسألكَ كليهِما، فاجعل أحدَهما للَّه تعالى، والآخرَ معيشةً لك ولعيالك"، قال: فإنِّي قد جعلتُ خيرَهما للَّه، قال: "إذًا يَجزيكَ اللَّهُ به الجنَّة"، فانطلقَ أبو الدَّحداحِ حتَّى أتى أمَّ الدَّحداح وهيَ مع صبيانِها في الحديقة تدورُ تحت النَّخلة، فأنشأ يقول: هداكِ ربِّي لسُبُلَ الرَّشادِ... إلى سبيلِ (٣) الخيرِ والسَّدادِ بيني مِن الحائطِ لي بالواد... فقد مضى قرضًا إلى التَّنادِ أقرضتهُ اللَّهَ على اعتمادِ... بالطَّوع لا مَنٍّ ولا ارتدادِ إلى رَجا التَّضعيفِ (٤) في الميعادِ... فارتحلي بالنَّفسِ والأولادِ والبِرُّ لا شكَّ فخيرُ زادِ... قدَّمهُ المرءُ إلى المعادِ قالت أم الدَّحداح: أمَّا إذا بعتَ مِن اللَّه ورسوله، فبَيعٌ مربحٌ لا يُقَال ولا يُستقال، وايم اللَّه لولا ذلك لم تملك إلا حصتك فأنشأ أبو الدحداح يقول:

стр. 1406

مثلُك أجدى ما لديهِ ونَصَحْ... إنَّ لكِ الحظَّ إذا الحقُّ وضَحْ قد متَّعَ اللَّهُ عيالي ومَنَحْ... بالعَجوةِ السَّوداءِ والزَّهوِ البَلَحْ والعبدُ يَسعى ولَهُ ما قدْ كَدَحْ... طولَ اللَّيالي وعليهِ ما اجترحْ ثمَّ أقبلَتْ أمُّ الدَّحداحِ على صبيانِها تُخرِجُ ما في أفواهِهم، وتَنفضُ ما في أكمامِهم حتَّى أفضت إلى الحائطِ الآخر، فقال النبيُّ ﷺ : "كم مِن عِذْقٍ رَدَاح، ودارٍ فياح، في الجنَّة لأبي الدَّحداح" (١). * * * (٢٤٦) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تُخبَر خبرًا يَصيرُ (٢) لك كرؤيةِ العين في وقوعِ العلم، والملأ: الجماعةُ الأشراف، اسمُ فردٍ وُضِعَ للجماعة. قيل: هو من امتلاء الإناء، وهو الاجتماعُ فيما لا يَحتمِلُ المزيد.

стр. 1407

وقيل: هو مِن المَلاءة التي هي القُدرة، فالملأ جماعةٌ لا حاجةَ إلى الزِّيادةِ عليهم فيما اجتمعوا له، وهم قادرون على ما اجتمعوا له. وقوله: ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هم أولادُ يعقوب، وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾؛ أي: من بعدِ موت موسى. وانتظام هذه الآية بما قبلها أنَّه قال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقصَّ عليهم قصَّة بني إسرائيل في القِتال الذي سَألوهُ ثمَّ خالفوه؛ لئلَّا يفعلَ هؤلاء فِعلَهُم. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ بني إسرائيلَ مَكثوا زمانًا ليس لهم ملكٌ يُقاتِلُ في سبيل اللَّه، وكانت النبوَّةُ في سِبْطِ لاوي بن يعقوب، والملكُ في سِبْطِ يهوذا بن يعقوب، فكان يكونُ الجندُ والقتالُ في يدِ الملِك، وكان الملِكُ يَعملُ بأمرِ النبيِّ ﵇، وكان لهم تابوتٌ إذا خرجوا للقتالِ حملوهُ وقدَّموهُ، فنُصِروا به، وانهزمَ عدوُّهم. ومضى على ذلك زمانٌ وكَثُرت المعاصي في بني إسرائيل، وصارَ الملِكُ لا يُطيعُ النَّبيَّ (١)، فسلَّط اللَّه تعالى عليهم جالوتَ وقومَه، وكان يُقالُ لهم: البلشاثا، وكانوا يَسْكنون بحرَ الرُّوم بين مصر وفلسطين (٢)، وكان بنو إسرائيل لبثوا أربعين سنة بأحسن حال، وكان اللَّهُ تعالى وضعَ عنهم القتالَ، وكفاهم مؤنةَ العدوِّ، وعهد إلى الأنبياء من بني إسرائيل مِن بعد موسى ألَّا يقاتِلوا إلَّا مَن قاتلَهم (٣). وكان جالوتُ عظيمَ الجثَّة، شديدَ الشَّوكةِ، وكانت بيضةُ رأسِه ثلاثَ مئة رطلٍ مِن حديد، وكان بنفسه يساوي مئةَ ألفِ فارس، وكان جندُه ثماني مئة ألف فارسٍ

стр. 1408

مبارزٍ، فقصدَهم في ديارِهم، فقابلوه وقاتلوه، وقدَّموا التابوتَ، فلم يُنصَروا لكثرةِ معاصيهم، وقتلَ جالوتُ منهم مقتلةً عظيمةً، وسبا نساءَهم وذريَّتِهم، وأسرَ مِن أبناء ملوكهم أربعَ مئةٍ وأربعين غلامًا، وغَنِمَ أموالَهم، وحملَ تابوتَهم، وأخرجَهم مِن ديارِهم، ومضى على ذلك زمانٌ، فجاؤوا إلى نبيِّهم. وقيل: هو شمعون، وقيل: هو يوشح بن نون وقيل هو أشمويل بن هلقاثا (١) وهو الأشهرُ الأظهر، واسمُ أمِّه حنة، وهو من نسلِ هارونَ أخي موسى، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أي: أَقِمْ لنا وانصب سلطانًا. وقوله تعالى: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جزم لأنَّه جوابُ الأمرِ، وهو في الحقيقةِ جزاءُ الشَّرطِ؛ لأنَّ تقديرَهُ: إنْ يَبعث لنا مَلِكًا نقاتلْ نحن معَهُ عدوَّنا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ "عسى" كلمةُ شكٍّ، وظنٍّ، ومعناه: لعلَّكم، وتُستعمَلُ في الماضي دون المستقبل. وقرأ نافع: ﴿عسِيتم﴾ بكسر السِّين (٢). وقال أبو حاتم: لا وجهَ له في العربيَّة، وهو مردودٌ في القياس (٣). يقول: قال لهم نبيُّهم: لعلَّكم أنْ تَمتنعوا عن القتالِ إذا فُرِض عليكم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ له ثلاثةُ أوجه: أحدها أن تكون استفهامًا بمعنى الاستنكار، ومعناه: لأيِّ شيءٍ لا نقاتلُ في سبيل اللَّه، ويجوزُ في هذا حذف "أن" وإثباتُه، وقد وردَ كلُّ واحدٍ منهما في القرآن،

стр. 1409

قال تعالى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] و ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحديد: ٨]، و ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾ [يس: ٢٢]، وقال (١): ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] و ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [براهيم: ١٢]، لكن إذا حُذِفَ (٢) فمعناه: لأيِّ شيءٍ؟ وإذا أُثبتَ فمعناه: ما يمنعُني أنْ أفعلَ. والثاني: أنَّه استفهامٌ، لكن معنى قولهم: ﴿وَمَا لَنَا﴾: أيُّ نفعٍ لنا ألَّا نقاتل. والثالث: أنَّه نفيٌ معناه: ليس لنا ألَّا نقاتل. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ الواو للحال، ومعناه: كيف لا نقاتلُهم والحالُ هذا أنَّا قد أُخرِجنا من ديارِنا، وفُرِّقنا مِن أولادِنا، فالتَّفريقُ مضمَرٌ، لأنَّه لا يَليقُ عطفُه على الدِّيار في صفة الإخراج، إلَّا أنْ يُجعَلَ الإخراجُ مجازًا عن التَّفريق، فيَصيرُ صالحًا للوقوع على الدِّيارِ والأولاد؛ أي: فُرِّقنا من (٣) الدِّيار والأولاد جميعًا. قال أهلُ الحقيقة: علَّلوا القتالَ بما يَرجعُ إلى حظوظهم، فخُذِلوا، ولو قالوا: كيف لا نُقاتِل وقد عصَوا اللَّهَ، وخرَّبوا بلادَ اللَّه، وقهَروا عبادَ اللَّه، وأطْفَؤوا نورَ اللَّه؛ لنُصِروا، فلما قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللَّهَ تعالى، وسأل لهم مَلِكًا، فأجابَهُ اللَّه تعالى إلى ذلك، ونَصبَ لهم طالوتَ ملكًا، وفرضَ عليهمُ القتالَ، وكان فيهم طاغيةٌ هو الذي دعاهم إلى ذلك فبايعوه، وكانوا يرجون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللَّهُ تعالى غيرَه، نكصوا على أعقابِهم، وكرهوا القتالَ.

стр. 1410

وقوله (١) تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الثلاث مئة والثلاثة عشر الذين لم يَشربوا من النَّهر كرعًا، وخواصُّ اللَّهِ تعالى فيهم قلَّة، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وقال: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: بالذين خالفوا نبيَّهم، عليم (٢) بفعلهم، ويَقدِرُ على جزائِهم، وهو أبلغُ وعيد. * * * (٢٤٧) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ طالوت: اسمٌ أعجميٌّ لا يَنصرف، بخلاف الجاموس؛ لأنَّه وإن كان أعجميًّا، فقد صارَ اسمًا متمكِّنًا بالألف واللام الداخلتين فيه، فصار كالاسم العربيِّ. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: كيف، كما في قوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقيل: من أين، كما في قوله: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧].

стр. 1411

وقصَّتُه أنَّ اللَّه تعالى بعث عصًا إلى نبيِّهم، وقال: من كان على طولِ هذه العصا فهو ملكُهم، فجعلَ يُقدِّرُ بها النَّاس، فلا يَبلغُ أحدٌ ذلك، حتى جاء يومًا رجلٌ اسمُه طالوت، وسُمِّيَ به لطوله، وهو طالوتُ بنُ قيسِ بن ضِرارِ بنِ أنس (١) بنِ يخرف (٢) بنِ بنيامينَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيم، ولم يكن مِن سبطِ الملوك، وكان يحترفُ بحرفةٍ دنيَّة، قيل: كان سقاءً، وقيل: كان دبَّاغًا، وقيل: كان مُكاريًا. وكان (٣) أضلَّ حمارًا له، فكان يطوفُ الأمكنة يَطلبُه، فانتهى مع غلامٍ له إلى باب دارِ نبيِّهم، فقال له غلامُه: نَدخلُ على النَّبيِّ ونزورُه ونسألُه (٤) يَدعو لنا بحاجتنا، فدخَلا، فنظرَ إليه النَّبيُّ ﵇، فوقعَ في قلبِه أنَّه هو المراد، فقدَّر به العصا، فكانت على قَدرِ طولِه، وكان أطولَ أهلِ زمانِه، يعلو كلَّ طويلٍ بمنكبَيه ورأسِه، ويبلغُ أطولُ النَّاس صدرَه، فلا يجاوزه. فقال لهم: هذا ملِكُكم الذي أقامَهُ اللَّه لكم، فأطيعوهُ، وقاتِلوا عدوَّكم معه، فقالوا متعجِّبين من ذلك: كيف يكونُ له الملكُ علينا وليس (٥) من سبط الملوك. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾؛ أي: أولى بالرئاسةِ عليه منه بالرئاسةِ علينا؛ إذ نحنُ من أهل بيتِ المُلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؛ أي: لم يُعطَ ثروةً وكثرةً مِن المال، فيَشرُفَ بالمال إذا فاتَه الحسب.

стр. 1412

وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: قال لهم نبيُّهم: إنَّ اللَّهَ اختارَهُ عليكم، وأصلُ الاصطفاءِ: أخذُ صفوةِ الشَّيء، وإلغاءُ ما سواه؛ أي: إن لم يكنْ نسَبٌ ونشَب (١)، فله فضيلةٌ تَفوقُ كلَّ فضيلةٍ، وهي اختيارُ اللَّهِ تعالى إيَّاه عليكم، وله فضيلةٌ أخرى، وهي قولُه تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾؛ (٢) أي: سعةً وفضلًا في علم الحروب، وأخرى وهي قولُه تعالى: ﴿وَالْجِسْمِ﴾ وهي طولُ القامةِ، وعظمُ التَّركيبِ، وكمالُ القوَّةِ، وروعةُ المنظرِ، وجمالُ الوجهِ. وقيل: كان ذلك استجماعَ الخِصالِ المحمودة النفسانيَّة، دُونَ عِظم (٣) البِنية، أشارَ بذلك إلى أنَّ الرئاسةَ لا تُستَحقُّ (٤) بالوِراثةِ ولا بالثَّروةِ، بل بفضائلِ النَّفسِ، فإن اجتمعَ إليها النَّسبُ فهو مؤكِّدٌ لها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: المُلْكُ للَّه، فهو يَضعُه حيث يَشاء مِن غير عِلَّةٍ؛ أي: المُلكُ للَّه (٥)، وقد شاءَ وضعَهُ في طالوت، فلا اعتراضَ عليه ولا إعراضَ عنه. وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسعُ الأفضالِ، كاملُ الاقتدارِ، عالمٌ بمواضعِ الاختيار. وقيل: إنَّهم كفروا بتكذيبِهم نبيَّهم.

стр. 1413

وقيل: كانوا مؤمنين، لكن تعجَّبوا وتعرفوا وجهَ (١) الحكمةِ في تمليكِه، كما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]. * * * (٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ﴾؛ أي: علامةُ سلطَنتِه. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وكان قومُ جالوتَ أخذوا التَّابوتَ وذهبوا به، ودفنوهُ في مخرأة لهم، فابتلاهم اللَّهُ بالباسور، وفشا ذلك فيهم، فهلكَ أكثرُهم، وهلك خمسُ مدائن، فقالوا: ما ابتُلينا إلَّا بفعلِنا في التَّابوت، فاستخرَجوهُ، فوجَّهوه إلى بني إسرائيلَ على بقرةٍ. وفي روايةٍ: كانوا وضعوهُ في بِيعةٍ لهم، فكانوا إذا أصبَحوا ودخلوا بِيعتَهم، رأوا أصنامَهم منكوسةً. وقيل: وضعوهُ تحت صنمٍ لهم، فأصبحوا وهو فوق الصَّنم، فأخذوهُ وشدُّوه إلى رجلِ الصَّنمِ، فأصبحوا وقد قطعَ يدُ (٢) الصَّنم ورجلاه (٣). وكان من بات فيها ونام، أتاهُ الفأرُ وقرض بطنَه، وأكلَ أمعاءَه، فماتَ، فلما

стр. 1414

كثُر ذلك أخذوهُ، وجَعلوهُ على عَجلةٍ، ووجَّهوا الثَّورَ إلى بني إسرائيل، فبعثَ اللَّهُ تعالى ملائكةً فساقوه، فإذا التَّابوتُ بين أظهرِهم، فذلك قولهُ تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: ما تَسكنُ به قلوبُكم، ويَقوى (٢) رجاؤكم بالنُّصرةِ (٣) والغَلَبة. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: السَّكينةُ دابَّةٌ قدر الهِرَّة، لها عينان لهما شعاع، إذا نظرَت إلى شيءٍ ذُعِرَ، وكانوا إذا حضروا بها العدوَّ أطلعَت رأسَها من التَّابوت، وحركت يديها، وصاحَتْ، فيولُّون هُرَّابًا من الرُّعب (٤). وكان التابوتُ من عود اليلنجوج (٥). وقيل: من الصَّندلِ مموَّهٌ بالذَّهب. وقيل: من الشمشاد (٦) الذي يتخذ منه الأمشاط، قال اللَّه تعالى له: كن، فكان، كما قال لألواح موسى: كوني، فكانت من زُمرُّد (٧). وقدرُ التَّابوتِ ما يحمِلُهُ رجلان.

стр. 1415

وقال وهبٌ: كان التَّابوتُ نحوًا من ثلاثةِ أذرع في ذراعين (١). وقال علي ﵁: كان للسَّكينةِ وجهٌ كوجهِ الإنسان، وهي ريح هفَّافةٌ (٢). وقال مجاهدٌ: كان لها وجهٌ كوجه الهرِّ وجناحان (٣)، فكانت تهُبُّ على الأعداء فتفرِّقُهم. وقال الكلبيُّ: كانت من زَبَرجَدٍ أو يا قوت، كأنَّها رأسُ هرَّةٍ، فإذا أنَّ ذلك الرَّأس دفَّ (٤) التابوت نحو العدوِّ، فمضَوا معه، فإذا استقر ثبتوا خلفه (٥). وقال السُّدِّيُّ: السَّكِينة طَسْتٌ مِن ذهبٍ يُغسَلُ فيه قلوبُ الأنبياء (٦). وقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾؛ أي: أشياء تركَها موسى وهارون، وآلُ الإنسان: نفسُه، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٣٣]؛ أي: إبراهيم، وأضيفَ إليه كما يُضَافُ إليه نفسُه. وهذه البقيَّةُ هي عصا موسى من آسِ الجنَّة، وعمامةُ هارون، ورُضاضُ الألواح، وقَفيزٌ مِن المَنِّ في طَسْت (٧) مِن ذهبٍ، وخاتَم سليمان. وقال عطاء: هو علم التَّوراة (٨).

стр. 1416

وقوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تنقُلُه. وقيل: كان حملُهم سوقَ (١) البقرةِ. وقيل: بل حملوه في الهواء حتى وضعوه في بيت طالوت. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾؛ أي: في إتيانِ التَّابوتِ علامةٌ واضِحةٌ على صِدقِ قول نبيِّكم في أنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ طالوتَ ملكًا (٢)؛ فإنَّه أمرٌ ناقِضٌ للعادة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مُصَدِّقين باللَّه، فصَدِّقوا، فلمَّا رأَوا الآيةَ انْقَادوا لطالوت، وهيَّأ طالوتُ الأسبابَ، وعبَّأ الجيشَ، وأخذوا الأُهْبةَ، وتَهيَّؤوا للخروجِ، وأوحى اللَّهُ تعالى إلى أشمويل أن ادعُ إيشى والد داود النبيِّ ﵇، وسَلْه أن يَعرض عليك بنيهِ، فدعاه، فقال له: اعرض عليَّ بنيكَ، فدعا إيشى أكبرَ ولدِه، فلمَّا نظرَ إليه أعجبَهُ حسنُه، فنودي ليس هذا، فعرضَ عليه ستَّةً، في كلٍّ يُنادَى: ليس هذا، فقال: هل لك ولدٌ غيرُهم، فقال: نعم، بنيٌّ لي غلام؛ وهو يَرعى الأغنامَ، فقال: أرسل إليه، فلمَّا جاء داودُ، وكان يُحاذِي رأسَ كلِّ واحدٍ مِن إخوتِه بقرنٍ، فلا يَخرجُ منه شيءٌ، فحاذى (٣) رأسَ داودَ بالقَرنِ، فخرجَ من رأسهِ دُهْنٌ له رائحةٌ مثلُ (٤) المسكِ، فملأ القرنَ، فأوحى اللَّهُ تعالى إليه أنَّ هذا الذي يَقتلُ جالوت. قال كعب: فلمَّا (٥) خرجوا ومعهم داودُ ناداهُ في طريقِه حجَرٌ: احملني يا داود؛

стр. 1417

فإنَّك تُدعَى لقتال جالوت، وإنَّما تقتلُه بي، فحملَه ووضعَهُ في مِخلاتِه، ثمَّ ناداهُ حجز آخرُ فحملَهُ، ثمَّ ناداهُ ثالثٌ فحملَهُ فصِرنَ في مخلاتِه واحدًا. قال وهبٌ: قال داودُ لطالوت: أنا (١) أقتلُ جالوتَ، وأخبرَهُ بشأنِ الحجارة، قال له طالوت: وهل أحسستَ من نفسِك قوَّة؟ قال: نعم، وقعَ الذِّئبُ في أغنامي، فرضختُ رأسَه فقتلتُه، قال: وهل غيرُ ذلك؟ قال: نعم، عدى (٢) الأسدُ عليَّ، فأخذتُ لَحييهِ ففككتُهما. وقال مقاتل: قال النبيُّ ﷺ لطالوت: إنَّ اللَّهَ تعالى سيَبعثُ رجلًا مِن أصحابِكَ يقتُلُ جالوتَ وأعطى النبي لطالوتَ درعًا، فقال: من صَلَحتْ (٣) عليه هذه الدِّرع فلم تَقصُر عنه ولم تَطُل، فهو (٤) يَلي قتلَ جالوت، فاجعلْ له نصفَ ملكِك، ونصفَ مالِكَ، فبلغَ ذلك داود وهو يَرعى الغنمَ، فاستودعَ الغنمَ ربَّه، وخرجَ إليهم، فمرَّ بحجرٍ، وذكرَ (٥) قصَّةَ الأحجارِ الثَّلاثة كما مرَّ. فأتى طالوتَ وقال: أنا أقتلُ جالوتَ بإذن اللَّه، أتجعلُ لي نصفَ مُلكِكَ ونصفَ مالِك إنْ قَتلتُ جالوتَ، قال: نعم، وأزوِّجُكَ ابنتي، فالبسْ هذا الدِّرعَ، فلبسَها، فطالَت عليه، فانتفض بها، فقَلَصَ منها، فجعلَ داودُ يَدعو اللَّهَ، ثمَّ ينتفض، فيَقلُص، فلمَّا فعلَ ذلك (٦) ثلاثًا، استوَت عليه، فعلمَ طالوتُ أنَّه يَقتلُ جالوتَ (٧).

стр. 1418

قال (١) مقاتل: كان داودُ ضعيف المنظر، أعمصَ (٢) العين (٣)، قصيرَ القامةِ، ضخمَ البطن (٤). وقال عكرمةُ: لمَّا رأوا الآيةَ تَسارعَ النَّاس (٥) إلى الخروج، فقال طالوتُ: لا حاجةَ لي في كلِّ ما أرى، لايَخرجُ معي رجلٌ بَنى بناءً لم يَفرُغ منه، ولا صاحبُ تجارهٍ مشتغَلٍ بها، ولا رجلٌ عليه دينٌ، ولا رجلٌ تزوَّج بامرأة (٦) لم يبنِ بها، ولا أبْتغي إلَّا الشَّابَّ الفارغ النشيط، فاجتمعَ ثمانونَ ألفًا مِن شرطِه، وخلَّف سائر القوم (٧). فلمَّا انتهى بجنودِه إلى بطن الأردن، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾؛ أي: فارقَ البلدَ، والباءُ للتعدية، وهو كقوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]، ومصدره: الفصول. وقوله: ﴿بِالْجُنُودِ﴾ جمع جُند، وهو جمعُ الكثرةِ، والأجنادُ جمعُ القِلَّة، والجندُ: الجيشُ الأشدَّاء، مأخوذٌ مِن الجَنَد، وهي الأرضُ الغليظةُ الشَّديدة. * * *

стр. 1419

(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ أي: ممتحِنُكُم ومختبرِكُم، والنَّهَرُ بفتح الهاء وتسكينِها: مجرى الماءِ الواسع، وكلُّ ثلاثيٍّ حشوُهُ حرفُ حلقٍ (١) فتسكينُه وفتحُه لغةٌ، كالشَّعْر والشَّعَر والنَّحْرِ والنَّحَر (٢)، والدَّأْبِ والدَّأَب. وكان في جُندِ طالوتَ المخلصُ والمنافق، فميَّزَ بينهما بالماءِ، كالذَّهبِ والفضَّة فيهما الخبثُ، فيُميَّز الخالصُ مِن غيرِه بالنَّار. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي: إنَّكم ستَعطشون في المفازةِ، وتَنتهون إلى نهرِ ماءٍ، فمَن لم يَصبِر على العطشِ، ووقع فيه، فشربَ (٣) كَرْعًا للرِّيِّ، فليس على ديني، أو (٤) على مذهبي، أو ليس لي بوليٍّ، أو لا يَصحَبْني، وهو كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقول النبيِّ ﷺ : "ليس منَّا مَن لم يَرحمْ صغيرَنا، ولم (٥) يوقر كبيرنا" (٦).

стр. 1420

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: مَن لم يَشربهُ على هذا الوجهِ. والطَّعمُ: الذَّوق، ويقع على الأكل والشُّرب، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ أي: شربوا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ (١) قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وأبو عمرو بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمِّها (٢). والغرفُ: أخذُ الماءِ بآلةٍ، كالكفِّ والمغرفةِ، والغَرفةُ بالفَتح: المَرَّةُ مِن هذا الفعل، والغُرفةُ بالضَّم: قدرُ ما يُغرفُ بالكفِّ مِن الماء، وأصلُ الغَرفِ: القَطعُ، والغُرفة التي هي العُلِّيَّةُ: قطعةٌ مِن البناء. استثنى من الشُّربِ الممنوعِ هذا النَّوعَ، وهو الأخذُ بالكفِّ والتَّناولُ مِنه. وقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مرَّ بهم في مَفازَةٍ مُعطِشةٍ، فلمَّا انتهَوا إلى النَّهر، وقد غلبَ عليهم العَطَش، وقَعوا في النَّهرِ، فشربوا كَرْعًا إلَّا قليلًا منهم، وهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا، على عدد أهل بدر، فإنَّهم اغترَفوا فشَرِبوا بالأكفِّ ورَووا، والذين خالفوا ازدَادوا عطشًا. وقيل: انتفخَت بطونُهم، وماتَ منهم في ذلك سبعون ألفًا. وقيل: بقُوا جميعًا، لكن لَمَّا عرفَ طالوتُ الموافقَ مِن المخالفِ، خَلَّفَ المُخالِفين، واستتبعَ الموافقين، وقال: إذ لم يوافقوني في صفةِ شربِ الماء، فكيفَ يوافقونني في محاربةِ الأعداءِ الأشدَّاء؟ ولما رُدُّوا بالخلافِ في صفةِ شربِ ماءٍ أصلُهُ حلال، لكن على صفةٍ مخصوصةٍ،

стр. 1421

وهَلَكوا بعد الرَّدِّ، فما حالُ مَن تناولَ الحرامَ المحضَ من الطَّعام والشَّراب، كيف يُقبلُ ويَسلم؟ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: فلمَّا مَضى طالوتُ وقطعَ النَّهرَ، ومضى المؤمنونَ معه، وهاهنا مضمرٌ؛ أي: وعَلِموا بالأخبارِ المتواترة، أو بالمشاهدة (١) والملاقاة والمقاربة (٢)، كثرةَ عددِ أصحاب جالوتَ، وعِظَمَ أجسامِهم، ووفورَ عدَّتهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ جالوت سُمِّيَ به لجولانه؛ أي: قال ضعفاءُ اليقينِ: لا قوَّة لنا ولا قدرةَ على مقابلتِهم ومقاتَلتِهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾؛ أي: قال الذين يَعلمون ويَستيقنونَ أنَّهم راجعونَ إلى اللَّه في القيامة، ومَجزيُّون بأعمالِهم يومئذٍ. وقد كشفنا حقيقةَ الظَّنِّ واللقاءِ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. وقيل: هو استعارةٌ؛ أي: يَكفي الظَّنُّ في هذا للعمل، فكيف باليقين؟ وقيل: معناه: أي: يُحدِّثون أنفسَهم بلقاء اللَّه، وهو الموت. وقيل: ظنُّوا أنَّهم لا يَنجونَ مِن القتل (٣)، لكثرة عَددِهم وعُددهم. وقيل: معناه: يرجون لقاءَ اللَّه؛ أي: رؤيتَه. وقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿كَمْ﴾

стр. 1422

كلمةُ تكثيرٍ، و ﴿مِنْ﴾ كلمةُ تأكيدٍ، والفئةُ: الطَّائفة، وأصلُها من: فَأوْتُ رأسَه فأوًا؛ أي: قطعتُه، والطَّائفةُ من الناسِ قطعةٌ منهم. وقيل: هي من الفَيءِ، وهو الرُّجوعُ، وهم قومٌ يَرجعونَ إلى أمرٍ واحدٍ، ويُرجَعُ إليهم في الانتصار بهم. وعلى الأوَّل حُذِفَ المُعتَلُّ مِن آخِره، وعلى الثَّاني حُذِفَ مِن حشوِه. وقولُه تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتغليبِ اللَّه تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: بإماتةِ اللَّه. وقيل: معناه هاهنا: بنصرة اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: فاصبروا؛ فإنَّ اللَّهَ معين الصَّابرين وحافظُهم. وقال مقاتل: قالت العُصَاةُ الذين وقعوا في النهر: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، وقال أصحاب الغُرفة في الردِّ عليهم: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١). وقال مقاتلُ بنُ حيَّان: كان فَصلَ طالوتُ بالجنود، وهم سبعون ألفًا، فأطاعَهُ في النَّهرِ أربعةُ آلاف، ونافقَ ستَّةٌ وستُّون ألفًا، فلمَّا ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ نافقَ أربعة آلاف إلَّا ثلاث مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا (٢). * * *

стр. 1423

(٢٥٠) - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾؛ أي: ظهروا للقتالِ، والبَرَازُ: الأرضُ الفضاء، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي: ظاهرةً لا مُستَظلَّ فيها، وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩١]؛ أي: أظهرت. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: صُبَّ علينا، وهو استعارةٌ عن الإكمالِ والإكثار. وقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: في مواضعِ القتال، كي لا تزلَّ ولا تزول. وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أعِنَّا عليهم، وامنعْهم منَّا (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: طلبوا الصَّبرَ والثَّباتَ أوَّلًا، وهو حقُّ الحقِّ، ثمَّ النَّصرَ (٢) وهو حظُّ (٣) النَّفسِ، ثمَّ أشاروا (٤) إلى أنَّهم يَطلبون النَّصر، لا للانتقام منهم بفعلِهم بهم، بل لأنَّهم كفَّارٌ وأعداءٌ لربِّهم، فقاموا من كلِّ وجهٍ للَّه باللَّه، فلذلك نُصِروا وظَفِروا (٥). * * *

стр. 1424

(٢٥١) - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقبله مضمرٌ؛ أي: استجابَ (١) اللَّهُ تعالى هذا الدُّعاءَ ونصرَهُم. وأصلُ الهَزْمِ: الكَسرُ، وجَعْلُ بعضِ الشيء على بعض، يقال: سِقاءٌ مُتَهزِّم، إذا ثُنِيَ بعضُه على بعضٍ مع جفافٍ. وقال الأصمعيُّ: هزمة الرَّعدِ: صوتٌ فيه تَشقُّقٌ (٢). وقيل: الهزيمةُ: دفعُ الشَّيء بقوَّةٍ حتَّى تُدخِلَ بعضَه في بعضٍ، والمهزام (٣): خشبةٌ يُحرَّكُ بها الجمر، فيُدفَع بها بعضُه عن بعض. وقيل: هي التَّفريق والتَّشقيق، وقد تَهزَّم السِّقاءُ، إذا يَبِسَ فتصدَّع، واهتزامُ الشَّاة: ذبحُها. وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعونِه ومشيئتِه، وتسبيبِهِ أسبابَها، وتيسيرِه على ما أراد. وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: برزَ داودُ لجالوت، وظِلُّ جالوتَ ميلٌ، فلمَّا نظرَ إلى داود استضحكَ ازدراءً به، فأخذَ

стр. 1425

داودُ الحَجرَ، فوضعَه في مِقلاعِه، ثمَّ أرسلَهُ، فلمَّا انتهى إلى جالوت صار ثلاثةً، فضربَ جبهتَه بحَجرٍ، وفؤادَهُ بحَجرٍ، وخاصرتَهُ بحَجرٍ، فوقع قتيلًا. وقال أبو العالية: قال جالوت لداود: خرجتَ إليَّ بقُلاعةٍ (١) لتقتلَني بها كما تَقتُلُ الكلبَ، فقال داود: فهل أنت إلَّا مثلُ الكلب؟ فرماه بالأحجار الثَّلاثة، فوقَعت في صدرِه فنفذَتهُ (٢)، وقتلت بعده ناسًا كثيرًا (٣). وقال مقاتل: رَمى داودُ بالأحجارِ، وأَلقَتِ الرِّيحُ البيضةَ مِن رأسِه، فوقعَت في دماغِه، حتَّى خرجت مِن أسفله وانهزم الكفَّار (٤). وفي رواية: رمى بواحدٍ، فأصابَ بطنَ جالوت، وخرجَ مِن أسفلِه، ورَمى بالثَّاني، فقتل ثلاثين ألفًا (٥) منهم، ورمى بالثَّالث، فجعلَ يَدورُ في عسكرِه حتَّى هزمَهم. ورويَ أنَّ تلك الأرضَ كانت فيها حجارةُ (٦) المغناطيس، فجعَلت تَجْذِبُ كلَّ واحدٍ مِن عسكر جالوت كان معه قليلُ (٧) حديدٍ، فأثبتَهم حتَّى جاءَ طالوتُ وجنودُه، فأخذوهم وقتلوهم، وغَنِموا أموالَهم.

стр. 1426

وطلب داودُ من طالوتَ الوفاءَ بالشَّرط، فقال: إنَّ بناتَ الملوكِ لا بُدَّ لهنَّ مِن الصَّداق، وأنت رجلٌ شجاعٌ، فاجعل صداقَها من أعدائِنا، وكان يَرجو بذلك أنْ يُقتَل داود، فقد كان ندِمَ على ما شرط، فغزا داودُ، فأسرَ ثلاثَ مئةٍ، وجاء بهم، فلم يجدْ طالوتُ بدًّا، فزوَّجَهُ ثمَّ ندم (١)، وقصدَ قتلَهُ (٢). وقال عكرمة: لَمَّا ملكَ طالوتُ الأرضَ المقدَّسةَ جاءَ داودُ يَطلُبُ ما شَرط له، فأعطاه السَّيفَ وزوَّجهُ ابنتَهُ، ثمَّ مضى زمانٌ يَسألُهُ (٣) شطرَ الملكِ (٤)، فقالت جبابرةُ بني إسرائيلَ لطالوت: أتُقاسِمُه الملكَ، وفيه فسادُ بني إسرائيل، لم يَكن مَلِكان في قومٍ إلَّا فَسدَ أمرُهم، فوافقَ طالوتُ كلامَهم. ولمَّا رأى أَهْلُ العدلِ والوفاءِ مَنْعَ طالوت داودَ، دخلوا على داود، وخَلَوا به، فأتى طالوتَ ذو العينين، فأخبرَهُ بمَن يَدخُل على داود، فقال له أصحابُه: لا ينتهي هذا دون أن يثورَ بك، وما ينتظرُ إلَّا أنْ يجتمعَ له الذي يُريد، فاقتلِ الرَّجلَ.

стр. 1427

فجاءَ ذو العينينِ إلى بنت طالوتَ (١)، فأخبرَها أنَّ زوجَها مقتولٌ، فأتاها داودُ عند المساء، فقالت له: إنَّك مقتولٌ الليلةَ، قال: ومن يقتلني؟ قالت: أبي، قال: وهل أجرمتُ له جُرمًا، قالت: حدَّثني مَن لا يَكذِبُ، ولا عليكَ أنْ تغيبَ اللَّيلةَ حتَّى تَنظرَ مِصداقَ ذلك، فقال: لئن كان أرادَ ذلك، ما أستطيعُ خروجًا، ولكن ائتِني بزِدقٍّ مِن الشَّراب، فضعيهِ على السَّريرِ، وجَلِّليه بالثياب، وأنا أدخلُ تحتَ السَّرير، فإن كان أرادَ مِن ذلك شيئًا، فسوف تعلمينه (٢)، ففعَلت. ودخلَ أبوها العشاء، قال: أين بعلُك؟ قالت: نائمٌ على السَّرير، فضربَهُ بالسَّيف، فلمَّا وجدَ ريحَ الشَّراب، قال: يا داود، لقد طبتَ حيًّا وميتًا، وخرجَ داودُ حتى لَحِقَ مأمنَهُ (٣)، ودخلَ طالوتُ مِن الغدِ ليُجهِّزَهُ ويُخبِرَ النَّاس أنَّ داودَ اغتيل، فلمَّا رأى أنَّه لم يَصنعْ شيئًا، قال: إنَّ رجلًا طلبتُ منه ما طلبت لخليقٌ ألَّا يدعَني حتَّى يُدرِكَ منِّي ثأرَهُ، فاشتدَّ حجَّابُه وحرَّاسُه، وأغلقَ دونَه الأبوابَ. فأتاهُ داودُ ليلةً، وقد هدأتِ العيونُ، وأعمى اللَّهُ تعالى عنه الحَجَبةَ، فدخلَ عليه وهو نائمٌ على فراشِه، فوضعَ سهمًا عند رأسِه وسهمًا عند رجليهِ، فلمَّا أصبحَ استبدلَ بالحُجَّابِ والبوابين، وقال: لو أرادَ هذا أنْ يضعَ السَّهمَ في حلقي لفعل، ما أنا بالذي تَطيبُ نفسي أنْ أعطيَه الذي يسألُني، وما أنا بالذي آمنُهُ. فلمَّا كانت الليلةُ القابلةُ، دخلَ داودُ ثانيًا، وأعمى اللَّهُ تعالى عنه الحُجَّابَ،

стр. 1428

ووضع بجنبِهِ سيفًا (١) فلمَّا أصبحَ ورأى ذلكَ سَلَّطَ على داودَ العيونَ، وطلبَهُ أشدَّ الطَّلب، فأتى ذو العينين فأخبرَهُ أنَّه مع المتعبِّدينَ في جبلٍ. فانطلق طالوتُ يَطلبُهُ، وتَوارى داودُ، وقال طالوتُ للمتعبِّدين: أخرِجوا إليَّ داود، وإلَّا أهلكتكُم بالسَّيف، فقالوا: لا نَدري أين هو، فاقتلْ أو دعْ، فقتَلهُم حتَّى بقيَ شابٌّ، فلم يقتلهُ، وأَنِسَ به، واتَّخذَهُ لنفسِه، فأقبلَ حتَّى إذا كان في بعضِ اللَّيلِ قال للفتى: هل صاحَ الدِّيكُ؟ قال: وما تُريدُ مِن صياحِ الدِّيك؟ قال: أريدُ أنْ أعلمَ ما ذهبَ مِن اللَّيل، قال: وهل تركتَ ديكًا إلَّا قتلتَهُ، إنَّما كان يَعرِفُ معالمَ اللَّيلِ قومٌ قتلتَهُم (٢)، فلم يَبقَ مَنْ يَعرِفُ معالمَ اللَّيل، فبكى طالوتُ، ثمَّ قال: هل عندك لي توبةٌ؟ قال الشَّابُّ: إنْ أعطيتَني عهدًا، فعسى أنْ أُطلِعَك على مَن يدلُّكَ على ما تريد، فقال: وإنَّ لك ذلك، فانطلقَ به إلى عجوزٍ مذكورةٍ في بني إسرائيل أَنَّها (٣) تدعو بالاسم (٤) الذي يُستجاب. فطرقَها ليلًا، فقالت: من ذا؟ قال: أنا فلانٌ، قالت: كيف نجوتَ مِن طالوت، أمعَك آخرُ؟ قال: نعم، قالت: ومَن معك؟ قال: طالوت، قالت: إنَّه قتلَ أخواتي (٥) وإخواني، وجئتَ به ليَقتُلَني، إنَّا للَّه، قال: يا أمَّاه، إنَّه جاءَ ليَطلبَ التَّوبةَ والمخرجَ، قالت: ما عندي ذلك، ولكن أنظرُ إلى بعضِ مَن في القبورِ حتَّى أدعوَهُ لك.

стр. 1429

فانطلقَ إلى قبرِ أشمويل، فقال: ادعي لي صاحبَ هذا القبر، فصلَّت ودَعَت، ثمَّ نادَت: يا صاحبَ هذا القبر، فقامَ يَنفضُ رأسه مِن التُّرابَ (١)، ثمَّ قال: أنت طالوت؟ قال: نعم، قال: ما فعلتَ بعدي؟ قال: لم أدعْ مِن الشَّرِّ شيئًا، وجئتُ أطلبُ التَّوبةَ، قال: كم لك مِن الولَدِ؟ قال: عشرةُ رجالٍ، قال: أما إنَّه (٢) لا توبةَ لك إلَّا أن تُجهِّزَ بكلِّ مالِكَ في سبيلِ اللَّه، وتُقدِّم ولدَك حتَّى يُقتلوا بين يديكَ، ثمَّ تكونُ أنت آخرَهم، ثمَّ رجعَ أشمويل إلى القبر. ورجع (٣) طالوتُ إلى بنيِه، فجمعَهم وقال لهم: أرأيتُم لو رَأيتُموني أدفعُ إلى النَّار، هل كنتُم تَفدُونَني، قالوا: نعم، قال: فإنَّها النارُ إلَّا أن تفعلوا ما أقولُ لكم، قالوا: فاعرِضْ علينا، قال: إنِّي قد (٤) عَمِلتُ الذي عَمِلت، وإنِّي سألتُ التَّوبةَ مِن ذلك، فقيل لي: إنَّ توبتَكَ أن تُجهِّز بكلِّ مالِك في سبيلِ اللَّه تعالى، وتُقَدِّمَ بنيكَ حتَّى يُقتَلوا بين يديك، فتَحتَسِبَهُم، ثمَّ تكون أنت آخرَهم، قالوا: وإنَّك لمقتولٌ؟ قال: نعم، قالوا: فلا خيرَ لنا في الحياةِ بعدَك، قد طابَت أنفُسُنا بالذي سألت. فتجهَّزَ بمالِهِ وقدَّم ولدَهُ الأكابرَ رجلًا رجلًا، حتَّى قُتِلوا، ثمَّ قُتِلَ آخرُهُم، فجاءَ قاتلُه إلى داودَ ليُبشِّرَهُ، فقال: قتلتُ عدوَّكَ، فقال داود: ما أنت بالذي تَحيى بعدَهُ، فضربَ عنقَهُ (٥).

стр. 1430

ومكَّن اللَّهُ تعالى لداود في الأرضِ وأعطاهُ مملكةَ بني إسرائيل، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: الملكَ الذي كان لطالوتَ على بني إسرائيل، والحكمة: النبوَّة، وبها وَضْعُ الأمورِ مواضعَها، وآتاهُ (١) ملكَ طالوتَ، ونبوَّةَ نبيِّهم، وجُمِعَ له كلاهما، وكان قبلَهُ المُلكُ في سبطٍ، والنبوَّةُ في سِبْطٍ. وقيل: الحكمةُ: الزَّبور. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أنْ يُعَلِّمَ أنبياءَهُ، وقال الحسن: هو العلمُ في الدِّين. وقيل: هو عِلمُ صَنعةِ الدُّروع، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال القفَّال: أي: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ بالرُّسلِ عن عبادِه، وما أجرى على ألسنتِهم مِن بيان الشَّرائعِ التي بها يتكافُّون عن التظالم والتَّعادي، ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ لما يكون فيها مِن تَسافُكِ الدِّماء، وتَناهُب الأموال، وارتكابِ المحارِم، وإخافةِ السُّبل. ثمَّ مِن المعلومِ أنَّ كثيرًا مِن النَّاس قد لا يَنقادون للرُّسُل تحتَ الرئاسةِ، مع ظهور الحُجَجِ، فاحتيجَ إلى المجاهدة باللِّسانِ والسَّيف، وذلك يكونُ مِن الأنبياء ومَن يُتابِعُهم، ثمَّ لهم آجالٌ مضروبةٌ يَمضون (٢) عندها، فوجبَ أن يكونَ لهم (٣)

стр. 1431

خلفاءُ بعدَهم في كلِّ عصرٍ، في إقامةِ الدِّين والجهاد، فهذا دفعُ اللَّه الناسَ بعضَهم ببعض، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: لهلكَ مَن في الأرض. وقيل: لخرِبَت. وقيل: معناه: دفعَ اللَّهُ بثلاث مئةٍ وثلاثةَ عشرَ مِن قوم طالوت عن بني إسرائيلَ، ولولاهم (١) لهلكوا. وقال النبيُّ ﷺ : "إن اللَّهَ تعالى يَدفعُ بمَن يُصلِّي عمَّن لا يُصلِّي، ويَدفعُ بمَن يَصومُ عمَّن لا يَصوم، ولو اجتمعوا على تركِ الصَّلاةِ والصِّيام ما أنظرَهُمُ اللَّهُ طرفةَ عين، وكذا (٢) في الزَّكاةِ والحجّ والجهاد والجمعة، ثمَّ تلا هذه الآيةَ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: يتفضَّلُ عليهم بإبقائِهم وإزالة الفسادِ عنهم. * * * (٢٥٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

стр. 1432

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: في (٢) هذه القَصص التي فيها نقضُ العادات مِن الدِّلالات الواضحات. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: يقرؤها عليك جبريلُ بأمرِنا بالصِّدقِ، وهذا كما قال: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] ثم قال ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ﴾ [يونس: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ودلالةُ رسالتِك أنَّك تُخبِرهُم بهذه القَصص، ولا تُعلَم إلَّا بإعلامنا إيَّاك، فليُصَدِّقوكَ بأنَّك (٣) رسولُ اللَّه، والرَّسولُ صادقٌ. * * * (٢٥٣) - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: هؤلاء الرسلُ المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، أو الرسلُ المذكورون في هذه السورة من آدمَ إلى داود، أو الرسلُ المذكورون في جميع القرآن، سَوَّى بينهم في اسم الرسالة تم بيَّن فضلَ بعضهم على بعضٍ في معاني وراء الرسالة (٤)، وهذا كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعة بعد الإيمان. وقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: في مقاماتهم ودرجاتهم بعد الرسالة.

стр. 1433

وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: أي: من الرسلِ مَن كلَّم اللَّهُ وهو موسى ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]؛ أي: خاطبه اللَّه بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: أي: مراتبَ. ﴿بَعْضَهُمْ﴾ مفعولٌ لـ ﴿وَرَفَعَ﴾، و ﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوب على التفسير، وقيل: منصوبٌ بنزعِ (إلى)، يعني: إلى درجاتٍ، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني (١): إلى مكانٍ عليٍّ. وقيل: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعولٌ و ﴿بَعْضَهُمْ﴾ منصوبٌ بنزعِ الخافض وهو (٢) اللام؛ أي: لبعضهم درجات. وقيل: هذا موصولٌ بقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ورفعنا بعضهم درجات، وفسَّر ذلك بذكر بعضهم فقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهذا مقدَّمٌ في النَّظْم مؤخَّرٌ في المعنى. وقيل: بل كلُّ كلامٍ مقرَّرٌ (٣) في موضعه، وقوله (٤): ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ليس في أصل الرسالة، فقد قال النبيُّ ﵊: "لا تفضِّلوني على أخي يونس" (٥)، وأراد به: في مقام الرسالة، ثم قال: "أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ" (٦)

стр. 1434

بيَّن أنه أفضلُ الأنبياء كلِّهم في المقامات التي بعدَ مقام الرسالة. وقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ بدأ بموسى في تفصيل هذا التفضيل، وقولُه: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ إشارةٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فإن اللَّه تعالى رفع درجاته على درجات الأنبياء كلِّهم. وقيل: بل هو يَنتظِم بيانَ فضل جماعة منهم، فقد قال الكلبيُّ في قوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: أي: اتخذ إبراهيمَ خليلًا، وأعطى داود زبورًا، وألانَ له الحديدَ، وسخَّر له الطيرَ والجبال يسبِّحْنَ معه، وسخَّر لسليمان الريح والجنَّ والشياطين، وخصَّ كلَّ رسول بشيء، وهو أعلم بوجه (١) الحكمة، وليس علينا أن نتعرَّفه، بل للَّه الحكمُ يفعل مايشاء ويفضِّل مَن يشاء بما يشاء، لا لاستحقاقٍ من العبد بل هو فضلٌ منه، وفضل (٢) بعضَهم على بعضٍ أيضًا في قَدْر المعجزات، وذلك على حسَب ما كان يدعو حاجةُ أهل الزمان إليه. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ عطفٌ على قوله ﴿فَضَّلْنَا﴾، وقبله ﴿وَرَفَعَ﴾ على المغايَبة صرفًا إلى قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾. وبيِّنات عيسى: إحياءُ الموتى، وشفاءُ المرضى، وإبراءُ الأكمه والأبرص، وخلقُ الطير من الطين. وقيل: الإنجيل والمعجزات. وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أي: قوَّيناه بجبريل، وقيل: بالإنجيل، وقيل: باسم اللَّه تعالى الأعظم، وقيل: بروحه الطاهر. وقد شرَحْناه بأتمَّ من هذا قبلَ هذا.

стр. 1435

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: واتِّصالُ هذا بما قبله: أن الآية لتسلية النبيِّ (١) ﷺ ، يقول: أجريتُ أمور (٢) رسُلي على هذا ونصبتُ لهم المعجزات، ثم لم يجتمع لأحدٍ منهم طاعةُ جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته، بل اختلفوا عليه فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كفَر، وتنافسوا في الدنيا، وتباغوا فيها واقتتلوا (٣). وبسطُ وجوه اختلافهم في أول هذه السورة: مِن اتخاذ (٤) العجلِ، وسؤالِ رؤيةِ اللَّه تعالى جهرةً، وتبديلِ قولِ الحطَّة، وخلافِ أصحابِ السبت، وسائرِ معاملاتهم، ومخالفةِ قومِ عيسى إياه، وقصدِهم قتلَه، وسائرُ قصصِ الأنبياء (٥) على هذا، ثم هم صبروا ولم يَهِنوا فكنْ أنت كذلك. ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: بعدِ هؤلاء الأنبياء ﴿بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: المعجزاتُ الظاهرات، يقول: لو شئتُ أن لا يَقتتلوا لم يَقتتلوا؛ إذ لا يَجري في مُلكي إلا ما يوافق مشيئتي، وهذا يدمِّر على المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه لو شاء أنْ لا يقتتلوا لم يقتتلوا، وهم يقولون: شاء أن لا يقتتِلوا فاقتتَلوا. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾: أي: بمشيئتي (٦). وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾: أي: بمشيئتي. وقوله تعالى (٧): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾: التكريرُ للتقرير.

стр. 1436

وقوله تعالى (١): ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أَثبت الفعل والإرادة لنفسه فثبَت أن أفعال العباد كلَّها حَسَنَها وسيِّئَها بإرادته وإيجاده. * * * (٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: أي: في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] بعد قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذَكَر بعده قتالَ طالوتَ وجالوتَ واقتتالَ الأوَّلينَ، وحثَّ على الجهاد والنفقة فيه المؤمنين (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: أي: قبل أن يجيء يومُ القيامة فينزعَ منكم الأملاك، فلا يكون لأحدٍ مالٌ ولا تجارةٌ ولا كسبٌ لينفِقَ ذلك فيما يؤجَر عليه؛ لأنَّه يومُ جزاء لا يومُ عمل، ولا ينفع خليلٌ خليلًا يومئذ إذا كانت الخلةُ -أي: الصداقةُ (٣) - على خلافِ الحق؛ قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ولا شفاعة لكافر؛ قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٤) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] فأما المسلمون فلهم شفاعة؛ قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].

стр. 1437

وقيل: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾؛ أي: لا بيعٌ فيه ولا شراءٌ، ومعناه: لا فداءَ فيه ولا افتداءَ. وقيل: هذا يومُ الموت؛ كما قال ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]، فيكون هذا في حقِّ المؤمن والكافر، ولا يَدفع الموتَ خليلٌ ولا شفيعٌ، وعلى القول الأول يكون في حقِّ الكفار (١): أن الخليل لا يَنفع والشفيعَ لا يَشفع، والمؤمنون بخلاف ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: هم الضارُّون أنفسَهم حيث أَوردوها هذا المورد، فلا تنفعُهم خلةُ خليلٍ ولا شفاعةُ شفيعٍ. وقيل: هم الظالمون أنفسَهم بتركهم التقديمَ ليومِ حاجتهم. وقيل: هم الواضعون الأمرَ في غير موضعه، الرَّاجُون الشفاعة ممن لا يملكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهي (٢) آلهتُهم التي يعبدونها ويقولون: هؤلاء (٣) شفعاؤنا عند اللَّه. وقيل: هم الظالمون المانعون الحقَّ مَن يستحقُّه، الممتنعون عن الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى ونصرةِ دين اللَّه. وقال نفطويه (٤): هم الظالمون؛ أي: هم أظلمُ الظَّلَمة، كما يقال: الشجاع هو الذي يقاتل عن غيره؛ أي: ذلك نهايةُ الشجاعة. * * * (٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 1438

وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ انتظامُها بما قبلها: أنه قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ثم ذكر حال الكفار يومَ القيامة، ثم ذكر لأهل الإيمان أساسَ التوحيد الذي يقع به الأمنُ من ذلك الوعيد (١) فقال: ﴿اللَّهُ﴾ وهو مبتدأ، وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بكلمة ﴿هُوَ﴾ العائدةِ إليه، كقولك: زيدٌ لا مُضيفَ لنا إلا هو. وقيل: خبره ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما، وهو كلامٌ تامٌّ. ثم قوله: ﴿اللَّهُ﴾ إثباتٌ لذاته و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نفيُ الألوهيَّة عن (٢) غيره. وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: هذا إثباتُ صفات (٣) الحقِّ له، فهو الحيُّ الذي لا يموت، وله حياة أزلية (٤). و ﴿الْقَيُّومُ﴾: فيعولٌ من القيام، ومعناه: الدائم الباقي. وقيل: هو القائم بذاته لا بغيره. وقيل: هو القائم بتدبير كلِّ خلقه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقيل: هو العالم بالأمور. وقال سعيد بن جبير ﵀: هو الدائم الوجود. وقال الحسن هو القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيثُ هو عالمٌ به لا يخفى عليه منه شيء (٥).

стр. 1439

وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الأخذ: الإصابة، والسِّنَة: النُّعاس، وأصلها: وَسْنةٌ، وصرفُه: وَسِنَ يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنَة (١)، فهو وَسْنانُ ووَسِنٌ، من بابِ عَلِم، والنومُ تمامه وانتهاؤه. أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقينَ من السَّهو والغَفْلةِ والملالِ والفترة في حفظ ما هو قائمٌ بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارِضُ التعبِ المحوِجةُ إلى الاستراحة فيستريحَ بالنومِ والسِّنَة. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كلُّ مَن فيهما وما فيهما ملكُه، ليس لأحدٍ معه فيه شركة ولا لأحدٍ عليه سلطان، فليس (٢) يجوز أن يُعبد غيره كما ليس لعبدِ أحدكم أن يخدم غيرَه إلا بإذنه. وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليس لأحد أن يَشفع عنده لأحدٍ إلا بإذنه، وقد أَخبر أنه لا يأذَنُ في الشفاعة (٣) للكفار، وهو ردٌّ على المعتزلة في أنهم لا يرون الشفاعة أصلًا، واللَّه تعالى أثبتَها للبعض بقوله عز وعلا: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أي: يعلمُ اللَّه تعالى ما بين أيدي هؤلاء الذين يرجو الكفارُ شفاعتَهم يوم القيامة، وهم الملائكةُ أو غيرُهم، ويعلم ما خلْفَهم. يحتمِل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بعد انقضاء آجالهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما كان قبل

стр. 1440

أن يخلقهم، وهذا على (١) مجازِ قول القائل: شعبانُ بين أيدينا، والأيامُ بين أيدينا، إذا لم تأت بعدُ. ويحتمِل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يكون عبارةً عما لم يأتِ بعدُ، وهو الذي يسارع (٢) إليه الفهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: أي: وهؤلاء الذين يزعمون أنهم شفعاؤهم لا يعلمون شيئًا من معلوماته التي كانت قبل خلقه إياهم وبعد موتهم والتي تكون فيما (٣) بين ذلك إلا بما شاء، وهو القَدْر الذي علَّمهم منه بأنْ نصَب الدلائل عليه (٤) لهم، وخلَق لهم مواضع المعرفة فيهم (٥) من العقل والحواسِّ. وإذا (٦) كانت حالة الشفعاء هذه، وكان اللَّه تعالى هو العالمَ بأفعال الخلق لا يخفَى عليه منها شيءٌ (٧)، فهو يجزيهم بأفعالهم التي عَلِمها منهم، وهؤلاء الشفعاءُ لا يعلمون ذلك فيَعرفوا (٨) به استحقاقَهم للشفاعة، فكيف يشفعون لهم بغير إذنٍ من اللَّه لهم في الشفاعة، وقد قال اللَّه تعالى في شأن الملائكة وقولِ الكفار فيهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ
следующие страницы →