← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقوله تعالى (١): ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أَثبت الفعل والإرادة لنفسه فثبَت أن أفعال العباد كلَّها حَسَنَها وسيِّئَها بإرادته وإيجاده. * * * (٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: أي: في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] بعد قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وذَكَر بعده قتالَ طالوتَ وجالوتَ واقتتالَ الأوَّلينَ، وحثَّ على الجهاد والنفقة فيه المؤمنين (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: أي: قبل أن يجيء يومُ القيامة فينزعَ منكم الأملاك، فلا يكون لأحدٍ مالٌ ولا تجارةٌ ولا كسبٌ لينفِقَ ذلك فيما يؤجَر عليه؛ لأنَّه يومُ جزاء لا يومُ عمل، ولا ينفع خليلٌ خليلًا يومئذ إذا كانت الخلةُ -أي: الصداقةُ (٣) - على خلافِ الحق؛ قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، ولا شفاعة لكافر؛ قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٤) [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] فأما المسلمون فلهم شفاعة؛ قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].

стр. 1437

وقيل: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾؛ أي: لا بيعٌ فيه ولا شراءٌ، ومعناه: لا فداءَ فيه ولا افتداءَ. وقيل: هذا يومُ الموت؛ كما قال ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]، فيكون هذا في حقِّ المؤمن والكافر، ولا يَدفع الموتَ خليلٌ ولا شفيعٌ، وعلى القول الأول يكون في حقِّ الكفار (١): أن الخليل لا يَنفع والشفيعَ لا يَشفع، والمؤمنون بخلاف ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: أي: هم الضارُّون أنفسَهم حيث أَوردوها هذا المورد، فلا تنفعُهم خلةُ خليلٍ ولا شفاعةُ شفيعٍ. وقيل: هم الظالمون أنفسَهم بتركهم التقديمَ ليومِ حاجتهم. وقيل: هم الواضعون الأمرَ في غير موضعه، الرَّاجُون الشفاعة ممن لا يملكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهي (٢) آلهتُهم التي يعبدونها ويقولون: هؤلاء (٣) شفعاؤنا عند اللَّه. وقيل: هم الظالمون المانعون الحقَّ مَن يستحقُّه، الممتنعون عن الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى ونصرةِ دين اللَّه. وقال نفطويه (٤): هم الظالمون؛ أي: هم أظلمُ الظَّلَمة، كما يقال: الشجاع هو الذي يقاتل عن غيره؛ أي: ذلك نهايةُ الشجاعة. * * * (٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

стр. 1438

وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ انتظامُها بما قبلها: أنه قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ ثم ذكر حال الكفار يومَ القيامة، ثم ذكر لأهل الإيمان أساسَ التوحيد الذي يقع به الأمنُ من ذلك الوعيد (١) فقال: ﴿اللَّهُ﴾ وهو مبتدأ، وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بكلمة ﴿هُوَ﴾ العائدةِ إليه، كقولك: زيدٌ لا مُضيفَ لنا إلا هو. وقيل: خبره ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما، وهو كلامٌ تامٌّ. ثم قوله: ﴿اللَّهُ﴾ إثباتٌ لذاته و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نفيُ الألوهيَّة عن (٢) غيره. وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: هذا إثباتُ صفات (٣) الحقِّ له، فهو الحيُّ الذي لا يموت، وله حياة أزلية (٤). و ﴿الْقَيُّومُ﴾: فيعولٌ من القيام، ومعناه: الدائم الباقي. وقيل: هو القائم بذاته لا بغيره. وقيل: هو القائم بتدبير كلِّ خلقه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]. وقيل: هو العالم بالأمور. وقال سعيد بن جبير ﵀: هو الدائم الوجود. وقال الحسن هو القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجازيها بعملها من حيثُ هو عالمٌ به لا يخفى عليه منه شيء (٥).

стр. 1439

وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الأخذ: الإصابة، والسِّنَة: النُّعاس، وأصلها: وَسْنةٌ، وصرفُه: وَسِنَ يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنَة (١)، فهو وَسْنانُ ووَسِنٌ، من بابِ عَلِم، والنومُ تمامه وانتهاؤه. أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقينَ من السَّهو والغَفْلةِ والملالِ والفترة في حفظ ما هو قائمٌ بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارِضُ التعبِ المحوِجةُ إلى الاستراحة فيستريحَ بالنومِ والسِّنَة. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: كلُّ مَن فيهما وما فيهما ملكُه، ليس لأحدٍ معه فيه شركة ولا لأحدٍ عليه سلطان، فليس (٢) يجوز أن يُعبد غيره كما ليس لعبدِ أحدكم أن يخدم غيرَه إلا بإذنه. وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليس لأحد أن يَشفع عنده لأحدٍ إلا بإذنه، وقد أَخبر أنه لا يأذَنُ في الشفاعة (٣) للكفار، وهو ردٌّ على المعتزلة في أنهم لا يرون الشفاعة أصلًا، واللَّه تعالى أثبتَها للبعض بقوله عز وعلا: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أي: يعلمُ اللَّه تعالى ما بين أيدي هؤلاء الذين يرجو الكفارُ شفاعتَهم يوم القيامة، وهم الملائكةُ أو غيرُهم، ويعلم ما خلْفَهم. يحتمِل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بعد انقضاء آجالهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما كان قبل

стр. 1440

أن يخلقهم، وهذا على (١) مجازِ قول القائل: شعبانُ بين أيدينا، والأيامُ بين أيدينا، إذا لم تأت بعدُ. ويحتمِل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يكون عبارةً عما لم يأتِ بعدُ، وهو الذي يسارع (٢) إليه الفهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾: أي: وهؤلاء الذين يزعمون أنهم شفعاؤهم لا يعلمون شيئًا من معلوماته التي كانت قبل خلقه إياهم وبعد موتهم والتي تكون فيما (٣) بين ذلك إلا بما شاء، وهو القَدْر الذي علَّمهم منه بأنْ نصَب الدلائل عليه (٤) لهم، وخلَق لهم مواضع المعرفة فيهم (٥) من العقل والحواسِّ. وإذا (٦) كانت حالة الشفعاء هذه، وكان اللَّه تعالى هو العالمَ بأفعال الخلق لا يخفَى عليه منها شيءٌ (٧)، فهو يجزيهم بأفعالهم التي عَلِمها منهم، وهؤلاء الشفعاءُ لا يعلمون ذلك فيَعرفوا (٨) به استحقاقَهم للشفاعة، فكيف يشفعون لهم بغير إذنٍ من اللَّه لهم في الشفاعة، وقد قال اللَّه تعالى في شأن الملائكة وقولِ الكفار فيهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ

стр. 1441

بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. وقد مر تفسيرُ الإحاطة على الاستقصاء. وقال ابن كيسان: أي: لا يعلمون الغيب الذي يعلمه اللَّه تعالى إلا بقَدْر ما أَطْلعَ عليه بعضَ رسله ليكون حجةً له على أمته، فيعلمون أن علم الغيب لم يأته إلا من اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. ثم قوله: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، واسم المصدر يقع على المفعول؛ يقال في الدعاء: اللهمَّ اغفِرْ علمك فينا؛ أي: معلومَك، فأما الإحاطةُ بعلم اللَّه تعالى الذي هو صفتُه القائمةُ بذاته فغيرُ متصوَّرة، تعالى اللَّهُ تعالى عن الإحاطة والإدراك بذاته و (١) صفاته، فإن اللَّه تعالى يُعلم ولا يحاط به، ويُرى ولا يُدرك. وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قيل: العرشُ والكرسي واحد، والمفهومُ منهما: السريرُ، وأصل الكرسي في اللغة هو المتراكِبُ، وقد تكارَسَ تكارُسًا؛ أي: تراكَبَ، والكُرَّاسة (٢) سمِّيت بها لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ. قال العجَّاج: يا صاحِ هل تعرفُ رسمًا مُكْرَسًا... قال نعم أَعرفُه وأَبْلَسا (٣) أي: تكارَسَ عليه التراب؛ أي: تراكَبَ فغطَّاه، والكَرْس: البَعرُ والبولُ، إذا تلبَّدَ

стр. 1442

بعضُه على بعضٍ، والكِرْياس: كَنيفٌ يكون (١) في أعلى السطح بقناةٍ إلى الأرض لتراكُبِ بعضِ أبنيته على بعضٍ، والأَكارسُ: الجموعُ الكثيرة لا واحدَ لها سماعًا؛ لأنها لكثرتها بمنزلةِ الأشياء المتراكِبة. وقيل: العرشُ غيرُ الكرسيِّ (٢)، والكرسيُّ دونه، ووصَفَه اللَّه تعالى بأنه أوسع من السماوات والأرض، والعرشُ أعظم منه، وروى أبو ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما السماوات السبعُ في الكرسيِّ إلا كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وفضلُ العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاةِ على تلك الحلقة" (٣)، وهو بيانُ كمالِ قدرته في خلق الأشياء العظيمة من غير حاجةٍ إلى شيءٍ من ذلك (٤)، وسريرُ الخَلْق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، تعالى (٥) اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أن بيتَ الخلق للسُّكنى فيه، واللَّه تعالى جعل الكعبةَ بيته والمساجدَ بيوتَه، ويتعالى (٦) عن أن يسكنها علوًّا كبيرًا. وقيل: الكرسيُّ هاهنا هو العلم؛ أي: وسح علمُه كلَّ ما (٧) أحاطَتْ به السماوات والأرض، وهو كقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].

стр. 1443

والكُرَّاسة سمِّيت بها لتضمُّنها العلم (١)، وورد عن العرب الكرسيُّ بمعنى العالم، قال الشاعر: تَحُفُّ بهم بِيضُ الوجوهِ وعُصبةٌ... كراسيُّ بالأحداثِ حينَ تَنُوبُ (٢) أي: علماءُ بحوادث الأمور. وقيل: الكرسيُّ بمعنى المُلك هاهنا، وأصله وإن كان هو السريرَ لكنْ يعبَّر به عن المُلْك، يقال للقوم إذا زالت دولتهم: ثُلَّ (٣) عرشهم. وقيل: الكرسيُّ هو السرُّ، قال الشاعر: ما لي بأمركَ كرسيٌّ أُكاتمه... ولا بكُرْسيِّ (٤) علم اللَّه مخلوقُ (٥) فهذه وجوهٌ صحيحةٌ ذكرها علماءُ السلف، ولا وجه لصرفه إلى موضعِ جلوسٍ أو نحوه، فإن اللَّه تعالى هو الفردُ الذي لا تضمُّه بقعة، والوترُ الذي لا تَحدُّه جهة، والقديمُ الذي لا تلحقُه آفَةٌ، والعظيم الذي لا تجوز عليه مسافةٌ، جلَّ قَدْرُه عن

стр. 1444

الحاجة إلى عرش أو كرسيٍّ، وتعالى جدُّه (١) عن أن يتجمَّل (٢) بجنيٍّ أو إنسيٍّ، سبحانه هو العظيمُ شأنُه، الجليُّ برهانُه، الشاملُ سلطانُه، ولكنْ خاطَبَ الناسَ في كثيرٍ مما وَصَف به نفَسه على حسَب تفاهُمهم وتعامُلهم مع ملوكهم وعظمائهم، كما جعل الكعبة بيتًا له وأَمر الناس بتعظيمها والطَّوافِ بها كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارتها كما يزور الناس (٣) ملوكَهم، وحتى ورد أن الحجر الأسودَ يمينُ اللَّه تعالى في أرضِه (٤)؛ إذ جعلَه موضعًا للتقبيل كما تقبِّل الناسُ أيدي ملوكهم، فكذا يجوز أن يكون للَّهِ تعالى عرشٌ هو سريرٌ وكرسيٌّ هو دونه، يُحضَر ذلك يوم القيامة ويوضَع لفصل القضاء بين العباد (٥)، من غير أن يُوصف اللَّه تعالى بالتمكين أو (٦) الاستقرار عليه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: أي: لا يُثْقله حفظُهما (٧) ولا يُجهده، وقد آدَه يَؤودُه أَوْدًا، والأَوَد بفتح الواو: العَوَج، ويَعْرِض ذلك بالثِّقل (٨).

стр. 1445

وقوله: ﴿حِفْظُهُمَا﴾؛ أي: حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثُنِّي -مع أن السماواتِ جمعٌ- ردًّا إلى الجنس، وهو كقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] مع سَبْق قولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآيةَ [البقرة: ٦٢]؛ لأن الجنس اثنانِ: المؤمنون والمشركون. يقول: لا يَشُقُّ عليه حفظُ السماوات والأرض ولا يَثْقُل عليه، إذ القريبُ منها (١) والبعيدُ عنده سواءٌ، وكذلك القليلُ والكثير سواءٌ (٢)، والكبيرُ والصغيرُ سواءٌ، وكيف يتعب مَن خلَق الذرَّةَ وكلُّ الكون عنده سواءٌ، فلا مِن القليل له تَيسُّرٌ، ولا من الكثير عليه تَعسُّرٌ: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: أي: هو المتعالي عن شَبَه المخلوقين وعن افتراءِ المفترِين، والعليُّ في ملكه وسلطانه وقهره الأشياءَ وجريانِ حُكمه عليها، وهو العظيمُ في جلاله وعزِّه وعلوِّه ومجده. وقيل: الاسمان جامعان لكمالِ التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن كلِّ الصفات التي لا تَليق به، والعظيمُ هو الموصوفُ بكلِّ الصفات التي تليق به. ثم هذه الآيةُ ورد في فضلها (٣) أحاديثُ كثيرة: قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إن أعظم آيةٍ في كتاب اللَّه تعالى (٤): ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٥).

стр. 1446

وقال أبو ذر: يا رسول اللَّه! أيُّ آيةٍ في القرآن أشرفُ؟ قال: "آية الكرسي، ما السماوات والأرض مع آية الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في الأرض، ولو أن السماوات والأرضَ وما فيهن جُعلت في كفَّةِ ميزانٍ وجُعلت آيةُ الكرسي في كفةٍ لرجَحتْ بهنَّ" (١). وقال أبو هريرة ﵁: قال جبريل ﵇ لرسول اللَّه ﷺ : إن عفريتًا من الجنِّ يَكيدُك فاطْرُدْه عنك بآية الكرسيِّ (٢). وفي خبرٍ: مَن قرأ آية الكرسي عند منامه بعثَ اللَّه إليه ملَكًا (٣) يحرسُه حتى يُصبحَ (٤). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ هاتين الآيتينِ حين يُمسي حُفظ بهما حتى يُصبح، وإنْ قرأهما حين يُصبح حُفظ بهما حتى يمسي: آيةَ الكرسيِّ وأول (٥) ﴿حم﴾ المؤمن إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] (٦).

стр. 1447

وقال الحسن: قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "هل تدرون أيُّ القرآنِ أعظمُ؟ " قال: "سورة البقرة" قال: "ثم أكُلها أعظم؟ " (١) قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال: "آية الكرسي" (٢). وفي حديثِ مَعْقِلِ بنِ يسارٍ: "البقرةُ سنامُ القرآن، وذروةُ سنامه آيةُ الكرسيِّ، نزل مع كلِّ آيةٍ منها ثمانون ألفَ ملكٍ، واستُخْرِجَتْ آية الكرسيِّ من كنزٍ (٣) تحت العرش فوُصلت بسورةِ البقرة، ويس قلبُ القرآن، فمَن قرأَها يريدُ بها اللَّهَ تعالى والدارَ الآخرة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، فاقرؤُوها عند موتاكم" (٤). وفي حديثِ ابن مسعود ﵁: مَن قرأ عشرَ آيات من سورةِ البقرة: أربعًا من أوَّلها، وآيةَ الكرسيِّ، وآيتين (٥) بعدها، وثلاثَ آياتٍ من آخِرها في بيته، لم يَقْرَبْه شيطانٌ ولا شيءٌ يكرهُه في أهله وأولاده (٦)، ولا تُقرأُ على مجنونٍ إلا أَفاق من جُنونه ذلك (٧). وقال النبيُّ ﷺ : "من قرأ آية الكرسيِّ دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يكن بينَه وبينَ الجنة إلا الموت" (٨).

стр. 1448

وقال محمد بن الحنفيَّة: لمَّا نزلت آية الكرسيِّ خرَّ كلُّ صنمٍ، وخرَّ كلُّ ملَكٍ على وجهه، وحدث النيران (١)، وهربت الشياطينُ، فضُرب بعضُهم على بعضٍ، فاجتمعوا إلى إبليس فأخبروه به، فأمَرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة فوجدوا قد نزلت آيةُ الكرسي (٢). وقيل: يحتاجُ قائل: (لا إلهَ إلا اللَّهُ) إلى أربعِ خصالٍ: تصديقٌ وتعظيمٌ وحلاوةٌ وحرمةٌ، فمَن لم يكن له تصديقٌ فهو منافقٌ، ومَن لم يكن له تعظيمٌ فهو مبتدِعٌ، ومَن لم يكن له حلاوةٌ فهو مُراءٍ، ومَن لم يكن له حرمةٌ فهو فاسقٌ. وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: أي: لا إجبارَ على الدِّين الحقِّ وهو الإسلام. وقال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه وابنُ زيد ومسروقٌ وجماعةٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: كان هذا في الابتداء ثم نسخ بآية الأمر بالقتال (٣). قال السدي: نزلت في رجلٍ من الأنصار يُكنى أبا الحُصَين، كان له ابنان فقدم تجارُ الشام إلى المدينة يحملون الزيتَ، فلما أرادوا الرجوع إلى الشام (٤) أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية فتنصَّرا وخرجا إلى الشام، فأَخبر أبو الحصين رسولَ اللَّه ﷺ بذلك وقال: اطلبهما، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا

стр. 1449

إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ولم يكن أُمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، ثم نُسخ فأُمر بقتال أهلِ الكتاب (١) في سورة براءة (٢). وقال مسروقٌ: إن رجلًا من الأنصار من بني سالم بن عوف كان له ابنان، فتنصرا قبل أن يُبعث النبيُّ ﷺ ثم قَدِما المدينة في نفرٍ من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فالْتَزمهما وقال: واللَّه لا أدعُكما حتى تُسْلِما، فاسبيَا أن يُسْلما، فاختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه أيدخل بعضي النارَ وأنا أنظرُ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فخلَّى سبيلَهما (٣) وقيل: هي خاصةٌ في حقِّ أهلِ الذِّمة، إذا قبِلوا الجزيةَ لم يُكرهوا على الإسلام. قال الضحاك: العرب لم يُقبَلْ منهم إلا الإسلامُ أو السيف، فلما أسلموا نزل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا تقتلوا أحدًا على الدِّين، وأُمر أن يقاتل أهلَ الكتاب والمجوسَ والصابئين على أن يُسلموا، فإنْ أسلوا الإسلامَ فالجزيةُ، فإنْ (٤) أَقَرُّوا بالجزية خلِّي سبيلُهم، فإنْ لم يُسْلِموا ولم يُقرُّوا بالجزية قتلوا وسُبيَتْ ذرِّيَّاتهم وأُخذت أموالُهم (٥). وبه قال قتادةُ ومجاهد ومقاتل والحسن (٦). * * *

стр. 1450

(٢٥٦) - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ﴾ نفيٌ بمعنى النهي؛ أي: لا تُكرِهوا، وهو كما قلنا في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقيل: معناه: مَن دخل في الإسلام بالسيفِ فلا تقولوا: إنه مُكْرهٌ، يعني: كان في الابتداء كارهًا، وقد قَبِله (١) طائعًا بعد كراهته فلم يَبْقَ مكرَهًا. وقيل: هذا نفيٌ، ومعناه: أن الإيمان لا يكون عن الإكراه (٢)، بل الإيمانُ الحقيقيُّ هو الفعل الاختياريُّ. وقيل: معناه مع الانتظام بما قبله: أنَّ الحُجج قد ظهرت، والمعاذيرَ في الشرك باللَّه تعالى قد بَطلت، والدلائلَ أنه لا يَنفعُ المشركين يومَ القيامة خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ ولا شيءٌ قد وضَحت (٣)، فلم يبق للمقيم على كفره إلا أن يلجأ إلى الإيمان مضطرًّا إليه، و ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وهو كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]؛ أي: تَضْطَرُّهم إليه، وليس لك ذلك وأنا أقدر عليه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ طائعين أو مكرهين، لكن الإيمان الحقيقي لا يكون إلا عن اختيار. وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: أي: ظهر الهدى من الضلال. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: أي: يَجحدْه ويَتبرأْ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ

стр. 1451

يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يتبرأُ بعضُكم من بعضٍ، والكفرُ المطلقُ هو جحود الحق والتبرُّؤ منه. والطاغوت: كلُّ ما عُبد من دون اللَّه مما (١) هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى ﵇؛ لأنَّا قيَّدناه (٢) بالذَّم، وذلك لدلالة الاسم عليه فإنه من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشر. وأصله: طَوَغُوت، وذلك مقلوبُ (٣) طَغَوُوت على وزنِ فَعَلوت، كالملَكوت والجبَروت، قُلب ثم جُعلت الواوُ ألفًا لفتحةِ ما قبلَها. قال ابن عباس ﵄: الطاغوت هو الشيطانُ والكاهنُ والصنمُ، فإن كلَّ كاهنٍ معه شيطان. وقيل في قوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]: الجبتُ حييُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بن الأشرف. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ذكَرَ التبرُّؤَ (٤) عن غير اللَّه أولًا، ثم التصديقَ باللَّه تعالى (٥). وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: الاستمساك: التمسُّك، وهو الاعتصام باللَّه تعالى (٦)، والعُروة: العُلقة، والوُثقى: تأنيثُ الأَوْثَقِ، وعروةُ الدلو

стр. 1452

ونحوُها: متعلَّقُه بها، وعَرَوْتُ الرَّجلَ أَعْرُوه واعْتريْتُه أَعْتَرِيهِ: إذا أتيتَه متعلِّقًا بسببِ حرمةٍ، وعَرَتْه الحمَّى تَعْرُوه: إذا تَعلَّقتْ به، وهو استعارةٌ عن التوثُّقِ التامِّ الذي لا زلَلَ معه ولا زوالَ عنه (١). وقوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: أي: لا انقطاع لها؛ أي: للعروة، والفَصْم بالفاء: القطع بلا إبَانةٍ، والقصم بالقاف: القطع مع الإبانة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: يسمع الأقوالَ ويعلم العقائد غَيَّها ورُشْدَها، وباطلَها وحقَّها، ويجزي كلًّا على وَفق عمله وقوله وعقده، وهو أبلغ وعدٍ ووعيدٍ. والعروةُ الوُثقى نظيرُ قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهو أصل الدِّين، وعُراه: شرائعُه، و (٣) قال ﵇: "ينتقِضُ الإسلام (٤) عروةً عروةً" (٥)، وسُئل رسول اللَّه ﷺ : أيُّ عُرَى الإسلام أوثقُ؟ قال: "الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ" (٦). * * *

стр. 1453

(٢٥٧) - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: حبيبُهم، وقيل: أي: ناصرُهم، وقيل: أي: هو الذي يتولَّى أمورهم. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: أي: يَقِيهِم من الضَّلالات، ويُبقيهِم في الهدى، سمَّى الضلالة ظُلمةً لأن الظُّلمةَ لا يُبصر فيها، وكذا الضلالةُ لا يُرى فيها الرشدُ (١). و ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ ليس على محضِ الاستقبال فإنه موجودٌ لكنْ للماضي أو الحالِ الدائم، فإنْ حُمِل هذا على مَن أَسلم بعد الكفرِ فهو حقيقةُ الإخراج، وإنْ حُمل على مَن نشأ مؤمِنًا فمعناه المنعُ، وهذا متعارَفٌ فيه مَجازًا (٢)، يقال: أَخرج فلانٌ ابنَه من الميراث؛ أي: فعَل معه (٣) ما لا يَرِثُ معه، وهو منعٌ. وجُمع الظلماتُ لأن الكفرَ مِلَلٌ، ووحِّد النورُ لأن الإسلام دينٌ واحد. وقيل: معناه: يخرجهم من الجهالات إلى العلم. وقيل: من الشكوك إلى اليقين. وقيل: من التفاريق إلى الجمع.

стр. 1454

وقيل: من ظلماتِ ظنونهم أنهم (١) يَصِلون إليه بأنفسهم أو بشيء من حركاتهم وسكناتهم، إلى نورِ اليقين أنهم لا يَصِلون إليه إلا به. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ هذه كلمةٌ تُذكَّر وتؤنَّث، وتوحَّدُ وتُجمع: قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] وهذا واحدٌ مذكَّر. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] وهذه مؤنَّثةٌ واحدةٌ. وقال هاهنا: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ (٢) وفي قراءة أبي بن كعب والحسن ﵄: (والذين كفروا أولياؤهم الطواغيت) (٣). وأصلُه واحدٌ، وتأنيثه لأنَّ حقيقته فَعَلوت، وتذكيرُه لشَبهه (٤) بالفاعول، وجمعُه لأنه جنس، وهو كقول الشاعر: فقلنا أَسْلِموا إنَّا أخوكم... فقد بَرِئتْ من الإحَنِ الصُّدورُ (٥) والطاغوت هاهنا: الشياطينُ (٦) والكهنةُ وقادةُ الشرِّ، وإنْ حُمل على الأصنام

стр. 1455

التي هي جماداتٌ، فمعنى قوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ لا يكون للمُوالاة الحقيقة (١) التي هي المصادَقةُ أو تولِّي الأمر، لكن يكون على معنى أن الكفار يتولونهم، على معنى أنهم (٢) يعتقدونهم ويتوجَّهون إليهم. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ إنْ حُمل على حقيقة الإخراج فعلى الذين كفروا بعد إيمانهم، وإخراجُ الطغاة يكون بدعوتهم وحملِهم على الخروج بالأسباب، وإخراجُ الأصنام إياهم يكون بطريقِ التَّسبيبِ كما قال تعالى ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]، وإنْ حُمل على الذين نشؤوا كفارًا فإخراجُهم منعُهم، وطريقُه ما قلنا. وقيل في الفريقين جميعًا: قوله (٣): ﴿النُّورِ﴾: نورُ يوم القيامة، و ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمةُ القبر والمحشر والجحيم، ويكون ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ على الاستقبال، وفي حقِّ الطغاة والشياطين والأصنام يكون تسبيبًا، وتقديم دعوة في الدنيا. ودل (٤) قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ على أن أفعال الخلق بمشيئة اللَّه تعالى (٥) وإيجاده، وهو حجةٌ على المعتزلة، وليس لهم أن يعارضونا في المعاصي بقوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ أنه أُضيف إلى الطاغوت لا إلى اللَّه؛ لأنَّا بينَّا أنه إخبارٌ عن الدعوة والتسبيب دون الإيجاد والتحصيل.

стр. 1456

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: قد مرَّ تفسيره مراتٍ. * * * (٢٥٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: انتظامُ هذه الآيات والآياتِ التي بعدها بما قبلها: أن اللَّه تعالى قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يتولَّاهم في الدنيا بحُججه وبراهينه على أعدائهم كما فعل بإبراهيم حين حاجَّه الكافر حتى بُهت، ويتولَّاهم بالتبصير عِيانًا حتى يزيل عنهم وساوسَ الطاغوت -هو الشيطان (١) - كما فَعل بالذي مرَّ على قرية وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، وكما فعل بإبراهيم لما قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فبصَّره حتى اطمأنَّ قلبه. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي﴾؛ أي: ألمْ تَنتهِ رؤيتُك إلى الذي؛ أي: علمُك الذي يُضاهي العِيان في الإيقان، وحقيقتُه: اعْلَمْ بإخبارنا فإنه مفيدٌ لليقين (٢). وقوله ﴿حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: جادَلَ وقابَل بالحجَّة. وقوله: ﴿فِي رَبِّهِ﴾؛ أي: في معارضة (٣) ربوبيةِ ربِّه، والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ يجوز أن تَرجع إلى إبراهيم، ويجوز أن ترجع إلى الذي حاجَّ، واللَّهُ ربُّهما وربُّ الخلائق أجمعين.

стр. 1457

والذي حاجَّ: هو نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن نمرود بن كوش (١) بن سام بن نوح. وقوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: أي: لأنْ أعطاه اللَّه الملكَ، أو: بأنْ أعطاه اللَّه، والهاء ترجع إلى ﴿الَّذِي حَاجَّ﴾؛ أي: أعطاه كثرةَ المال، واتساعَ الحال، وملكَ جميع الدنيا على الكمال. قال مجاهد: لم يملك الدنيا بأسرها إلا أربعةٌ: مسلمان وكافران، فالمسلمان سليمان وذو القرنين، والكافران نمروذ وشداد بن عاد (٢). وقال حذيفةُ: الهاء ترجع إلى إبراهيم (٣)؛ لأن المُلك هو نفاذُ الأمر والنهي، وكان ذلك لإبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ومعناه على هذا: جادل نمروذُ (٤) لعنه اللَّه إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه حين دعاه إلى الانقياد للَّه والتصديقِ لرسوله، وقال: مَن ألزَمني ذلك؟ فقال إبراهيم: ربِّي الذي يُحيي ويميتُ، فهو المالكُ لك ولجميعِ خلقِه. وعلى الأول: أي: حاجَّه بأنْ آتاه اللَّه الملكَ، فطغى لذلك، وأُعجب بنفسه، وأَنِف مِن أنْ ينقادَ إلى إبراهيم، وتعدَّى إلى ذلك إلى أن ادَّعى الربوبيةَ لنفسه.

стр. 1458

وقصتُه: ما قال زيد بن أسلم: إن أول جبَّار كان (١) في الأرض كان نمروذ (٢)، وكان الناس يمتارون من عندِه الطعام، فخرج إبراهيم يمتار مع مَن يمتار، فإذا مرَّ به ناس قال: مَن ربُّكم؟ قالوا: أنت، حتى مر به إبراهيم، قال: مَن ربُّك؟ قال: الذي يُحيي ويميت (٣). فذلك قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: أي: يحيي الأموات ويميت الأحياء. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: أي: قال نمروذ لَعَائنُ اللَّه عليه: وأنا أفعل أيضًا كذلك، ودعا برجلين قد حبَسهما فقتل أحدهما وأطلق الآخر، وقال: قد أحييتُ هذا وأَمَتُّ هذا، وكان هذا تلبيسًا منه، وكان يتيسَّر على إبراهيم ﵇ أن يقول له: ليس هذا بإحياءٍ ولا إماتةٍ، لكن كان هذا بين (٤) ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم أن يفضحَه فضيحةً ظاهرةً لا تخفَى على أحد، فجاء بما لا (٥) يمكِّنُه المعارضةَ بالتلبيس. وذلك (٦) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ فانقطع حتى لا يمكِنُه أن يقول شيئًا، فذلك (٧) قوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَر﴾.

стр. 1459

يقال: بَهَته؛ أي: حيَّره، والبُهتان على إنسان: هو الكذب الذي يحيِّره؛ أي: انقطع في هذا الإلزام الظاهر. وقيل: كان انقطاعه في الإلزامَين جميعًا: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل. ثم هذا ليس بانتقالٍ (١) من حجةٍ إلى حجةٍ أخرى في المناظرة؛ لأن إبراهيم ﵇ ادَّعى انفرادَ اللَّه تعالى بالربوبية، واحتجَّ لذلك بكمالِ القدرة، ودلَّ عليه بالإحياء والإماتة، فلما أراد نمروذ التلبيس أظهر كمالَ القدرة بحديث الشمس، والدليلُ واحدٌ والصورتان مختلفتان؛ و (٢) لأن الحجة الأولى كانت تامةً (٣) فإن نمروذ لعنه اللَّه لم يعارضها بما يُوهم شبهةً ألبتة، والانتقالُ إنما يكون عند العجز عن إثبات الحجة الأولى، ولم يكن كذلك. فإن قالوا: هلَّا قال نمروذ لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب؟ قلنا: لأنه علم أنه لو سأل ذلك فَعَل اللَّه تعالى ذلك -فهو قادر عليه- وافتَضحَ نمروذ. قال الحسن: قال اللَّه تعالى: وعزَّتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقًا لقول خليلي (٤).

стр. 1460

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا يُرشد إلى الحجةِ المبطِلين في الدعاوَى. قال زيد بن أسلم: لمَّا بُهت نمروذ رَدَّ إبراهيمَ بغيرِ طعامٍ، فمر إبراهيم على كثيبٍ فملأ منه (١) الغرائر وقال: آتي به أهلي فتطيبُ أنفسهم حين أَدخل عليهم، فلمَّا أتاهم وحطَّ الأحمال ونام قامت المرأة إليها ففتحتها فإذا هي كأجودِ (٢) طعام، فصنعت منه طعامًا وقرَّبته إليه حين انتبه، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئتَ به، فعرف أن اللَّه تعالى رزَقَه فحَمِد اللَّه تعالى (٣). وقال قتادةُ: فلمَّا بُهت الذي كفَر جمعَ جموعَه، فأمر اللَّهُ تعالى ملكًا ففتح بابًا من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرةِ البعوض، فسلَّطها اللَّه تعالى عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلمْ يبق إلا العظام، ونمروذ كما هو لم يصبه شيءٌ، فبعث اللَّه تعالى بعوضةً فدخلت في منخره، فمكث أربعَ مئة سنةٍ يُضرَبُ رأسه بالمطارق، فعذَّبه اللَّه تعالى أربعَ مئة سنة كما ملك أربعَ مئة سنة، وهو الذي بنى صرحًا إلى السماء ببابل قال تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية [النحل: ٢٦] (٤).

стр. 1461

قال (١) الشيخ الإمام الزاهد نجمُ الدين قال: أخبرنا الشيخ الفقيهُ الوالدُ أبو بكرٍ محمد بن أحمدَ بنِ إسماعيل قال: حدثنا الفقيه الحافظ أبو نصرٍ أحمدُ بن جعفرٍ، قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن إسحاق التَّرِكاتيُّ (٢) البخاريُّ في شوال سنة أربعٍ وأربعِ مئة، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن هارون، قال: حدثنا أبو عبد اللَّه محمدُ بن موسى بن داود، قال: حدثنا عبدُ اللَّه بن عبد الوهاب الأحنفيُّ، قال: حدثنا عثمان بن سعيد البغداديُّ أبو عمرو، قال: حدثنا هشام بن محمد، عن أبي مخنَفٍ (٣)، عن باذان (٤) مولى أمِّ هانئ، عن أبي نصير هو (٥) دهقان القُلزم -وكان أسلم مع عمر بن الخطاب، أو على عهدِ عمرَ ﵁ قال:

стр. 1462

أعطى اللَّه ملك بابل يعني نمرود ما لم يُعْطَ أحد من الملوك، فكان فيما أعطاه اللَّه أن كان له سَبْعُ مدائن وكان له في كل مدينةٍ أعجوبة: فكان على بابِ المدينة الأولى وزَّةٌ من نحاس، فكان إذا دخل من بابِ المدينة غريبٌ صاحت تلك الوزة صيحةً سمع جميعُ مَن في المدينة، فيُعلم أنه دخل من باب المدينة غريبٌ، فيقال له: مِن أين جئتَ، وإلى أين تذهبُ؟ وكان له في المدينة الثانية طبل، فكان لا يَضلُّ لأحد ضالةٌ أو سُرق له سرقةٌ إلا جاء إلى ذلك الطبل فنقره، فيقال له من جوف الطبل: مكان سرقتِك ضالَّتِك موضعَ كذا وكذا فاذهب فخذها. وكان له في المدينة الثالثة مرآةٌ كان لا يغيب خَلْق من أهل بابل إلى شيء من البلاد فينقطعُ خبره عن أهله فيشتاقون إليه إلا جاؤوا تلك المرآةَ يومًا معلومًا من أيام السنة وأيامِ الشهر، فينظرون في تلك المرآة في ذلك اليوم فيرون غائبَهم على الحال التي هو فيها في ذلك اليوم وفي تلك البلاد. وكان له في المدينة الرابعة حوضٌ، فكان يجلس في كلِّ سنة يومًا لأهل مملكته فيهيِّئ لهم الطعام والغوالي، فيأمرهم أن يحملوا بالأشربة من منازلهم، فيُجاء بالأشربة فتُصبُّ جمعًا في ذلك الحوض، ثم يجلس الملك فيأمر بالطعام فيَطعمون، ثم يأمر بالوضوء فيوضؤون، ثم يأمر بالغوالي فيعلون، ثم يأمر السُّقاة فيغترفون في ذلك الحوض، فيَسقون كلَّ واحدٍ منهم شرابَه الذي جاء به، فمَن جاء بخمر شرب خمرًا، ومَن جاء بماء شرب ماءً، ومن جاء بحلوٍ شرب حلوًا، ومن جاء بحامضٍ شرب حامضًا، ومن جاء بغيرِ ذلك شربَ الشراب الذي جاء به. وكان له في المدينة الخامسة بحيرةٌ فيها قاضيان، فكان يجيءُ المحِقُّ والمبطِلُ

стр. 1463

الماءَ حتى يقوما بين يدي القاضي، فيومئُ أحدهما إلى المبطِل أنْ أخرج إلى صاحبك من حقِّك، ويومئُ الآخر إلى المحقِّ أن استقصرِ حكمَك، فلا يزال المبطِلُ ينغمس في الماء والمحقُّ يرتفع حتى يتساويا في الحقِّ، ويُخرج المبطِلُ إلى المحِقِّ من حقِّه، فيمشيان على الماء. وكان له في المدينة السادسة غديرٌ من ماء، وكان له صورةُ جميع البلاد التي في مملكته، فكان إذا تغيَّظ على بعضهم، أو امتَنع عليه من أهل الكورة أو البلدان التي في مملكته أحدٌ، فتح من ذلك الغدير إلى تلك الصورة فغرقت تلك البلادُ في تلك السَّنة حيث كانت. وكان في المدينة السابعة شجرةٌ تُظلُّ بساقها، وكانت على بابِ دار ملكه، فكان إن قعد تحتها فارسٌ أظلَّته، وإن كان قعد تحتها فارسٌ إلى ألفِ فارس أظلَّتهم، وإن قعد تحتها ألفُ فارسٍ وفارسٍ قعدوا كلهم في الشمس. وكان بيته الذي يجلس فيه أهلُ مملكته ثمانين ذراعًا في ثمانين ذراعًا في سُمك ثمانين ذراعًا، فكان مفروشًا بلَبِن الذهب، وكان سقفُه بالفضة، وكان له ثماني مئة قنديل، فكانت وظيفة ثماني مئة أوقيَّة من زيتون تُسرَج به تلك القناديل، فكان سريره أربعين ذراعًا في طول ثمانين ذراعًا، وكان من ذهب، وكانت قوائمه من جوهر، وكان محلًّى بالديباج والحرير، وكان له أربعون مغلاقًا، وكان لا يدخل مدينتَه التي فيها بيت الملك شيءٌ من الهوامِّ ولا البقِّ ولا ما يؤذي. فكان هذا فيما أعطاه اللَّه، فحمله الأشَرُ والبطَر إلى الكفر باللَّه، وأراد أن يَصعد إلى السماء فينظرَ إلى إلهِ إبراهيم ﵇، فأخذ النُّسور والتابوت وجلس فيه، وعلَّق اللحم على أربعِ جوانب التابوت، وأجاع النسور وشدَّ أرجلَهم بقوائم

стр. 1464

التابوت، ورام صعودًا إلى السماء، فلمَّا أن صار في الهواء ولم يَصل إلى السماء وطال عليه الأمرُ وعلم أنه لا يقدِر على ذلك رجع بالتابوت إلى الأرض. ثم دعاه كفره إلى أن قال: أذهبُ وأطلبُ إلهَ إبراهيم في البحر فإنَّ ملكه في البحر، فلما أن ركب السفينة ومَن معه وتوسَّط البحرَ، فاضطربت به الأمواج وعصفت عليه الريح، الْتَفتَ إلى أصحابه فقال: أمَا تَرَون إلى إله إبراهيم يأخُذ ما في سلطانه، ولو برز لنا في سلطاننا لعَلِم أنه لا يَنتصِف منا، قال: فركَدتِ الريح وسكَنت الأمواج وهاله ما رأى منها، فانصرف يريد مملكته، فلما جاءوا إلى الجد وقرِّبت دابته ليركبها، أرسل اللَّه بعوضًا فطنَّ (١) على أذنه فآذاه، فأجهد نفسَه بيديه وكُميه فلم يقدر على دفعه عنها، فرأى ذلك مَن كان معه، فأقبلوا بأيديهم وثيابهم لدفع ذلك البعوض عن أذنيه فلم يقدروا على ذلك من أذنيه، فأقبلت تطير وتؤذيه ويَجهدون بأنفسهم في دفعها فلا يقدرون على ذلك، حتى دخلت في أذنه واستقرت في دماغه، فلما أن صار إلى دار ملكه وسلَّطها اللَّه على دماغه، وأقبلت تأكله وتمصُّه، فكان أعظمُ أهله عليه منّةً وآثَرُه منزلةً إذا دخل عليه أخذ مِرْزبَةً فضرب بها رأسه، وكان قد أَعدَّ لذلك عدَّة مِرزبَات، فلم يَزَل كذلك حتى حان أجلُه، فدنا إلى عتبة باب بيته فلم يَزل يضربُ رأسه على العتبة حتى مات، فشُق رأسه فأُخرجت من صماخه وقد صارت كالناهض (٢)، فطارت بين أيديهم فلم يملكوا لها نقصًا. قال نجم الدين: وحدثني هذا الحديث جماعةٌ؛ منهم: الشيخُ القاضي الإمامُ أبو المظفَّر طاهرُ بن الحسين المتربفغني، والشيخ الإمام محمد بن نصر الوتار، والصالحي، والشيخ الإمام أبو الفريع مسعود بن محمد المكفولي، والدِّهقان العالم

стр. 1465

عمر بن محمد التناوري، والشيخ الحَجَاج الحسين بن عطاء الفامي، قالوا: حدثنا الشيخ الحافظ أبو نصر أحمد بن جعفر. . إلى آخره (١). * * * (٢٥٩) - ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قد بينَّا عند قوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ إلى أن قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ عطف عليه وإنْ بَعُدَ؛ لأن القرآن كلَّه كتابٌ واحد متصلٌ (٢) بعضُه ببعضٍ معنًى (٣). وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هذا عطف على الذي قبله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ من حيث المعنى، وتقديره: أرأيت كالذي حاج إبر اهيم أو كالذي مر على قرية، فإنَّ قولك: ألم تر إلى فلان وصنيعِه، و: هل رأيت كفُلانٍ وصنيعِه، سواءٌ (٤). واتصالُ هذه القصة بما قبلها لِمَا قلنا (٥).

стр. 1466

وقوله: ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ اختلفتِ الرواياتُ في هذا (١) المارِّ وهذه القرية: قال مجاهدٌ: هو رجلٌ من بني إسرائيل (٢). وقال وهبٌ: هو إرْمِيَاءُ بن حَلقيا النبيُّ ﵇ (٣). وقيل: هو الخضرُ ﵇ (٤). وأكثرُهم على أن المارَّ عُزيرُ (٥) بن شَرْخِيا، والقريةَ (٦) إيلياءُ التي فيها بيتُ المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خربها، وقتل أكثر أهلها، وسبَى بقيَّتهم، وجاء بهم إلى بابل وفيهم عزيرٌ ﵇. وابن عباس ومقاتل يقولان: كان عزيرٌ من علماء بني إسرائيل (٧). وقال الأكثر: كان نبيًّا، وإنَّ عزيرًا ارتحل يومًا من قريةٍ تدعى سابراباذ (٨)

стр. 1467

على حمارٍ فنزل ديرَ هِرقلَ على شاطئ (١) دجلة، وذلك بعد عيسى ابنِ مريم ﵇، هذا قول مقاتل (٢)، وقال ابنُ عباس وجماعةٌ رضي اللَّه تعالى عنهم: هي بيتُ المقدس (٣)، فربط حماره في ظلِّ شجرةٍ ثم طاف في القرية فلم يَرَ فيها ساكنًا، وعامةُ شجرها حاملٌ، فأصاب من الفاكهة والتينِ والعنب ثم رجع إلى حماره فجلس وأكل من الفاكهة والتين والعنب، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلةٍ وفضلَ العصير في زقٍّ، فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهو قوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: لم يشكَّ في البعث ولكنه أحبَّ أن يَرى كيف يحيي اللَّه الموتى (٤) ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ وأمات حماره ضحًى والفاكهةُ والعصيرُ عنده ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ اللَّه آخِرَ (٥) النهار بعد مئة عام، فسمع الصوت من السماء:

стр. 1468

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: فوجد التين والعنب والعصير كهيئتها لم تتغيَّر، ونظر إلى الحمار فإذا هو عظام بالية، بيضٌ بادية، هذا قولُ ابن عباس ومقاتل (١)، فسمع صوتًا من السماء: أيَّتُها العظام البالية، إن اللَّه تعالى ألقى عليكِ روحًا فتَحْيَينَ بإذن اللَّه، فرأى العظامَ تحرَّكت ومشى بعضها إلى بعضٍ، الوركان إلى مكانهما، والساقان إلى مكانهما، وكذلك سائرُ الأعضاء، ثم جاء الرأس فلزم مكانه من العُنق، ثم رأى العصب والعروقَ أُلقيت عليه (٢)، ثم وُضع عليه اللحم، ثم بُسط عليه الجلد، ثم نبت عليه الشعرُ، ثم نُفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزيرٌ ساجدًا وقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال الحسن: أراه ذلك في عظامِ نَفْسه، أول ما خلَق منه العينين، ثم رأى انضمامَ عظام نفسه. . (٣) إلى آخر ما قلنا، وكان حمارُه على حاله صافيًا مئة عام (٤) لم يَعتلِف ولم يشرب ولم يتغير كطعامه وشرابه (٥). وقوله: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعته، وكانت القريةُ إيلياءَ بلدةَ بيتِ المقدس على ما قلنا، أو ديرَ هِرَقلَ.

стр. 1469

وقوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: ساقطةٌ على سقوفها، خوَى؛ أي: سقط، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ والعَرْش: السَّقف، من قولك: عَرَشه؛ أي: رفَعه، يَعرُشه ويَعرِشه بالضم والكسر في المستقبل، ومعنى سقوطِها على سقوفها: أن السقف وقع أولًا ثم انهدمت الحيطان (١) عليه. وقيل: ﴿خَاوِيَةٌ﴾؛ أي: خاليةٌ، قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] وخواءُ البطن: خلاؤه عن الطعام، ثم قولُه: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ليس بتمامٍ لقوله: ﴿خَاوِيَةٌ﴾، بل هي صفةٌ أخرى، والأول تامٌّ بنفسه (٢)، ومعنى الخاوية: الخالية عن الأهل، ومعنى قوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: على أبنيتها، والعَرش: البناء، والعروش: الأبنية، وقد عَرَش يَعرُش؛ أي: بنى؛ أي (٣): حالَ قيامِ أبنيتها، يعني: كانت محكمةَ البنيان لم تسقط بعد هلاك السكان ومرورِ الزمان. وقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؛ أي: كيف يُحيي (٤)؟ وقوله: ﴿هَذِهِ﴾ إن كانت إشارةً إلى القرية فالمراد أهلها، وإن كان نظرًا (٥) إلى العظام فالإشارةُ إليها، وقد بينَّا أنه لم يكن شكًّا بل كان طلبًا للعِيان لتقويةِ الإيقان.

стр. 1470

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾؛ أي: توفَّاه وأبقاه كذلك مئة سنة ثم أحياه، وبعضهم حملَه على الإنامة ثم الإيقاظِ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] تحرُّزًا عن القول بالزيادة على حياتين وموتين، لكن الظاهر هو الأول، فكان هذا إماتةَ (١) عبرةٍ لا انقضاءَ مدةٍ، كإماتة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ونحوِ ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ قيل: قال ذلك نبيٌّ كان حينئذ، وقيل: كان ملك (٢)، وقد روِّينا أنه ناداه مناد من السماء. وقيل: حدَّثته نفسُه بذلك، وأجاب بخاطره في نفسه (٣): كم لبثتَ؛ أي (٤): كم مكثت هاهنا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾؛ لأنه نام (٥) ضحًى وأُحْيِيَ وقد أمسى، ثم تفكَّر أنه لم يُتمَّ (٦) النهار فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، ودلَّ ذلك على أن القول بغلبةِ الظنِّ عند فَوْتِ اليقين جائزٌ، وكذا قال أصحاب الكهف: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وقال إخوة يوسف: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لِمَا قبله، وهو قوله تعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ﴾ وإثباتٌ لِمَا بعده وهو ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾.

стр. 1471

وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ الطعامُ هو التين، وقيل: التين والعنب، وقيل: الفاكهةُ التي حملها أيَّ شيءٍ كان. والشرابُ هو العصير. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ أهل المدينة وعاصمٌ وابن كثير بإثبات الهاء في الوصل والقطع، وقرأ أبو عمرو: ﴿لم يَتَسنَّ﴾ بغير هاء، والكسائيُّ يحذفها في الوصل ويُثبتها في الوقف (١). ولإثبات الهاء وجهان: أحدهما: أنها أصلية (٢)، ومعناه: لم يتغير، من قولك: تَسَنَّهَ يَتسَنَّهُ تَسَنُّهًا؛ أي: تغيَّر بمرِّ السنين، وأصلُ السَّنةِ: سَنهة، ولذلك يقالط في التصغير: سُنَيهة. والثاني: أن أصله: لم يَتَسنَّ، والهاء للاستراحة كما في قوله: ﴿اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] و ﴿مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، وأما الحذف فلهذا، ثم قولُه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يفسَّر على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى: لم يتغيَّر بمضيِّ السنين، والسَّنةُ لا هاء فيها، وأصلها: سَنوةٌ، وكذا الهاء في الجمع، فيقال: سِنونَ، في الرفع، و: سِنينَ، في النصب والخفض، وأصله: لم يَتَسَنَّى (٣)، وصَرْفُه: تَسَنَّى يَتسنَّى، وسقطت الياء للجزم بـ (لم). والثاني: أن قولهم: تَسنَّى يَتَسنَّى أصله: تَسنَّنَ يَتَسنَّنُ، قُلبت إحدى النونات

стр. 1472

الثلاثِ ياءً للتخفيف، كما في قولهم: تَظَنَّى، وأصله: تَظَنَّنَ، وتَمَطَّى وأصله: تمطَّطَ، ومعناه: تغيَّر، أيضًا، وقد سَنَّنه؛ أي: غيَّره، فتَسنَّنَ؛ أي: تغيَّر، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]؛ أي: متغيِّر (١). ثم ذكر الطعامَ والشراب وهما اثنان، وقال: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وهو (٢) فعلُ الواحد؛ لأنَّه صرَفه إلى ما يليه، وإذا ثبتتِ الأعجوبة فيه، ثبتَتْ في الأول الذي هو ثانيه؛ لأنَّه أيضًا (٣) يُضاهيه. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ أي: ميتًا، وذلك في روايةِ ابن عباس ﵄، فإنَّا نُحْييه لترى كيف نُحيي الموتى، وقد روِّينا عن الحسن أنه قال: كان قائمًا على حاله (٤)، وذاك عجيبٌ (٥) أيضًا ناقض للعادة، وهو بقاؤه مئةَ سنة من غيرِ عَلَفٍ وماءٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ الواو للعطف، فيجوز أن يكون معطوفًا على فعلٍ آخرَ مضمَرٍ، وهو ما قلنا: لترى كيف نحيي الموتى ولنجعلك (٦) علامةً للناس، وذلك ما تبيَّن بعد تمام الآية من تمام القصة، وهو شبابُه وشَيبُ أولاده في حياته، وقراءةُ التوراة ونشرُها فيهم بعد خفائها وذهابِ أهلها. وقيل: الإضمارُ بعده، وتقديره: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك.

стр. 1473

وقيل: الواو زائدة. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ وهي عظامُ نفسِه، أو عظام حماره، على حسَب ما اختُلف فيه. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ ننشرها﴾ (١) قرأ الحسن بفتح النون وضمِّ الشين وبالراء من النَّشْر بعد الطَّيِّ (٢)، وهو بمعنى الإحياء أيضًا، يقال: نَشَر اللَّهُ الميتَ وأنشره. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو (٣) بضم النون وكسر الشين من الإنشار وهو الإحياء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقرأ الباقون: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي من الإنشاز (٤)، وله معنيان: أحدهما: نرفعُها، ونشوزُ المرأة: الترفُّع، والنَّشْزُ (٥): المكان المرتفع، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] قيل فيه: ارتفِعوا. والثاني: نحرِّكها، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قيل: تحركوا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: أي: نُلبِس العظامَ لحمًا، وهو مجاز عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام؛ لأن العظام متفرِّقةٌ متعدِّدةٌ صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحد مشاهدةً (٦).

стр. 1474

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: أي: فلما ظهر له إحياء الميت عيانًا ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿اعْلَمُ﴾ على الأمر؛ أي: قيل له: اعلَمْ، وقرأ الباقون: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الإخبار (١)؛ أي: قال هو: أعلمُ أن اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ من إحياء الموتى وغيرِه. وفي القصة تنبيهٌ على أن الداعي إذا راعَى آداب الدعاء أُجيب سريعًا من غير مشقَّةٍ تَلْحَقُه، وإذا تَرك الأدب لحقَتْه المشقَّةُ وأبطأتِ الإجابةُ، فإن إبراهيم ﵇ لمَّا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وبدأ (٢) بالثناء ثم سأَل إحياء الموتى، أَراه اللَّه ذلك في غيره، فإنه أَراه في طيره، وعجَّل له ذلك على فَوْره، وعُزيرٌ قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأُري ذلك في نفسه بعد مئة عام مضت على موته (٣).

стр. 1475

وقال الضحَّاك: وعاد عزير إلى قريته شابًّا وإذا أولادُ أولادِه شيوخ وعجائز، فقال: أنا عزيرٌ، فلم يصدِّقوه، فقال: هاتوا التوراة، فلم يجدوها في القرية لأن بُختنصَّر أحرقها، فقال عزيرٌ: إن جدي وضعَ التوراة في جبِّ وخبَّاه في كرمٍ تحت جدارٍ (١)، فأخرَجوها منه وجعلوا ينظرون فيها وهو يقرؤها ظاهرًا (٢) لا يُسقط حرفًا، فمِن ثَمَّ (٣) قالوا: عزيرٌ ابن اللَّه، ولم يقرأ التوراةَ أحدٌ منذ أُنزلت إلى هذا الوقت عن ظهر قلبه إلا عُزير. وفي رواية الكلبي: أنه لمَّا أتاهم طلبوا منه أن يُمليَ عليهم التوراة، فتلاها (٤) عليهم، ثم ذكر رجلٌ آخرُ أن جدَّه خبَّأ التوراة في كَرْمه، فطلبَها واستخرجها (٥)، فعارضوها بما أَمْلى فما اختلفا (٦) في حرف (٧). وقال وهبٌ: إن اللَّه تعالى قيَّضَ مَلِكًا من الملوك في تلك المئةِ سنةٍ حتى عمَّر تلك القريةَ الخربة وهي بيتُ المقدس، فبُعِث عزير من نومه (٨) وهي عامرة. * * *
следующие страницы →