← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ الطعامُ هو التين، وقيل: التين والعنب، وقيل: الفاكهةُ التي حملها أيَّ شيءٍ كان. والشرابُ هو العصير. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قرأ أهل المدينة وعاصمٌ وابن كثير بإثبات الهاء في الوصل والقطع، وقرأ أبو عمرو: ﴿لم يَتَسنَّ﴾ بغير هاء، والكسائيُّ يحذفها في الوصل ويُثبتها في الوقف (١). ولإثبات الهاء وجهان: أحدهما: أنها أصلية (٢)، ومعناه: لم يتغير، من قولك: تَسَنَّهَ يَتسَنَّهُ تَسَنُّهًا؛ أي: تغيَّر بمرِّ السنين، وأصلُ السَّنةِ: سَنهة، ولذلك يقالط في التصغير: سُنَيهة. والثاني: أن أصله: لم يَتَسنَّ، والهاء للاستراحة كما في قوله: ﴿اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] و ﴿مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، وأما الحذف فلهذا، ثم قولُه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يفسَّر على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى: لم يتغيَّر بمضيِّ السنين، والسَّنةُ لا هاء فيها، وأصلها: سَنوةٌ، وكذا الهاء في الجمع، فيقال: سِنونَ، في الرفع، و: سِنينَ، في النصب والخفض، وأصله: لم يَتَسَنَّى (٣)، وصَرْفُه: تَسَنَّى يَتسنَّى، وسقطت الياء للجزم بـ (لم). والثاني: أن قولهم: تَسنَّى يَتَسنَّى أصله: تَسنَّنَ يَتَسنَّنُ، قُلبت إحدى النونات

стр. 1472

الثلاثِ ياءً للتخفيف، كما في قولهم: تَظَنَّى، وأصله: تَظَنَّنَ، وتَمَطَّى وأصله: تمطَّطَ، ومعناه: تغيَّر، أيضًا، وقد سَنَّنه؛ أي: غيَّره، فتَسنَّنَ؛ أي: تغيَّر، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]؛ أي: متغيِّر (١). ثم ذكر الطعامَ والشراب وهما اثنان، وقال: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وهو (٢) فعلُ الواحد؛ لأنَّه صرَفه إلى ما يليه، وإذا ثبتتِ الأعجوبة فيه، ثبتَتْ في الأول الذي هو ثانيه؛ لأنَّه أيضًا (٣) يُضاهيه. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ أي: ميتًا، وذلك في روايةِ ابن عباس ﵄، فإنَّا نُحْييه لترى كيف نُحيي الموتى، وقد روِّينا عن الحسن أنه قال: كان قائمًا على حاله (٤)، وذاك عجيبٌ (٥) أيضًا ناقض للعادة، وهو بقاؤه مئةَ سنة من غيرِ عَلَفٍ وماءٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ الواو للعطف، فيجوز أن يكون معطوفًا على فعلٍ آخرَ مضمَرٍ، وهو ما قلنا: لترى كيف نحيي الموتى ولنجعلك (٦) علامةً للناس، وذلك ما تبيَّن بعد تمام الآية من تمام القصة، وهو شبابُه وشَيبُ أولاده في حياته، وقراءةُ التوراة ونشرُها فيهم بعد خفائها وذهابِ أهلها. وقيل: الإضمارُ بعده، وتقديره: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك.

стр. 1473

وقيل: الواو زائدة. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ وهي عظامُ نفسِه، أو عظام حماره، على حسَب ما اختُلف فيه. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ ننشرها﴾ (١) قرأ الحسن بفتح النون وضمِّ الشين وبالراء من النَّشْر بعد الطَّيِّ (٢)، وهو بمعنى الإحياء أيضًا، يقال: نَشَر اللَّهُ الميتَ وأنشره. وقراءة ابن كثير وأبي عمرو (٣) بضم النون وكسر الشين من الإنشار وهو الإحياء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقرأ الباقون: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي من الإنشاز (٤)، وله معنيان: أحدهما: نرفعُها، ونشوزُ المرأة: الترفُّع، والنَّشْزُ (٥): المكان المرتفع، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] قيل فيه: ارتفِعوا. والثاني: نحرِّكها، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ قيل: تحركوا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾: أي: نُلبِس العظامَ لحمًا، وهو مجاز عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام؛ لأن العظام متفرِّقةٌ متعدِّدةٌ صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحد مشاهدةً (٦).

стр. 1474

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: أي: فلما ظهر له إحياء الميت عيانًا ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿اعْلَمُ﴾ على الأمر؛ أي: قيل له: اعلَمْ، وقرأ الباقون: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الإخبار (١)؛ أي: قال هو: أعلمُ أن اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ من إحياء الموتى وغيرِه. وفي القصة تنبيهٌ على أن الداعي إذا راعَى آداب الدعاء أُجيب سريعًا من غير مشقَّةٍ تَلْحَقُه، وإذا تَرك الأدب لحقَتْه المشقَّةُ وأبطأتِ الإجابةُ، فإن إبراهيم ﵇ لمَّا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وبدأ (٢) بالثناء ثم سأَل إحياء الموتى، أَراه اللَّه ذلك في غيره، فإنه أَراه في طيره، وعجَّل له ذلك على فَوْره، وعُزيرٌ قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فأُري ذلك في نفسه بعد مئة عام مضت على موته (٣).

стр. 1475

وقال الضحَّاك: وعاد عزير إلى قريته شابًّا وإذا أولادُ أولادِه شيوخ وعجائز، فقال: أنا عزيرٌ، فلم يصدِّقوه، فقال: هاتوا التوراة، فلم يجدوها في القرية لأن بُختنصَّر أحرقها، فقال عزيرٌ: إن جدي وضعَ التوراة في جبِّ وخبَّاه في كرمٍ تحت جدارٍ (١)، فأخرَجوها منه وجعلوا ينظرون فيها وهو يقرؤها ظاهرًا (٢) لا يُسقط حرفًا، فمِن ثَمَّ (٣) قالوا: عزيرٌ ابن اللَّه، ولم يقرأ التوراةَ أحدٌ منذ أُنزلت إلى هذا الوقت عن ظهر قلبه إلا عُزير. وفي رواية الكلبي: أنه لمَّا أتاهم طلبوا منه أن يُمليَ عليهم التوراة، فتلاها (٤) عليهم، ثم ذكر رجلٌ آخرُ أن جدَّه خبَّأ التوراة في كَرْمه، فطلبَها واستخرجها (٥)، فعارضوها بما أَمْلى فما اختلفا (٦) في حرف (٧). وقال وهبٌ: إن اللَّه تعالى قيَّضَ مَلِكًا من الملوك في تلك المئةِ سنةٍ حتى عمَّر تلك القريةَ الخربة وهي بيتُ المقدس، فبُعِث عزير من نومه (٨) وهي عامرة. * * *

стр. 1476

(٢٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ذكرْنا انتظامَها بما قَبْلَها، و (إذ) ظرفٌ، ومعناه: واذكُرْ يا محمدُ حين قال إبراهيم الخليل: ربِّ؛ أي: ياربِّ، وقد يُحذف حرفُ النداء كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، وتُحذف ياءُ الإضافة في النداء أيضًا تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلى هذا قولهم: يا نَفْسِ، يا قومِ. وقولُه تعالى: ﴿أَرِنِي﴾ سؤالٌ على صيغة الأمر من الإراءة وهي التبصُّر، وسببُ سؤاله ذلك فيه أقاويل: قال محمد بن إسحاق: السبب الداعي إلى ذلك أنَّه لمَّا جرى بينه وبين نمروذ (١) من المناظرة وقال نمروذ: أنا أُحيي الموتَى وأُميتُ، سأل ربَّه أن يُرِيَه ذلك ليَعلم نمروذ أن إحياء الموتى من اللَّه هو ردُّ الأرواح إلى الأجساد لا إطلاقُ المحبوس (٢). وقال السدِّيُّ ﵀: لمَّا جاءته البشرى (٣) بالخُلَّةِ سأل ربَّه جلَّ وعلا دليلًا يستيقن به أنه اتَّخذه خليلًا (٤). ورُوي أن جبريل ﵊ قال لإبراهيم صلوات اللَّه عليه: إن اللَّه

стр. 1477

تعالى يتخذك خليلًا، قال: وما أمَارةُ ذلك؟ قال: أن يُحييَ الموتى بدعائك، فقال عند ذلك (١): ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ على الخلة. وقال ابن عباس ﵄: مرَّ إبراهيم ﵇ على دابةٍ ميتةٍ قد بَلِيَتْ واقتسَمها (٢) السباعُ والرياح (٣). وفي حديث عطاءٍ الخُراسانيِّ: مرَّ ببحيرةِ طَبَرِيَّةَ وعلى شاطئها دابَّةٌ من دوابِّ البحر يأكلن من ناحيتها فيَثلطنَ في البحر (٤) فيصير ماءً، وسباعُ البر يأكلنها فيَثلطن في البر فيصير ترابًا، وطير الهواء يأكلنها فيثلطن في الهواء فيقطعه الريح (٥). وفي حديث الحسن: مرَّ على جيفةٍ بساحل البحر، فإذا مَدَّ البحرُ جاءت الحيتانُ فملأت بطونها منها، وإذا (٦) جزر البحرُ جاءت السباع فأكلت فملأت بطونها منها، فإذا ذهبت جاءت الطير فملأت حواصلَها (٧)، فوقف متعجِّبًا. قال ابن عباس ﵄: فسبَّح اللَّه وتفكَّر وقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وهو مؤمنٌ بقدرةِ اللَّه تعالى، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ -وهو

стр. 1478

اسمُ جنسٍ (١) - فشقِّقْهنَّ بريشهنَّ ولحومِهن ومزِّقهنّ تمزيقًا ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾: بدِّدْهنَّ على كلِّ جبلٍ وخالِفْ بين قوائمِهنَّ وأرجلهنَّ (٢) وأجنحتهنَّ ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قُل: تعالَيْنَ بإذنِ اللَّه تعالى ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٣). وقال قتادةُ: أُمر أن يَخلط بين دمائهنَّ ولحومهنَّ وريشهنَّ، ويجزِّئَهنَّ على أربعةِ أَجْبُلٍ، ففعَل ذلك وأمسكَ رؤوسهنَّ بيده، فجعل العَظْمُ يذهب إلى العظم واللَّحمُ إلى اللَّحمِ والرِّيشُ إلى الرِّيش بعين إبراهيم، ثم دعاهنَّ فأتَيْنه سعيًا على أرجلهنَّ، فتلقَّى كلُّ طائرٍ رأسَه (٤). وقال السدِّيُّ: نُودي من السماء: أيَّتها العظامُ المتفرِّقة يَردُّ اللَّه تعالى فيكِ روحَك، فجرى الدَّمُ إلى الدَّمِ، وطار (٥) الريشُ إلى الريشِ، وذهب العظمُ إلى العظم، وعلَّق عليها رؤوسَها، وأدخل فيها أرواحها (٦). وفي حديث الحسن ﵀: نُودي: أيتها العظامُ المتفرِّقة، واللحوم المتمزِّقة، والعروق المتقطِّعة، اجتمِعْنَ يردُّ اللَّه تعالى فيك أرواحَك (٧)، فوثب العظمُ إلى العظم، وطار الريشُ إلى الريش، وجرى الدمُ إلى الدمِ، ثم أوحى اللَّه تعالى إليه: إنكَ سألْتَني كيف أُحيي (٨) الموتى، وإني خلقتُ الأرض وجعلتُ فيها

стр. 1479

أربعةَ أرياح: الشَّمالَ والصَّبا والجَنوب والدَّبور، حتى إذا كان يومُ القيامة نُفخ في الصُّور فيجتمعُ مَن في الأرض من القتلى والهَلْكى والموتَى كما اجتمعت هذه الأربعةُ الأطيارُ من أربعة أجبال، ثم قرأ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. وقال القشيريُّ ﵀: ولما (١) قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال اللَّه تعالى له: وأرني كيف تذبحُ الحيَّ، يعني: الولدَ، مطالبةٌ بمطالبةٍ، فلمَّا وفَى بما طُولِبَ وفَى اللَّه له بما طَلب (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؛ أي: قال اللَّه له (٣): أوَلمْ تصدِّقْ بإحياءِ (٤) الموتى، ﴿قَالَ بَلَى﴾؛ أي (٥): صدقت به ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: ليَسكُن، والطُّمأنينةُ: السُّكون، والمطمئِنُّ من الأرض: ما انْخَفَض، وكان موقِنًا به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أنْ يوقِنَ به إيقانَ عيانٍ. وقيل: كان أُعطي آياتٍ عقليةً، فأحبَّ أن يعطَى (٦) آيةً حسِّيَّةً. وحكمةُ خطاب اللَّه تعالى إياه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وجوابِه: ﴿بَلَى﴾ قطعُ أوهام الجهَّال لئلا (٧) يظنُّوا بإبراهيم شكًا فيه.

стр. 1480

وقال القُشيري: استَجلَب خطابَ اللَّه تعالى بهذه المقالة (١) حتى قال له الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ كنتُ أؤمن، ولكنِ اشتقتُ إلى قولك: أولم تؤمن، وبقولك: أولم تؤمن، يطمئنُّ قلبي، والمحبُّ أبدًا يجتهد في وجودِ خطاب حبيبه على أيِّ وجهٍ أَمْكنه (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ الطير: اسمُ جنسٍ يجوز أن يكون اسمًا للواحد والجمع، وواحده: طائر؛ كالراكب والرَّكْب. واختُلف في أجناسها: فقال محمد بن إسحاق: إن أهل الكتاب الأول يقولون: أخذ طاووسًا وديكًا وغرابًا وحمامًا، وهو قول مجاهدٍ والحسن (٣). وقال ابن عباس ﵄: أخذ طاووسًا ونسرًا وغرابًا وديكًا (٤). وقال أبو صالح: أخذ حمَامًا وديكًا وغرابًا وبطة. وقال عطاءٌ (٥): أخذ حمَامًا وطاووسًا وديكًا وغرنوقًا وهو طير الماء.

стр. 1481

وقال عطاء الخراساني (١): أخذ وزة خضراء، وغرابًا أسودَ، وحمامةً بيضاء، وديكًا أحمر (٢). وقال أبو القاسم بنُ حبيبٍ ﵀: إنما خصَّ الطيرَ من بين سائرِ الحيوانات لأن للطائر (٣) ما لسائر الحيوانات، وله زيادةُ الطيران، ولأن الطير هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في إحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وخصَّ الخفَّاش (٤) لاختصاصه بالسن (٥) دون سائر الطيور. وقوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأ حمزة بكسر الصاد والباقون بضمها (٦)، قال الأزهري من قرأ بالضم أراد: أَمِلْهنَّ واجمَعْهنَّ إليك، ومَن قرأ بالكسر ففيه قولان (٧): أحدهما: بمعنى صُرهنَّ، يقال: صارَه يَصُورُه ويَصِيرُه: إذا أمالَهُ.

стр. 1482

والثاني: قطِّعهن، والأصل فيه: صَرَيْتُ أَصْري؛ أي: قطَعت، فقُلب وقيل: صِرْتُ أَصيرُ، كما يقال: عَثَيْتُ أَعْثي، وعِثْتُ أَعِيثُ (١). وقال القُشيري ﵀: طلبَ إبراهيم ﵇ بهذا حياة قلبه فأُشير إليه بذبح الطيور، وفي الطيور الأربعة أربعةُ معانٍ هي في النفس: في الطاووس زينةٌ، وفي الغراب أملٌ، وفي الديك شهوةٌ، وفي البطِّ حرصٌ (٢)، فأشار إلى أنه ما (٣) لم يَذبح نفسَه بالمجاهدة لم يَحْيَ قلبُه بالمشاهَدة. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾: أي: بعضًا، بالهمزِ والتليين. قيل: هذا عمومٌ أُريد به الخصوصُ؛ أي: على بعضِ الجبال كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. وقيل: معناه: على كلِّ جبلٍ قدرْتَ عليه، أو (٤): على كل جبل بقُربك. وقيل: جعلهنَّ على سبعة أجبُلٍ. وقيل: على أربعة، وهو الأصحُّ، ففي رواية الحسن ذلك مع زيادةِ ذكرٍ يدل عليه، من تقسيم الرياحِ الأربع والآفاقِ الأربعة للدنيا (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾: أي: قل: تعالين، أو قل (٦): يا طاووس ويا كذا ويا كذا.

стр. 1483

وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: أي: يَجِئْنَكَ عَدْوًا على أرجلهنَّ، والنونُ لجمع الإناث، ويرجع إلى الطيور الأربعة، والسعي: العَدْو، وقد سعَى سَعْيًا، وإنما سعَيْن ولم يَطِرْنَ لأنهنَّ لو طِرْنَ لالْتَبسَ الأمرُ: هل عدنَ إلى ما كان أصلُهن عليه، فخَصَّ السعيَ ليتقرَّر عنده وعندهم الحال. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: عزيز: لا يمتنِع عليه شيء، حكيمٌ: مُصيب فيما يفعل. وقال القشيري ﵀: قال له: قطِّعْ بيدك هذه الطيورَ وفرِّقْ أجزاءها ثم ادعُهنَّ يأتينكَ سعيًا، فما كان مذبوحًا مقطَّعًا مفرَّقًا بيدِ صاحب الخُلَّةِ فإذا ناداه استجاب له كلُّ جزءٍ مفرَّقٍ، فكذلك الذي فرَّقه الحقُّ وشتَّتهُ إذا ناداه لبَّاه، قال القائل: وَلَو أنَّ فَوْقي تربةً ودَعَوْتَني... لأجبتُ صوتكَ والعظامُ رُفاتُ (١) * * * (٢٦١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر سبحانه الإقراض في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٢) -وهو الإنفاق- بعد ذكر القتال في سبيل اللَّه، وذكر هنا (٣) الإنفاق في سبيل اللَّه، وذَكر المضاعفةَ في تلك الآية وفسَّرها

стр. 1484

هنا (١) في هذه الآية، وتخلَّل بينهما بيانُ ما وعَد اللَّه من النصر لمن يقاتلُ في سبيل اللَّه، وهو (٢) في قصةِ طالوت ونصرته -مع قلَّة عدد جنده- على جالوت، وقصةِ إبراهيم ونصرتهِ على نمروذ (٣) في المحاجَّة، وأوضحَ حُجَّته وكذا أوضحَ حُججَ دِينه في قصة عزيرٍ وقصةِ إبراهيم في إحياء الطيور، فكأنه قال: فثقوا بنصرة اللَّه (٤)، وقاتلوا في سبيل اللَّه، وأنفقوا في رضا اللَّه. وقوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾؛ أي: مَثَلُ نَفَقةِ الذين، وهذا مضمَرٌ فيه، أو تقديره: مَثَلُ الذين ينفقون أموالَهم في سبيلِ اللَّه كمَثَلِ زارعِ حبةٍ، فلا بد من إضمارٍ في أحدِ الموضعين ليكون تمثيلُ (٥) المنفِق بالزارع، أو تمثيل النفقة بالزراعة، كما فعلنا في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]، وقد ذكرنا هناك معنى الحذفِ والاختصار. وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: معناه: في طريق رضا اللَّه تعالى، ويقع على الجهاد وغيره، وهذا قول الحسن. وقيل: هو في الجهاد خاصةً، ثم في هذا الإنفاق كلامٌ؛ قيل: هو في إعدادِ أمور الغزاة، وقيل: هو على نفسه. وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: أي: يتضاعَفُ

стр. 1485

ثوابُ الإنفاق في سبيلِ اللَّه كمَثَلِ حبَّةٍ (١) تُبذَرُ في الأرضِ، فتُنْبِتُ تلك الحبَّةُ الواحدةُ من السَّنابل سبعًا. والسنابل: جمع سُنبلةٍ وسُنبُلٍ، وهي على ميزانِ فُنْعُلة (٢)، والنونُ مَزيدةٌ فيه، وهي من الإسبالِ، وهو إرسال الستر، سُميت بها لأنها تَسترسِلُ استرسالَ الستر، و (٣) لأنها تستر الحب. ثم تخرجُ السنبلة مئة حبة، ثم (٤) وإن لم يكن كلُّ زرع على هذا التقدير غالبًا، فهو مما يكونُ، فيصحُّ التشبيه به؛ لأن شرط صحة التمثيل والتشبيه الكونُ لا مشاهدةُ الجميع (٥)، قال اللَّه تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وقال امرؤ القيس: ومَسنونةٌ زرقٌ كأنيابِ أغوالِ (٦) على أنَّ سنابل الدُّخْن تبلغ هذا وتزيدُ عليه. وقيل: معناه: الحبةُ تخرج سبعَ سنابل، وكلُّ سنبلةٍ إذا بُذرت حباتُها أَخرجت مئة حبة، وقد تزيد على هذا. وقيل: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ورأوا أن

стр. 1486

الصدقات (١) تتلَفُ وتتلاشى في أيدي الفقراء، قالوا: كيف تربو وتنمو وقد تلِفت وتلاشت؟! فضرب اللَّه تعالى مَثَلها بالحبةِ التي تُلقى (٢) في الأرض، ثم نمت حتى صارت سبعَ مئةِ حبةٍ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يزيد على سبعِ مئةٍ لمن يشاء. قيل: أصل الإنفاق المذكور في أول هذه الآية في سبيل اللَّه، ويضاعف أيضًا لمن يشاء الإنفاق (٣) في غير الجهاد إلى هذا المقدار. وقيل: يضاعف (٤) على سبع مئةٍ إلى سبعة آلافٍ وأكثرَ لمن يشاء، وهو الذي يضم إلى الإنفاق في الجهاد معنًى آخر؛ من حُسن (٥) النيةِ و (٦) اختيارِ المصرِف، أو أصله لمن أنفق على نفسه في الجهاد، والزيادةُ على ذلك لمن أنفق على غيره من فقراء الغزاة. وقيل: هذه الزيادة في حقِّ مَن هاجر مع رسول اللَّه ﷺ ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "لو أن أحدهم"؛ أي: الذين يأتون بعد الصحابة "أنفَقَ مثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدِهم ولا نَصيفه" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: غني واسع الفضل والجود، عليمٌ بنيَّات المنفِقين.

стр. 1487

والآيةُ نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ حين أراد رسول اللَّه ﷺ غزوةَ تبوك، وهي غزوةُ جيش العسرة، ولم يكن للصحابة ﵃ سلاح ولا كُراعٌ، فقال عثمان ﵁: عليَّ جهازُ مَن لا جهازَ له، فجهَّز لهم بألفِ دابة وتصدَّق ببئر رُومةَ على المسلمين، وجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: كان عندي ثمانيةُ آلاف، فأمسكتُ لنفسي وعيالي أربعةَ آلافِ درهم وأَقرضتُ أربعةَ آلافٍ (١) للَّه تعالى، فقال النبي ﷺ له: "باركَ اللَّه لك فيما أمسكتَ وفيما أعطيتَ" (٢). * * * (٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ قيل: الأولى في إنفاق المجاهد على نفسه، وهذه في إنفاقه على غيره. وقيل: هما جميعًا فيهما. وفي هذه الآية بيانُ ما يجب أن يُتحرَّز عنه (٣) في

стр. 1488

الإنفاق، وهو المنُّ والأذى؛ أي: لا يَمنُّ على أصحابه بحضوره بنفسه بعُدَّته، ولا يؤذيهم بذكرِ حاله فيقولَ: لولا حضوري لكان كذا وكذا، ولا يَمنُّ أيضًا على مَن يُنفِقُ عليه ولا يؤذيهِ. وقيل (١): المنُّ تعدادُ النعم على المنعَم عليه، فيقول: ألمْ أُعْطِكَ؟ ألمْ أُعِنْكَ؟ ألمْ أنعِشْكَ؟ وأصل المن: القطعُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مقطوعٍ، سمي الامتنانُ (٢) بالنعمةِ مَنًّا لأنه يقطعُ لذةَ النعمة. والأذى: هو استسخارُ المتصدَّقِ عليه؛ أي: استعمالُه في أعماله. وقيل: هو أن يواجِهه بما يَسوؤه فيقولَ: أنت امرؤ فقير لا تأتيني إلا لحاجةٍ، وقد ابتلاني اللَّه بك (٣)، وأراحني اللَّه منك. وقيل: أي: لا يُتْبعون ما أَنفقوا منًّا على اللَّه ولا أذًى للفقير. وقال القشيري ﵀: أي: لا يمنُّون بفعلهم، بل يَشهدون المنة للَّه تعالى بتوفيق ذلك عليهم (٤). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ثوابُ إنفاقهم إلى سبعِ مئةٍ وأكثر، ومَن أيقَن أنه إذا بذَر حبةً أخرجت له سبع مئةٍ لم يُقصِّر، فكذا ينبغي لمن يطلب الأجر في الآخرة عند اللَّه تعالى.

стр. 1489

قوله (١) تعالى: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: من نقصانه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: من فَوته. وقيل: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوتِ الثواب (٢). * * * (٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: أي: كلامٌ جميلٌ لمَن التمسَ منك صدقةً فردَدْتَه بالجميل، أو وعدته، أو دعوتَ له، فقلتَ: يَسَّر (٣) اللَّهُ تعالى، أو: أغنانا اللَّهُ وإيَّاك، أو: يفتحُ اللَّه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: أي: تجاوَز عنه إذا أساءَ السؤالَ، أو: سَتَر عليه حالَه؛ فلا يُعيِّره بفقره، ولا يَهتك سترَه عند الناس (٥)، ولا يَعيبه. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾: أي: هذا خيرٌ لك مِن أنْ تتصدَّق عليه ثم تَمُنَّ عليه (٦) أو تُؤذيه. فإنْ قالوا: أيُّ خيرٍ في الصدقة فيها أذًى حتى يقال: هذا خيرٌ؟

стр. 1490

قلنا: يعني: عندكم كذلك، وهو (١) كقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ [الجمعة: ١١]؛ أي: عندكم ذاك خيرٌ، لكن اعلموا أنَّ هذا خيرٌ لكم في الدنيا والآخرة ممَّا تَعدُّونه أنتم خيرًا. وقيل: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾ لا يرجعان إلى ما هو معاملةُ الفقير، بل يقول: إنْ لم يَتيسَّر (٢) عليكم الإنفاق على الفقير فاعملوا عملًا آخَرَ هو أخفُّ عليكم، وهو ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: كلامٌ جميلٌ مع الناس، وأمرٌ بمعروفٍ؛ أي: صدقةٍ (٣) ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: عفوٌ عن الجانينَ عليكم. وقيل: سؤالُ مغفرةِ العصاة (٤) بالاستغفارِ لهم (٥) مِن اللَّه تعالى، ذاك خيرٌ مِن التصدُّق الذي بعده الأذى. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: إقرارٌ منك مع اللَّه بعجزك وجُرمك، وغفرانُ اللَّه تعالى لك على ذلك، خيرٌ لك مِن صدقةٍ بالمَنِّ مشوبةٍ، وبالأذى مصحوبةٍ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾: أي: مستغنٍ عن صدقاتِكم؛ ما أَمَركم بها لحاجته بل لمنافعكم، حليم لم يُعاجِلكم بالعقوبة على التصدُّق ثم الإتباعِ بالمنِّ والأذى.

стр. 1491

(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ تعلَّقت المعتزلةُ بظاهر هذه الآية في أنَّ الكبيرةَ تُحبِط الطاعات، وتُخلِّد صاحبَها في النار، وهي حجَّةٌ عليهم لا لهم، فإنَّ اللَّهَ تعالى خاطَبَهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فبقيَ اسمُ الإيمان لهم (١)، وأخبر أنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئات، فأمَّا في هذه الآية فهي بيانُ أنَّ الصدقةَ إذا كان معها مَنّ أو أذًى لم تكن صدقةً حقيقةً وإنْ تراءت صدقةً، فإنَّ الصدقةَ ما يُبتغَى بها وجهُ اللَّه تعالى، وهذا كقول النبيِّ ﷺ : "لا يَقبلُ اللَّهُ صلاةً بغير طُهورٍ، ولا صدقةً مِن غُلولٍ" (٢) ليس أنَّها بغير طُهورٍ صلاةٌ، ومِن الغلولِ صدقةٌ، ثم لا تُقبل، بل ذاك ليس بصلاةٍ ولا صدقةٍ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّما تُحمل (٣) المنَّة مِن الحقِّ سبحانه، فأمَّا مِن الخلق فليس لأحدٍ على غيره منَّةٌ، وإنَّ تحمُّل المننِ مِن المخلوقين أعظمُ محنة، وشهودَ المنَّة مِن اللَّه تعالى أعظمُ نعمةً، قال قائلهم: ليس إجلالك الكبارَ بِذُلٍّ... إنَّما الذُّلُّ أنْ تُجِلَّ الصِّغارا (٤) وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: بيَّن أنَّ مَن

стр. 1492

تصدَّق ثم مَنَّ أو آذى، فهو في عدم الانتفاع بذلك كالذي هو كافرٌ لا يُؤمن باللَّه ولا يُصدِّق بالبعث والجزاء، وإنَّما يتصدَّق مراءاةً للناس، فلا نفعَ له بذلك. وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: هو الحجرُ الصافي الأملسُ، وكذلك الصَّفا. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾: أي: مَثَلُ نفقةِ الكافر المرائي كمَثَل حجرٍ أملسَ جُعل عليه ترابٌ. وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: أي: مطرٌ شديدُ الوقعِ كثيرُ القَطْر، وكذلك الوَبْل، وقد وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: هو: الحجرُ الأملسُ الصلبُ، والصَّلدُ أيضًا: أرضٌ لا تُنبتُ شيئًا، والصَّلدُ: البخيل أيضًا، يُشبَّه بالحجر الذي لا يَخرج منه شيءٌ، وصَلُدَت الزَّنْدُ صُلُودًا: إذا لم تُورِ نارًا، وفرسٌ صَلودٌ: يُبطئ عَرَقُه. يقول: كما (١) أنَّ الحجرَ لا ينبت (٢) بذرًا، والترابَ في موضعِ ما (٣) لا يُصلح بذرًا، والوابلُ إذا أصاب لم يَترك على الحجر شيئًا، فالزرعُ مأيوسٌ عنه بهذا الطريق، فكذا (٤) الكافرُ بهذا الإنفاق لا يَستفيد شيئًا، وكذا المؤمنُ المتصدِّق المنَّان والمؤذي (٥) لا ينال به ثوابًا. وقوله تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: أي: لا يجدون ثوابَ

стр. 1493

شيءٍ ممَّا أنفقوا، يقال: فلان لا يَقدر على درهم؛ أي: لا يجدُه ولا يملكه. وجُمع قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ وقد وحِّد في قوله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾؛ لأنَّه بمنزلة الجنس ويَصلح للجمع معنًى. ثم قوله: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ هذا وصفٌ كافٍ لحرمان الثواب، وقولُه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كذلك، قال في حقِّ المنافق: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]، وقال في حقِّ الكافر: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فإذا اجتمع الوصفان كان أَولى بالحرمان. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: لا يُوفِّقهم ولا يُرشدهم إلى الصدقة المَرْضيَّة في الدنيا، ولا يَهديهم إلى الجنَّة في العُقبى، قال تعالى في حقِّ المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]؛ أي: إلى الجنَّة ومنازلِهم فيها. وقال الزجَّاج؛ أي: لا يَجعلهم بكفرهم مُهتدين (١). قالوا (٢): الصَّفوانُ مَثَلُ الكافر، والترابُ مَثَلُ عمله، والوابلُ مَثَلُ كفره (٣)، فما يتراءى عليه مِن عمله يتلاشى بسبب كفره. وقيل: تحقيقُ هذا المثَل: أنَّ أعمالَ العباد ذخائرُ لهم (٤) ليوم حاجتهم؛ فمَن عمِل بإخلاصٍ فكأنَّه ادَّخر عملَه في شيءٍ، وكأنَّه بذرَ في أرضٍ مُنبِتةٍ، فهو يتضاعف له وينمو حتى يحصدَه في إبَّانه، ويجدَه في وقتِ حاجته إلى ثمره، فأمَّا المنافقُ فإنَّه

стр. 1494

يَدَّخر عملَه حيث لا ينمو، ويُلقي بذرَه حيث لا يَنبت؛ لأنَّ الصفوانَ مستودعُ عمله ومزروعُ بذره، وإذا أصابه مطرٌ جَودٌ (١) بقيَ مستودعُ عملِه خاليًا لا شيءَ فيه. * * * (٢٦٥) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: أي: لطلبِ رضاه. وقوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: قيل: تحقيقًا مِن أنفسهم لِمَا يُنفقونه، حتى يستويَ ظواهرُهم وبواطنُهم في أنَّه لابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ تعالى لا لرياءِ الناس، ولا يكونَ فيه مَنٌّ ولا أذًى، وهو معنى قولِ مقاتل: وتثبيتٌ مِن أنفسهم؛ أي: وتصديق مِن قلوبهم (٢). وقيل: تثبيتًا مِن أنفسهم؛ أي: تقويةً لليقين وتبصرةً في الدِّين، وهو معنى قول الشعبيِّ والسديِّ وأبي صالح وابنِ زيد (٣). وقيل: أي: يتثبَّتون أين (٤) يضعون صدقاتهم، وهو قول ابنِ عباس رضي اللَّه

стр. 1495

عنهما، فإنَّه قال: هو أنْ تُعطوا الصدقةَ الأحوجَ فالأحوجَ، وإليه يرجع قولُ عطاء: يتثبَّت في صدقته فيضعُها في أهل الصلاح والعفاف (١). وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ شبَّه هؤلاء بجنَّة؛ وهي البستانُ الذي يَكثر أشجارُه؛ فتمتدُّ ظلالُها، وتنتشرُ أغصانها، وتكثُر ثمارها، وتختلفُ ألوانها، وتَطيبُ طُعومها؛ فمَن أَخلص للَّه تعالى عملَه كان كمَن اتَّخذ بستانًا في رَبوة؛ أي: مكانٍ مرتفعٍ (٢) مِن الأرض مستوٍ، قد رَبَا عليها؛ أي: علا ونما، وفيها ثلاثُ لغاتٍ: فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها. وقرأ عاصم وابنُ عامر بفتح الراء، والباقون بضمِّها (٣). وقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾: أي: وصل إليها وابل كثيرُ (٤) القَطْر شديدُ الوقع. وقوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أي: أَعطت بركتها (٥) -أي: غلَّتها- مِثْلَي ما تُخرجه أرضٌ ليست على الربوة؛ لأنَّها أحمدُ مواضعِ الجنان في النُّزهة وكثرة الغلَّة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: أي: فإنْ لم يصلْ إلى هذه الجنَّة المطرُ العظيمُ القَطْرِ (٦)، أصابه المطرُ الصغيرُ القَطْر (٧).

стр. 1496

وقيل: الطَّلُّ: النَّدى، والطَّشُّ كذلك، وهو (١) الذي يبلُّ وجه الأرض. ثم في تقريب هذا الكلام ثلاثةُ أقاويل: فقيل: إنْ لم يُصبها وابلٌ وأصابها طَلٌّ، آتت أُكلها ضعفين أيضًا، فلا تَنقص غلَّتُها لحُسْن موضعها. وقيل: إنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفي ما تُؤتي أرضٌ ليست على الربوة بالوابل، وإنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفي ما تُؤتي غيرُها بالطَّلِّ. وقيل: إنْ أصابها وابلٌ آتت أُكلها ضعفين، وإنْ أصابها طَلٌّ أخرجت ثمرًا بقَدْره، فلا تخلو عن غلَّة (٢)، فكذلك مَن أخرج صدقتَه للَّه تعالى لم يُضِع كسبه قلَّ أو كثُر، بخلاف مَن أخرجها رياءً، فإنَّه يَبطُل سعيُه ويَخيب أملُه (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي: يرى أعمالَكم على إقلالٍ وإكثارٍ، ويعلم نيَّاتكم فيها مِن رياء وإخلاص، فأَخلِصوا يَجْزِكم جزاءَ المخلِصين، وأَكثِروا يُعطكم ثوابِ المكثِرين. * * * (٢٦٦) - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.

стр. 1497

وقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: أي: أيحبُّ أحدُكم، أيريد أحدُكم، استفهامٌ بمعنى النفي. ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: أي: بستانٌ كثيرُ الأشجار والنبات، وقوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؛ أي: فيها مِن (١) أشجارِ التمر (٢) وزراجين (٣) الأعناب، ولم يُرِدْ أنَّ كلَّ بستانٍ متَّخَذٌ مِن هذين، ولكن إذا كثُر فيه هذان جاز إطلاقُ الاسم عليه مِن هذا الوجه، كما يقال: دارٌ مِن آجُرٍّ، وبستانٌ مِن عنبٍ. والنخيل: جمع نخلٍ، كالعبيد: جمع عَبْد، والكَليب: جمع كلب. والنخل يكون واحدًا فيذكَّر؛ قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ويكون جمعًا فيؤنَّث؛ كما قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويكون جمعَ نخلة، كالنَّمل جمع نملة. والأعناب: جمع عنب. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: تسيلُ مِن تحت أشجارها المياهُ في الأنهار، وبالماء نماؤها وبهاؤها. وقوله تعالى: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أي: لصاحبها فيها سوى النخيل والأعناب الفواكهُ مِن كلِّ بابٍ، فهو (٤) نهايةٌ في الحُسن والإعجاب. وقوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: أي: أتاهُ الشيبُ وفاتَهُ الشبابُ.

стр. 1498

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾؛ أي: أولادٌ أطفالٌ صغارٌ ضعافٌ عجَزةٌ (١) عن الاكتساب، وكانت هذه معاشًا له ولأولاده، ولهم منها (٢) الأقواتُ والأثواب. قوله تعالى (٣): ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾: أي: أصابَ الجنَّةَ ريحٌ شديدةُ الهبوب، ملتفَّةٌ في الهواء، حاملةٌ للتراب ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ أي: صاعقة عظيمةُ الالتهاب ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: أي: الجنَّة بالنَّار، فصارت نعمُها (٤) إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما يبقى هو وذرِّيَّته في الحسرات (٥) لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافق والمرائي والمنَّان (٦) والمؤذي يتحسَّرون على صدقاتهم (٧) يوم يقومُ الحساب، حين فاتَهم الثوابُ وحقَّ عليهم العذاب. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: هكذا يُنزل اللَّهُ الآياتِ ويضرب (٨) الأمثالَ؛ لتتفكَّروا فيها يا أُولي الألباب. وقال ابنُ عباس ﵄: هذا مَثَلُ مَن عمِل الحسنات، ثم فَتنه الشيطانُ فعمل السيئاتِ؛ فأَحرق أعمالَه كلَّها. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذه آياتٌ ذكرها اللَّهُ تعالى على جهة ضَرْب

стр. 1499

المَثَل للمُخلِص والمنافق، وللمنفِق في سبيل اللَّه تعالى والمنفِق في الباطل؛ هؤلاء يحصل لهم الخَلَفُ والشَّرفُ، وهؤلاء لا يَحصل لهم إلَّا السَّرف والتَّلف (١)، وهؤلاء ضلَّ سعيُهم وهؤلاء شُكر سعيهم، وهؤلاء تَزكُو أعمالهم وهؤلاء حبِطت أعمالهم، وخسرت أحوالُهم، وختم بالسوء آمالهم، ويُضاعَف عليهم وبالُهم. ويقال: مَثَل هؤلاء كالذي أَنبت زرعًا؛ فزكا أصلُه ونما فصلُه وعلا فرعُه وكثر نفعُه، ومثَل هؤلاء كالذي خسرت صفقتُه وسُرقت بضاعتُه وضاعت (٢) على كِبَر سنِّه حيلته (٣)، وتواترت (٤) مِن كلِّ وجهٍ محنتُه، هل يستويان مثلًا؟ وهل يتقاربان شَبَهًا (٥). * * * (٢٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: أي: ممَّا يُستطاب مِن أكسابكم، ومنهم مَن حمَلها على الحلالات، لكنَّ ما بعده -وهو قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ والخبيث هو الرديء المُستخبَث- يدلُّ على أنَّ الأَولى صرفُه إلى ما قلنا.

стр. 1500

ثم هو أمرٌ بأداء زكاةِ أموالِ التجارة. وقولُه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: مِن الغلَّات؛ وهي إنزالُ الأشجار والكروم والأراضي، وهذا أمرٌ بأداء عُشْر الخارج مِن الأراضي العشريَّة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: أي: لا تقصدوا الرديءَ، وقد أَمَّ ويَمَّ وتأمَّم وتَيمَّم: إذا قصَد، ومنه قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. ثم الخبيثُ نقيضُ الطَّيِّب، ولهما جميعًا ثلاثةُ معانٍ؛ الطَّيِّب الحلال والخبيث الحرام، والطَّيِّبُ الطاهرُ والخبيثُ النَّجس، والطَّيِّب ما يَستطيبه الطبعُ والخبيثُ ما يَستخبثُه. وقيل: أصلُ الخبيث: الرديءُ، وبمعنى الرداءة يقع على المعاني الثلاثة التي قلنا. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾: أي: مِن الخبيث تتصدَّقون. وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: أي: وأنتم لا تأخذونَ مثلَه ممَّن كان لكم عليه جنسُه إلَّا أنْ تتساهلوا فيه وتَغضُّوا أعينكم عن الاستقصاء على مؤدِّيه، ويقال (١) لمن سامح وساهل: إنَّه (٢) قد غَمض طَرْفَه، ويقال: معناه: إلَّا أنْ تستحيوا، وذلك مستعملٌ في اللغة، قال الشاعر: فغُضَّ الطَّرْفَ إنَّك مِن نميرٍ... فلا كَعْبًا بلغتَ ولا كِلابًا (٣) وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾: أي: مستغنٍ عن صدقاتكم لا يتكثَّر بها إنْ أَعطيتُم، ولا يَنقص مِن ملكه شيئًا إنْ مَنَعتم.

стр. 1501

﴿حَمِيدٌ﴾: مُستحِقٌّ للحمد على (١) أمركم بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعكم بذلك (٢) في الدَّارين. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ليَنظُر كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه (٣) لأَجْل نفسِه، وما الذي يُخرجه بأمر ربِّه؛ الذي يخرج عليك مِن ديوانك؛ فما كان لحظِّك فنفائسُ ملكك، وما كان لربِّك فخسائسُ ملكك، الذي للَّه لقمةٌ لقمة، والذي لأجلك فأجلُّها قيمة، ثم أَبصِر كيف يستره (٤) عليك، بل كيف يَقبله منك، بل أَبصر كيف يعوِّضك عليه، بل أَبصر كيف يَمدحك به، بل أَبصر كيف يَنسُبه إليك؛ الكُلُّ منه فضلًا، ولكنَّه يَنسُبه إليك فعلًا، ثم يُوْليه عليك عطاءً (٥) ويُسمِّيه جزاءً، يوسعك بتوفيقه بِرًّا، ثم يملأُ العالَمَ منك شكرًا (٦). ودلَّت الآيةُ على جواز الكسب، ودلَّت أنَّ أحسنَ وجوه التعيُّش هو التجارة والزراعة، فإنَّ الآيةَ جَمَعتهما، ودلَّت على وجوب زكاةِ مال التجارة وعُشْرِ الأراضي العُشريَّة. وقيل: كانوا يُخرِجون زكاةَ الفطر مِن التمر الرديء، فنُهُوا عن ذلك. وقيل: نزلت في التطوُّع، قال البراء بنُ عازب ﵁: نزلت في الأنصار؛

стр. 1502

كانوا إذا كان وقتُ جُذاذ النخل وإزهاءِ البُسر يعلِّقونه على حبلٍ بين أسطوانتَيْن في المسجد، فتأكل منه فقراءُ المهاجرين، فكان يعمدُ بعضهم فيُدخل القنوَ الحشفَ فيُعلِّق، فنزلت فيمَن فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) ولو أُهدي لكم ما قَبلتموه ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ أي: على استحياءٍ مِن صاحبه. والأشهر الأظهر أنَّه في الواجب. قال مجاهد: كانوا يتصدَّقون بحشفٍ، فنُهوا عن ذلك، قال: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: لا تأخذونه مِن غرمائكم ولا في بيوعكم إلَّا بزيادة على الكيل (٢). وقال قتادة: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يعني: بآخذي هذا الرديءِ بسعرِ الطَّيِّب ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، يقول: إلَّا أنْ ينقصَ لكم (٣). * * * (٢٦٨) - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوِّفكم، وعلى الإطلاق يُقال: وَعَدهُ، في الخير، وأوعدهُ في الشَّرِّ، لكن يجوز ذِكْر الوعد في الشَّرِّ إذا قيَّده بما به فُعِل ذلك، كالبِشارة مُطلقُها للخبر السَّارِّ، ثم يقال: بشِّره بالنار، ونحو ذلك على التقييد.

стр. 1503

ومعناه: أنَّ الشيطانَ هو الذي يمنعكم عن الإنفاق، أو يأمركم بإعطاء الخبيث؛ لِمَا (١) يخوِّفكم به مِن الفقر بسبب الإنفاقِ وإخراجِ الطيِّب. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾: أي: بالفِعلةِ القبيحة وهي البُخل، والفاحشُ اسمُ البخيلِ لغةً؛ لِفُحْشِ (٢) فِعلِهِ. قال الكلبيُّ ومقاتل: كلُّ فحشاءَ في القرآن فهي زنًى، إلَّا هذه فإنَّها منعُ الزكاة (٣). وقوله تعالى: ﴿يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾: أي: يبشِّركم بمغفرةِ الذنوب على (٤) الصَّدقات والنفقات، ويبشِّركم بالتفضُّل عليكم؛ بإعطاء الخَلَف في الدنيا والثوابِ في العقبى. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: أي: غنيٌّ كثيرُ الفضل قادرٌ على إعطاء الخَلَف والثواب ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم ونيَّاتكم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الشيطانُ يعدُكم الفقر لفقره، واللَّه يعدُكم (٥) المغفرة لكرمه، الشيطانُ يُشير عليك بإحراز المعلوم وبطاعة الحرص، ولا فقرَ فوقه، ويعدك الفقرَ بردِّك إلى اختيارك وتدبيرك، وبتعليق قلبك بغيره، والاتِّكال على مَن سواه، أو بنسيان ما عوَّدك في سائر عمرك مِن كفايته ورعايته، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: بالرغبة في الدنيا والحرصِ عليها، والإيثارِ لجمعها ومنعها عن

стр. 1504

وجوهها، وبطول (١) الأمل ومتابعة الشهوات، وإيثار الحظوظ، والرجوع فيما تركته للَّه، واللَّه يعدكم في العاجل بالقناعة، وفي الآجل بالثواب وحُسْن المآب (٢). * * * (٢٦٩) - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يُعطي اللَّهُ صوابَ (٣) القول والعمل مَن يشاء مِن عباده، فلا يَقبَلُ (٤) ما يَعدهُ الشيطان، ويعتمد على ما وعده اللَّهُ تعالى (٥). وفي الآية ردٌّ على المعتزلة في قولهم بوجوب الأصلح، فإنَّه بيَّن أنَّه يُعطي الحكمةَ مَن يشاء لا الكُلَّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: (مَن) كلمةُ شرطٍ، وسقطت الياء مِن آخرِ ﴿يُؤْتَ﴾ للجزم بها، وجزاءُ هذا الشرط ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: أُعطي ذلك. وكثرت الأقاويل في تفسير هذه الحكمة: قال ابنُ عباس ﵄: هي عِلْمُ القرآن.

стр. 1505

وقال ابنُ زيد: هي علم الدِّين. وقال السدِّيُّ: هي النبوَّة. وقال مجاهد: هي الإصابة. وقال إبراهيم: هي الفهم. وقال الربيع: هي الخشية. وقيل: هي العلم بوسوسة الشيطان، والتمييزُ بينها وبين إلقاءِ المَلَك في القلب. وقال عطاء: المعرفة باللَّه تعالى. وقال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: علمُ تفسير القرآن والعملُ به. وقيل: السُّنَّة. وقيل: فهمُ سرائر القرآن. وقيل: الفقه (١). ومرَّت أقاويلُ أُخَر عند قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحكمةُ: أنْ يَحكُم عليك داعي الحقِّ لا خاطرُ النفس، وأنْ تَحكُم عليك قواهرُ الدَّيَّان لا زواجرُ (٢) الشيطان. وقيل: هي أنْ لا تحكم عليك رعوناتُ البشريَّة، ومَن لا حُكم له على نفسه لا حُكم له على غيره. قال: ويقال: الحكمةُ موافقةُ أمرِ اللَّه تعالى، والسَّفهُ مخالفةُ أمره، والحكمةُ شهودُ الحقِّ، والسَّفهُ شهودُ الخَلْق (٣).

стр. 1506

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وما يتَّعظ بمواعظ اللَّهِ إلَّا أولو الألباب؛ أي (١): العقولِ السليمةِ، ولا يتناول هذا كلَّ مكلَّف وإن كان ذا عقل، فإنَّ (٢) مَن لا يغلب عقلُه هواه لم ينتفع به، فكأنَّه لا عقلَ له. * * * (٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾: (ما) كلمةُ شرطٍ، وهي للعموم؛ أي: أيُّ شيءٍ أنفقتم، على أيِّ وجهٍ كان منكم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾: أي: الْتزَمْتم للَّه تعالى مِن فعل خيرٍ، أو ترك شَرٍّ، ووفَّيتم به، هذا مُضمَر فيه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: هذا جزاءُ الشرط، والهاءُ راجعةٌ إلى (ما)، ولذلك لم يُثَنَّ مع ذِكْر شيئين: النفقةِ والنَّذرِ؛ لأنَّ (ما) شيءٌ واحدٌ، والكنايةُ راجعةٌ إليه، وهو أبلغُ (٣) وعدٍ ووعيدٍ على ما مرَّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: ليس لمَن خالف أمرَنا في الإنفاق، أو خالف ما نَذره مِن الطاعة لنا، مَن يَدفعُ عنه عذابنا؟! والأنصارُ جمعُ جمعِ النَّاصر؛ فإنَّ النَّصْرَ يُجمع على النَّصْر، كالراكب يُجمع على الرَّكب، ثمَّ النَّصْر يُجمع على الأنصار، ومثلُه: الشاهدُ جمعه: الشَّهْد، ثم جمعُ الشَّهْد: الأشهاد.

стр. 1507

ومنهم مَن يجعل الأنصارَ جمعَ النَّاصر، وهو كالأصحاب جمع الصاحب، ومنهم مَن يجعله جمعَ النَّصير، كالأشراف جمع الشريف. وقال بعضُهم في معنى الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ لوجهِ اللَّهِ، أو للرِّياء، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وهذا وعدٌ ووعيدٌ. وقال ابنُ كيسان: معناها: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ ممَّا فُرض عليكم ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ إنفاقَه متطوِّعين فوفَّيتم بذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا وعدٌ عليهما جميعًا. وقال الحسن: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ فأُريد به غيرُ (١) اللَّهِ تعالى، فإنَّ اللَّهَ لا يَقبله منكم إذا لم تُريدوه وحده (٢). * * * (٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾: أي: إنْ تُظهِروا الصدقاتِ فَنِعْمَ الفعلةُ هذه، وهي كلمةُ مدحٍ، وأصله: نِعمَ مَا، فأُدغمت (٣) إحدى الميمين في الأخرى. وقرأها ابنُ كثير، وعاصمٌ في رواية حفصٍ، ونافعٌ في رواية ورشٍ: بكسر النون والعين، والنونُ في (نِعم) كانت مكسورةً، وحُركت العينُ بحركتها حين احتيجَ إلى

стр. 1508

تحريكها عند اجتماعِ الساكنينِ حالَ (١) إسكانِ الميم الأُولى بالإدغام. وقرأ أبو عمرو، وعاصمٌ في رواية أبي بكر، ونافع في غيرِ رواية ورشٍ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بكسرِ النُّون وإسكانِ العين (٢)؛ إبقاءً على ما كان، واحتمَل الجمعَ بين الساكنَيْن لأنَّه عارضٌ ضروريٌّ كما في: الدَّابَّة. وقرأ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ بفتحِ النونِ وكسرِ العينِ ردًّا إلى الفعل الأصليِّ، وإدغامًا للميم في الميم (٣). وقرأ الحسن: ﴿فَنِعْمَ ما هِي﴾ مفصولة (٤)؛ تحرُّزًا عن التغيير. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾: أي: وإنْ تُسرُّوا (٥) الصدقاتِ. وقوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: وتُعطوها الفقراءَ، فالإعطاءُ على الخفيَة خيرٌ مِن الإبداء؛ لِمَا يُخاف في الإبداء مِن الرياء، وليس ذلك في الإخفاء. وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ إنَّما وحَّد الإشارة مع سبق ذِكْر الإخفاء والإيتاء (٦)، وهما شيئان؛ لأنَّ المعنى واحدٌ، وهو الإعطاء على خفية. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنْ أَظهرتَ صحبتَك معنا وأَعلنتَ، فلقد

стр. 1509

أصبتَ وأحسنتَ، وإنْ حفظتَ سرَّنا عن دخول الوسائط بيننا، فقد صُنْتَ شروطَ الوداد، وشيَّدت مِن بناء الوصلةِ العماد (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ونُكفِّرُ﴾ بالنون والرَّفع، ويكون إخبارًا عن اللَّه تعالى عن نفسِه بكلمة الجمع، وهو بيانُ العَظَمة، كما في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ في مواضع، ويكون مستأنَفًا غيرَ معطوفٍ على جواب الشرط. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ﴿ونُكفِّرْ﴾ بالنون والجزم على جواب الشرط، وتقديره: وإنْ تُخفوها وتُؤتوها الفقراء يَكن خيرًا لكم، ونُكفِّرْ نحنُ (٢) مِن سيئاتِكم بذلك. وقرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية حفصٍ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء والرفع (٣)، وتقديره: واللَّهُ يُكفِّر بذلك مِن سيئاتكم. ودخول (مِن) للتبعيض؛ أي: يُكفِّر (٤) بعضَ سيئاتكم بهذه الصدقات. والآيةُ ردٌّ على المعتزلة؛ فإنَّهم يقولون: الصغائرُ تقع مغفورةً، فلا حاجةَ إلى تكفيرها بشيءٍ، والكبائر لا تجوز مغفرتُها، واللَّهُ عزَّ وعلا أخبر أنَّ الصدقاتِ تُكفِّر بعضَ السيئات، فإنْ كانت تُكفِّر الصغائرَ فقد بطَل قولُهم: إنَّ الصغائرَ لا يحتاج فيها إلى التكفير، وإنْ كانت تُكفِّر الكبائرَ فقد بطَل (٥) قولهم: إنَّه لا يجوزُ غفرانُ الكبائر.

стр. 1510

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أَبدَيْتُم أم أَخْفَيُتم، أَخْلَصْتم أم راءَيْتُم، مَنعْتُم أم أَعطَيْتُم، فيَجزيكم على وَفقِ ما آتيتم. وقيل: هو حثٌّ على الإخفاء، فإنَّه يقول: إذا علمتَ أنَّا نعلمُ، فلا حاجةَ إلى إبداء (١). وقيل: هذا في التطوُّعِ، فأمَّا الفرضُ فالإبداءُ فيه (٢) أَولى؛ نفيًا للتُّهَمة عن نفسه، وحملًا للغير على فعله، ولا رياءَ في الفرائض. وقال الزجَّاج: كان هذا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، كان الإخفاءُ في إيتاء الزكاة أحسنَ، فأمَّا اليومَ فالنَّاس (٣) يسيئون الظَّنَّ، فالإظهارُ أحسنُ، وأمَّا (٤) التطوُّع فإخفاؤه أحسنُ (٥). وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ الصحابةَ رضوان اللَّه عليهم قالوا: صدقةُ السِّرِّ أفضلُ أم صدقةُ العلانية، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (٦). وقال الشَّعبيُّ ﵀: نزلت الآيةُ في أبي بكر وعمر ﵄؛ جاء عمرُ بنصف مالِه يَحمله على رؤوس الناس، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ما تركتَ لأهلكَ يا عمرُ؟ " فقال: نصفَ مالي يا رسولَ اللَّه، وجاء أبو بكر ﵁ بكلِّ مالِه يَكاد يُخفي مِن نفسه حتى دَفَعها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما تركتَ لأهلكَ يا
следующие страницы →