← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: وما يتَّعظ بمواعظ اللَّهِ إلَّا أولو الألباب؛ أي (١): العقولِ السليمةِ، ولا يتناول هذا كلَّ مكلَّف وإن كان ذا عقل، فإنَّ (٢) مَن لا يغلب عقلُه هواه لم ينتفع به، فكأنَّه لا عقلَ له. * * * (٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾: (ما) كلمةُ شرطٍ، وهي للعموم؛ أي: أيُّ شيءٍ أنفقتم، على أيِّ وجهٍ كان منكم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾: أي: الْتزَمْتم للَّه تعالى مِن فعل خيرٍ، أو ترك شَرٍّ، ووفَّيتم به، هذا مُضمَر فيه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾: هذا جزاءُ الشرط، والهاءُ راجعةٌ إلى (ما)، ولذلك لم يُثَنَّ مع ذِكْر شيئين: النفقةِ والنَّذرِ؛ لأنَّ (ما) شيءٌ واحدٌ، والكنايةُ راجعةٌ إليه، وهو أبلغُ (٣) وعدٍ ووعيدٍ على ما مرَّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: ليس لمَن خالف أمرَنا في الإنفاق، أو خالف ما نَذره مِن الطاعة لنا، مَن يَدفعُ عنه عذابنا؟! والأنصارُ جمعُ جمعِ النَّاصر؛ فإنَّ النَّصْرَ يُجمع على النَّصْر، كالراكب يُجمع على الرَّكب، ثمَّ النَّصْر يُجمع على الأنصار، ومثلُه: الشاهدُ جمعه: الشَّهْد، ثم جمعُ الشَّهْد: الأشهاد.

стр. 1507

ومنهم مَن يجعل الأنصارَ جمعَ النَّاصر، وهو كالأصحاب جمع الصاحب، ومنهم مَن يجعله جمعَ النَّصير، كالأشراف جمع الشريف. وقال بعضُهم في معنى الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ لوجهِ اللَّهِ، أو للرِّياء، ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وهذا وعدٌ ووعيدٌ. وقال ابنُ كيسان: معناها: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ ممَّا فُرض عليكم ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ إنفاقَه متطوِّعين فوفَّيتم بذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا وعدٌ عليهما جميعًا. وقال الحسن: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ فأُريد به غيرُ (١) اللَّهِ تعالى، فإنَّ اللَّهَ لا يَقبله منكم إذا لم تُريدوه وحده (٢). * * * (٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾: أي: إنْ تُظهِروا الصدقاتِ فَنِعْمَ الفعلةُ هذه، وهي كلمةُ مدحٍ، وأصله: نِعمَ مَا، فأُدغمت (٣) إحدى الميمين في الأخرى. وقرأها ابنُ كثير، وعاصمٌ في رواية حفصٍ، ونافعٌ في رواية ورشٍ: بكسر النون والعين، والنونُ في (نِعم) كانت مكسورةً، وحُركت العينُ بحركتها حين احتيجَ إلى

стр. 1508

تحريكها عند اجتماعِ الساكنينِ حالَ (١) إسكانِ الميم الأُولى بالإدغام. وقرأ أبو عمرو، وعاصمٌ في رواية أبي بكر، ونافع في غيرِ رواية ورشٍ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بكسرِ النُّون وإسكانِ العين (٢)؛ إبقاءً على ما كان، واحتمَل الجمعَ بين الساكنَيْن لأنَّه عارضٌ ضروريٌّ كما في: الدَّابَّة. وقرأ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ بفتحِ النونِ وكسرِ العينِ ردًّا إلى الفعل الأصليِّ، وإدغامًا للميم في الميم (٣). وقرأ الحسن: ﴿فَنِعْمَ ما هِي﴾ مفصولة (٤)؛ تحرُّزًا عن التغيير. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾: أي: وإنْ تُسرُّوا (٥) الصدقاتِ. وقوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: وتُعطوها الفقراءَ، فالإعطاءُ على الخفيَة خيرٌ مِن الإبداء؛ لِمَا يُخاف في الإبداء مِن الرياء، وليس ذلك في الإخفاء. وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ إنَّما وحَّد الإشارة مع سبق ذِكْر الإخفاء والإيتاء (٦)، وهما شيئان؛ لأنَّ المعنى واحدٌ، وهو الإعطاء على خفية. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنْ أَظهرتَ صحبتَك معنا وأَعلنتَ، فلقد

стр. 1509

أصبتَ وأحسنتَ، وإنْ حفظتَ سرَّنا عن دخول الوسائط بيننا، فقد صُنْتَ شروطَ الوداد، وشيَّدت مِن بناء الوصلةِ العماد (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿ونُكفِّرُ﴾ بالنون والرَّفع، ويكون إخبارًا عن اللَّه تعالى عن نفسِه بكلمة الجمع، وهو بيانُ العَظَمة، كما في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ في مواضع، ويكون مستأنَفًا غيرَ معطوفٍ على جواب الشرط. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ﴿ونُكفِّرْ﴾ بالنون والجزم على جواب الشرط، وتقديره: وإنْ تُخفوها وتُؤتوها الفقراء يَكن خيرًا لكم، ونُكفِّرْ نحنُ (٢) مِن سيئاتِكم بذلك. وقرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية حفصٍ ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء والرفع (٣)، وتقديره: واللَّهُ يُكفِّر بذلك مِن سيئاتكم. ودخول (مِن) للتبعيض؛ أي: يُكفِّر (٤) بعضَ سيئاتكم بهذه الصدقات. والآيةُ ردٌّ على المعتزلة؛ فإنَّهم يقولون: الصغائرُ تقع مغفورةً، فلا حاجةَ إلى تكفيرها بشيءٍ، والكبائر لا تجوز مغفرتُها، واللَّهُ عزَّ وعلا أخبر أنَّ الصدقاتِ تُكفِّر بعضَ السيئات، فإنْ كانت تُكفِّر الصغائرَ فقد بطَل قولُهم: إنَّ الصغائرَ لا يحتاج فيها إلى التكفير، وإنْ كانت تُكفِّر الكبائرَ فقد بطَل (٥) قولهم: إنَّه لا يجوزُ غفرانُ الكبائر.

стр. 1510

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أَبدَيْتُم أم أَخْفَيُتم، أَخْلَصْتم أم راءَيْتُم، مَنعْتُم أم أَعطَيْتُم، فيَجزيكم على وَفقِ ما آتيتم. وقيل: هو حثٌّ على الإخفاء، فإنَّه يقول: إذا علمتَ أنَّا نعلمُ، فلا حاجةَ إلى إبداء (١). وقيل: هذا في التطوُّعِ، فأمَّا الفرضُ فالإبداءُ فيه (٢) أَولى؛ نفيًا للتُّهَمة عن نفسه، وحملًا للغير على فعله، ولا رياءَ في الفرائض. وقال الزجَّاج: كان هذا على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، كان الإخفاءُ في إيتاء الزكاة أحسنَ، فأمَّا اليومَ فالنَّاس (٣) يسيئون الظَّنَّ، فالإظهارُ أحسنُ، وأمَّا (٤) التطوُّع فإخفاؤه أحسنُ (٥). وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ الصحابةَ رضوان اللَّه عليهم قالوا: صدقةُ السِّرِّ أفضلُ أم صدقةُ العلانية، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (٦). وقال الشَّعبيُّ ﵀: نزلت الآيةُ في أبي بكر وعمر ﵄؛ جاء عمرُ بنصف مالِه يَحمله على رؤوس الناس، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ما تركتَ لأهلكَ يا عمرُ؟ " فقال: نصفَ مالي يا رسولَ اللَّه، وجاء أبو بكر ﵁ بكلِّ مالِه يَكاد يُخفي مِن نفسه حتى دَفَعها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "ما تركتَ لأهلكَ يا

стр. 1511

أبا بكرٍ؟ " فقال: اللَّهَ ورسولَه، فقال عمرُ لأبي بكرٍ: بنفسي أنتَ، ما سابقنا (١) في بابِ خيرٍ قطُّ إلَّا سبقتنا إليه، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٢). ودلَّت الآيةُ على أنَّ صرفَ الزكاة إلى صنفٍ واحدٍ مِن الأصناف الثمانية جائزٌ، وهو مذهبنا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جعل الإخفاءَ خيرًا، وهذا أقربُ إلى الإخفاء، ولأنَّه (٣) جعل إيتاءَ الفقراءِ خيرًا وهم صنفٌ واحدٌ منهم. * * * (٢٧٢) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: ليس عليكَ يا محمَّد أنْ تُرشد الكفار، ولكنَّ اللَّه يرشدُ مَن يشاء، والخطابُ خاصٌّ، والمراد عامٌّ يتناول كلَّ أهل الإسلام. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الآيةُ تردُّ على المعتزلة: أنَّ كلَّ الهدى البيان (٤)، فلو كان كذلك لكان رسولُ اللَّه ﷺ يَملك ذلك كلَّه؛ إذ عليه البيانُ. قال: وقيل: أي: ليس عليكَ حسابُ تركِ اهتدائهم، وهذا كقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ

стр. 1512

حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] (١). واتِّصال هذا الكلام بالنفقات المذكورة قبلَه وبعده (٢) يُعرَف بقصَّة نزولها: قال ابنُ عباس ﵄: اعتمرَ رسولُ اللَّه ﷺ عمرةَ القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماءُ بنتُ أبي بكر ﵄، فجاءتها أمُّها قُتيلة وجدَّتها يَسألانها، فقالت: لا أُعطيكما شيئًا حتى أستأمرَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فإنَّكما لستُما على ديني، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من مالٍ ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ الثواب ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا﴾ وما تتصدَّقوا (٣) ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مِن مالٍ ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: يوفَّر عليكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ فأمرها رسولُ اللَّه ﷺ أنْ تتصدَّق عليهما، فأَعطتهما ووصلتهما (٤). وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ناسًا مِن المسلمين كانت لهم أصهارٌ مِن اليهود ورضاعٌ، وكانوا ينفعونهم (٥) قبلَ الإسلام، فلمَّا أَسلموا كرهوا أنْ

стр. 1513

ينفعوهم (١)، فاستأمروا رسولَ اللَّه ﷺ ، فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ فأَعطوهم بعد نزول هذه الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (ما) كلمةُ شرطٍ، و ﴿تُنْفِقُوا﴾ جزمٌ به، وعلامةُ جزمه حذفُ (٣) النون مِن آخره، وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ جزاؤه؛ أي: كلُّ شيءٍ أَنفقتم مِن مالٍ فثوابُه لكم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ذكروا (٤) له وجوهًا كثيرةً، وهي ترجع في الحاصل إلى ثلاثة: أحدها: أنَّ ﴿وَمَا﴾ للنفي، و ﴿تُنْفِقُونَ﴾ إثباتٌ، و ﴿إِلَّا﴾ استثناءٌ، وهو كلامٌ تامٌّ، وهو تمهيدُ عذرٍ لهم فيما يُعطونه أقرباءَهم الكفارَ؛ أي: ولستم تُنفقون على الكفار مِن أقربائكم إلَّا بأمرِ اللَّهِ؛ لابتغاء مرضاتِ اللَّه. والثاني: الواو للحال، و ﴿وَمَا﴾ بمعنى (لا)، وهو متَّصلٌ بالكلام الأوَّل، وتقديره: وما تُنفقوا مِن خيرٍ وأنتم لا تنفقون ذلك إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ، فلأنفسكم ثوابُ ذلك. والثالث: أنَّ هذا نفيٌ، ومعناه النهيُ، وكثيرٌ مِن المناهي وردت على طريقة النفي، كقوله ﵊: "لا يستام الرجلُ على سومِ أخيه" (٥)، ومعنى هذا: ولا

стр. 1514

تنفقوا إلَّا ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ، ومعنى ابتغاءِ وجهِ اللَّه: طلبُ رضا اللَّه، وهو متعارَفٌ في الكلام، يقول الرجل: أَفعلُ هذا لوجهِ زيدٍ؛ أي: لطلب رضاهُ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾: هذا شرطٌ وجزاءٌ على ما مرَّ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: أي: لا تُنقصون، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ أي: لم تَنقص (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ على جواز دفع الكفارات إلى الكفار؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جعلها نافعةً لنا ومكفِّرةً لِمَا ارتكبنا، وممَّا يوفِّر علينا به الثواب (٢). * * * (٢٧٣) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: اتِّصاله بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ إلى آخرِ الآية ﴿فَنِعِمَا هِىَ﴾. وقيل: لمَّا قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ كأنَّهم قالوا: لأيِّ الفقراء؟ فقيل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾. وقيل: معناه: هذه النفقاتُ المذكورةُ في هذه الآيات للفقراء.

стр. 1515

وقيل: هو ابتداءٌ، وجوابُه محذوفٌ في آخره؛ أي: للفقراء الذين لهم (١) حقٌّ في مالكم. وقوله تعالى: ﴿أُحْصِرُوا﴾؛ أي: مُنعوا، وقد فسَّرناه في آية الإحصار في الحجِّ على الاستقصاء. وقوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طريق رضا اللَّه، وهم أصحابُ الصُّفَّة؛ وكانوا أربعَ مئةِ إنسانٍ، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائرُ، فكانوا (٢) يَخرجون في كلِّ سريَّة بعثها النبيُّ ﷺ ، ثم يرجعون إلى مسجد النبيِّ ﷺ . ومعنى إحصارِهم في سبيل اللَّه هاهنا: أنَّ اشتغالهم بطاعة اللَّه تعالى وطلبِ مرضاته ومحبة (٣) رسوله قد أَحصرهم في مدينة الرسول وفي مسجده. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: سيرًا في البلاد، كما قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] ومعنى عدمِ الاستطاعة: أنَّهم يَكرهون المسيرَ (٤) لئلا تفوتهم صحبةُ رسول اللَّه ﷺ ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع. وقيل: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ أي: لا يضربون في الأرض، فنفيُ الاستطاعة بنفي (٥) الضرب، وهي دلالةٌ واضحةٌ أنَّ (٦) حقيقة الاستطاعة مع الفعل، وهي حجَّة لنا على المعتزلة.

стр. 1516

وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: أي: يظنُّهم الجاهلُ بحالهم مِن تعفُّفهم (١) -أي: بسببِ قناعتهم وامتناعهم عن (٢) مباسطة الناس وعن كشفِ حالِهم لهم (٣) - أغنياءَ. وقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ قيل: الخطابُ للنبيِّ ﷺ ، وقيل: لكلِّ راغبٍ في معرفة حالهم، يقول: تعرفُ فقرَهم بالعلامة في وجوههم مِن أَثَر الجوع والحاجة، وقد (٤) قيل: لسانُ الحال أوضحُ (٥) مِن لسان المقال. والتوفيقُ بين هذا وبين الأوَّل: أنَّ (٦) مَن أراد معرفةَ حالهم بالسؤال لم يَصِل إليهم، لانهم لا يَسألون، لكنْ مَن نَظَرَ في وجوههم استدلَّ به على أحوالهم. وقيل: معنى قوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: ليس تعرفُهم بفقرهم، بل نقول: تعرف آثارَ خشوعهم وكثرةَ صلاتهم بالليل بما ظهر في (٧) وجوههم مِن صُفرة السَّهر ونور (٨) قيام الليل. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: أي: إلحاحًا، وهو لزومُ السؤال، مِن اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به، وظاهره نفيُ سؤالهم على

стр. 1517

الإلحاح، وكان يُتوهَّم أنَّهم كانوا يَسألون عند الحاجة بقَدْر الحاجة ولا يُلحُّون، لكن عُرف بقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أنَّهم ما كانوا يَسألون الناس أصلًا، ولهذا قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في تفسيره: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غيرَ إلحاف (١). وإنَّما استفاد هذه الزيادة بما قلنا، ولعلَّ تركَ غير الإلحاف ذكرًا في الآية؛ لفائدةِ إطلاق السؤال لغيرهم عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن (٢) فعله مضطرًّا. وقال الزجَّاج: معناه: لا يَسألون الناسَ أصلًا، فيكونَ إلحافًا، واستَشهد بقولِ امرئِ القيس في المعنى (٣): على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِهِ (٤) أي: لا منارَ به فيُهتدَى له (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ هذا شرطٌ وجزاءٌ

стр. 1518

أيضًا، فإنَّه وصله بالفاء، وتكريرُه (١) مرارًا لتقريره وتأكيده، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منها خُصَّ بجزاءٍ أو (٢) معنًى، مِن ذكرِ سببٍ أو مستحِقٍّ أو حالٍ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَخَذَ عليهم سلطانُ الحقيقةِ كلَّ طريقٍ، فلا (٣) لهم مِن المشرق مَذْهبٌ ولا مِن (٤) المغرب مَضْربٌ، كيف ما ثووا (٥) رَأَوا سرادقاتِ التوحيد محدِقة بهم، قال القائل (٦): كأنَّ فجاجَ الأرضِ ضاقت برَحْبِها... عليَّ فما تزدادُ طُولًا ولا عَرْضًا فلا يَسلم لهم نَفَسٌ واحدٌ (٧) مع الخَلْق، وأنَّى ذلك ولا خَلْقَ، وإذا لم يكن، فإثبات ما ليس بشركٍ (٨) في التوحيد، والفقيرُ الصادقُ واقفٌ مع اللَّهِ للَّه باللَّه، لا إشرافَ للأجانب عليهم، ولا سبيلَ لمخلوقٍ إليهم، يُظهِرهم اللَّهُ تعالى في عيونِ الأغيارِ في لبسةٍ سوى ما هم عليه، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ فأمَّا مَن كان محرومًا (٩) فلا يُشكِل عليه شيءٌ مِن أحوالهم.

стр. 1519

﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ يا محمَّد أنتَ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، ليست تلك السيما ممَّا يَلوح للبصر (١)، تلك سيما تُدركها البصيرةُ، لا إشراف عليهم إلَّا بنور الأحدَّية. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ فإنْ جرى منهم بين الخلق بدون الإلحاف سؤالٌ -لِمَا يشير إليه دليلُ الخطاب- فذاك صيانةٌ لهم وسترٌ لقصَّتهم؛ ليلاحظهم (٢) الخلقُ بعين السؤال، وليس على سرِّهم ذرَّةٌ مِن الإثبات للأغيار. ويقال: ﴿أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وَقَفوا على حكم اللَّه، فأَحصروا نفوسَهم على طاعته، وقلوبَهم على معرفته، وأرواحَهم على محبَّته، وأسرارهم على رؤيته. ويقال: سِيماهم: استبشارُ قلوبهم عند انكسارِ نفوسِهم، وصياح (٣) أسرارهم إلى العرش؛ نشاطًا عند ذبول ظواهرهم عن الانتعاش عيانًا، وتكسُّر الظاهر عند تكسُّرِ الباطن (٤). * * * (٢٧٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: الكلماتُ ظاهرةٌ وقد مرَّ كشفُها.

стр. 1520

وقال مجاهدٌ ﵀: نزلت الآية في عليِّ بنِ أبي طالب ﵁؛ كان يملكُ أربعةَ دراهم، فأعطى درهمًا بالليل، ودرهمًا بالنهار، ودرهمًا في السِّرِّ، ودرهمًا في العلانية (١)، فأَحسَن اللَّهُ تعالى الثناءَ عليه بصنيعه. وروي هذا عن ابنِ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، وزاد فيه: فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ما حملك على ذلك؟ "، قال: حملني أنْ أستوجبَ على اللَّهِ الذي وعدني. فقال له رسولُ اللَّه ﵊: "أَلَا إنَّ ذلكَ لكَ" فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وفي رواية: قال: يا رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليك وسلم، الأحوالُ أربعٌ فقلت (٣): لعلَّ اللَّهَ يَقبلُ واحدةً منها، فقال له: "أَبشِر يا عليُّ، فإنَّ اللَّهَ قد قَبِلها كلَّها" ونزلت هذه الآية (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ما دام لهم مالٌ لم يَفتُرُوا ساعةً عن إنفاقه ليلًا ونهارًا، وإذا نفد المال لم يَفتروا مِن شهوده لحظةً ليلًا ونهارًا (٥).

стр. 1521

(٢٧٥) - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ انتظامُ هذا بما قبله (١): أنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ المؤمن (٢) بإعطاءِ مالِه للفقير، ووعد عليه الثواب، ثم حرَّم عليه أخذَ مالِ غيره (٣) بغيرِ حقًّ، وأَوعَد عليه العقاب. وقوله: ﴿يَأْكُلُونَ﴾؛ أي: يأخذون؛ فإنَّ الوعيدَ يَلحقُ الآخِذَ كما يَلحقُ الآكِلَ، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] لكنْ ذُكر الأكل لأنَّ معظمَ مقصودِ الأخذِ الأكلُ. وقوله: (الرِّبَا): هو الفَضْلُ الحرامُ، وأصلُه للفضلِ المطلق، يقال: رَبَا يَربُو رَبْوًا، إذا زاد زيادة، وأَرباه غيرُه (٤)، قال تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. والرِّبا المحرَّمُ شرعًا: هو الفَضْلُ مِن حيث القَدْرُ في الأشياء السِّتَّة المنصوصِ عليها لا غير عند داود بنِ عليٍّ الأصبهانيِّ، وهي ما روى أبو سعيد الخدريُّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الذهبُ بالذهبِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفَضْلُ ربًا، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مثلٌ بمثلٍ يد بيدٍ، والفضلُ ربًا، والتمرُ بالتمرِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفضلُ ربًا، والحِنطةُ بالحِنطةِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيد، والفضلُ ربًا، والشعيرُ بالشعير مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ،

стр. 1522

والفضلُ ربًا، والملحُ بالملحِ مثلٌ بمثلٍ يدٌ بيدٍ، والفضلُ ربًا"، هذه روايةُ محمَّد ﵀ في كتاب البيوع (١). وزاد في كتاب الصرف: "كيلٌ بكيلٍ في التمر والحنطة والشعير والملح، ووزنٌ (٢) بوزنٍ في الذهب والفضَّة" (٣)، وهذا الخبرُ غيرُ معلولٍ (٤) عند داود، والحرمةُ مقتصرةٌ عليها عنده، فإنَّه لا يرى القياس. وقال القائسون: هو معلولٌ، واختلفوا في علَّته: فقال مالكٌ ﵀: هو الاقتياتُ والادِّخارُ، فتعدَّى الحكمُ إلى كلِّ مُقتاتٍ ومدَّخر (٥). وقال الشافعيُّ ﵀: هو الطُّعْمُ في الجنس (٦) في الحنطة والشعير والتمر والملح، فيُعدِّيه إلى كلِّ مأكولٍ ومشروبٍ، والثَّمَنيَّةُ في الذهب والفضَّة، فلا يُعدِّيه إلى غيرهما مِن الوزنيَّات. والعلَّةُ عندنا: اجتماعُ القَدْرِ والجنسِ، والقَدْرُ: هو الكيلُ فيما يُكال والوزنُ فيما يُوزن.

стр. 1523

ونوعٌ آخرُ مِن الربا هو الفَضْلُ مِن حيث التعجيلُ، والأولُ حقيقةُ الرِّبا، والثاني شبهة الرِّبا (١)، ويُسمَّى ربا النَّساء. والأولُ يثبتُ بحقيقة العلَّة، وهي القَدْرُ مع الجنس عندنا في الكيليَّات والوزنيَّات كلِّها، والطُّعْم مع الجنس عنده، ولا يَثبت في النقد بالكيل وحده، ولا بالوزن وحده، ولا بالجنس وحده. والثاني يثبتُ بشبهة العلَّة، وهي أحدُ وصفَي العلَّة، فيثبت بالكيل وحده، وبالوزن وحده، وعنده بالطُّعم وحده، فأمَّا الجنسُ وحده فعندنا يَثبت به، وعنده لا يَثبت به (٢). وجملتُه: أنَّ القدرَ والجنسَ إذا وُجِدا حَرُمَ الفضلُ والنَّساء، وإذا عُدما حلَّا، وإذا وُجد القَدْرُ وحده حلَّ الفضلُ وحرمَ النَّساء، وإذا وُجد الجنسُ وحده ففيه هذا الاختلاف. وشرحُ هذه الأصول في كتب الفقه، ونحن استقصينا الكلامَ في الصور والدَّلائل في "حصائل المسائل" (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا يَقُومُونَ﴾: أي: في (٤) القيامة ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: الخَبْطُ: الضَّرْبُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجلَيْن، والزَّبْن بالرُّكبتين، والتخبُّطُ: تكلُّف الخَبْط، والمسُّ: الجنونُ، و: قد مُسَّ، على ما لم يُسمَّ فاعلُه، فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُنَّ فهو مجنون، والجنون قد يكون بضرب

стр. 1524

الشياطين والجِنِّ، ولذلك سُمِّي مجنونًا، وهو بتسليط (١) اللَّه تعالى إيَّاهم على الناس، كما يُسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسِّباع، وله أنْ يفعل في مُلكه ما يشاء؛ أي: لا يقوم آخذُ الربا في القيامة إلَّا كالذي ضربه الشيطانُ فخَبَله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويَسقط ليس كسائر الناس، فإنَّهم يقومون (٢) مِن الأجداث سِراعًا، وهذه عقوبةٌ لهم يُعرَفون بها يومئذٍ، وقد ثَقَّل بطونهم ما أكلنَ (٣) الرِّبا. وقيل: ينتفخ بطنُه يومئذٍ (٤). وقيل: أي: يُملأ جوفُه حيَّاتٍ وعقاربَ ونيرانًا (٥). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: أي: هذا العقابُ لهم في الآخرة باستحلالهم الربا وتمثيلِهم إيَّاه بالبيع قياسًا فاسدًا على معارضةِ ورودِ الشرع بخلافه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الآيةُ دليلُ جوازِ القياس في العقل؛ لأنَّه لو لم يكن في العقل جوازُه لم يكن لقولهم هذا معنًى، لكن وقعَ قياسهم فاسدًا لِمَا قلنا، وفيها دليل أنَّ حرمةَ الرِّبا كانت ظاهرةً عندهم، وكانت هي فيما بينهم كهي فيما بين المسلمين، ولذلك (٦) قال أبو حنيفة ﵀: لا يجوز الرِّبا فيما بين أهل الإسلامِ وأهل الذِّمَّة (٧).

стр. 1525

وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾: أي: كيف يتماثلان والبيعُ محلَّلٌ بتحليل اللَّه تعالى، والرِّبا محرَّمٌ بتحريم اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: لم يقل: جاءته؛ لأنَّ الفعلَ مقدَّم، ولأنَّ الموعظةَ بمعنى الوعظ، ولأنَّ الموعظةَ تأنيثُها ليس (١) بحقيقيٍّ؛ أي: مَن بلَغه هذا الوعظُ والتحريمُ. ﴿فَانْتَهَى﴾: أي: امتنع عن الاستحلالِ والأخذِ. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾: أي: فله ما أخذَ فيما مضى قبل التحريم، وليس عليه ردُّه، وأيضًا غُفر له ما مضى في كفره؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وأشار الإمام أبو منصورٍ ﵀ إلى أنَّ معناه: أنَّه لو ندمَ على ذلك الفعلِ صار له بعد أنْ كان عليه، من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: لا خصومة (٣) للمُعطي، بل صار أمرُه إلى اللَّه وحده. وقيل: أي: مغفرتُه وتعذيبُه إلى اللَّه تعالى، فإنَّ توبته لا يَعلم حقيقتَها إلَّا اللَّه، فهو يغفر له إنْ حقَّق، ويعذِّبه إنْ [لم يحقِّق. وقيل: أمرُه إلى اللَّه في المستقبل، يعصمُه إنْ شاء، ولا يعصمُه إنْ] (٤) شاء، والأول قد غفر له.

стр. 1526

وقال الإمام القشيريُّ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾: مَن انتبه بزواجر الوعظ، وكبحَ لجامَ الهوى، ولم يُطلِق عنانَ الإصرار، فله الإمهالُ في الحال، فإنْ عاد إلى مذمومِ تلك الأحوال، فليَنتظِر وَشْك (١) الاستئصال، وفجاءةَ النَّكال (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: تعلَّقت المعتزلةُ بظاهر هذا في القول بتخليد الفُسَّاق في النار، أنَّه بعَوْده إلى آكلِ الرِّبا -وهو معصيةٌ- صار خالدًا في النار، وقلنا: معناه: ومَن عاد إلى الاستحلال، بدليلِ ما قبله وما بعده، فإنَّه قال في أوَّله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ وهذا تسويةٌ بينهما واستحلالٌ لهما، وقال في آخره: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وهو (٣) مبالغةٌ في صفة الكافر (٤). * * * (٢٧٦) - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: المحقُ: نقصانُ الشيء حالًا بعد حال حتى يذهبَ كلُّه كما في محاقِ الشهرِ، وهو حالُ آخذِ الربا؛ فإنَّه يذهب مالُه كلُّه ولا يَنتفع به ولدُه مِن بعده. وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي: ينمِّيها ويَزيدها، فيُبارك في مالِه ويَنتفع (٥) به أولادُه مِن بعده.

стр. 1527

وهذا في الدنيا، وكذلك في الآخرة؛ فإنَّه يَجعل الصدقات مِن الربا هباءً منثورًا، ويجعلُ الخبيثَ بعضَه على بعضٍ فيركمُه جميعًا فيجعلُه في جهنَّم، ويضاعِف الصَّدقات على ما مر، فيجوزُ أنْ يكون المراد في الدنيا، ويجوز أنْ يكون المراد (١) في الآخرة، ويجوز أنْ يكون (٢) كلاهما. وقال القشيريُّ ﵀: ما كان بإذن اللَّه مِن التصرُّفات فمقرونٌ بالخيرات مصحوبٌ بالبركات، وما كان بمتابعة الهوى والشهوات سلَّط اللَّهُ (٣) عليه المحقَ والهلكاتِ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾: أي: يبغض ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ الفعَّال للمبالغة، وهو صفة للمُصرِّ به المصرِّ عليه ﴿أَثِيمٍ﴾ الأثيم أبلغ من الآثم، ومعناه: كلَّ كفارٍ باستحلاله أثيمٍ بأكله. * * * (٢٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيرُ كلِّ كلماتها. وانتظامُها بما قبلها: أنَّه ليس حالُه كحالِ مَن محقَ اللَّهُ تعالى طاعته (٥) بكفره.

стр. 1528

(٢٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: واتركوا ما بقيَ لكم غيرَ مقبوضٍ مِن مال الرِّبا على مَن عامَلْتُموه به إن كنتم محقِّين (١) في الإيمان؛ فإنَّ الإيمانَ يوجب عليكم طاعةَ ربِّكم فيما أَمركم به، فأمَّا المقبوضُ قبل التحريم فقد دخل في قوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دليلٌ أنَّ حدوثَ الحرمة المانعةِ للقبض يَرتفع به العقدُ، ويَثبت به أيضًا أنَّ حدوثَ شيءٍ في عقدٍ معقودٍ قبل القبض، كالمعقود عليه في استيجاب (٢) حصَّته مِن الثمن (٣). وقال السدِّيُّ ﵀: نزلت الآيةُ في العبَّاس بنِ عبد المطلب وخالد بنِ الوليد وغيرِهما، كانت لهم ربًا على ثَقيف فأُمروا برفضها (٤). ورويَ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا دخل مكَّة عامَ الفتح قبل حجَّة الوداع قال: "إنَّ كلَّ ربًا كان في الجاهلية فهو موضوعٌ تحت قدميَّ هاتين، وأوَّل ربًا أضعه ربا العبَّاس بنِ عبد المطلب" (٥). وقال عكرمة وعطاءٌ: نزلت في العبَّاس بنِ عبد المطلب وعثمان بنِ عفان، وكانا قد أَسلفا في التَّمر، فلمَّا حضر الجذاذُ (٦) قال لهما صاحبُ التمر: لا يبقى لي ما يكفي

стр. 1529

عيالي إنْ أنتما أخذتُما حقَّكما كلَّه، فهل لكما أنْ تأخذا النصف وتُؤخِّرا النصف، وأُضْعِفَ (١) لكما، ففعَلا، حتى إذا حلَّ ذلك الأجلُ، سألهما التأخيرَ ويُضْعِفُ لهما، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فنزلت هذه الآيةُ، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوسَ أموالهما (٢). وقال مقاتل ﵀: نزلت الآيةُ في أربعةِ إخوةٍ: مسعودٍ وحبيبٍ وربيعةَ وعبدِ ياليلَ، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي؛ كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، وكانوا يُربُون، فلمَّا ظهر النبيُّ ﷺ على الطائف اشترطت ثَقيف أنَّ كلَّ ربًا لهم على الناس فهو لهم، وكلَّ ربًا عليهم للناس فهو موضوعٌ عنهم، وطلبوا (٣) رباهم إلى بني المغيرة، فاختصموا إلى عتَّاب بنِ أَسيد بن أبي العَيص بن أميَّة ﵁، وكان رسول اللَّه ﷺ استعمله على مكَّة، فقالوا بنو المغيرة: ما لَنا جُعلنا أَشقى الناسِ بالرِّبا وقد وضعه اللَّهُ عن الناس؟! فقالت ثقيف: إنَّا صالحنا على أنَّ لنا رِبانا، فكتب عتَّابُ بنُ أَسيد إلى النبيِّ ﷺ بالمدينة بقصَّة الفريقين، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فبعث النبيُّ ﷺ بها إلى عتَّاب بنِ أسيد بمكَّة، فبعث عتَّاب ﵁ بها إلى بني عمرو بنِ عمير بنِ عوف، فقالوا: بل نتوبُ إلى اللَّه تعالى ونَذَرُ ما بقيَ مِن الرِّبا، فإنه لا يَدَانِ لنا بحرب اللَّهِ ورسولِه، فطلبوا رؤوسَ أموالهم إلى بني المغيرة، فاشتكوا العُسرة، فأَنزل اللَّهُ ﷻ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤).

стр. 1530

وقيل: إنَّ هؤلاء الإخوةَ قالوا حين أسلموا: يا رسولَ اللَّه! متِّعْنا بالطاغية حولًا، ولا نركعَ ولا نسجدَ في الصلاة، ولا نكسرَ أصنامنا بأيدينا، ونطلبَ ربانا مِن الناس، فقال: "أمَّا الطاغيةُ فلا خيرَ في دينٍ مع عبادة الأصنام، وأمَّا الركوع والسجود فلا خيرَ في صلاة لا ركوعَ فيها ولا سجودَ، وأمَّا كسر الأصنام فنحن نكفيكم ذلك، وأمَّا الرِّبا فحرامٌ عليكم؛ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين"، فنزل في ذلك: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٣]، ونزل في الرِّبا قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ الآية (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاكتفاءُ بموعود ربِّه خيرٌ للمسلم (٢) مِن تعليق قلبِه بمقصودِ نفسه، فأمَّا المقصود فمِن (٣) تسويلات النفس، والموعودات (٤) مِن مضمونات الحقِّ (٥). * * * (٢٧٩) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: قيل: إنْ لم تتركوا ما بقي مِن الربا أيُّها المؤمنون.

стр. 1531

وقوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قرأ أبو عمرو والكسائيُّ مقصورًا، وقرأ عاصمٌ -في رواية أبي بكر (١) - وحمزةُ ممدودًا (٢). وتفسير المقصور: فاعلموا أنتم، وتفسير (٣) الممدود: فأَعْلِموا غيرَكم، يقال: آذَنْتُه بكذا إيذانًا، فأَذِنَ به أَذَنًا؛ أي: أعلمْتُه فعَلِم، وأصلُه: إسماعُ أذنه وإعلامُ قلبه به (٤). وتقديره: فاعلموا أنَّكم تحاربون اللَّه ورسوله، وهو تعظيمُ حالِ المؤمنين؛ فإنَّه جعل إيذاءَهم كإيذائه (٥)، وهو تشبيهٌ لهم بقُطَّاع الطريق، فإنَّ اسمَهم في القرآن هذا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، والجامع بينهما: أنَّ قاطعَ الطريق يحارب المؤمنين فيأخذ منهم ما لم يُعطِهم، فصار محاربًا للَّه ورسوله على معنى أنَّه آذى أولياءَ اللَّه وأولياءَ (٦) رسوله، والمرابي (٧) أيضًا بأخذِ الزيادةِ على رأسِ مالِه يأخُذ (٨) ما لم يعطِه، فكان كقاطع الطريق في ذلك (٩)، وهذا إثباتُ المعصية دون الكفر في حقِّ مَن لا يستحلُّه، وهذا كقوله ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: مَن أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة" (١٠).

стр. 1532

وله وجهٌ آخرُ؛ فإنَّه قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: فاتركوا إنْ كنتم مقرِّين بتحريمه، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾؛ أي: فإنْ لم تقولوا بتحريمه ولم تقبلوا ذلك، فاعلموا أنَّكم كفَّارٌ محارِبون اللَّهَ ورسولَه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾: أي: مِن أخذِ الرِّبا ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ قَدْرَ ما أعطيتُموهم ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ أنتم غرماءكم بأخذِ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾؛ أي: هم (١) لا يَظلمونكم بالنقصان عن رؤوس أموالكم. * * * (٢٨٠) - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ رفع ﴿ذُو﴾ مِن وجهين: أحدهما: أنَّه اسمُ ﴿كَانَ﴾، وخبرُه مُضمَرٌ، كأنَّه قال: وإنْ كان ذو عسرة غريمًا لكم، أو: إنْ كان هناك ذو عسرة، أو كان فيكم أو منكم، فيكون الخبر متقدِّمًا أو متأخِّرًا. والثاني: أنْ يكون تامًّا مكتفيًا باسمِه عن خبره، يقال: كان الأمرُ؛ أي: وقع، وتقدير هذا: وإنْ وقع ذو عسرة، وإنْ حَدث ذو عسرة، وإنْ وُجد ذو عسرة. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود ﵃: (وإنْ كان ذا عسرة) (٢)؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرة.

стр. 1533

وقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: أي: إنظارٌ وإمهالٌ، ورفعُه بطريقين: فعليكم نَظِرةٌ له، أو: فله نَظِرةٌ؛ أي: فأَنظِروه. وقوله تعالى: ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: أي: إلى يسارٍ وغنًى. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (أنْ) مع الفعل مصدرٌ؛ أي: وتصدُّقُكم بكلِّ المالِ عليه إذا عجز عن إدائه (١) خيرٌ لكم؛ فإنَّه في الدنيا فانٍ وثوابُه في الآخرة باقٍ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: تعملون بعلمكم (٢). والآيةُ نزلت في دَيْن الرِّبا، ثم حكمُ كلِّ دَينٍ (٣) كذلك؛ لعموم اللفظ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآيةُ على جواز التصرُّف في البيع الفاسد؛ لأنَّه جعل لأرباب الأموالِ النظرةَ إلى ميسرةِ مَن عليه المالُ، ولو كان له أَخْذُه (٤) حيثما وجده بعدما تناولته الأيدي، أو كان له حقُّ تضمينِ مَن هو أغنى، لم يكن لإنظار المعسِر إلى وقت الميسَرة معنًى (٥). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا حكمُ اللَّه ﷻ في حقِّ المفلِس فيما بيننا في الدنيا، فلا نظنُّه (٦) لا يرحمنا مع علمه بإعسارنا وعجزنا وإفلاسنا، وصدقِ افتقارنا إليه، وانقطاعِنا في العُقبى له (٧).

стр. 1534

(٢٨١) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾: أي: عذابَ يومٍ، ويجوز أنْ يكون على ظاهره؛ لأنَّ يومَ القيامة مَخُوفٌ لِمَا فيه. ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾: أي: تُردُّون فيه إلى حساب اللَّهِ وجزائه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ التوفيةُ والإيفاءُ: الإكمالُ. ﴿مَا كَسَبَتْ﴾: أي: ما عملت مِن خيرٍ أو شرٍّ. وقيل: ما أحرزت مِن ثواب أو عقاب. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي: لا يُنقَصون. وقيل: أي: لا يَجري عليهم ظلمٌ بمنعِ ثوابٍ موعود، أو تعذيبٍ لا على فعلٍ مذموم. وقيل: إن ابن عباس ﵄ بكى (١) عند هذه الآية وقال (٢): هذه آخرُ آيةٍ أُنزلت وخُتم القرآن بالوعيد، وعاش رسولُ اللَّه ﷺ بعدها سبعةَ أيَّام (٣). وقال ابن عباس ﵄ في روايةٍ: هي آخرُ آيةٍ أُنزلت (٤) مِن القرآن،

стр. 1535

جاء بها جبريلُ ﵇ فقال: ضعها على رأس مئتين وثمانين آيةً مِن البقرة. وعاش بعدها رسولُ اللَّه ﷺ أحدًا وعشرين يومًا (١). وقال الكلبيُّ: نزلت بمنًى وبينها وبين موت النبيِّ ﵊ أحد وثلاثون يومًا. وقال عطاء: نزلت قبل وفاته بثلاثِ ساعاتٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "اجعلوها بين آية الدَّين وآية الرِّبا" (٢). وقال أُبَيُّ بنُ كعبٍ ﵁: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٣). وقال البراء بنُ عازب: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤). * * * (٢٨٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا

стр. 1536

رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ التَّدايُن والمداينة: التبايعُ والمبايعة بالدَّين، فأمَّا الإقراضُ فهو إعطاءُ العين ليملكَه القابضُ بمثله. ذكَر في الآيات المتقدِّمة الكسبَ، والإنفاقُ منه، ونهَى عن الإرباء والاسترباء، وأَذِن في البيع والشراء، وبيَّن في هذه الآية كيفيَّة العقود، وعلَّم كيفيَّة (١) ما يُكتب فيها مِن العهود، فقال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ أي: تعاقَدْتُم عقودًا يكون البدَل فيها دَينًا، ثم قوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ تأكيدٌ وإن استُفيد (٢) ذلك بالتَّداين. وقيل: بل هو للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلًا أو كثيرًا. وقيل: لمَّا كان التَّدايُن يُذكر للتَّجازي قيَّده بقوله: ﴿بِدَيْنٍ﴾ بيانًا أنَّ المرادَ به حقيقةُ المداينة دون المجازاة، كما في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] لمَّا كان الطيران يُذْكر (٣) للسرعة ذكر الجناحين بيانًا أنَّ المراد به الحقيقةُ دون المجاز.

стр. 1537

وقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأجلُ المضروبُ لأداء بدَل الدين (١). وقال ابنُ عباس ﵄: الآية في السَّلَم، قال: ولمَّا حرَّم اللَّهُ تعالى الرِّبا أباح السَّلَف (٢)، فدلَّت الآيةُ على اشتراط الأجل في السَّلَم لصحَّته. ثم هذه الآيةُ أطولُ آيةٍ في القرآن وأبسطُها شرحًا وأبينُها كشفًا وأبلغُها وجوهًا، يُعلِم بذلك أنَّ مراعاةَ حقوقِ الخلق واجبةٌ، والاحتياطَ على الأموال التي بها قوام أمورِ الدنيا والدِّين لازمٌ. وقال القشيريُّ: وفيما شُرع مِن الدَّين رفقٌ لأرباب الحاجات؛ لأنَّ مَن مسَّته الحاجةُ يحمله الحالُ على الاحتيال، ويَضيق به الصدرُ عن الاحتمال، ويمنعه حفظُ التجمُّل عن السؤال، فأذن له في الاستدانة ليَجبُر أمره في الحال، وينتظرَ فضلَ اللَّه في المآل، وقد وعدَ على الإدانة الثوابَ الكثيرَ وذلك (٣) مِن لُطف اللَّهِ الكبير المتعال (٤). وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾؛ أي: أَثبتوا ذِكْره في كتابٍ يشتمِل (٥) على وصفِ المعاملةِ ومقدارِ الحقِّ والأجلِ، تَرجعون إليه عند الحاجة إليه، وهذا وإنْ كان خطابًا للجميع (٦) ولكنَّه بناءٌ على التداين، فدلَّ أنَّ المخاطبَ به مَن فعَل ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾: أي: فليس كلُّ صاحبِ حادثةٍ

стр. 1538

يَعلم الكتابةَ بنفسه، فلْيعيِّن لها (١) مَن يَعلم ذلك، وليكتبه الكاتبُ العالِمُ العادلُ الذي يُراعي الطرفين، ولا يزيد فيه ولا ينقص منه عن (٢) الحق والعدل بينهما على ما كان، ولا يميل إلى أحدهما بزيادةٍ أو نقصان. ثم قال العلماء ﵏: ينبغي لهذا الكاتب أنْ يكون ما يَكتبه متَّفَقًا عليه، حتى لا يُتوهَّمَ أنَّه إذا رُفع إلى قاضٍ يرى خلافَه أَبطله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾: هذا نهيُ مُغايَبة، ولذلك سقطت الياء من اَخره، والإباءُ: الامتناعُ؛ أي: لا يمتنعْ كاتِبٌ عن أنْ (٣) يكتبَ هذه الوثيقة. وقوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: أي: كما ورد به الأمرُ في الشرع مِن اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ هذا أمرُ مغايَبة، ولذلك جُزم. وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ وهذا أمر أيضًا على المغايبة، والإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة، و ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هو الذي عليه الدَّيْن، فلمَّا كان الإملاءُ إليه، دلَّ أنَّ القولَ في الدعاوي قولُ مَن عليه الحقُّ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: وليتَّقِ الذي عليه الدَّينُ ربَّه، فلا يمتنعْ عن الإملاء جحودًا لكلِّ حقِّه ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٥)؛ أي: ولا ينقص مِن الدَّيْن الذي عليه شيئًا في الإملاء فيكون جحودًا لبعض حقِّه.

стр. 1539

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: قيل: السفيهُ: العاقلُ البالغُ الذي بَلغ (١) غيرَ رشيدٍ؛ فهو (٢) مبذِّرٌ لماله مُضيِّع له بسفَهه، والضعيفُ: الصبيُّ، والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ: المجنون. وتفسير السفيه بهذا مذهبُ أبي يوسف ﵁ ومحمَّد والشافعيِّ ﵏؛ فإنَّهم يَرَون الحَجْرَ عليه؛ فيَبطل تصرُّفه ويقوم مقامه وليُّه، فأمَّا أبو حنيفة ﵀ فإنَّه لا يَرى الحَجْرَ عليه؛ فهو يفسِّر السفيهَ على ما فسَّره كثيرٌ مِن السَّلَف: أنَّه المجنون؛ لأنَّ السَّفهَ خفَّةُ العقل ونقصانٌ فيه، والمجنون فائتُ العقل أو مختلُّ العقل، والضعيف: الصبي، والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ هو: الأخرسُ ونحو ذلك (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: فليَقُم مقامَه عند عجزه في الإملال وليُّه، ووحَّد الكناية (٤) مع سبق ذِكْر الثلاثة؛ لأنَّه أدخلَ بينهم كلمةً، أو فيكون في الحادثة الواحدة واحدٌ منهم، فأضيف الوليُّ إلى ذلك الواحد. ثم بيَّن أن الكتابة لا تكفي، إنَّما يقع التوثيقُ بالإشهاد عليه، وذلك (٥): قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أي: أَشهِدوا على الكتاب اثنينِ مِن ذكوركم، والاستشهاد (٦): طلبُ الشهادة وسؤالُها؛ فإنَّ سين الاستفعال للطلب والسؤال.

стр. 1540

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ الألفُ ضميرُ الشاهدين (١)، فإنَّها للتثنية، وقد سبق ذِكْر الشاهدين (٢). وقوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ له أربعةُ وجوهٍ: فلْيَكن رجلٌ وامرأتان، فلْيَشهد رجلٌ وامرأتان، فالشهيد رجلٌ وامرأتان، فرجلٌ وامرأتان يشهدون. ثم ليس هذا تعليقَ جوازِ شهادة (٣) رجلٍ وامرأتين بعدم رجلين، وإنْ كان ظاهرُه يقتضيه؛ لإجماع الأمة على أنَّ إشهادَ رجلٍ وامرأتين -مع إمكان إشهاد رجلين- جائزٌ، لكنَّه بيانُ أنَّ الأَولى أنْ يشهد رجلان إلَّا أنْ يتعذَّر فيصار إلى إشهادِ رجلٍ وامرأتين. وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾: أي: أَشهِدوا الرجلين أو الرجل والمرأتين مِن العدول المرْضيين مِن الشهود. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾: قرأ حمزة: ﴿إنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف، ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ (٤) على الشرط؛ أي: إنْ نسيت إحداهما ذكرتها (٥) الأُخرى. وقرأ الباقون بالفتح، ووجه الفتح: أنَّه يُضمَر فيها لام (كي). والضلال: النسيان، كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. فإنْ قالوا: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنَّما الإشهادُ للإذكار لا للضلال (٦)؟

стр. 1541

قلنا: عنه جوابان: أحدهما: قول سيبويه: أنَّ الضلالَ سببُ الإذكار، فقدَّم الضلال على الإذكار (١) لأنَّه سببه (٢)، كما يقال: أَعددتُ هذا الحائطَ أن يميل فأدعمه، وإنَّما أَعدَّه للدعم لا للميل، لكن قدَّم عليه الميل لأنَّه سببه (٣). والثاني: قول الفراء: أنَّه بمعنى (٤) الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلَّا أنَّه لمَّا قدَّم (أنْ) اتَّصل (٥) بما قبله من العامل فانفتح. وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾؛ أي: تزيلَ نسيانها وتثبِّت الذِّكرَ في قلبها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: له وجهان: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، و: لا يمتنع المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والأول للندب، والثاني للفَرْض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: أي: لا تَمَلُّوا، قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾: أي: مِن أنْ تكتبوا ذلك الدَّين صغُر أو كبُر (٦)؛ أي: قلَّ أو كَثُرَ، فإنَّ جحودَ القليل فيه إثمٌ أيضًا، والتَّوقِّي عنه لازم. و ﴿صَغِيرًا﴾ نصبٌ على الحال، ويجوز نصبًا بـ (كان) على الإضمار.

стр. 1542

وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّ هذا على (١) أنَّ السَّلَمَ في الثياب (٢) جائزٌ؛ لأنَّ الكَيْليَّ والوزنيَّ لا يُوصف بالصغر والكِبَر (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدل، والقِسط: العدل، والمُقْسِط: العادل، والقاسط: الجائر. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: أي: أشدُّ تقويمًا له؛ فإنَّ الشاهدَ لو اتَّكل على حفظه فقد يتغيَّر، وإذا بَنَى على المكتوب القيِّم (٤) استقام. وقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: أي: أقربُ إلى أنْ لا تشكُّوا، فإنَّه قد يقع الشَّكُّ في المقدار والصفات، فإذا (٥) رجعوا إلى المكتوب زال ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: أَمَر بالكتابة في المداينات، وأباح تركَها (٦) في النقد مِن التجارات؛ لزوال الداعي إليها. وقرأ عاصم ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالنصب (٧) على أنَّه خبر (كان)، والاسم مُضمَرٌ، وتقديره: إلَّا أنْ تكون المعاملةُ تجارةً حاضرةً، أو: تكونَ التجارةُ تجارةً حاضرة.

стр. 1543

وقرأ الباقون بالرفع على أنَّ (كان) مكتفٍ (١) باسمه، وتقديرُه: إلَّا أنْ تَحدثَ تجارةٌ، أو: تقعَ تجارةٌ، أو يكونُ خبره ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. والتجارةُ الحاضرةُ هي النقدُ بالنقد. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: في العاجل والآجل جميعًا، وهذا (٢) أمرُ ندبٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هذا نهيٌ، وحقُّه الجزمُ، وفُتح لالتقاء الساكنين، وحُرك بالفتح (٣) لأنه أخفُّ الحركات، وفي كيفية حركة الراء الأولى قبل الإدغام قولان: قال الحسن وقتادةُ وابن زيد وعطاءٌ: هي الكسرة (٤)؛ أي: ولا يضارِرْ، وهو نهيٌ للكاتب والشاهد عن الإضرار بالمتعاملَينِ أو أحدِهما، بالامتناع عن الكتابة وتحمُّل الشهادة في حالِ خوف الفوت، وكذا في كتابةِ غيرِ ما يُملى عليه والتغييرِ منه، وكذا في الشهادة على غير ما لَهُ أو الامتناعِ عن أداء الشهادة. وقال ابن مسعود ومجاهدٌ ﵄: هي الفتحة؛ أي: ولا يضارَرْ (٥)، وهو نهيٌ للمتعاملَينِ عن إلحاق الضرر بالكاتب والشاهد، في أمرهما بالكتابة وتحمُّلِ الشهادة وهما مشغولان بمُهمٍّ لهما، أو بإجبارهما على الفعل مع امتناعهما ووجود

стр. 1544

غيرهما، أو التضييقِ عليهما في التعجيل وهما في حاجةٍ لهما ما (١) لم يَفرغا منها، وهو كما مر في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن له وجهين (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: أي: الضرارُ (٣) فسقٌ وخروجٌ عن الأمر. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هذا كلُّه ظاهر. * * * (٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: أي: فالوثيقةُ رهانٌ، وهي جمع رهنٍ، وهي (٤) العين المقبوضة بالدَّين توثيقًا له. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿فرُهُنٌ﴾ (٥) وهو جمعُ جمعٍ. و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودَل ذلك على أن حُكمه دوامُ الحبس، فإنه لا يصير رهنًا إلا بابتداء القبض (٦)، فذكرُ الرهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها

стр. 1545

بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام (١) القبض فيها. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: أي: فإن ائْتَمَن الطالبُ المطلوبَ فلم يَتوثَّقْ (٢) بالكتابة والشهود والرهن فليؤدِّ المطلوبُ ما اؤتُمن (٣) عليه. والأمانةُ مصدرٌ أُريد بها المفعول به هاهنا؛ كما في قولهم: هذا علمه، وهذه قدرته، وهذه شهوته. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: أي: فلا يجحد حقه ولا يمنعه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: هذا خطاب للشهود. وقوله تعالى (٤): ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وكتمانُ الشهادة على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون له شهادةٌ على المطلوب، والمطلوبُ يظنُّ أنه لا شهادةَ عليه فيقصدُ المنع، وهذا الشاهد لا يخبرُه أن له عليه شهادةً بذلك ليَحمله ذلك على أداءِ الحق (٥). والثاني: أن لا يَعلم الطالب أن له على حقِّه شاهدًا، وهو كالعاجز (٦) في حاله، فلا يخبره (٧) أن له شهادةً على حقِّه فيتقوَّى به.
следующие страницы →