← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قلنا: عنه جوابان: أحدهما: قول سيبويه: أنَّ الضلالَ سببُ الإذكار، فقدَّم الضلال على الإذكار (١) لأنَّه سببه (٢)، كما يقال: أَعددتُ هذا الحائطَ أن يميل فأدعمه، وإنَّما أَعدَّه للدعم لا للميل، لكن قدَّم عليه الميل لأنَّه سببه (٣). والثاني: قول الفراء: أنَّه بمعنى (٤) الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلَّا أنَّه لمَّا قدَّم (أنْ) اتَّصل (٥) بما قبله من العامل فانفتح. وقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾؛ أي: تزيلَ نسيانها وتثبِّت الذِّكرَ في قلبها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: له وجهان: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، و: لا يمتنع المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والأول للندب، والثاني للفَرْض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: أي: لا تَمَلُّوا، قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾: أي: مِن أنْ تكتبوا ذلك الدَّين صغُر أو كبُر (٦)؛ أي: قلَّ أو كَثُرَ، فإنَّ جحودَ القليل فيه إثمٌ أيضًا، والتَّوقِّي عنه لازم. و ﴿صَغِيرًا﴾ نصبٌ على الحال، ويجوز نصبًا بـ (كان) على الإضمار.

стр. 1542

وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّ هذا على (١) أنَّ السَّلَمَ في الثياب (٢) جائزٌ؛ لأنَّ الكَيْليَّ والوزنيَّ لا يُوصف بالصغر والكِبَر (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: أعدل، والقِسط: العدل، والمُقْسِط: العادل، والقاسط: الجائر. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: أي: أشدُّ تقويمًا له؛ فإنَّ الشاهدَ لو اتَّكل على حفظه فقد يتغيَّر، وإذا بَنَى على المكتوب القيِّم (٤) استقام. وقوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: أي: أقربُ إلى أنْ لا تشكُّوا، فإنَّه قد يقع الشَّكُّ في المقدار والصفات، فإذا (٥) رجعوا إلى المكتوب زال ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: أَمَر بالكتابة في المداينات، وأباح تركَها (٦) في النقد مِن التجارات؛ لزوال الداعي إليها. وقرأ عاصم ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالنصب (٧) على أنَّه خبر (كان)، والاسم مُضمَرٌ، وتقديره: إلَّا أنْ تكون المعاملةُ تجارةً حاضرةً، أو: تكونَ التجارةُ تجارةً حاضرة.

стр. 1543

وقرأ الباقون بالرفع على أنَّ (كان) مكتفٍ (١) باسمه، وتقديرُه: إلَّا أنْ تَحدثَ تجارةٌ، أو: تقعَ تجارةٌ، أو يكونُ خبره ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. والتجارةُ الحاضرةُ هي النقدُ بالنقد. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: في العاجل والآجل جميعًا، وهذا (٢) أمرُ ندبٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هذا نهيٌ، وحقُّه الجزمُ، وفُتح لالتقاء الساكنين، وحُرك بالفتح (٣) لأنه أخفُّ الحركات، وفي كيفية حركة الراء الأولى قبل الإدغام قولان: قال الحسن وقتادةُ وابن زيد وعطاءٌ: هي الكسرة (٤)؛ أي: ولا يضارِرْ، وهو نهيٌ للكاتب والشاهد عن الإضرار بالمتعاملَينِ أو أحدِهما، بالامتناع عن الكتابة وتحمُّل الشهادة في حالِ خوف الفوت، وكذا في كتابةِ غيرِ ما يُملى عليه والتغييرِ منه، وكذا في الشهادة على غير ما لَهُ أو الامتناعِ عن أداء الشهادة. وقال ابن مسعود ومجاهدٌ ﵄: هي الفتحة؛ أي: ولا يضارَرْ (٥)، وهو نهيٌ للمتعاملَينِ عن إلحاق الضرر بالكاتب والشاهد، في أمرهما بالكتابة وتحمُّلِ الشهادة وهما مشغولان بمُهمٍّ لهما، أو بإجبارهما على الفعل مع امتناعهما ووجود

стр. 1544

غيرهما، أو التضييقِ عليهما في التعجيل وهما في حاجةٍ لهما ما (١) لم يَفرغا منها، وهو كما مر في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن له وجهين (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: أي: الضرارُ (٣) فسقٌ وخروجٌ عن الأمر. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هذا كلُّه ظاهر. * * * (٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: أي: فالوثيقةُ رهانٌ، وهي جمع رهنٍ، وهي (٤) العين المقبوضة بالدَّين توثيقًا له. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿فرُهُنٌ﴾ (٥) وهو جمعُ جمعٍ. و ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودَل ذلك على أن حُكمه دوامُ الحبس، فإنه لا يصير رهنًا إلا بابتداء القبض (٦)، فذكرُ الرهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها

стр. 1545

بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام (١) القبض فيها. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: أي: فإن ائْتَمَن الطالبُ المطلوبَ فلم يَتوثَّقْ (٢) بالكتابة والشهود والرهن فليؤدِّ المطلوبُ ما اؤتُمن (٣) عليه. والأمانةُ مصدرٌ أُريد بها المفعول به هاهنا؛ كما في قولهم: هذا علمه، وهذه قدرته، وهذه شهوته. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾: أي: فلا يجحد حقه ولا يمنعه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: هذا خطاب للشهود. وقوله تعالى (٤): ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وكتمانُ الشهادة على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون له شهادةٌ على المطلوب، والمطلوبُ يظنُّ أنه لا شهادةَ عليه فيقصدُ المنع، وهذا الشاهد لا يخبرُه أن له عليه شهادةً بذلك ليَحمله ذلك على أداءِ الحق (٥). والثاني: أن لا يَعلم الطالب أن له على حقِّه شاهدًا، وهو كالعاجز (٦) في حاله، فلا يخبره (٧) أن له شهادةً على حقِّه فيتقوَّى به.

стр. 1546

والثالث: أن تكون شهادته ظاهرةً، ولكنْ إذا طلبها المدَّعي منه امتَنع وكتم تلك الشهادة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قيل (١): أي: فاجر قلبُه، وقيل: أي: مؤاخَذٌ (٢) به قلبُه. وإنما علَّقه به لأن الكتمان يكون من القلب، ولأنه يكون بقصدِ القلب إلى ذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن أصلَ الإثم ينشأُ من القلب، قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صلَح لها سائرُ الجسد (٣)، وإذا فسَدَت فَسَد لها سائر الجسد، ألَا وهي القلب" ثم يشيع في البدن، فلذلك أضافه إلى القلب، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقال: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾: هذا وعدٌ ووعيدٌ على ما مرَّ مرَّات. * * * (٢٨٤) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: كلمة (ما) تتناول ما فيهما ومَن (٥)

стр. 1547

فيهما؛ أي: فليس يخفَى عليه من أسرار خلقه وأفعالهم شيءٌ (١)، فمَن ائتَمر بأوامره وانتهَى بنواهيهِ عَلِم ذلك، ومَن خالف ذلك علِم ذلك، حثَّهم (٢) على العمل بكلِّ ما في هذه الآية وما قبلها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: أي: ما في قلوبكم من كتمان الشهادة وغيرِ ذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، دلَّ ظاهره على المؤاخَذة بما يكون من القلب. وجملتُه: أن عزمَ الكفرِ كفرٌ، وخطرةَ الذنوب من غير عزمٍ مغفورة (٣)، وعزمَ الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه (٤) واستغفر منه مغفورٌ، فأما الهمُّ بالسيئة ثم يُمنع (٥) عنه بمانعٍ لا باختياره وهو ثابت على ذلك، فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبةَ فعله، يعني: بالعزم على الزنا لا يعاقَب عقوبة الزنا، أما هل يعاقَب على العزم عقوبةَ عزم الزنا؟ قيل: هو معفوٌّ عنه؛ لقوله ﵊: "إن اللَّه تعالى عفا لأمَّتي عما (٦) حدَّثت به أنفُسَها ما لم تعملْ (٧) أو تتكلَّم به" (٨).

стр. 1548

وأكثرهم على أن الحديث في الخَطْرة دون العَزْمة، وأن المؤاخَذة في العزمة ثابتةٌ، وكذا قال الإمام أبو منصور الماتُريديُّ ﵀ (١). وذكر شمسُ الأئمة أبو محمد عبد العزيز بنُ أحمد الحَلْوانيُّ ﵀ في كتاب (٢) "أحكام القرآن" في هذه الآية وقال: إن الخطرة لا يؤاخَذ بها والعزمَ يؤاخَذُ به (٣)، واللَّهُ ﷻ يعاتبُه ويحاسبه، ثم إنْ شاء غفر له وذلك فضلٌ منه، وإن شاء عذَّبه وذلك عدلٌ منه. واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. واحتج القائلون به بآيات من القرآن: منها قولُه: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. ومنها قولُه ﷻ : ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]. ومنها قولُه عز وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ الآية [النور: ١٩]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥].

стр. 1549

وقال تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من المعاني والدعاوي ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من المقاصد والمطالب. قال: ويقال: ما تُبديهِ العبادة، وما تُخفيهِ الإرادة. ويقال: ما تُخفيهِ الفكرات والخطرات، وما تُبديهِ السَّكَنات والحركات (١). وقوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال الحسن ﵀: ليس يعاقِبُ اللَّه تعالى عبدًا يوم القيامة (٢) أسرَّ عملًا أو أعلنَه من حركة في جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره (٣)، ثم يغفرُ ما يشاءُ لمَن يشاء، ويعذِّب مَن يشاءُ بما يشاء (٤). وروى الضحَّاكُ عن عائشة ﵂ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قالت: هو الرجل يَهُمُّ بالمعصية ولا يعملُها، فيُرسلُ عليه من الهمِّ والحزنِ بقَدْرِ ما همَّ به من المعصية، فذلك محاسبتُه (٥). وفي أكثر التفاسير من وجوه مختلفة: أنه لما نزلت هذه الآية جَزِعت الصحابة رضوان اللَّه عليهم وقالوا: أنُؤاخذ بكلِّ ما حدَّثت به أنفسُنا؟! فنزل قوله تعالى:

стр. 1550

﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١)، فتعلَّق ذلك بالكسب دون العزم. وفي بعضها أنها نُسخت بهذه (٢)، وأكثر المحققين من أهل الأصول على أن النسخ يكون في الأحكام دون الأخبار، وهذا خبر (٣)، وليس في أكثر الروايات لفظُ النسخ، بل ورود (٤) هذه الآية بعد تلك الآية، وهو (٥) بيان أنه لا يؤاخَذ بالخَطْرة فهي ليست في وسعه، ويؤاخَذ بالعزمة، أو تكون المحاسبة بالمسائلة ثم يكون العفو، وتفسيرُه ختم الآية وهو قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم تكلَّموا في أهل هذه المشيئة، والصحيحُ أنه يعذب الكفار لا محالةَ ولا يغفر الشرك، فأما ما وراء ذلك: فإن شاء غفَره بفضله، وإن شاء عذَّب عليه بعدله.

стр. 1551

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: من المغفرة والتعذيب وغير ذلك. * * * (٢٨٥) - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: قال الحسن ومجاهدٌ وابن سيرين وابن عباس في روايةٍ: أن جبريل ﵇ أَنزل على محمد ﷺ جميع القرآن إلا هذه الآياتِ الثلاث، فإن اللَّه تعالى أَوحى (١) إلى محمد هذه الآيات الثلاث ليلةَ المعراج بلا واسطةٍ، وسورةُ البقرة مدنيةٌ إلا هده الآياتِ الثلاث (٢). وقال سعيد بن جبير والضحَّاك وعطاءٌ وابن عباس في رواية: انزلها جبريل على النبيِّ ﷺ بالمدينة. وقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ أي: اعتقد وأقرَّ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: بوحي القرآن إليه، ولم يُرِدْ به حدوثَ الإيمان منه (٣) بعد أن لم يكن كذلك؛ لأنَّه كان مؤمنًا باللَّه وبوحدانيته قبل الرسالة منه (٤)، ولا يجوز أن يوصف بغير ذلك، لكنْ أراد به الإيمانَ بالقرآن، فإنه قبل إنزال القرآن لم يكن عليه الإيمان به، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أي: ولا

стр. 1552

الإيمانُ بالكتاب؛ فإنه قال ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص: ٨٦]. وقال (١) الإمام القشيري ﵀: شهادةُ الحقِّ سبحانه لنبيِّه ﵇ بالإيمان أتمُّ له من إخباره عن نفسه بشهادته. قال: ويقال: آمَنَ الخلقُ كلُّهم من حيث البرهان وآمن الرسول من حيث العِيَان، آمَنَ الخلق بالوسائط وآمَن الرسول بلا وسائط، آمن الخلق استدلالًا وآمن الرسول مشاهدةً ووصالًا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: قيل: هو عطفٌ على الأول؛ أي: والمؤمنون آمنوا بذلك أيضًا (٣) ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: محمدٌ وأمتُه كلٌّ منهم آمَن باللَّه ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقيل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ هذا تامٌّ، وهو إخبارٌ عن إيمانه بالقرآن، وكان هذا بعد الوحي، وإيمانُه بكلِّ الأركان التي سِوَاه كان موجودًا قبل ذلك منه، ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ وإيمانُ المؤمنين بكلِّ هذه الأشياء كان بعد ما دُعوا إليها، فإنهم لم يكونوا عارفين بها مؤمِنين بها، و (كلّ) كلمة تصلح للواحد والجمع، فإنها تعم عمومَ الأفراد (٤)، وفي القرآن: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [مريم: ٩٥] وهذا للفرد، وقال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهذا للجمع.

стр. 1553

وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود -وهو قراءة جماعة من التابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين-: ﴿ولا يُفرِّق﴾ بالياء ردًا إلى قوله: ﴿كُلٌّ﴾ (١). والقراءة الظاهرة: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون، وفيه إضمارٌ؛ أي (٢): يقولون، وهو في كثير من الآيات (٣): ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] قالوا: ما نعبدهم. و ﴿أَحَدٍ﴾ بمعنى: آحاد، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال رُؤْبةُ: إذا أمورُ الناس دِيكَتْ دوكًا... لا يَرهبون أحدًا رَأَوكا (٤) ومعناه (٥): بين أحدٍ من رسله وسائرِهم، كتفريق (٦) اليهود والنصارى بالإيمان ببعض الرسل والكتبِ دون بعض. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾: أي: بآذاننا ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: بأبداننا.

стр. 1554

وقيل: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: عقَلنا وفهِمنا؛ كما في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]. وقيل: ﴿سَمِعْنَا﴾؛ أي: قبِلنا، وهو كقولهم: سَمِعَ اللَّهُ لمَن حَمِدَه. وقوله تعالى: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾: أي: يقولون: اغفر لنا، كما قال تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي: فاضربوا. أو: يقولون: نسألك غفرانك، وهو أولى؛ لئلا يتكرَّر الدعاء بقوله في آخر السورة: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ ويَصلح الجمع بينهما: نسألك غفرانك فاغفر لنا. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾: أي: المرجعُ في التوفيق في الدنيا والثوابِ في الآخرة (١)، وفيه إقرارٌ (٢) بالبعث والجزاء، وفيه دليلٌ على بطلان الاستثناء، وعلى تحقيق اسم الإيمان بوجوده. * * * (٢٨٦) - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: حمَلها المتكلِّفون لمراعاةِ النظم على قول المؤمنين ذلك؛ أي: هم قالوا: إن اللَّه لا

стр. 1555

يكلِّف نفسًا إلا وسعها؛ أي: إلا (١) طاقتها، ولكلِّ نفسٍ ثوابُ ما أطاعت، وعلى كلِّ نفسٍ عقابُ ما عصت. فإنَّ ما قبلها وما بعدها كلامهم. ويجوز أن يتخلَّل بين كلامي المؤمنين إخبارٌ من اللَّه بذلك، ويكون الكلامُ بالمخاطبة والمغايَبة، واعتراضُ الكلام قبل التمام في القرآن كثير، وهو في كلام البُلغاء موجودٌ. ومعنى الآية: لا يأمر اللَّه عبدًا بما ليس في طاقته، ولكلِّ نفسٍ ثوابُ ما عملت من خيرٍ وعليها عقابُ ما عملت من شرٍّ (٢). والكسبُ والاكتسابُ كلُّ واحدٍ منهما يَصلح إطلاقُه في عمل الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١١] ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]، وإنما غايَر بين اللفظين عند ذكر عملَين لأنه أعذبُ في السماع (٣)، وإنما جُعل الكسبُ في الخير والاكتسابُ في الشر لأن الافتعالَ فيه زيادةُ تكلُّفٍ على الفعل، والذنبُ لا يؤتَى إلا بزيادةِ جهدٍ من العبد وتكليفٍ من النفس، فأما الخير فعقلُه (٤) ودِينه والمؤمنون والصالحون، والمعاني الغالبة له جالبةٌ. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: أي: يقولون، ودل هذا على جواز المؤاخَذة في النسيان والخطأ، فإن التحرُّز عنهما في الجملة ممكنٌ، ولولا جوازُ المؤاخَذة في النسيان والخطأ بهما لم يكن للسؤال معنًى.

стр. 1556

وخفَّف اللَّه تعالى عن هذه الأمة فرفع عنها (١) المؤاخَذةَ، وقال النبي ﷺ : "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، فدل أنهم مخصوصون بها، والأمم السالفةُ كانوا مؤاخَذين بذلك (٣). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا﴾: أي: ثِقْلًا، وجمعُه: الآصار، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو العباداتُ الشاقَّةُ، والعقوباتُ العظيمة، والأحكامُ الشديدة، وما كان يظهر على جباههم وأبوابِ دُورهم من ذنوبهم التي أَخفَوها. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي: لا تكلِّفنا ما يَشُقُّ علينا الدوامُ عليه، ولم يُردْ به عَدَم الطاقة أصْلًا فإنه لا يكون فلا يُسأل، وهو كقول النبي ﷺ : "للمملوك طعامُه وشرابُه وكسوتُه، ولا يكلَّفُ من العمل ما لا يُطيق" (٤). وقيل: أي: ما يَشُقُّ علينا من الدوامِ عليه، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]؛ أي: كان يَشُقُّ عليهم ذلك، لا أنهم لم يستطيعوها أصلًا.

стр. 1557

وقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: أي: اتركْ عقوبتَنا؛ قال ﵊: "عَفَوْتُ لأمَّتي عن صَدَقةِ الخيلِ والرَّقيق" (١). وقيل: أي: تجاوَزْ عنا فلا تعاقِبنا بذنوبنا، وقد عَفَتِ الرِّيحُ الأثر؛ أي: مَحتْه. وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: أي: استُرْ ذنوبنا لنا (٢)، وليس بتكرارٍ؛ فإن الأول تركُه حتى لا يؤاخِذَ به، أو محوُه حتى لا يبقَى، والثاني سترُه حتى لا يظهرَ، وقد يتجاوز عن الشيء فلا يؤاخذ بجزائه لكنْ يُذكَر ذلك ويُظهَر، والمؤمنون أُمروا أن يسألوا التجاوُزَ عنها وإخفاءَها حتى لا يَظهرَ حالهم لأحدٍ، ولا (٣) يَفْتضِحوا به. وقوله تعالى: ﴿وَارْحَمْنَا﴾: أي: أكرِمْنا بكلِّ شيءٍ سمَّيته رحمةً، وقد بينَّا ذلك في سورة الفاتحة. وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: أي: وليُّنا وناصرُنا، وقيل: أي: حبيبُنا، وقيل: أي: متولِّينا، وقيل: أي: حافظُنا، وقيل: أي: مصلحُ أمورِنا، وقيل: أي: وليُّنا ومالكُنا (٤). وقوله تعالى: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: أعنَّا عليهم وادفَعْ عنا شرَّهم. والنصرة على الكفار تكون بالظفر، وتكون بالحجة، وتكون بالدفع (٥)، وهو سؤالُ العِصْمة من الشياطين أيضًا؛ لأنَّهم منهم.

стр. 1558

وقد ختمت هذه السورة بما بدأت به، وهو ذكر المؤمنين والكافرين، فإن اللَّه تعالى أخبر في افتتاح هذه السورة أن هذا ﴿الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم شهد في آخر هذه السورة لنبيِّه محمدٍ ﷺ ولأمته بهذا الإيمان. وجمَع بين النبيِّ ﷺ وبين أمته في ذلك، وفي ذلك نهايةُ الفضيلة وكمالُ القَدْر (١) لهذه الأمَّة، وللَّه الحمدُ والمِنَّة. وقيل في جميع معاني السورة: إنها تضمَّنت بيانَ التوحيد والعبادات، والمعامَلات والمحاكَمات، والمحلَّلات والمحرَّمات، والمَثوبات والعقوبات، وأكثرَ ما إليه حاجةُ الخلق في جميع الحالات. ثم ختم السورة ببيان عظمته وجلاله وسلطنته ومملكته بقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إعلامًا أن قبولَ ذلك كلِّه مما يَلزم الخلقَ، ولا يسعُهم الإخلالُ بها، ولا يمكِنُهم الخروجُ عن حُكمه، ولا يَعزُب شيءٌ من أحوالهم عن علمه. ثم ذَكر بعده حالَ نبيِّه محمد ﷺ الذي أوحى إليه ذلك، وأنه عظيم الشأن والقَدْر، رفيعُ المنزلة والذِّكر. ثم مدَح أمَّته بالإيمان بذلك كلِّه، والاعتصامِ منهم (٢) بعدله وفضله، والاستعانةِ منهم به في قولِه وفعله. ورُوي عن النبيِّ ﷺ أنه لمَّا أُسري به قال له ربُّه : "أُعطيتَ يا محمدُ ما

стр. 1559

لم يُعْطَ نبيٌّ كان قَبْلَك، أُعطيتَ فاتحة الكتاب، وأُعطيتَ خواتيمَ سورة البقرة، وهي كنزٌ من كنوزِ عرشي، ولمْ يُعْطَهنَّ نبيٌّ كان (١) قبلك" (٢). ورَوَى أبو أمامة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "تعلَّموا الزَّهْراوين البقرةَ وآلَ عمران، فإنهما يأتيان أهلَهما (٣) يومَ القيامة كأنهما غيَايَتان، أو كأنهما غمامتان، أو كأنهما فِرْقان من طيورٍ صوافَّ، يحاجَّان عن أهلهما"، ثم قال: "تعلَّموا البقرة، فإن أَخْذَها بركةٌ، وتركَها حسرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلة"، يعني: السحرة (٤). ثم قال: "هذا لمَن تعلَّمه فلم يغل فيه، ولم يخف (٥) عنه، ولم يَستأكِلْ به، ولم يَتكثَّرْ (٦) به" (٧). والحمد للَّه رب العالمين * * *

стр. 1560

سورة آل عمران

стр. 1561

سورة آل عمران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي نزَّل (١) الكتاب، الرحمنِ الذي يرزقُ مَن يشاء بغير حساب، الرحيمِ الذي عنده حُسنُ الثواب. روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن قرأ في ليلةٍ سورة آلِ عمران صلَّت عليه الملائكةُ من تلك الساعة إلى الغد إلى أن تغيب الشمس" (٢). وعن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة آل عمران أعطي لكل آيةٍ منها أمانًا على جسر جهنم" (٣).

стр. 1562

ثم سورةُ آل عمران مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، مدنيةٌ في قول عامة أهل التفسير (١). وهي مئتا آيةٍ لا اختلاف فيها، وثلاثةَ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وثمانون كلمةً، وأربعةَ عشَر ألفًا وخمس مئة وعشرون حرفًا (٢). وانتظامُ هذه السورة بالسورة التي قبلها: أن الأولى افتُتحت بذكر الكتاب ومدحِ المؤمنين به وذمِّ الكافرين به، ثم وعدِ المؤمنين ووعيدِ الكافرين، وفي آخر هذه السورة (٣) مدَح اللَّه تعالى نفسَه (٤)، ثم مدَح رسوله، ثم مدَح المؤمنين، ثم ذكر دعواتهم. وهذه السورة افتُتحت بذكر الكتاب أيضًا، ثم بذكر المؤمنين، ثم بذكر الكافرين به (٥)، وآخرها بمدح اللَّه ﷻ : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثم بذكر المؤمنين، ثم بذكر دعواتهم. وانتظام افتتاح هذه السورة بآخر تلك السورةِ: أن (٦) خَتْمها بقوله عز وعلا: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، وذكر في أول هذه السورة وحدانية اللَّه تعالى،

стр. 1563

ثم ذكر المؤمنين والكافرين ونَصْرَ اللَّه المؤمنين على الكافرين بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٣]. ونزول أولها في شأن وفد (١) نجران: ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدِم على رسول اللَّه ﷺ وفدُ نجرانَ سبعون راكبًا فيهم أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم، وفي الأربعة عشرَ ثلاثةُ نفر إليهم يَؤول أمرُهم (٢): العاقبُ أميرُ القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، لا يَصْدُرون إلا عن رأيه، واسمُه: عبد المسيح، والسيدُ ثِمالُهم (٣) وصاحب رَحْلهم ومجتمَعهم، واسمه: الأَيْهَم، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ أُسْقُفُّهم وحَبرُهم وصاحب مدارسهم (٤) من علمه واجتهاده (٥)، وكانت ملوك الروم قد شرَّفته ونوَّلته وأكرمته (٦) لِمَا يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دِينهم. فلمَّا وجَّهوا إلى رسول اللَّه ﷺ من نجرانَ كان أبو حارثةَ على بغلةٍ له وإلى جَنبه أخٌ له يقال له: كُرْزُ بن عَلْقمةَ، يسير معه، إذ عثَرت بغلةُ أبي حارثة فقال كُرْزٌ: تَعِسَ الأَبْعدُ! يريد رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو حارثة: بل أمُّك تَعِست! فقال: ولمَ؟ قال: واللَّه إنه لَلنَّبيُّ (٧) الذي كنا ننتظِر، فقال له كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلمُ هذا؟ قال: ما

стр. 1564

صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، فلو فعلْتُ نزعوا منَّا كلَّ ما تَرى، فأَضمر عليها منه أخوه كُرْزٌ حتى أسلم بعد ذلك، فهو كان يحدِّث بهذا الحديث عنه (١). وكان أسماء الأربعةَ عشرَ: العاقبُ وهو عبدُ المسيح، والسيدُ وهو الأيهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ، وكُرزٌ والحارثُ وزيدٌ وقيسٌ ويزيدُ ونُبيهٌ وخويلد وعمروٌ وخالدٌ وعبدُ اللَّه ويُحنَّسُ. فكلَّم رسولَ اللَّه ﷺ منهم أبو حارثةَ والعاقبُ والسيدُ، وهم على النصرانية على اختلاف من أمرهم؛ يقولون: هو اللَّه، ويقولون: هو ولدُ اللَّه، ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ، ويحتجُّون لقولهم: هو اللَّه، بأنه كان يُحيي الموتى ويُبْرِئُ الأسقامَ ويُخبر بالغيوب، ويَخلق من الطين كهيئةِ الطير فينفخُ فيه فيطيرُ، ويحتجون لقولهم بأنه ولد اللَّه بأنه لم يكن له أبٌ يُعْلم، ويحتجُّون لقولهم: ثالثُ ثلاثةٍ، بقول اللَّه: فعلنا وقضينا، ولو كان واحدًا لقال: فعلتُ وقضيتُ، ففي كلِّ ذلك من قولهم نزل القرآن. فلمَّا كلَّمه الحَبْران قال لهما رسول اللَّه ﷺ : "أَسْلِما" فقالا: قد أسلمنا، فقال: "قد كذَبْتُما، يمنعُكما عن (٢) الإسلام دعواكُما (٣) للَّهِ ولدًا، وعبادتُكما الصليبَ، وأكلُكما الخنزيرَ"، قالا: فمَن أبوه يا محمد؟ فصمَتَ رسول اللَّه ﷺ فلم يجبهما، فأنزل اللَّه تعالى في ذلك من قولهم واختلافِ أمرهم صدرَ سورةِ آل عمرانَ إلى بضعٍ وثمانين آيةً منها إلى قصة المباهلة (٤).

стр. 1565

فلمَّا أتى رسولَ اللَّه ﷺ الخبرُ من السماء في القضاء فيما بينه وبينهم، وأمرُه بملاعَنتهم إنْ رَدُّوا عليه ذلك، دعاهم إلى ذلك فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيكَ بما نريدُ أن نفعلَ. فانصرفوا عنه ثم خَلَوا بالعاقب -وكان ذا رأيهم- فقالوا: يا عبد المسيح! ما ترى؟ فقال: واللَّه يا معشرَ النصارى لقد عرفتُم إن محمدًا لنبيٌّ مرسلٌ، ولقد جاءكم بالفصل من خبرِ صاحبكم، ولقد علمتُم ما لاعَنَ قوم نبيًّا فبقِيَ كبيرُهم ولا نَبَت (١) صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إنْ فعلتم، فإنْ كنتُم قد أبيْتُم إلا إلْفَ دينكم والإقامةَ على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادِعوا الرجل ثم انصرِفوا إلى بلادكم. فأتَوا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألَّا نلاعِنَك، وأنْ نتركك على دينك ونرجعَ على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا يَحكم بيننا في أشياءَ قد اختلفنا فيها من أموالنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ائتوني العشيَّةَ أبعثْ معكم القويَّ الأمين". قال: فكان عمر يقول: ما أحببتُ الإمارة قطُّ قبل يومئذٍ رجاءَ أن أكون صاحبَها، فرحْتُ (٢) إلى الظهر مهجِّرًا، فلمَّا صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ الظهرَ سلَّم (٣) ثم نظر عن يمينه وعن شماله، وجعلتُ أتطاوَلُ له ليراني، فلم يزل يلتمسُ ببصره حتى رأى أبا عبيدة بنَ الجرَّاح، فدعاه فقال: "اخرُجْ معهم فاقْضِ بينهم بالحقِّ فيما اختلَفوا فيه"، قال عمر ﵁: فذهب بها أبو عبيدةَ (٤).

стр. 1566

وقال الربيع بن أنسٍ في تفسيره: إن النصارى أتوا رسول اللَّه ﷺ فخاصَموه في عيسى ﵇، فقالوا: مَن أبوه؟ فقالوا على اللَّه الكذبَ والبهتان، فقال لهم النبيُّ ﷺ : "أَلَستُمْ تَعلمونَ أنه لا يكون ولدٌ إلا وهو يُشْبِهُ والدَه؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أنه حيٌّ لا يموت، وأن عيسى ﵇ يأتي عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أن ربنا قيِّمٌ على كلِّ شيءٍ يَكْلؤه ويحفظه ويرزقه؟ " قالوا: بلى، قال: "فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّم؟ " قالوا: لا، قال: "فإن ربَّنا صوَّر عيسى في الرَّحِم كيف شاء" ثم قال: "ألستُم تعلمون أنَّ ربَّنا لا يأكلُ الطعامَ ولا يشربُ الشرابَ ولا يُحْدِثُ الحدَثَ؟ " قالوا: بلى، قال: "ألستُم تعلمون أن عيسى حملتْه امرأةٌ كما تَحمل المرأةُ ثم وضعَتْه كما تَضَعُ المرأة ولدها وغُذِيَ كما يُغْذَى (١) الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ ويشربُ الماءَ ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ " قالوا: بلى (٢)، قال: "فكيف يكون هو كما زعمتُم"، فعرفوا ثم أبوا إلا جحودًا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ الآيات (٣). وقالوا لرسول اللَّه ﷺ : ألستَ تزعم أنه كلمةُ اللَّه وروحٌ منه؟ قال: "بلى"، قالوا: فحَسْبُنا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الآيات (٤). * * *

стр. 1567

(١) - ﴿الم﴾. وقوله تعالى: ﴿الم﴾: ذكرنا الأقاويل الكثيرة فيه في أول سورة البقرة، وفتحُ الميم لدى الوصلِ لاستثقالِ الكسرة بعد الياء الساكنةِ، ولاختيارِ أخفِّ الحركات. وقال الفرَّاء والزجَّاج: أُلقي على الميم فتحُ الهمزة من قوله: ﴿اللَّهُ﴾ (١)، ولا يقال: هذا ألِفُ الوصل فلا تكون له فتحةٌ مستحَقَّةٌ؛ لأن ﴿الم﴾ هجاءٌ، ويُنوى فيه الوقفُ، ويُنوى بعده الاستئنافُ، فتكون الهمزة في حكم الثابتة (٢). * * * (٢) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: فسَّرناه في أول آية الكرسيِّ، وقال ابن عباسٍ ﵄: وحَّد اللَّه نفسَه حيث لم توحِّدْه النصارى واليهود والمشركون. قال: وهو الحيُّ بنفسه لا بإحياء غيره، والقيومُ (٣) به قيامُ كل شيءٍ، وعيسى صلوات اللَّه عليه كان حيًّا بإحياء اللَّه تعالى، وقائمًا بإقامته، فكيف يكون إلهًا؟! * * *

стр. 1568

(٣) - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: أي: فصَّل إنزال القرآن عليك يا محمدُ شيئًا بعد شيءٍ في ثلاثٍ وعشرين سنةً، وهو إنزالُ جبريل بوحي (١) القرآن. وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق فيما اختلف فيه. وقيل: لبيان الحق. وقيل: أي: بالصَّواب والصِّحة والحكمة البالغة. وقيل: جميع ما فيه صدقٌ لا خُلفَ فيه ولا كذبَ. وقيل: بإيجابِ شكرِ المنعِم على عباده. وقيل: بالحقِّ الذي يجب لبعضهم على بعضٍ. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: موافقًا لِمَا قبله من الكتب المنزَلة في التوحيد وأصلِ الطاعة، واختلافُ الشرائع لا يوجب التناقُضَ على ما مرَّ في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ﴾: أي: من قبلِ إنزال القرآن عليك. * * * (٤) - ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: أي: بينَّا (٢) لهم أمرَ دينهم.

стр. 1569

وفي كلِّ هذه الكتب نفيُ كلِّ معبودٍ سوى اللَّهِ تعالى، وبطلانُ ما يقوله النصارى في عيسى. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (١) قيل: هو بيان القرآن. وقيل: هو القرآن بعينه، وإنما أعاده بعدما قال في أوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لأنه سمَّاه باسمين، وكلُّ اسمٍ يدل على معنًى؛ فالأول يدل على أنه مجموعٌ لأن الكتابة هي الجمع، والفرقانُ يدل على أنه فارِق بين الحق والباطل، فكان كذِكْرِ صفتين فلم يكن تكرارًا. والجواب الأوضح: أنه ذَكر في أول الآية التنزيلَ على التفعيل، وذلك يَدلُّ على التكرير، وهو إخبارٌ (٢) عن تنزيله شيئًا بعد شيءٍ في مدَّةِ عُمره، وذَكر في آخِر الآية الإنزالَ، وهو الإنزالُ أولَ (٣) مرَّةٍ، وأراد به من اللوح إلى السماء الدنيا جملةً في ليلةِ القدر في شهرِ رمضان، فهو إخبارٌ عن شيئين، ولذلك قال في التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ولم يقل: نَزَّلَ؛ لأنَّهما أُنزلا جملةً، وذكَر في القرآن مرَّةً تنزيلًا لتفصيل (٤) تنزيله في طولِ المدة، وذكَر الإنزال مرةً لإنزاله من اللوح إلى السماء جملةً. وقيل: الفرقان: المخرِج من الشبهات، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، وهو يكون صفةً للتوراة والإنجيل والقرآن (٥) جميعًا فقد ذكرها قبله. وقيل: الفرقان نصرُ الأنبياء، وأراد به في حقِّ الكل.

стр. 1570

وقال السُّدِّي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: وأنزل التوراةَ والإنجيل والفرقانَ هدى للناس (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: أي: بالقرآن؛ قال اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]؛ أي: اليهودَ والنصارى الذين جحَدوا القرآنَ مع أنَّه يوافقُ كتابَهم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة لا يُطاق بما فعلوا ما لا عذرَ لهم فيه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: أي: ممتنعٌ (٢)، مِن قولهم: أرضٌ عَزازٌ (٣)؛ أي: ممتنعةُ السلوك لصعوبتها، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: ممتنع بسلطانه أنْ يُعارضه أحدٌ في عذابٍ أراده بمَن شاءَ. وقيل: ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالبٌ لا يَمنعه أحدٌ عمَّا يُريده؛ من قولهم: مَن عزَّ بزَّ؛ أي: مَن غَلَبَ سَلَبَ (٤). وقوله تعالى: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: أي: ذو عذابٍ (٥). وقيل ذو بطشٍ شديدٍ. وقيل: ذو انتصارٍ مِن أعدائه لأوليائه.

стр. 1571

وقيل: هو عامٌّ في حقِّ جميع الكفار. والآياتُ: الكتبُ كلُّها، وكذلك الأنبياءُ كلُّهم؛ لأنَّ الآيةَ هي العلامة (١)، والأنبياءُ أعلامٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، وكذلك دلائلُ التوحيد كلُّها آياتٌ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥]. * * * (٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: أي: فكيف يخفى عليه قولُ هؤلاء النصارى؟ وعيسى كان يَخفى عليه أمرُ السماء، وكذا أمرُ الأرض؛ فقد خفيَ عليه تدبيرُ الكفار في قتله فكيف يكون إلهًا؟ واللَّه هو الذي لا يَخفى عليه شيءٌ. * * * (٦) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: يَجعلكم على هيئاتٍ (٢) مخصوصةٍ في أرحامِ أمَّهاتكم، مِن ذكرٍ وأنثى، وأسودَ وأبيضَ، وتامٍّ وناقصٍ، وطويلٍ وقصيرٍ، وحسنٍ وقبيحٍ. والصورة: الهيئة (٣)، وهي مِن الصَّوْر وهو الضمُّ والقطع والإمالة، وفي الصُّورة ذلك كلُّه، والتصويرُ بعد التارات الثلاثة (٤) مِن النطفة والعلقة والمضغة.

стр. 1572

أي: إنَّ اللَّه تعالى هو الذي يَقدر على ذلك، فهو الإلهُ وحده، وعيسى ﵇ كان مخلوقًا صوَّره اللَّهُ تعالى في الرَّحِم، وهو المصوِّر والقادر على ما يشاء، فله أنْ يصوِّره (١) مِن غير أبٍ. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: نزَّه نفسَه أن يكون عيسى ابنًا له. وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أي: المنيع في ملكه وحُكمه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قولِه وفعلِه. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فيه نقضُ قولِ القائف، فإنَّه جعل مشيئة التصوير لنفسه، وعِلْمَ ذلك إلى نفسه (٢). * * * (٧) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: المُحكَمات: المُتقَنات، و (أمُّ الكتاب): أصلُه وما يُرجَع إليه في تعرُّف المُشكلات، و (أخرُ): جمع أُخرى، والمتشابهات مِثلُ (٣) المشتَبِهات، والأقاويلُ فيها كثيرةٌ.

стр. 1573

وانتظامُها بما قبلها -وهو أحدُ هذه الأقاويل-: أنَّ النصارى لمَّا احتجُّوا لإثبات قولهم: ثالثُ ثلاثةٍ، بما نزل مِن قولِ اللَّه: نحن فَعَلنا، ونحن قضينا، نزلت هذه الآيةُ، ووجهُ ذلك: أنَّ الآياتِ المحكَماتِ: ما فيها مِن الآيات الدالَّةِ على وحدانيته ﵎ (١) ونفيِ الإلهيَّة عن غيره، وهي آياتٌ بيِّناتٌ غيرُ محتمِلةٍ (٢) للتأويل، والآياتُ التي فيها: نحن فعلنا، نحن قضينا، متشابهاتٌ يَشتبِه معناها على مَن جهِل وجوهَ خطابِ العرب، وقد أَخبر أنَّ المُحكَمات أصلٌ، ومن جهتها يَحصل العلمُ بالتوحيد وتأويلُ المتشابه. وقال ابنُ عباسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: المحكماتُ: ناسخُه (٣)، وحلالُه وحرامُه، وحدودُه وفرائضُه، وما يؤمَن به ويُعمَل به، والمتشابهات: منسوخُه، ومقدَّمُه ومؤخَّره، وأقسامُه وأمثاله، وما يؤمَن به ولا يُعمل به (٤). فأمَّا المؤمنون فيقولون: كلٌّ مِن عند اللَّه تعالى مُحكَمُه ومتشابهُه، وأمَّا الذين في قلوبهم زيغٌ مِن أهل الشرك فيَحملون المحكَمَ على المتشابه، والمتشابهَ على المحكَم، ويُلبِّسون فيه فيُلبِّسُ اللَّهُ عليهم. وقال الكلبيُّ: المحكَماتُ: المبيَّناتُ بالحلال (٥) والحرام، ولم تُنسَخ، وهنَّ ثلات آياتٍ في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآياتِ (٦)؛ هنَّ أصلُ الكتاب، أَنزلها اللَّهُ تعالى على محمَّد، وفيها مجمعُ

стр. 1574

الحلال والحرام، وهنَّ إمامٌ في التوراة والإنجيل والقرآن وفي كلِّ كتابٍ، مَن عمِل بهنَّ دخل الجنة، ومَن تركهنَّ دخل النار. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يعني: ما اشتبَهَ على اليهود كعب بنِ الأشرف وأبي ياسرٍ مِن حساب الجُمَّل، وهنَّ: ﴿الم﴾ و ﴿المر﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿الر﴾ (١)، وقد بيَّنَّا تلك القصَّة في أول سورة البقرة. وفي "تفسير مقاتل" في قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: يعني: إلى (٢) كم تملك هذه الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ أي: اللَّه يعلم كم يملكون مِن السنين (٣). وقيل: الآيةُ نزلت في النصارى حين أَتَوا النبيَّ ﷺ وناظَروه في أمرِ عيسى ﵇، فقالوا: كان إلهًا؛ لأنَّه كان يُحيي الموتى، ويُبرئ الأَكْمه والأبرص، ويَنفخ في الطين فيصير (٤) طيرًا، ويَعلم الغيب، قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وردَّ النبيُّ ﷺ قولَهم (٥)؛ أنَّه كان في الرَّحِم، وخرج مِن المبَال، وكان يَنام، وكان (٦) يأكل الطعام ويُحدِث، فنزلت الآيةُ ردًّا عليهم (٧)؛ لأنَّه

стр. 1575

اشتبه الأمرُ عليهم فجعلوا الدلائلَ التي دلَّت على نبوَّته دلالةً لربوبيَّته (١)، وما فعلوا ذلك إلَّا ابتغاء الكفر وابتغاء إيقاع الفتنة بين المؤمنين. وقيل: الآياتُ المحكمةُ كقوله (٢): ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ٥] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. والمتشابهات كقوله: ﴿الم﴾ ﴿المر﴾ ﴿المص﴾ ﴿الر﴾. وقيل: المُحكَم ما لا يحتمِل إلَّا وجهًا واحدًا، والتحكيمُ والإحكامُ: المَنع، والحَكَمةُ مانعةٌ للفرس مِن (٣) الجماح، فالمحكَم: ما يمتنع (٤) على مَن أراد صرفَه إلى غير مراده، والمتشابهُ ما يحتمِل وجوهًا، وهو مِن الشِّبْه، وهو المِثْل؛ أي: يشبهُ (٥) هذا بوجهٍ وهذا بوجه. وقيل: المُحكَم: ما دلَّ على صفات اللَّهِ تعالى؛ مِن علمه وقدرته وسمعه وبصرِه وسائرِ صفاته، وأمَّا المتشابه: فما لا بدَّ فيه مِن أنْ (٦) يُصرَف عن ظاهره إلى وجهٍ مِن وجوه التأويل فيه، كقوله تعالى: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] و: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] ونحو ذلك. وقال ابنُ كيسانَ: المحكَمات: هي التي حُججُها واضحةٌ لا حاجةَ لمن سمعها

стр. 1576

إلى طلبِ معانيها، وهي (١) ما أخبر اللَّهُ تعالى عن التوراة والإنجيل، وما فَعل بالأمم الخالية، وما كان سببَ عقابهم، وما أخبر عن خَلْق الناس مِن نطفةٍ وترابٍ (٢)، ومِن إحيائهم، وإماتتهم، وغير ذلك، فهذا كلُّه محكم، وهو الأصل الذي لو فكَّرتم فيه عَرفتُم أنَّ كلَّ ما جاء به محمَّد ﵊ حقٌّ مِن عند اللَّه. والمتشابه: هو الذي يُدرَك علمُه بالنَّظر ولا يَعرِف العوامُّ تفصيلَ الحقِّ منه مِن الباطل (٣). وقال ابنُ كيسان: ومِن المتشابه: ما وَعَدَ اللَّهُ تعالى المؤمنين مِن النصر والظَّفَر (٤)، وأَوعد الكفار (٥) مِن النقمة وتغيير النعمة، فيقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و: متى (٦) تأتينا الساعةُ، و: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ ليُشبِّهوا على الضَّعَفة، وكذلك الآياتُ التي تتطرَّقُ بظواهرها الملحدةُ إلى الطعنِ في كتاب اللَّه تعالى والتلبيسِ بها على الضَّعَفة. وقيل: المُحكَم: ما اجتمعوا على حُكمه؛ كتوحيد اللَّه تعالى وتنزيهِه عمَّا لا يليق بذاته وصفاته، والصلواتِ الخمس، وصيامِ رمضان، ونصبِ الزكوات، وأركانِ الحجَّ، والغُسْل مِن الجنابة، وما أجْمع (٧) عليه الصَّدْر الأوَّل. والمتشابهُ: ما اختلفوا فيه. قال مِسْعَرُ بنُ كدَامٍ: كان عمرُو بنُ مرَّة إذا صلَّى الفجر بعدما كُفَّ بصرُه قال

стр. 1577

لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ فإن قالوا: نعم، سكت فلم يُحَدِّث، وإنْ قالوا: لا، أَقْبَل يُحدِّثهم، وإنَّه صلَّى الفجر يومًا، فلمَّا انصرف قال لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ قالوا: نعم، فسكت، فقال الغريب: يَرحمك اللَّهُ! إنِّي جئتك مسترشدًا، إنِّي رجلٌ دخلت في جميع هذه الأهواء، فلم أَدخل في هوًى منها إلَّا القرآن يُدخلني فيه، ولم أخرج مِن هوًى منها إلَّا القرآن يُخرجني منه، حتى بقيتُ ليس في يدي شيءٌ، فقال له: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتَ مسترشدًا! فقال: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتُ مسترشدًا، فقال: أرأيتَ (١) ما اختلفوا فيه؛ هل اختلفوا في أنَّ اللَّهَ واحدٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ القرآنَ كتابُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الصلوات الخمس (٢) أنَّها خمسٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في رمضان أنَّه شهرُهم الذي يصومونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الحجِّ أنَّه بيتُ اللَّهِ الذي يحجُّونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنَّها مِن مئتي درهم خمسةُ دراهم؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الغُسْل مِن الجنابة؟ قال: لا. قال (٣): فذَكر له هذا وأشباهَه، قال: ثم قال: اقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآيةَ، فالمحكَم ما اجتمعوا عليه، والمتشابِهُ ما اختلفوا فيه، فشُدَّ يديك بالمحكَم، وإيَّاك إيَّاك (٤) والمتشابهَ. قال: فقال الرجلُ: الحمد للَّه الذي أرشدني على يديك، فواللَّهِ لقد جئتُك وإنِّي

стр. 1578

لَمِن أسوأ الناسِ حالًا، ثم لقد قمتُ مِن عندك وإنِّي لحَسَنُ الحال، فدعا له ثم قام (١). فقال عمرو: إنَّ الشيطانَ دعا أهلَ الكتاب إلى أمرٍ فأجابوه، فطرحهم فيما قد علمتُم، وهو داعيكم كما دعاهم وطارحُكم في مِثل (٢) ما طرحَهم فيه، فعليكم بالأمر الأول، قال: فإنْ قال قائلكم: ما الأمرُ الأوَّل (٣)؟ فهو ما اجتَمع عليه المتفرِّقون. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أي: مَيْلٌ عن الصواب وتَعرُّفِ الحقِّ. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي: يتعلَّقون بالمتشابه منه، ولم يُرِدْ به اتِّباعَ الموافَقة، بل هو طلبُ شُبَه المجادَلة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: قيل (٤): لابتغاء الكفر، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقيل: هو التماسُ إيقاعِ الضَّعَفة في الفتنة، وهي الصَّدُّ عن الحقِّ في حقِّ الكفار الذين يطلبون الهدى، والإخراجُ عن الدِّين الحقِّ إذا كانوا على الهدى. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أي: ولِيبتغوا (٥) مِن الضَّعَفة أنْ يُخبروهم بتأويل هذا (٦) المتشابه، وليس ذلك على معنَى طلبِهم تأويلَه على سبيل التعرُّف والتعلُّم، لكن على سبيل الاستزلال، وإنَّما جعله مبتغَى التأويل؛ لأنَّ الطاعنَ يُخرِجُ

стр. 1579

كلامه مخرجَ السؤال ويَقصدُ به ضعيفًا لا بَصَر له فيه يوقع في قلبه شبهةً، وهي (١) عادةُ الملحِدةِ والمبْطِلة (٢) مِن أهل الأهواء. وقال ابنُ عباسٍ ﵄ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: لا تُخاصِم هؤلاء الخوارج بالقرآن؛ فإنَّ القرآن حَمولٌ ذلولٌ ذو وجوهٍ، تقول ويقولون، ولكن خذهم (٣) بالسُّنن، فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصًا (٤). وقال عمر بنُ الخطاب ﵁: يأتي أقوامٌ يأخذونكم بشبهات القرآن، فخُذوهم بالسُّنن، فإنَّ أصحابَ السُّنن أعلمُ بكتاب اللَّه تعالى (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: منهم (٦) مَن وقف على هذا، وقال: لا يَعلم المتشابهَ إلَّا اللَّهُ، وفي مصحف عبد اللَّه بنِ مسعودٍ ﵁: (وما يَعلم تأويلَه إلَّا اللَّهُ ويقول الراسخون في العلم آمنَّا به) (٧).

стр. 1580

وعن عمر بنِ عبد العزيز ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: انتهى علمُهم إلى أنْ قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١). وقال ابنُ كيسان كذلك، وقال: ولا تنكِرْ أنْ يكون للقرآن تأويلٌ استأثر اللَّهُ بعلمه دون خَلْقه؛ لأنَّا لا نعلم مرادَ اللَّهِ وحكمتَه في أوامره ونواهيهِ، غيرَ أنَّه أَلزمَنا العملَ بما أَنزل، ولم يُطالبنا بما لا سبيلَ لنا إلى معرفته. وقال هؤلاء: فائدةُ إنزالِ المتشابه: الإيمانُ به، واعتقادُ حقِّيَّة ذلك و (٢) ما أراد اللَّه به، ومعرفةُ قصورِ أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يُجعل لهم إليه سبيلٌ. وأكثر أهل العلم على أنَّ الراسخين في العلم يَعلمون المتشابهَ، ويوصَلُ قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بالأوَّل. وقال مجاهد: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمونه و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (٣). قالوا: ولو لم يكن للراسخين في العلم حَظٌّ في عِلم المتشابه إلَّا أنْ يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّال؛ لأنَّهم جميعًا يقولون ذلك. قالوا: ولم يزل المفسِّرون إلى يومنا هذا يفسِّرون ويؤوِّلون كلَّ آيةٍ، ولم نرَهم وقفوا عن شيءٍ مِن القرآن فقالوا: هذا متشابهٌ لا يَعلمه إلَّا اللَّهُ، بل فسَّروه نحوَ حروف الهجاء (٤) وغيرها.
следующие страницы →