← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

إلى طلبِ معانيها، وهي (١) ما أخبر اللَّهُ تعالى عن التوراة والإنجيل، وما فَعل بالأمم الخالية، وما كان سببَ عقابهم، وما أخبر عن خَلْق الناس مِن نطفةٍ وترابٍ (٢)، ومِن إحيائهم، وإماتتهم، وغير ذلك، فهذا كلُّه محكم، وهو الأصل الذي لو فكَّرتم فيه عَرفتُم أنَّ كلَّ ما جاء به محمَّد ﵊ حقٌّ مِن عند اللَّه. والمتشابه: هو الذي يُدرَك علمُه بالنَّظر ولا يَعرِف العوامُّ تفصيلَ الحقِّ منه مِن الباطل (٣). وقال ابنُ كيسان: ومِن المتشابه: ما وَعَدَ اللَّهُ تعالى المؤمنين مِن النصر والظَّفَر (٤)، وأَوعد الكفار (٥) مِن النقمة وتغيير النعمة، فيقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] و: متى (٦) تأتينا الساعةُ، و: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ ليُشبِّهوا على الضَّعَفة، وكذلك الآياتُ التي تتطرَّقُ بظواهرها الملحدةُ إلى الطعنِ في كتاب اللَّه تعالى والتلبيسِ بها على الضَّعَفة. وقيل: المُحكَم: ما اجتمعوا على حُكمه؛ كتوحيد اللَّه تعالى وتنزيهِه عمَّا لا يليق بذاته وصفاته، والصلواتِ الخمس، وصيامِ رمضان، ونصبِ الزكوات، وأركانِ الحجَّ، والغُسْل مِن الجنابة، وما أجْمع (٧) عليه الصَّدْر الأوَّل. والمتشابهُ: ما اختلفوا فيه. قال مِسْعَرُ بنُ كدَامٍ: كان عمرُو بنُ مرَّة إذا صلَّى الفجر بعدما كُفَّ بصرُه قال

стр. 1577

لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ فإن قالوا: نعم، سكت فلم يُحَدِّث، وإنْ قالوا: لا، أَقْبَل يُحدِّثهم، وإنَّه صلَّى الفجر يومًا، فلمَّا انصرف قال لأصحابه: أفيكم غريبٌ؟ قالوا: نعم، فسكت، فقال الغريب: يَرحمك اللَّهُ! إنِّي جئتك مسترشدًا، إنِّي رجلٌ دخلت في جميع هذه الأهواء، فلم أَدخل في هوًى منها إلَّا القرآن يُدخلني فيه، ولم أخرج مِن هوًى منها إلَّا القرآن يُخرجني منه، حتى بقيتُ ليس في يدي شيءٌ، فقال له: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتَ مسترشدًا! فقال: واللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو لقد جئتُ مسترشدًا، فقال: أرأيتَ (١) ما اختلفوا فيه؛ هل اختلفوا في أنَّ اللَّهَ واحدٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في أنَّ القرآنَ كتابُ اللَّه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الصلوات الخمس (٢) أنَّها خمسٌ؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في رمضان أنَّه شهرُهم الذي يصومونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الحجِّ أنَّه بيتُ اللَّهِ الذي يحجُّونه؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الزكاة أنَّها مِن مئتي درهم خمسةُ دراهم؟ قال: لا، قال: فهل اختلفوا في الغُسْل مِن الجنابة؟ قال: لا. قال (٣): فذَكر له هذا وأشباهَه، قال: ثم قال: اقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآيةَ، فالمحكَم ما اجتمعوا عليه، والمتشابِهُ ما اختلفوا فيه، فشُدَّ يديك بالمحكَم، وإيَّاك إيَّاك (٤) والمتشابهَ. قال: فقال الرجلُ: الحمد للَّه الذي أرشدني على يديك، فواللَّهِ لقد جئتُك وإنِّي

стр. 1578

لَمِن أسوأ الناسِ حالًا، ثم لقد قمتُ مِن عندك وإنِّي لحَسَنُ الحال، فدعا له ثم قام (١). فقال عمرو: إنَّ الشيطانَ دعا أهلَ الكتاب إلى أمرٍ فأجابوه، فطرحهم فيما قد علمتُم، وهو داعيكم كما دعاهم وطارحُكم في مِثل (٢) ما طرحَهم فيه، فعليكم بالأمر الأول، قال: فإنْ قال قائلكم: ما الأمرُ الأوَّل (٣)؟ فهو ما اجتَمع عليه المتفرِّقون. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أي: مَيْلٌ عن الصواب وتَعرُّفِ الحقِّ. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: أي: يتعلَّقون بالمتشابه منه، ولم يُرِدْ به اتِّباعَ الموافَقة، بل هو طلبُ شُبَه المجادَلة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: قيل (٤): لابتغاء الكفر، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقيل: هو التماسُ إيقاعِ الضَّعَفة في الفتنة، وهي الصَّدُّ عن الحقِّ في حقِّ الكفار الذين يطلبون الهدى، والإخراجُ عن الدِّين الحقِّ إذا كانوا على الهدى. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أي: ولِيبتغوا (٥) مِن الضَّعَفة أنْ يُخبروهم بتأويل هذا (٦) المتشابه، وليس ذلك على معنَى طلبِهم تأويلَه على سبيل التعرُّف والتعلُّم، لكن على سبيل الاستزلال، وإنَّما جعله مبتغَى التأويل؛ لأنَّ الطاعنَ يُخرِجُ

стр. 1579

كلامه مخرجَ السؤال ويَقصدُ به ضعيفًا لا بَصَر له فيه يوقع في قلبه شبهةً، وهي (١) عادةُ الملحِدةِ والمبْطِلة (٢) مِن أهل الأهواء. وقال ابنُ عباسٍ ﵄ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: لا تُخاصِم هؤلاء الخوارج بالقرآن؛ فإنَّ القرآن حَمولٌ ذلولٌ ذو وجوهٍ، تقول ويقولون، ولكن خذهم (٣) بالسُّنن، فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصًا (٤). وقال عمر بنُ الخطاب ﵁: يأتي أقوامٌ يأخذونكم بشبهات القرآن، فخُذوهم بالسُّنن، فإنَّ أصحابَ السُّنن أعلمُ بكتاب اللَّه تعالى (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: منهم (٦) مَن وقف على هذا، وقال: لا يَعلم المتشابهَ إلَّا اللَّهُ، وفي مصحف عبد اللَّه بنِ مسعودٍ ﵁: (وما يَعلم تأويلَه إلَّا اللَّهُ ويقول الراسخون في العلم آمنَّا به) (٧).

стр. 1580

وعن عمر بنِ عبد العزيز ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: انتهى علمُهم إلى أنْ قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١). وقال ابنُ كيسان كذلك، وقال: ولا تنكِرْ أنْ يكون للقرآن تأويلٌ استأثر اللَّهُ بعلمه دون خَلْقه؛ لأنَّا لا نعلم مرادَ اللَّهِ وحكمتَه في أوامره ونواهيهِ، غيرَ أنَّه أَلزمَنا العملَ بما أَنزل، ولم يُطالبنا بما لا سبيلَ لنا إلى معرفته. وقال هؤلاء: فائدةُ إنزالِ المتشابه: الإيمانُ به، واعتقادُ حقِّيَّة ذلك و (٢) ما أراد اللَّه به، ومعرفةُ قصورِ أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يُجعل لهم إليه سبيلٌ. وأكثر أهل العلم على أنَّ الراسخين في العلم يَعلمون المتشابهَ، ويوصَلُ قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بالأوَّل. وقال مجاهد: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمونه و ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (٣). قالوا: ولو لم يكن للراسخين في العلم حَظٌّ في عِلم المتشابه إلَّا أنْ يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّال؛ لأنَّهم جميعًا يقولون ذلك. قالوا: ولم يزل المفسِّرون إلى يومنا هذا يفسِّرون ويؤوِّلون كلَّ آيةٍ، ولم نرَهم وقفوا عن شيءٍ مِن القرآن فقالوا: هذا متشابهٌ لا يَعلمه إلَّا اللَّهُ، بل فسَّروه نحوَ حروف الهجاء (٤) وغيرها.

стр. 1581

وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كلُّ القرآنِ أَعلمُ إلَّا أربعةً: غِسْلين، وحنَّان، والأوَّاه والرَّقِيْم، ثم رُوي عنه أنَّه عَلِمَ ذلك (١). قال القُتبيُّ: ولم يُنزِل اللَّهُ شيئًا مِن القرآن إلَّا ليَنتفعَ به عبادُه، ويدلَّ به على معنًى أَراده، فلو (٢) كان المتشابهُ لا يَعلمه غيرُه لَلَزِمَنا للطَّاعنِ مقالٌ، وهل يجوز أنْ يقال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يَكن يعرف المتشابهَ، وإذا جاز أنْ يعرفه مع قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جاز أنْ يَعرفه الرَّبَّانِيُّون مِن صحابته (٣). فعلى قولِ هؤلاء على الوصل معناه: وما يعلم تأويله إلا اللَّهُ ومَن فضَّله اللَّهُ مِن الراسخين في العلم؛ أي: الثابتين المستقيمين الذين لا يتهيَّأ استزلالُهم ولا تشكيكُهم، وقد رسخَ الشيءُ في القلب؛ أي: استَحْكَم، يقول: ينبغي للمبتغين ذلك المتشابهَ (٤) أنْ يقصدوا بسؤالهم هؤلاء الراسخين ليكشفوا لهم ذلك إنْ كانوا مسترشِدِين، وفيه أنَّ (٥) اللَّهَ تعالى لم يُسوِّ بين خَلْقه في العلم بالمتشابهات كما لم يسوِّ (٦) بينهم في سائر العلوم. وقوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي: المحكَمات والمتشابهات. ثم على القول الأوَّل ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأٌ، وخبره: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ

стр. 1582

مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وعلى القول الثاني هذا في موضع الحال، وتقديره: قائلين آمنا به، فيُستغنى به عن حرف العطف، وهو كقول الشاعر: الرِّيح تَبكي شَجْوَهُ... والبَرْقُ يَلمعُ في غمامَه (١) أي: والبرق يَبكي أيضًا لامعًا؛ أي: حالَ لمعانِه. وقيل: الراسخون في العلم: عبد اللَّه بنُ سلام وأصحابُه، قاله مقاتل بنُ حيَّان (٢). وروى أنسٌ وأبو الدرداء وأبو أُمامة ﵃ عن النبيِّ ﷺ أنَّه سُئلَ عن (٣) الراسخين في العلم، فقال: "مَن برَّت يمينُه، وصدَقَ لسانُه، واستقام قلبُه، وعَفَّ بطنُه وفَرْجُه؛ فذاك مِن الراسخين في العلم" (٤). فإن قالوا: ما الفائدةُ في إنزال المتشابه، ولو كان الكُلُّ محكمًا لم يُختلَف في شيءٍ؟. قلنا: أراد اللَّهُ ﷻ أنْ يمتحن عبادَه، فجعل مداركَ العلم على الاختلاف؛ فجعل بعضها جليًّا ظاهرًا، وبعضها خفيًّا غامضًا؛ ليُتوصَّل بالجليِّ إلى معرفة الخفيِّ

стр. 1583

مِن طريق الاستنباط والاجتهاد وإتعابِ النفس وإعمالِ الفكر؛ ليتبيَّن المُجِدُّ مِن المقصِّر، والمجتهدُ مِن المفرِّط، فيكون ثوابهم على قَدْر (١) اجتهادهم، ولتكون مراتبُهم على قَدْر علومهم، ولولا ذلك لاستوت الأقدامُ، ولم يتميَّز الخاصُّ مِن العامِّ، ولبطلت المحنةُ، وذهب التفاوتُ بين الناس، ولا يزال الناسُ بخيرٍ ما تفاوتوا، فإن (٢) استَوَوا هلَكوا، وقال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]. وقيل: الحكمة فيه: أنَّ اللَّهَ تعالى كلَّف عبادَه ضروبًا مِن العبادات؛ وجعل بعضَها باللسان، وبعضَها باليد، وبعضَها بالرِّجْل، وبعضَها بالسمع، وبعضَها بالبصر، وبعضَها على كلِّ البَدَن كالصلاة ونحوها، وبعضَها على القلب؛ فجعل بعضَها مُحكَمًا وبعضَها متشابهًا؛ ليتعبَ القلب بالتفكُّر في المتشابه منها؛ ليخرجه على موافَقة المحكم منه (٣)، فتكون ذلك عبادةً منه كعبادات سائر الأعضاء. وقيل: إنَّ القرآنَ نزل بلغة العرب، وعلى موافَقة عادتهم في المخاطبات، ومعلومٌ أنَّهم يتكلَّمون بأنواعٍ مِن الكلام؛ منها الواضحُ البيِّن، ومنها الغامضُ الذي يَحتاج في استخراجه إلى التفكُّر، ومَن نَظَرَ في خُطَبهم وأشعارهم ومخاطباتِ الفصحاء منهم ومكاتباتهم إلى يومنا هذا، عَرف حقيقةَ ما قلنا، فخوطبوا على ما تَعارفوه مِن ذلك فيما بينهم.

стр. 1584

ثم إنَّ القرآنَ كلَّه مُحكمٌ في معنًى، وكلَّه متشابهٌ في معنًى، وبعضَه محكمٌ (١) وبعضَه متشابهٌ في معنًى، وقد ذُكر ذلك كلُّه في القرآن: أمَّا الأول: فقد قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ومعناه: أنَّ كلَّه مُتقَنٌ لا تناقضَ فيه. وأمَّا الثاني: فقد قال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٢) [الزمر: ٢٣] ومعناه: أنَّه يُصدِّق بعضُه بعضًا، ويُوافق بعضُه بعضًا. وأمَّا الثالث: فقد قال في هذه الآية: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ووجهُ ذلك ما ذكرناه (٣). ثمَّ الراسخون في العلم -وهم الثابتونَ فيه-: هم الذين لا يَزولون عن الحقِّ بحشمةٍ أو رشوةٍ. وقد قلنا: إنَّه أُريد به عبد اللَّه بنُ سلام وأصحابُه مِن الذين لم يُغيِّروا كتابَ اللَّه تعالى، بخلاف كدب بنِ الأشرف وأصحابِه مِن اليهود؛ فإنَّهم وُصِفوا بالتحريف، وبأنَّهم ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. ثم مدح هؤلاء بحُسْن الإقرار بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وبحُسْن الاعتقاد بقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وبحُسْن الفهم والاعتبار بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: أي: لا يتَّعظ ولا يَعتبر إلَّا أولو العقول الخالصة،

стр. 1585

وبحسن (١) الدُّعاء، وخوفِ الخاتمة، وسؤالِ الرحمة، وذكرِ اللَّه تعالى ببالغ الأثنية (٢)، والإقرارِ بالقيامة، وذلك قوله تعالى: * * * (٨) - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: أي: لا تُمِلْ قلوبنا عن الحقِّ، وهو خلقُ الميلِ في القلب، ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ أفعالِ العباد. وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: يعني: بعد هدايتك إيَّانا؛ وهو خَلْقُ فعلِ الاهتداء أيضًا، ودلَّ على ما دلَّ عليه (٣) الأوَّل. وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: أي: مِن عندك، والرحمةُ تحتمل أنْ يكون أُريد بها (٤) الثباتُ على الإسلام، وتحتمِلُ أنْ يكون المرادُ بها الجنَّةَ، وتحتمِل أنْ يُريد بها كلَّ نعمةٍ. وقيل: معناه: هَبْ لنا ما نستوجبُ به الرحمةَ بوعدك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: هو كثيرُ الهبة ودائمُ الهبة؛ وهي التبرُّع بما ليس على الفاعل فِعْله، ودلَّ ذلك على بطلان قولِ المعتزلةِ في وجوب الأَصْلح على اللَّه تعالى؛ فإنَّ مَن أدَّى ما عليه لم يكن مُنعِمًا متفضِّلًا وهَّابًا. * * *

стр. 1586

(٩) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: باعثُ الخلقِ يومَ القيامة وجامعُهم للحساب والجزاء، وهو يومٌ لا شكَّ في كونه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: أي: للدَّاعين بالإجابة، وللمطيعين بالاثابة (١)، يَحتمِلُ (٢) أنَّه تمامُ كلام الراسخين، ويحتمل أنَّه ابتداءُ كلامٍ، وهو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى، ثم يحتمِل أنَّ المرادَ به هاهنا أنَّه لا يُخلِف ميعاده (٣) في إقامة القيامة على الخصوص، ويحتمل أنَّ المرادَ به في كلِّ شيءٍ. * * * (١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هذا ذمٌّ للكافرين بعد مدحِ الراسخين في العلم مِن المؤمنين (٤)، وكان كفرُهم لاغترارهم (٥) بأموالهم وأولادهم؛ فإنَّهم كانوا يَرَون عزَّهم بهما، قال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، فأخبر أنَّ ذلك لا يُغني عنهم، وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾: أي: لا تنفعهم، والغَناء بالفتح والمدِّ:

стр. 1587

النفع، والغِنَى بالكسر والقَصْر: الغُنية، وقد أَغناهُ؛ أي: جعله غنيًّا (١)، وأغنى عنه؛ أي: نَفَعه ودفعَ الضررَ عنه. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أي: مِن عذاب اللَّه، ومعناه: لا يَصرف عنهم عذابَه، وكانوا يقولون: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥] وقال اللَّهُ تعالى في ردِّهم: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]. وقال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] وهو الولد. وقال عزَّ وعلا ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. وقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾: أي: حطبُ النار، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]؛ أي: تشتعل بهم وتُحرقهم. * * * (١١) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: قال الربيع بنُ أنس: أي: لن تغنيَ عنهم أموالهم ولا أولادهم، كما لم تُغْنِ عن آلِ فرعون والذين مِن قبلهم أموالُهم ولا أولادُهم، والدَّأبُ: العادةُ.

стр. 1588

وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: صنعُ هؤلاء كصنيع (١) آلِ فرعون في الشِّرك. وقال الأخفش: أي: أمرُ هؤلاء كأمرِ آلِ فرعون. وقال الفرَّاء: كفرُ هؤلاء ككفرِ آلِ فرعون. وقال قُطْربٌ: حالُ هؤلاء كحالِ آلِ فرعون. وقال مقاتل: أي: دأبُ هؤلاء في تكذيبك كدأبِ آلِ فرعون. وقال مجاهد: فعل هؤلاء كفعل آلِ فرعون (٢). وقيل: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ تتَّقد بهم كما تتَّقد بآل فرعون. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: والكفارِ الذين كانوا قبلَهم. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: بكتبنا وبرسلنا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبهم بها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: للكفار. * * * (١٢) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: قرأحمزةُ والكسائيُّ بياء المغايبة، والباقون بتاء المخاطبة (٤)، وكلاهما شائعٌ في متعارف

стр. 1589

اللسانِ، يُقالُ: وقال زيد: المالُ له والمالُ لي، وقل له: سيخرج وستخرج، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) [الأنفال: ٣٨] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ الآية [الأنفال: ٧٠]. وقيل: الخطابُ لليهود، والمغايَبة عن عَبَدة الأوثان؛ لأنَّ اليهودَ أَظهروا السرور (٢) بما كان مِن المشركين يومَ أُحُدٍ. وتفسيره: قل لليهود الذين كان لهم عهدٌ ثم نقضوه -وهم بنو النضير- واعتمَدوا أموالهم وأولادهم: ستُغلبون وتقهرون، فلا تنفعكم أموالُكم ولا أولادُكم، وهذا في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: تُجمَعون وتُبعَثون إلى جهنَّم، وذلك في العُقبى. وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: وبئسَ الفِراش. وقال مجاهد: أي: بئسَ ما مهَدتم لأنفسكم وقدَّمتم لها (٣). وكان كما قال؛ فقد أَجلاهم وأَخَذ أموالهم في الدنيا، ولهم العذابُ الدائمُ في العقبى. وقيل: هذا خطابٌ لنصارى بني نجران الذين ذُكروا في أوَّل هذه السورة. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هو خطابٌ لليهود (٤)، وكانت الغَلَبة على بني قريظة بالقتل والسَّبي.

стр. 1590

(١٣) - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قُرئ فيه بالرَّفع على الاستئناف، وبالنصب على المدح (١)، وهذا (٢) شاذٌّ، وبالخفض على البَدَل، وهو قراءة الزهريِّ (٣)، وهو كما قال كُثَيِّر به (٤): وكنت كذي رِجلَيْن رِجلٌ صحيحةٌ... ورجلٌ رَمَى فيها الزمانُ فَشَلَّتِ (٥) يُنشد بالرَّفع والجرِّ معًا. ولو قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ: صريعٌ وجريحٌ، واقتصرتَ عليهما، لم يجز بالجرِّ؛ لانَّك لم تَستوفِ العددَ، ويَجوز بالرَّفع، وتقديره: منهم صريعٌ، ومنهم جريحٌ، وإذا قلتَ: مررتُ بثلاثةٍ؛ صريع وجريح وسليم، جاز فيه الرَّفع والجرُّ، فإنْ زدتَ فيه: اقتَتَلوا، جاز فيه الرَّفعُ والجرُّ والنصبُ. وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ إنَّما لم يقل: كانت؛ لتقدُّم الفعل، ولأنَّ الآيةَ في معنى البيان والبرهان، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ومعناها: كان لكم أيُّها الكفار المغترُّون بالعَدَد والعُدَد علامةٌ على صِدْق دعوى محمَّدٍ الرسالةَ، وإخبارِه أنَّكم ستُغلَبون وتُحشَرون في طائفتين وفرقتين اجتمعتا للقتال ببدرٍ؛ إحداهما فئةٌ تُجاهِد في

стр. 1591

سبيل اللَّه، وهم لا كثرةَ فيهم ولا شوكةَ، وهم أصحابُ محمَّدٍ ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾؛ أي: والطائفةُ الأُخرى كافرةٌ باللَّه ورسوله، وهم كفَّار قريشٍ أبو جهلٍ وأصحابُه، وكانوا تسعَ مئةٍ وخمسينَ رجلًا، وقادوا مئةَ فرسٍ، وساقُوا سبعَ مئةِ بعيرٍ، وفيهم مئةُ فارسٍ درَّاعٍ، وفي الرَّجَّالة راعون (١)، والمسلمون ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ؛ بين كلِّ أربعةٍ منهم بعيرٌ، ومعهم ستُّ أدرعٍ وفَرَسانِ، ففي ذلك عبرةٌ لمَن اعتبر حيث غلَب القليلُ الكثيرَ. وقوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾: قراءة نافعٍ بتاء المخاطبة؛ أي: تَرَون يا معشرَ اليهود أنتم المشركين مِثْلَي المسلمين، وهذا لم يكن رؤيةَ عيان؛ لأنَّهم لم يكونوا شهودًا، لكنَّه بمعنى العلم كأنَّهم عَلموا بالفريقين. وقرأ الباقون بياء المغايبة (٢)؛ أي: المسلمون يَرَون المشركين مِثْلَي أنفسِهم، ولم يُرِدْ به قصرَ العدد على مِثْلَي عددِ المسلمين على الاستواء، فقد كان المسلمون ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ، والمشركون تسعُ مئةٍ وخمسون، وهذا أكثرُ مِن ثلاثة أمثاله، لكن له وجوهٌ: أحدها: أنَّه لا يُراد بمثل هذا الكلام إلَّا التَّضاعُفُ، وذاك بزيادةٍ عليه، مِثْلَه كان أو مِثْليه أو ثلاثةَ أمثاله، خصوصًا في حقِّ مَن نظَر في الفئتين نظرًا واحدًا فعرف الكثرةَ دون إحصاءِ (٣) العددين حقيقةً، وكذا فيما يُحصى قد يُطلق هذا، يقال له (٤): لا أَقضي حاجتَك وإنْ أَتيتني ألفَ مرَّةٍ، و: لا أَقبل عُذرَك وإن اعتذرتَ سبعينَ مرَّةً، قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ويكون للرَّجل ألفُ

стр. 1592

درهمٍ، فيقول: إنِّي أَحتاج (١) إلى مثلِه، يريد أنَّه يَحتاج إلى ألفين، ولو قال: إلى مِثْليه، كان محتاجًا إلى ثلاثة آلاف. ووجهٌ آخَرُ: أنَّ اللَّهَ ﷻ أَرى المشركين في أعين المسلمين ضعفَهم بلا زيادةٍ؛ تشجيعًا لهم على قتالهم، إذ لو وقع عندهم أنَّهم بأضعافهم فربَّما هابوا، وكانوا لا يمتنعون عن قتال ضِعْفهم (٢)، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. وقيل: إنَّ كلَّ واحدةٍ مِن الفئتين رَأَت أنَّها في العدد مثلَ الفئة الأخرى؛ ليُقدِم بعضُهم على بعض، ولو رأى المسلمون المشركين على عددِهم لم يُؤمَن فشلُهم، ولو علم المشركون بعدد المسلمين لم يُؤمَن نكولُهم (٣)، فقلَّل كلَّ فئةٍ عمَّا كانت عليه في عيون الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلتُ لرجلٍ كان إلى جَنْبي: أَتُراهم سبعينَ؟ قال: أُراهم مئةً، فأخذنا رجلًا منهم فقلنا: كم كُنتم؟ قال: كنَّا ألفًا (٤).

стр. 1593

وقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾؛ أي: في رؤيةِ العين، وقد رأى رَأْيًا ورُؤيةً، وأكثرُ ما يُستعمَل في رؤية العين: الرؤية، وفي رؤية (١) القلب: الرَّأي (٢)، وفي النَّوم: الرؤيا. فـ ﴿رَأْيَ﴾ نصبٌ بنزع (في)، وقيل: نصبٌ على الحال، وتقديره: رائين بأعينهم، والعينُ في معنى العيون؛ لأَنَّه جنسٌ، فصلح للجمع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يقوِّي، والأَيْد والأَدُّ: القوَّة، والتأييدُ: التقويةُ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: أي: لآيةً، وسُمِّيت بها لأَنَّه يُعْبَر بها عن موضع الجهل إلى العلم، مِن العُبور وهو قَطْع النهر والنفوذُ، والاعتبارُ: الاستدلالُ بالشاهد على الغائب، والأبصار: جمع بَصَر، وهو رؤيةُ القلب، وكذلك البصيرة. وقال مقاتل: إنَّ في نصر المؤمنين وهم قليلٌ، وهزيمةِ المشركين وهم كثيرٌ، لعبرةً لأُولي (٣) البصائر في أمرِ اللَّه تعالى. وقال الحسن في تفسير هذه (٤) الآية -وهو وجهٌ آخَر سوى الذي قلنا-: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: يَرَون الكفارَ أنَّهم أضعافُ المسلمين، وكذلك كانوا في الظاهر، وهو رأي العين، ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يؤيِّد المؤمنين بخمسة آلافٍ مِن الملائكة والكفارُ لا يَرونهم، فأنتم في الباطن أكثرُ منهم، وهم في الظاهر أكثرُ منكم، فدخل في قلوب المؤمنين مِن ذلك رعبٌ، فأذهب اللَّهُ ﷻ ذلك

стр. 1594

مِن قلوبهم في أسرعَ مِن طرفةِ عينٍ ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقد شاء تأييدَ النبيِّ ﷺ وأصحابِه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ للَّذين يُبصرون ما أمرهم به اللَّهُ، كقوله عزَّ وعلا: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فإنْ قالوا: أيُّ عبرةٍ في هذا والفئةُ القليلةُ المُبطِلة قد تغلبُ الفئةَ الكثيرةَ المحقَّة؟ قلنا: الآيةُ الواضحةُ والعبرةُ اللائحةُ في ذلك ليست نفسَ غلبةِ القليلِ الكثيرَ، بل معانٍ أُخَرُ: منها: أنَّ المسلمين لم يكونوا مستعدِّين، وكان الكفار مستعدِّين على ما بيَّنَّا، وهذا في مثل هذا الحال لا يكون إلَّا بأمرٍ سماويّ. ولأنَّ أبا جهلٍ -لعنه اللَّهُ- قال: اللَّهمَّ انْصُر أحبَّ الدِّينين إليك، فوقع ذلك ونزل: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]. والثالث: أنَّ النبيَّ ﷺ كان أَخبر بذلك بقوله: سيُغلَبون، ونزل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. ولأنَّ النبيَّ ﷺ رماهم بكفٍّ مِن ترابٍ، وقال: "شاهتِ الوجوهُ" فامتلأت مِن ذلك أعينُهم وعَمُوا وانهزموا، ونزل في شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. فكانت العبرةُ في هذا كلِّه. * * * (١٤) - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.

стр. 1595

وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: انتظامُ هذه الآية بما قبلها: أنَّه ذكر في الآية الأولى عدمَ نفع الأولاد والأرحام (١) في الحاصل، وذَكر حالَ الآخرة في مقابلتها. ووجهٌ آخَرُ: أنَّه ذكر قصة بني نجران، واغترارَهم بما حصل لهم مِن ملوكهم مِن حظوظ الدنيا، وذكر هاهنا أنَّه (٢) كلَّه متاعٌ، وأنَّه لا قَدْرَ له في جَنْب الآخرة. وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعله، وفاعلُه هو اللَّهُ تعالى في قول عمر ﵁، وروي عنه أنَّه رفع يديه وقال: اللَّهمَ زيَّنتَ لنا الدنيا وما فيها، وما بعدها خيرٌ منها، فاجعل حظَّنا مِن الذي هو خيرٌ وأبقى (٣). ودليلُه في كتاب اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] ومعناه: تخليقُ الميل والشهوة في القلوب وتصوُّر حُسنها وزينتها، مِن غير أنْ يتعرَّض لذِكْر فاعلها، كما يقال: أين يُذهَبُ بك؛ أي: أين تَذهب؟ مِن غير إرادةِ مَن يُذْهِبُه. وقوله تعالى: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: المشتهيات، مصدرٌ أُريد به المفعولُ، ولذلك جُمع، ودليلُ ذلك أنَّه فسَّره بالمشتهيات (٤)، وهو قوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية.

стр. 1596

والشهوة: تَوَقانُ النفسِ إلى الشيء، وقد شهِيَ شهوةً، مِن باب عَلِمَ، واشتَهى يَشتهي، وتشهَّى يتشهَّى، وشهَّاه غيرُ تشهيةً، ورجل شهوانُ، وامرأةٌ شهوى. والنساء والنِّسوة: جمع امرأة على غيرِ لفظها. والبنين: جمع ابنٍ، وقد يقعُ في غيرِ هذا على الأولاد كلِّهم ذكورِهم وإناثِهم، وهاهنا أُريد به الذكورُ؛ فهم المشتهَون (١) في الطِّباع والمعَدُّون للدفاع. قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾: جمع القنطار (٢)، والقنطار؛ قيل (٣): هو أربعون أوقيَّةً مِن ذهبٍ أو فضةٍ، وقيل: ألفٌ ومئتا دينارٍ، وهو تشبيهٌ بالقَنْطَرة -وهو (٤) الجسرُ العظيمُ- بمعنى العظَم. وقيل: بمعنى العقد، وقيل: بمعنى التحصين، وقيل: بمعنى الإحكام، وقيل: بمعنى الجمع. وقال مجاهد ﵀: القنطارُ ثمانونَ ألف دينارٍ (٥). وقال الحسن: القنطارُ ديةُ أحدِكم. وقال معاذ بن جبلٍ ﵁: القنطار ألفٌ ومئتا أوقيَّةٍ. وقال أبو هريرة ﵁: هو اثنا عشر ألف أوقيَّةٍ (٦).

стр. 1597

وقيل: هو مئةٌ وعشرون ألف دينارٍ. وقال الكلبيُّ ﵀ وأبو نضرةَ (١): هو مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ (٢) ذهبًا. وقال أبو صالح: هو مئةُ رطلٍ. وقال سعيد بنُ جبير وعكرمة: هو مئةُ ألفٍ ومئةُ مَنٍّ ومئةُ رطلٍ ومئةُ دينارٍ ومئةُ درهمٍ، ولقد جاءكم (٣) الإسلامُ يومَ جاء وبمكَّة مئةُ رجلٍ قد قنطر. وقال الحكَم: القنطار: ما بين السماء والأرض مِن مالٍ. وقال السدِّي: القنطار: مئةُ رطلٍ مِن ذهبٍ وفضةٍ. وقال سعيد بنُ جبير: القنطار بلسان الرومية: مِلْءُ مسكِ ثورٍ ذهبًا، وبلسان أفريقيَّة والأندلس: ثمانيةُ آلاف مثقالٍ ذهبًا (٤) أو فضةً، وبلسان بَرْبَر: ألفٌ ومئتا مثقالٍ مِن ذهبٍ أو فضةٍ. وقوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قال الفرَّاء: المضاعَفة، فالقناطيرُ ثلاثةٌ، والمقنطرةُ تسعةٌ. وقيل: هي كقولك: دراهمُ مُدَرْهَمة؛ أي: مجعولة كذلك (٥).

стр. 1598

وقال السديُّ: هي المضروبةُ المنقوشةُ. وقال يمان بنُ رئاب: القناطيرُ: الأموالُ فوق الأرض، والمقنطرةُ: المدفونةُ. وقال الضحاك: هي المحصَّنة المحكَمة المجموعة المنضَّدةُ بعضها فوق بعض (١). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: أي: القناطيرِ مِن هذين الجنسين. وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: الخيل: الأفراس، لا واحدَ لها مِن لفظها، واشتقاقها مِن الخُيَلاء؛ لاختيالها في مشيها (٢)، ومِن التخيُّل؛ فإنَّها تتخَّيل في عينِ صاحبها أعظم منها؛ لتمكُّنها في قلبه. و ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: المرعيَّةُ، وقد سامَت السائمةُ؛ أي: رَعَت، وأَسامها وسوَّمها صاحبُها؛ أي: رعاها. وقيل (٣): المحسَّنة، وهي مِن السِّيما. وقيل (٤): المُعَلَّمَة، قال تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. وقيل: أي: المعدَّة للقتال، قال لبيد:

стр. 1599

ولعمري لقد بُلِيْ بكُلَيْبٍ... كلُّ قِرْنٍ مُسوَّمٍ للقتالِ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: هي جمع نَعَمٍ، وهي اسمٌ للإبل والبقر والغنم، ولا يقال: النَّعَم، لجنسٍ منها على الإفراد إلَّا للإبل خاصَّة، والنَّعَمُ اسمُ جنسٍ (٢) لا واحدَ له مِن لفظه، كالخيل والإبل والنِّساء والرَّهْط. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَرْثِ﴾: أي: والزرع، ويقتضي حُبَّ الضَّيْعات (٣)، وجمَع (٤) محابَّ الدنيا هذه الأشياءُ السِّتَّةُ. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى حبِّ الشهوات، ولذلك ذُكِّر ووحِّد، وقال النضر بنُ شميل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكر؛ أي: ما ذُكر (٥) متاعُ الحياةِ الدنيا، وقد أوضحناه عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: أي: المرجعِ، وهو الجنَّة، يقول: إنَّما جُعل ذلك ليُتناول منه بقَدْر المُتْعة (٦) في الدنيا وأَخذِ البُلغة منه، لا ليستكثرَ منه الاستكثارَ الذي يُورِّط صاحبَه في المحظور ويُوْرثه المحذور، وهذا تزهيدٌ في الدنيا،

стр. 1600

وترغيبٌ في الآخرة، وبيانٌ أنَّه لم يَخلق ذلك كلَّه ليستعملوها (١) في خلافه والصَّدِّ عن سبيله، بل ليتبلَّغوا بها، ثم المآبُ إلى اللَّه تعالى فلْيستعينوا (٢) بها على ذلك. * * * (١٥) - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: أي: قل يا محمَّد، أَأُخبركم بما هو خيرٌ مِن جميع ما عدَّدْتُ عليكم مِن المشتهَيات الدنيويَّة، وهذه ألفُ الاستفهام بمعنى استعظامِ ما يخبرهم به، يقول الرجلُ لآخَر (٣): أَلا أُخبرك بما وقع في البلد، ويقال هذا في مهمٍّ. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أي: الكفرَ والمعاصيَ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: قد مرَّ تفسيرُه كلِّه في سورة البقرة (٤)، وهذا كلُّه تفسيرُ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. و ﴿جَنَّاتٌ﴾ رفعٌ؛ لأنَّه خبرُ اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وقراءةُ الخفضِ على أنَّه بدلٌ مِن قوله: بخير (٥). وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: ولهم أيضًا رضًا مِن (٦) اللَّه، كما

стр. 1601

قال: ﴿﵃﴾ [المائدة: ١١٩] وقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي: يرى ما يَعملون، ويَقدِر على جزائهم على ما يفعلون، وهذا وعدٌ ووعيدٌ. وقيل: معناه: واللَّهُ بصيرٌ بمصالح عباده في دنياهم وأُخراهم، فلا ينبغي لمَن اختار له في الدنيا التوحيدَ والعملَ الصالح أنْ يتَّهمه في منعِ هذه المشتهَيات الدنيويَّة عنه. وقال عطاء: إنَّ قريظةَ والنضيرَ كانت لهم الأموالُ التي ذُكرت في هذه الآية، والمهاجرون قد أُخرجوا مِن ديارهم وأموالِهم، فنزلت فيهم هذه الآيةُ. * * * (١٦) - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾: هذا وصفُ المؤمنين (١) الذين لهم جنَّاتٌ، وإعرابه خفضٌ على النعت، ويجوز النصبُ على المدح، ويجوز الرَّفعُ على إضمار (هم)؛ أي: هم الذين يقولون. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: مَدَحهم بحُسْن الاعتقاد وصِدْق التضرُّع. وقوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيره. * * * (١٧) - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: هذا كلُّه نعتٌ للمتقين، وإعرابُه مِن أوجُهٍ ثلاثةٍ:

стр. 1602

أحدها: الخفض؛ عطفًا على خفض ﴿الَّذِينَ﴾. والثاني: النصب على المدح؛ عطفًا على نصب ﴿الَّذِينَ﴾ (١). والثالث: الصرفُ إلى النصبِ على المدح مع أن إعراب ﴿الَّذِينَ﴾ رفع أو خفض (٢). ثمَّ إدخالُ الواو في هذه الصفات مع أنَّها لطائفةٍ واحدةٍ؛ لإرادة المدح، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] وكما يقال: جاء شهرُ الصيام (٣)، وشهرُ القيام، وشهرُ الإطعام. وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصَّبْر (٤): حبسُ النَّفْسِ عن شهواتها المحظورةِ في الشرع، وجميعُ أجناسِ الصبرِ ثلاثةٌ: الصبرُ على الطاعة، والصبرُ عن المعصية، والصبرُ على المكروه، وقال النبيُّ ﷺ : "مَن صبر على المصيبة فله ثلاثُ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين السماءِ والأرض، ومَن صبرَ على الطاعة فله ستُّ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرض، ومَن صبر عن المعصية فله تسعُ مئةِ درجةٍ؛ ما بين كلِّ درجتين كما بين العرش والكرسيِّ (٥) " (٦).

стр. 1603

وقوله تعالى: ﴿صَادِقِينَ﴾ قد مرَّ تفسير الصِّدق في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وهو على ثلاثةِ أنواعٍ: صدقُ القول، وصدقُ الفعل، وصدقُ النِّيَّة. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القانتُ: المطيعُ، وقيل: الدائمُ على الطاعة، وقيل: هو الدَّاعي، وقيل: هو القائمُ بالليل، وقيل: هو الخاشعُ، وقيل: هو الخاضعُ، وقيل: هو الدائمُ على الطاعة الذي لا يَدخلُه فيها فَترةٌ (١)، ولا يقطعه عنها غفلةٌ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾؛ أي: أموالَهم في وجوه الخير، وغيرَ الأموال أيضًا على ما مرَّ في قوله ﷻ : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؛ أي: الذين يسألون اللَّهَ تعالى مغفرةَ ذنوبهم. وقيل: إذا كانوا كاملين في معاني الصَّبر والصِّدق والقنوت والإنفاق فلا ذنبَ لهم، فهذا الاستغفارُ منهم يكون للتقصير والنقصان. وقيل: هم المُصلُّون في آخِرِ الليل، وهو قولُ سعيد بنِ جبير ومجاهد والضحاك وقتادة (٢)، سمى الصلاةَ استغفارًا؛ لأنَّ في آخرِها سؤالَ (٣) المغفرة. وقال زيد بنُ أسلم: هم الذين يَشهدون صلاةَ الصبح مع (٤) الجماعة (٥).

стр. 1604

وقال جعفر بنُ محمد الصَّادق: مَن صلَّى بالليل ثم استغفر سبعين مرَّةً في السَّحَر، كُتبَ مِن المستغفرين بالأسحار (١). وقال أنسٌ رضي اللَّه تعالى عنه: أُمرنا أنْ نستغفرَ بالأسحار سبعين مرَّةً (٢). وروى إبراهيم بنُ حاطب، عن أبيه قال: سمعتُ صوتًا في ناحية المسجد وقتَ السَّحَر: إلهي دعوتني فأَجبتُك، وأَمرتني فأَطعتُك، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي. فنظرتُ فإذا عبد اللَّه بنُ مسعودٍ رضي اللَّه تعالى عنه (٣). وقال مجاهد ﵁ في قول يعقوب ﵇ قال: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قال (٤): أَخَّره إلى وقتِ السَّحَر؛ لأنَّ الدعاءَ فيه مستجابٌ (٥). وقالوا (٦): إنَّ اللَّهَ تعالى لا يَشغله صوتٌ عن صوتٍ، لكنَّ الدعاءَ في السحر دعوةٌ في الخَلْوة، وهي أبعدُ مِن الرِّياء والسمعة، فكانت أقربَ إلى الإجابة. وقيل: الآية في شأن النبيِّ ﷺ والصحابةِ الأربعةِ، والصابرون رأسُهم محمَّدٌ ﵊، والصادقون رأسُهم أبو بكر الصِّدِّيق ﵁، والقانتون

стр. 1605

رأسُهم عمرُ (١) الفاروق ﵁، والمنفقون رأسُهم عثمانُ ﵁ ذو النورين، والمستغفرون بالأسحار رأسُهم عليُّ بنُ أبي طالب ﵁. وقال الإمام أبو القاسم القشيريُّ ﵁: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على ما أمر اللَّه، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما عاهدوا اللَّه، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بالاستقامة في محبَّة اللَّه، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أرواحَهم في سبيل اللَّه، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ مِن جميع ما عملوا (٢) لرؤية تقصيرهم في اللَّه. وقيل: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ بقلوبهم، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ بأرواحهم، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بنفوسهم، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ بأسرارهم، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ بألسنتهم. ويقال (٣): ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على صِدْق المقصود (٤)، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في العهود، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بحفظ الحدود، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ ببذل المجهود، ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ على (٥) أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد (٦). ويقال: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الذين صبروا على الطلب، ولم يتعلَّلوا بالهرب، ولم يحتشموا مِن التَّعب، وهجروا كلَّ راحةٍ وطربٍ (٧)، فصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يَقطعهم شيءٌ مِن الدنيا والعُقبى.

стр. 1606

﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا في الطلب فقصدوا، ثم [صدقوا حتى] وردوا، ثم صدقوا حتى شَهدوا، ثم صدقوا حتى وَجدوا، ثم صدقوا حتى فُقدوا، فترتيبهم (١): قصودٌ ثم ورودٌ ثم شهودٌ ثم وجودٌ ثم خمودٌ. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ الذين لازموا البابَ، وداموا على تجرُّع الاكتئاب؛ وتركِ المحابّ، ورفض الأصحاب، إلى أنْ تحقَّقوا بالاقتراب. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ الذين جادُوا بنفوسهم مِن حيث الأعمالُ، ثم جادوا بميسورهم مِن الأموال، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كلِّ حظٍّ لهم في العاجل والآجل للقُرب والوصال. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصَّحْو عند الأسحار في ظهور الأسفار، وهو فجرُ القلوب لا فجرٌ يظهر في الأقطار (٢). * * * (١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: أولو العلم (٣) هؤلاء الذين سبق ذِكْرهم ومَدْحهم، ومن تمام مدحِهم أنَّهم يَشهدون بهذه الشهادة، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى والملائكةِ قَبْلهم تأسيسٌ لمدحهم، وأنَّهم يشهدون بما شهد اللَّهُ به وملائكتُه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وذكر اللَّه تعالى هاهنا لتشريف ذِكْر النبيِّ ﷺ ، وهذا كذلك.

стр. 1607

وقال (١) الكلبيُّ: قدم على النبيِّ ﷺ حبرانِ مِن أحبارِ الشام، ولما مرَّا بالمدينة (٢) قالا: ما أشبهَ هذا البلدَ بمدينة خاتمِ الأنبياء، ولمَّا دخلا على رسول اللَّه ﷺ قالا: أَخبِرنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب اللَّه تعالى؛ إنْ أنت أَخبرتنا بها آمنَّا بك، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فأَسلم الرجلان (٣). وقال مقاتل: إنَّ عبد اللَّه بنَ سلَام وأصحابَه مِن مؤمني أهلِ الكتاب قالوا لرؤوس اليهود: إنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه ودينَه الحقُّ فاتَّبِعوه، فقالت اليهود: دينُنا أفضلُ مِن دينكم، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يشهدون بها ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بالتوراة؛ عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه يشهدون أنَّه لا إله إلا هو، ويشهدون أنَّه قائمٌ على كلِّ نفس بالعدل (٤) ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره، ويشهدون (٥) ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فالشهادةُ: الإخبارُ عمَّا شُوهد؛ أي: شهودَ نظرٍ أو علمٍ (٧). وقال مقاتل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: قالَ اللَّهُ.

стр. 1608

وقال أبو عبيدة: أي: قضى اللَّهُ (١). وقال الزجَّاج: حقيقته: عَلِمَ اللَّهُ وبيَّن؛ لأنَّ الشاهدَ هو الذي عَلِمَ وبيَّن (٢). وقيل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ (٣)؛ أي: أقام شهادةَ الآيات اللائحة والدِّلالات الواضحة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: خلقَ اللَّهُ مِن الخلائق ما يُشهد خَلْقُه كلَّ أحدٍ على إلهيَّته ووحدانيَّته. قال: وقيل: هي شهادةُ ذاته؛ أي: هو بذاته متعالٍ عن جميع معاني المُحدَثين المربوبين، فهو الإلهُ الخالق المعبود. قال: فإنْ قال لنا مُلحِدٌ: كيف يصحُّ هذا وهو دعوى؟ قلنا: دعوى مَن ظهر صدقه في شهادته إذا شهد مقبولة، وقد أظهر صدقَ قوله فيما شَهد به لنفسه، وقهر كلَّ مكذِّب في دعواه (٤). وقال الكلبيُّ والضحاك: شهدَ اللَّهُ لنفسه بنفسه (٥). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: شهد لنفسه (٦) واستَشْهَد مِن خَلْقه، وحمِد نفسَه، واستَحمَد مِن خلقه، ونزَّه نفسه واستنزَه مِن خلقه؛ أي: قال (٧): سبحان اللَّه، وأَمر به، فقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤٢].

стр. 1609

وقال القفَّال: شهادةُ اللَّهِ لنفسه إظهارُ وحدانيَّته، وقد أثبته (١) بما أَظهره في خَلْقه مِن أَمارات الحدوث الدَّالَّة على حاجتها إلى صانعها، وأنَّه لا شريكَ له ولا شبيهَ، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، وهم لم (٢) يكونوا يشهدون لذلك بقولهم، بل يُنكرونه أشدَّ الإنكار، لكن لمَّا كانوا في حالٍ يتبيَّن بها كفرُهم جُعل ذلك شهادةً منهم (٣)، وشهادةُ الملائكة على هذا بما أبانت مِن الحُجج عند الرسل، وشهادة أولي العلم هي بما (٤) أبانوا للناس مِن دلائل التوحيد. قال: ويحتمِل أنَّ قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ على الشهادة المعروفة التي تؤدَّى بالقول، وشهادة اللَّه لنفسه بما ذكرنا، ولفظُ الشهادة يجمعها معنًى وإنِ اختلفت الشهادات (٥) في أنفسها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة مِن اللَّه تعالى غيرُ الصلاة مِن الملائكةِ والبشرِ وإنْ كان يجمعُها لفظُ الصلاة. وقيل: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي (٦): أَخبر اللَّهُ، وكذا شهادةُ الملائكة وأولي العلم، وتقييدُه بكلمة الشهادة تأكيدٌ للإخبار، وهو متعارَف في اللسان: أَشهد أنَّكَ كذا، وكذا شهادةُ المؤذِّن في الأذان، والمصلِّي في القَعْدة، والذي يُسلِم أولًا،

стр. 1610

والتهليلُ تامٌّ، ولفظةُ الشهادة (١) مؤكِّدة، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (٢) [النساء: ١٦٦]. ثم قوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هو اسمُ جميع المؤمنين؛ لعلمهم باللَّه، والجاهلُ اسمٌ للكافر (٣)؛ لجهله باللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ قال الفرَّاء: هو نصبٌ على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعتَ بها معرفةٌ (٤)، وتقديره: شهد اللَّهُ القائمُ بالقِسْط، وهو في معنى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، وفي معنى قوله: ﴿الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] وهو (٥) الذي خلق الخلق، وهو يربِّيهم ويُصلِح شأنهم (٦). والقسطُ: العدل؛ أي: هو القاضي بينهم بالعدل. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال جعفر بنُ محمَّد الصادقُ: أَعاد هذه الكلمات بعد ذكرها في أوَّل الآية؛ لأنَّ الأُولى إخبارٌ مِن اللَّه تعالى به، والثانية أمرٌ للعباد أنْ يقولوا ذلك (٧). وقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ هو (٨) الغالبُ الذي لا يُغلَب،

стр. 1611

والقاهر هو (١) الذي لا يُقهَر، يقال: عَزَّ يَعُزُّ -بضمِّ العين في المستقبل-: إذا غلَب، قال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] وفي المَثَل: مَن عَزَّ بَزَّ؛ أي: مَن غَلَب سَلَب. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا مِثْل له، يقال: عزَّ يَعِزُّ -بكسر العين في المستقبل-: إذا قلَّ وجودُ مثلِه، وإذا كان ما يقلُّ وجودُ مثلِه عزيزًا، فالذي لا مِثْلَ له أَولى بهذا الاسم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ القويُّ، يقال: عَزَّ يَعَزُّ -بفتح العين في المستقبل-: إذا اشتدَّ، قال تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]؛ أي: فقوَّينا، والأرضُ العَزازُ: التي لا يستقرُّ عليها الأقدامُ. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيعُ، وهو الذي لا يُوصل إليه، يقال: حصنٌ عزيزٌ، إذا تعذَّر الوصولُ إليه، فإذا كان ما (٢) يتعذَّر الوصولُ إليه عزيزًا، فالذي يستحيل الوصولُ إليه -إذ لا حدَّ له- أَولى بهذا الاسم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ (٣) المعزُّ، كالأليم بمعنى المؤلِم، والوجيع بمعنى الموجِع، ﴿الْحَكِيمُ﴾ هو المصيبُ في القول والعمل، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِم أيضًا، وقد مرَّ فيه أقاويلُ أخَرُ في (٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في قصَّة آدمَ ﵊. * * * (١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

стр. 1612

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ في ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ و ﴿أَنَّهُ﴾ في أوَّل هذه الآية أربعة أوجهٍ: فتحُهما، وكسرُهما، وفتحُ الأولى وكسرُ الثانية، وعكسُه. أمَّا فتحُهما: وهو قراءةُ الكسائيِّ (١)، فعلى إيقاعِ الشهادةِ على الثانية وإضمارِ الباء أو اللام في الأولى: بأنَّه أو لأنه، أو إيقاعِ الشهادة على الأولى وإيقاعها أيضًا على الثانية لا بطريق العطف؛ لأنَّه لا عاطف بينهما، لكن على البدل. وأمَّا كسرهما: فلأنَّ الشهادةَ تجري مجرى القول، فيجوز كسرُ (إنَّه) على معنى: قال اللَّه تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والثانية على الاستئناف، أو على إيقاع القول والفعل (٢) عليه. وأمَّا كسر الأولى وفتح الثانية: وهو قراءةُ ابنِ عباسٍ ﵄ (٣)، فالأُولى استئنافٌ، وهو اعتراضُ الكلام قبل التمام، والثانيةُ بإيقاع الشهادة عليها. وأمَّا فتح الأولى وكسر الثانية: فعلى إيقاع الشهادة على الأُولى واستئنافِ الثانية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينَ الحقَّ والدِّينَ المرضيَّ هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ حين افتخر المشركون بأديانهم، وقال كلُّ فريقٍ منهم: لا دينَ إلَّا دينُنا، وهو دينُ اللَّه تعالى منذ بَعث اللَّهُ تعالى آدم ﵇، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الذي جاء به محمَّدٌ ﵊، وهو الدِّين

стр. 1613

الحقُّ منذ بعث اللَّهُ تعالى آدمَ، وما سواه مِن الأديان فكلُّها باطلٌ (١). والإسلامُ: هو الاستسلامُ، وهو الإخلاصُ أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (٢) [الزمر: ٢٩]. وهو في الحقيقة: جعلُ كليَّة الأشياء للَّه تعالى لا شريكَ له فيها في ملكٍ ولا إنشاءٍ ولا تقديرٍ. هو دينُ (٣) كلِّ نبيٍّ كان، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حَكَم لصاحبه أنَّه يجازيه (٤) ويُعليه، وبالفضل يُلقِّيه، هو الإسلام، وما سواه فمردودٌ، وطريق النجاة على صاحبه مسدود (٥). وقال في جملة الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: عَلِمَ اللَّهُ وأَخبرَ اللَّهُ وحَكمَ اللَّهُ بأنَّه لا إله إلَّا هو، فهي شهادةُ الحقِّ للحقِّ (٦) بأنَّه الحقُّ، وأوَّلُ مَن شهد أنَّه اللَّهُ هو اللَّهُ (٧)؛ فشهد في آزاله بقوله الأزليِّ، وأخبر عن وجوده الأحديِّ، وكونه الصمديِّ، وذاته القيوميِّ، وعزَّه الديموميِّ، وجلاله السرمديِّ، وجماله الأبديِّ. ثم في آباده: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: بيَّن اللَّهُ بما نصب مِن البراهين، وأثبت مِن دلائل

стр. 1614

اليقين، وأوضح مِن الآيات، وأبدى مِن البيِّنات، فكلُّ جزءٍ مِن جميع ما خَلقَ وفَطرَ، ومن كتم العدم أَظهر، على ما شاء (١) مِن الصفة الذاتيَّة حصَل، مِن أعيانٍ مستقلَّة، وآثارٍ في ثاني وجودها مضمحلَّة، وذواتٍ للآفات قابلة، وصفاتٍ في المحالِّ (٢) متعاقِبة. شهد سبحانه بجلال قَدْره وكمال عزِّه حين لا جحدَ ولا جهدَ ولا عرفانَ لمخلوقٍ، ولا عقلَ ولا نفاق، ولا كفرَ ولا إلحاد ولا شرك، ولا عناد ولا إفك (٣)، ولا سماءَ ولا فضاء، ولا ظلامَ ولا ضياء، ولا أصولَ للمزدوجات، ولا فصولَ (٤) باختلاف الأوقات (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ لم يؤيِّد (٦) شهادتَه بوحدانيَّته بشهادة الملائكة، بل أسعدهم وايَّدهم حين وفَّقهم لشهادته وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيَّته أرشدهم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هم أولياءُ بني آدمَ (٧) إذا علموا جلالَ قَدْره، وعرفوا كمالَ عزِّه، فأكرمهم حيت قرنَ شهادتهم بشهادته (٨)، فشهدوا عن شهودٍ ويقينٍ لا عن ظنونٍ وتخمينٍ، تَعرَّفَ (٩) إليهم فعرفوا، وأَشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم

стр. 1615

إنَّه مَن هو، لَمَا عرفوا مَن هو، ولكنِ العلماءُ يَشهدون بصحْوِ عقولهم، والموحِّدون يَشهدون بَعْد خمودهم، فهم كما قيل: مُستهلَكون بقهرِ الحقِّ قد همَدوا... واستُنْطِقوا بعدما أُفنوا بتوحيدِ (١) فالمجري (٢) عليهم ما يبدو منهم سواهم، والقائمُ عنهم كما هم عليه وبه غيرُهم، ولقد كانوا لكنَّهم بانوا، قال قائلهم: كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ... ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتبُ وأولو العلم على مراتبَ: فمِن عالمٍ يَعرف أحكامه حلالَه (٣) وحرامه، وعالمٍ يعلم أخباره [و] سُننَه وآثاره، وعالمٍ يحفظ كتابه ويعرف تفسيره وتأويله ومحكَمَه وتنزيله، وعالمٍ يعلم صفاته ونعوتَه، ويوضح (٤) حُججه وتوحيده، وعالمٍ لاطفه حتى أَحضره (٥)، ثم كاشَفَه فقهره، فالاسمُ باقٍ والعين محقٌ والحكم طارٍ والعبد محوٌ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: وما اختلف في دينِ اللَّهِ الإسلامِ اليهودُ والنصارى الذين أُعطوا علمَ التوراة والإنجيل إلَّا مِن بعد ما جاءهم البيِّنات؛ أي: اختلافُهم ليس لقصورٍ في البيان، ولا لغموضٍ في الحجج، بل حججُ التوحيد (٧) ظاهرة، ودلائلُه واضحة قاهرة.
следующие страницы →