← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

والقاهر هو (١) الذي لا يُقهَر، يقال: عَزَّ يَعُزُّ -بضمِّ العين في المستقبل-: إذا غلَب، قال تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] وفي المَثَل: مَن عَزَّ بَزَّ؛ أي: مَن غَلَب سَلَب. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا مِثْل له، يقال: عزَّ يَعِزُّ -بكسر العين في المستقبل-: إذا قلَّ وجودُ مثلِه، وإذا كان ما يقلُّ وجودُ مثلِه عزيزًا، فالذي لا مِثْلَ له أَولى بهذا الاسم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ القويُّ، يقال: عَزَّ يَعَزُّ -بفتح العين في المستقبل-: إذا اشتدَّ، قال تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]؛ أي: فقوَّينا، والأرضُ العَزازُ: التي لا يستقرُّ عليها الأقدامُ. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المنيعُ، وهو الذي لا يُوصل إليه، يقال: حصنٌ عزيزٌ، إذا تعذَّر الوصولُ إليه، فإذا كان ما (٢) يتعذَّر الوصولُ إليه عزيزًا، فالذي يستحيل الوصولُ إليه -إذ لا حدَّ له- أَولى بهذا الاسم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ (٣) المعزُّ، كالأليم بمعنى المؤلِم، والوجيع بمعنى الموجِع، ﴿الْحَكِيمُ﴾ هو المصيبُ في القول والعمل، و ﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِم أيضًا، وقد مرَّ فيه أقاويلُ أخَرُ في (٤) قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في قصَّة آدمَ ﵊. * * * (١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

стр. 1612

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ في ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ و ﴿أَنَّهُ﴾ في أوَّل هذه الآية أربعة أوجهٍ: فتحُهما، وكسرُهما، وفتحُ الأولى وكسرُ الثانية، وعكسُه. أمَّا فتحُهما: وهو قراءةُ الكسائيِّ (١)، فعلى إيقاعِ الشهادةِ على الثانية وإضمارِ الباء أو اللام في الأولى: بأنَّه أو لأنه، أو إيقاعِ الشهادة على الأولى وإيقاعها أيضًا على الثانية لا بطريق العطف؛ لأنَّه لا عاطف بينهما، لكن على البدل. وأمَّا كسرهما: فلأنَّ الشهادةَ تجري مجرى القول، فيجوز كسرُ (إنَّه) على معنى: قال اللَّه تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والثانية على الاستئناف، أو على إيقاع القول والفعل (٢) عليه. وأمَّا كسر الأولى وفتح الثانية: وهو قراءةُ ابنِ عباسٍ ﵄ (٣)، فالأُولى استئنافٌ، وهو اعتراضُ الكلام قبل التمام، والثانيةُ بإيقاع الشهادة عليها. وأمَّا فتح الأولى وكسر الثانية: فعلى إيقاع الشهادة على الأُولى واستئنافِ الثانية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينَ الحقَّ والدِّينَ المرضيَّ هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية [آل عمران: ٨٥]. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلت: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ حين افتخر المشركون بأديانهم، وقال كلُّ فريقٍ منهم: لا دينَ إلَّا دينُنا، وهو دينُ اللَّه تعالى منذ بَعث اللَّهُ تعالى آدم ﵇، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى وقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الذي جاء به محمَّدٌ ﵊، وهو الدِّين

стр. 1613

الحقُّ منذ بعث اللَّهُ تعالى آدمَ، وما سواه مِن الأديان فكلُّها باطلٌ (١). والإسلامُ: هو الاستسلامُ، وهو الإخلاصُ أيضًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (٢) [الزمر: ٢٩]. وهو في الحقيقة: جعلُ كليَّة الأشياء للَّه تعالى لا شريكَ له فيها في ملكٍ ولا إنشاءٍ ولا تقديرٍ. هو دينُ (٣) كلِّ نبيٍّ كان، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ أي: الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حَكَم لصاحبه أنَّه يجازيه (٤) ويُعليه، وبالفضل يُلقِّيه، هو الإسلام، وما سواه فمردودٌ، وطريق النجاة على صاحبه مسدود (٥). وقال في جملة الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: عَلِمَ اللَّهُ وأَخبرَ اللَّهُ وحَكمَ اللَّهُ بأنَّه لا إله إلَّا هو، فهي شهادةُ الحقِّ للحقِّ (٦) بأنَّه الحقُّ، وأوَّلُ مَن شهد أنَّه اللَّهُ هو اللَّهُ (٧)؛ فشهد في آزاله بقوله الأزليِّ، وأخبر عن وجوده الأحديِّ، وكونه الصمديِّ، وذاته القيوميِّ، وعزَّه الديموميِّ، وجلاله السرمديِّ، وجماله الأبديِّ. ثم في آباده: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: بيَّن اللَّهُ بما نصب مِن البراهين، وأثبت مِن دلائل

стр. 1614

اليقين، وأوضح مِن الآيات، وأبدى مِن البيِّنات، فكلُّ جزءٍ مِن جميع ما خَلقَ وفَطرَ، ومن كتم العدم أَظهر، على ما شاء (١) مِن الصفة الذاتيَّة حصَل، مِن أعيانٍ مستقلَّة، وآثارٍ في ثاني وجودها مضمحلَّة، وذواتٍ للآفات قابلة، وصفاتٍ في المحالِّ (٢) متعاقِبة. شهد سبحانه بجلال قَدْره وكمال عزِّه حين لا جحدَ ولا جهدَ ولا عرفانَ لمخلوقٍ، ولا عقلَ ولا نفاق، ولا كفرَ ولا إلحاد ولا شرك، ولا عناد ولا إفك (٣)، ولا سماءَ ولا فضاء، ولا ظلامَ ولا ضياء، ولا أصولَ للمزدوجات، ولا فصولَ (٤) باختلاف الأوقات (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ لم يؤيِّد (٦) شهادتَه بوحدانيَّته بشهادة الملائكة، بل أسعدهم وايَّدهم حين وفَّقهم لشهادته وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيَّته أرشدهم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هم أولياءُ بني آدمَ (٧) إذا علموا جلالَ قَدْره، وعرفوا كمالَ عزِّه، فأكرمهم حيت قرنَ شهادتهم بشهادته (٨)، فشهدوا عن شهودٍ ويقينٍ لا عن ظنونٍ وتخمينٍ، تَعرَّفَ (٩) إليهم فعرفوا، وأَشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقل لهم

стр. 1615

إنَّه مَن هو، لَمَا عرفوا مَن هو، ولكنِ العلماءُ يَشهدون بصحْوِ عقولهم، والموحِّدون يَشهدون بَعْد خمودهم، فهم كما قيل: مُستهلَكون بقهرِ الحقِّ قد همَدوا... واستُنْطِقوا بعدما أُفنوا بتوحيدِ (١) فالمجري (٢) عليهم ما يبدو منهم سواهم، والقائمُ عنهم كما هم عليه وبه غيرُهم، ولقد كانوا لكنَّهم بانوا، قال قائلهم: كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ... ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتبُ وأولو العلم على مراتبَ: فمِن عالمٍ يَعرف أحكامه حلالَه (٣) وحرامه، وعالمٍ يعلم أخباره [و] سُننَه وآثاره، وعالمٍ يحفظ كتابه ويعرف تفسيره وتأويله ومحكَمَه وتنزيله، وعالمٍ يعلم صفاته ونعوتَه، ويوضح (٤) حُججه وتوحيده، وعالمٍ لاطفه حتى أَحضره (٥)، ثم كاشَفَه فقهره، فالاسمُ باقٍ والعين محقٌ والحكم طارٍ والعبد محوٌ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي: وما اختلف في دينِ اللَّهِ الإسلامِ اليهودُ والنصارى الذين أُعطوا علمَ التوراة والإنجيل إلَّا مِن بعد ما جاءهم البيِّنات؛ أي: اختلافُهم ليس لقصورٍ في البيان، ولا لغموضٍ في الحجج، بل حججُ التوحيد (٧) ظاهرة، ودلائلُه واضحة قاهرة.

стр. 1616

وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: قال الأخفش: هو مقدَّمٌ، وتقديره: وما اختلف فيه بغيًا بينهم إلَّا الذين. والبغيُ: هو طلبُ (١) الاستعلاء بالظُّلم؛ أي: عانَدوا الحقَّ وأعرضوا عن التدبُّر؛ حسدًا للرُّسل والمؤمنين، وطلبًا للرئاسة، وإرادةً للتعزُّز والتعظُّم على الآخرين. وقيل: وما اختَلف في محمَّدٍ إلَّا أهلُ الكتاب بعد وقوعِ العلم لهم به بما في كتابهم مِن ذِكْره، وفعلوا ذلك حسدًا له، إذ كان مِن بني إسماعيل وهم مِن بني إسحاق، وفي ذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، والجحودُ إنكارٌ بعد المعرفة، وحَسَدُهم أَنَّهم كرهوا متابعةَ الفقراء الذين سبقوهم بالإيمان، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: الكتبِ والرُّسل، وعلى القول الثاني: بمحمَّد والقرآن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: فإنَّه سيصير إلى اللَّه سريعًا؛ فيحاسبُه ويجازيه على كفره. وقيل: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ في معنى: شديد العقاب؛ لقوله ﵊: "مَن نُوقِش الحساب عُذِّبَ" (٢). * * * (٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

стр. 1617

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾: أي: خاصَموك، ولم يقل في ماذا؟ وتبيَّن بالجواب أنَّه كان في الدِّين، وهو كما مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ في آيات، وكذا: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: أخلصتُ قصدي وتوجُّهي للَّه لا أتوَّجه إلَّا إليه. وقيل: ﴿وَجْهِيَ﴾؛ أي: ديني، وقيل: عملي، وقيل: أي: أسلمتُ نفسي، وكشَفْنا عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: عطفٌ على التاء من ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: أسلمتُ أنا وجهي ومَن اتبعني فعل كذلك، وفيه وجهان: أسلمت أنا ومَن اتبعني، و: أسلمتُ ومَن اتبعني، والأكثر مع ذكرِ: (أنا)، قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فجُمع في القرآن بين الوجهين. وقيل: إنَّما حذف (أنا) هاهنا؛ لطول الفصل في الكلام، فصار عِوضًا عن ذِكْر الضمير. يقول: فإنْ خاصموك في إثبات شِركهم، فقل لهم: إنَّ مَن أسلمتُ وجهي له هو (١) اللَّه، وهذا في الجملة حقٌّ عندي وعندكم، وهو (٢) يُوجِب الانقيادَ لجميع ما أَمَر اللَّهُ به، وقد أقام لي الدلائلَ في نفسي على أنِّي عبدُه ورسولُه، وأوحى إليَّ القرآنَ وأقام لي الدلائلَ ولمَن اتبعني بذلك، فإنْ أَسلمتُم اهتديتم، وإنْ أَعرضتم عن ذلك فقد بلَّغناكم حججَ اللَّه تعالى، وليس وراءَه إلَّا العذاب. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: قال الكلبيُّ ﵀: يهودِ المدينة

стр. 1618

ونصارى (١) أهل نجران ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾: مشركي العرب، وقد بيَّنَّا وجوهه في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨]. قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى الأَمْر، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وهو كقولك: أَتنزلُ وتأكلُ معنا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: أي: أَسلموا وجوهَهم كما أسلمتُم أنتم (٢) فقد رشدوا. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أَعرضوا عن ذلك (٣) ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: تبليغُ الرِّسالة، وليس بيدك أنْ تَمنعهم عن التولِّي، وكان هذا حين لم يُؤمَر بالقتال، ثم أُمر به. ولمَّا نزل هذا دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: قد أَسلمنا، فقال لليهود: "أَتشهدون أنَّ عيسى كلمةٌ مِن اللَّه ورُوحٌ منه؟ " قالوا: معاذ اللَّه، وقال للنصارى: "أَتشهدون أنَّ عيسى عبدُ اللَّه ورسولُه"؟ قالوا: معاذَ اللَّهِ، ولكنَّه اللَّهُ، فذلك تولِّيهم عن الإسلام (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي: هو (٥) يَراهم ولا يَغفُل، وهذا وعيدٌ، وقيل: أي: بصير بجزاء أعمالهم، وقيل: أي: بصيرٌ بما أسرُّوا وأَعلنوا. * * * (٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

стр. 1619

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: أي (١): اليهود كفروا بمحمَّدٍ والقرآنِ وعيسى والإنجيلِ، وخالفوا التوراةَ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾: أي: زكريا ويحيى وغيرَهما. وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: وقال في سورة البقرة: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]؛ أي: بغير الحقِّ الذي حدَّه اللَّهُ وأَذن فيه، والنكرة هاهنا على معنى أنَّ القتلَ يكون بوجوهٍ مِن الحقِّ، فمعناه: يقتلون بغير حقٍّ مِن تلك الحقوق. وذِكْر الكفر والقتل مِن هؤلاء على صيغة المستقبل هو إثباتُ هذه الصفة لهم في الحال، وما كانوا يقتلون للحال، لكن كانوا يتولَّون الآباء الذين فعلوا ذلك، فذُمُّوا به. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: أي: وقتلوا أيضًا المؤمنين بالأنبياء وأَتباعِهم الذين أَمروهم بالمعروف، وهذا ذمٌّ لهم بالقتل، وبعصيانهم مَن ينهاهم عن القتل، وبقتل الذين أَمروهم بالمعروف. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: اجعل لهم بدلَ البشارةِ -وهي الخبرُ السَّارُّ- الإخبارَ بالنَّارِ، وهو كقولِ القائلِ: تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجِيعُ (٢) وروى أبو عبيدة بنُ الجرَّاح ﵁ قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الناسِ أشدُّ عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجلٌ قَتل نبيًّا، أو رجلًا أَمر بمعروفٍ ونهى عن منكرٍ"، ثم قرأ رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ

стр. 1620

بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. ثم قال: "يا أبا عبيدة، قَتَلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبيًّا مِن أوَّل النهار في ساعةٍ واحدةٍ، فقام مئةُ رجلٍ واثنا عَشَر رجلًا مِن عباد بني إسرائيل، فأمروا مَن قَتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقُتلوا جميعًا مِن آخِرِ النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذَكر اللَّهُ تعالى" (١). * * * (٢٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بَطَلت، مِن قولهم: حَبِطت بطونُ الماشيةِ، إذا فسدت مِن مأكلِ الربيع. أي: أولئك الذين فعلوا ذلك بَطل بكفرهم وقتلِهم الأنبياءَ ما كان لهم مِن عملٍ هو طاعة وعليها ثوابٌ لو سلم مِن الكفر (٢). أو: أولئك الذين رَضُوا بعمل أسلافهم هذا ممَّن كان في عصر النبيِّ ﷺ بَطل بهذا الرضى الذي هوكفر ما كان لهم مِن عملٍ صالحٍ قبل مبعث النبيِّ ﷺ وكفرهم به. وقوله تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا ينالون بها نفعًا؛ لا (٣) في الدنيا ولا في الآخرة، بل ينالهم الخزيُ بالسَّبي والقتل والجزية في الدنيا، والعذابِ (٤) المقيم في الآخرة (٥). أو: بطل ثوابُ أعمالهم في الدنيا والآخرة (٦)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ

стр. 1621

الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤] وثوابُ الدنيا: الحمدُ والثناءُ والكرامات، وثوابُ الآخرة: ما وُعِدوا (١) في الجنَّة مِن النعيم والدَّرجات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: ليس لهم ناصرٌ (٢) يَدفع عنهم الخزيَ والعذابَ في الدنيا والآخرة، وقال ﵊: "بئسَ القومُ قومٌ لا يَأمرون با لمعروف ولا يَنهَون عن المنكر، بئسَ القومُ قومٌ يُخيفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئسَ القومُ قومٌ لا يقومون للَّه (٣) بالقسط بين الناس، بئسَ القومُ قومٌ يَقتلون الذين يأمرون بالقِسْط" (٤). * * * (٢٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهذا في صفاتِ اليهود أيضًا و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قد مرَّ تفسيرُه مرَّاتٍ، وهو تعجيبٌ مِن جميعهم، وتنبيهٌ على سُوء صنيعهم. وذكر عكرمةُ في نزولها: أنَّ النبيَّ ﷺ دخل مِدْراسَ اليهود ودعاهم إلى ملَّة إبراهيم، فقال رئيسُهم نعيمُ بنُ عمرو: كان إبراهيمُ يهوديًّا، فقال ﵊: "فهلمُّوا إلى التوراة بيني وبينكم"، فأَبَوا، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٥).

стр. 1622

وقال الكلبيُّ: فَجَرَ رجلٌ وامرأةٌ مِن أهل خَيْبر، وكانا في شرفٍ منهم، وكان في كتابهم الرَّجْمُ، فأَتَوا رسولَ اللَّه ﷺ رجاءَ رخصةٍ عنده، فحَكَم بالرَّجْم عليهم، فقالوا: جُرْتَ علينا، ليس عليهم الرجمُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بيني وبينكم التوراة"، فقالوا: قد أَنْصفْتَنا، قال: "فمَن أَعلمُكم بالتوراة"؟ قالوا: ابنُ صُوريا، فأَرسلوا إليه، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ بشيءٍ مِن التوراة فيها الرجمُ، دلَّه على ذلك عبد اللَّه بنُ سلام، فقال له: "اقرأ" فقرأ، فلمَّا أتى على آيةِ الرَّجمِ وضع كفَّه عليها، وقام ابنُ سلام فرفع إصبعَه عنها، ثم قرأها على رسول اللَّه ﷺ ، فأَمر النبيُّ ﷺ برَجْمهما، فغضبت اليهودُ لذلك، ورجعوا كفارًا، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: أُعطوا حظًّا مِن التوراة (١). وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي: التوراة، وقيل: القرآن؛ لأنَّه مُصدِّقٌ للتوراة. وقوله تعالى: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم﴾: أي: ليقضي، وفي الكتاب بيانُ الحكم، فأُضيف الحكم إليه، كما في صفة القرآن: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] لأنَّ فيه بيانَ التبشير والإنذار. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: أي: يُعرِض عن الداعي طائفةٌ منهم، ولم يَصِفْ به الكُلَّ؛ لأنَّه قال في هذه السورة: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقال تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: عما دُعوا إليه، فلم يكن تكرارٌ. وقيل: يُدعَون جميعًا ويتولَّى فريقٌ منهم، وهم رؤساؤهم، وقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: الأتباع (٢) تقليدًا.

стр. 1623

وقيل: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: الذين عليهم الحدُّ (١)، والرؤساء معرضون عن مَنْعهم عن التولِّي. وقال مقاتل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ كعب بنُ الأشرف وكعب بنُ أسيد ومالك بنُ الصيف وسعيةُ بنُ عمرو ونعمان بنُ أوفى وأبو ياسر بنُ أخطب وأبو نافع بنُ قيس، قال لهم النبيُّ ﷺ : "أَسلموا تهتدوا ولا تكبَّروا (٢) "، قالوا (٣): نحن أهدى وأحقُّ بالهدى منك، وما أرسل اللَّهُ رسولًا بعد موسى، فقال ﷺ : "لِمَ تكذِّبوني وأنتم تعلمونَ أنَّ الذي أقولُ حقّ، فأَخرِجوا التوراةَ نعملْ نحن وأنتم بما فيها، فإنِّي مكتوبٌ فيها"، فأَبَوا ذلك، فنزلت الآيةُ (٤). * * * (٢٤) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: أي: ذلك التولِّي منهم وقتلُ الأنبياء (٥) لاعتقادهم وقولِهم: لن تمسَّنا النارُ، ولا يعذِّبنا اللَّهُ بمعاصينا إلَّا أيامًا قلائلَ ثم يُخرِجنا منها. وقيل: هذه الأيامُ أربعون يومًا عندهم، وهي مدة (٦) الأيام التي عَبَدُوا (٧) فيها العجلَ.

стр. 1624

وقيل: سبعة أيامٍ، وقيل: أربعون سنة، وقيل: مدَّة العمر، وقد أوضحناها في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: الغرورُ: الخداعُ، وقيل: الإطماعُ فيما لا يصحُّ، وهذا عطفٌ على قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾. وقوله: ﴿فِي دِينِهِمْ﴾ قال مقاتل: وغرَّهم في دينهم الباطل. وقال الضحاك: غرَّهم في (١) دينهم الحقّ. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غرَّهم افتراؤهم على اللَّه بقولهم: نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، فلا يعذِّبنا بذنوبنا إلَّا مدَّةً يسيرةً. وقال الكلبيُّ: غرَّهم تأخيرُ العذاب عنهم. وقال مقاتل: غرَّهم عفوُ اللَّهِ عنهم في الدنيا (٢). وقيل: المغرورون هم ضعفاؤهم، والمفترون كُبراؤهم؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكُبراء، وإنَّما سماه افتراءً لأنَّهم أضافوا هذا القولَ إلى التوراة، والافتراءُ: اختلاقُ الكذب على الغير. وقال (٣) ابن عباسٍ ﵄: زعمت اليهودُ أنَّهم وجدوا في التوراة أنَّ ما بين طرفَي جهنَّم أربعونَ سنةً إلى أنْ يَنتهوا إلى شجرة الزَّقوم، وإنَّما نُعذَّب حتى ننتهيَ إلى شجرة الزَّقُّوم فتذهبَ جهنَّمُ وتَهلِك (٤).

стр. 1625

قال ابنُ عباسٍ ﵄: وأصلُ الجحيمِ سَقَر وفيها شجرةُ الزَّقُّوم، فإذا اقتحموا مِن باب جهنم تبادروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزَّقّوم وملؤوا البطونَ، قال لهم خازنُ سَقَر: زعمتم أنَّ النارَ لن تمسَّكم إلَّا أيَّامًا معدودات، فقد خلت أربعونَ سنةً وأنتم في الأبد (١). * * * (٢٥) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: فيه مُضمَر؛ أي: فكيف حالُهم، أو (٢): كيف احتيالُهم يوم القيامة، وقوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾ ولم يقل: في يوم؛ لأنَّ معناه: لجزاءِ يومٍ. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ فيه؛ أي: في كونه، وله ثلاثةُ أوجهٍ بيَّنَّاها في أول سورة البقرة، ويندفع بها سؤال مَن يقول: شكَّ فيه المنكرون حتى جحدوه، فلمَ نفى الرَّيب عنهم (٣)؟!. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: (كيف) كلمةُ تعجيبٍ (٤) لما أخبر به مِن تفخيم (٥) الشأن عند بَهْت عقولهم، ودَهْش أسرارهم، وانقطاعِ دعواهم (٦)، وانخلاعِ قلوبهم، وترقِّيها إلى تراقِيهم، ثم ما يَلْقونه من الحساب والعتاب، ثم العذاب والعقاب (٧).

стр. 1626

وقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: مرَّ تفسيرُ ذلك في الآية التي قبل آيةِ المداينة. * * * (٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: انتظامُها بما قبلها: أنَّ اليهودَ -لعنهم اللَّهُ- كانوا يكذِّبون النبيَّ ﷺ ويُخالفونه بحَمْل رؤسائهم إيَّاهم على ذلك، وكان النبيُّ ﷺ يتوقَّع زوالَ رئاستهم لنزول هذه الآية، فأمره اللَّهُ تعالى أنْ يَدعوَ اللَّهَ تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ ليجيبَ دعوته ويحقِّقَ أُمنيته. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: هو اسمُ اللَّهِ الذي إذا دُعيَ به أجاب (١). وقال [أبو] رجاء العُطارديُّ: مَن قال: ﴿اللَّهُمَّ﴾ فكأنَّه دعا اللَّهَ بجميع أسمائه، وهو مِن أشرف الثناء وأبلغه (٢). وقال الحسين بنُ الفضل البَجَليُّ ﵀: ﴿اللَّهُمَّ﴾ مجمعُ الدُّعاء. وقال الخليل: معناهُ: يا اللَّهُ، والميم في آخره عوضٌ عن الياء التي (٣) في أوَّله، وجعلوها مِيمين لئلا تختلط بالاسم كلَّ الاختلاط، فلمَّا اجتمعتا -ولا حظَّ لهما

стр. 1627

في الإعراب؛ لأنَّهما مزيدتان مِن غير التنبيه- فتحت الثانية؛ لئلا يجتمع ساكنان؛ إذ الفتحةُ أخفُّ الحركات (١). وقال الفرَّاء: ﴿اللَّهُمَّ﴾ معناه: يا اللَّهُ أُمَّنَا بخيرٍ (٢)؛ أي: اقصُدنا به (٣) وأَوصِله إلينا وأعنَّا عليه. وقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: يا مالكَ المُلك، والنداء قد يكون مع حذفِ حرف (٤) النِّداء، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] وفي المفرد: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]؛ أي: يا يوسف، وتفسير المالك والملك قد مرَّ في (٥) الفاتحة، ومعنى إضافة المالك إلى الملك لشمول المدح، فإنَّه مالك الملوك والملك جميعًا. وقال الزجَّاج: معناه: مالكَ العباد وما ملَكوا (٦). وقيل: معناه: مالك أمرِ الدنيا والآخرة. وقيل: كشفُه: أنت المالك للمُلك وملكه (٧) وقدرته على تصريفه (٨) كيف يشاء، وإلى مَن يشاء، وكلُّ مُلكٍ مِن مالٍ وولدٍ وأنصارٍ، و (٩) سلطانٍ يطاع به صاحبه وينقاد له به الناس بحقٍّ أو باطلٍ في الدنيا أو في الآخرة، فمالكُه اللَّهُ ﷻ يُؤتيه مَن

стр. 1628

يشاء ويَنزعه ممَّن يشاء، كما قال تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١). وقيل في سبب نزوله: أنَّ وفدَ نجران لمَّا جاؤوا (٢) إلى رسول اللَّه ﷺ ، وعلموا صدقَه، وامتنعوا عن الإسلام بالعلَّة التي ذكرها أبو حارثة بنُ علقمة: مَنَعني مِن (٣) اتِّباعه ما صنعَ بنا ملوكُ النصارى؛ شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا. وحاجُّوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فنزلت الآيةُ تنبئهم أنَّه لا اعتبارَ بتشريف ملوك الدنيا، والملكُ للَّه، والشريف مَن تشرَّف (٤) بتشريف اللَّهِ تعالى (٥). وروى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابنِ عباسٍ ﵃: أنَّ المنافقين واليهودَ لمَّا سمعوا النبيَّ ﷺ يقول: "وَعَدني اللَّهُ ملكَ فارسَ والرومِ"، كَبُرَ ذلك عليهم وقالوا: هم أعزُّ حمًى وأمنعُ جانبًا (٦) مِن أنْ تنالهم أيدي رعاةِ البُهْم، فنزلت هذه الآية (٧): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وهو ملكُ النبيِّ ﷺ وأصحابِه ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ كما نزعتَ مِن أبي جهل وصناديدِ قريش، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أعزَّ اللَّهُ بمحمَّدٍ مَن اتَّبعه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أذلَّ أهلَ فارس والروم، ولا تقوم الساعةُ حتى يفتحها أهل الإسلام (٨) وينزع اللَّه منهم ملكَهم (٩). وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: النصرُ والغنيمةُ ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: مِن الإعزاز

стр. 1629

والإذلال، وقال أنسٌ: كان رسولُ اللَّه ﷺ يحفر الخندقَ فظهرت كُدْيةٌ مثلُ التَّلِّ العظيم، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ بالمِعْول وضربها ضربةً واحدةً أزال ثلثَها، وخرجت منها نارٌ، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنّي بأبيضِ المدائنِ وإنَّ كنوزَها لتُحمَلُ (١) إلى أمتي" ثم ضربها ثانيةً فأزال ثلثًا آخَرَ، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنَّي بقصور الشام وإنَّ كنوزَها لتحمَل إلى أمتي" ثم ضربها ثالثةً فأزالها، فقال: "اللَّهُ أكبرُ، كأنّي بعمدان اليمن وإنَّ كنوزها لتحمَل إلى أمتي" فبلغ ذلك المنافقين فقالوا: لم يَكفه ملكُ مكَّة والمدينة حتى طمع في ملكِ فارس والروم، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٢).

стр. 1630

وقال الضحاك: إنَّ أهلَ مكة قالوا: يا محمَّد، إنَّ كسرى ينام على فُرُش الدِّيباج والحرير، ويأكل ويشرب في (١) آنية الذَّهب والفضَّة، فإنْ كنتَ رسولًا فأينَ الملكُ؟! لا نرى على رأسِك تاجًا كتاجِ كسرى وقيصر، ولا نرى لك سريرًا كسريرهم، ولا ديباجًا ولا (٢) حريرًا كديباجهم وحريرهم، فأَنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، وأَمره بأنْ (٣) يقول: ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٤)؛ أي: تعطي ملكَ الدُّنيا مَن تشاء أنْ تعطيَه، وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: تأخذ (٥) وتسلب وتصرف ممَّن تشاء أنْ تنزعَه منه، وهو المحذوف مِن الأول والثاني دلَّ عليه المذكور في صدرهما. وقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: بما تعطيه مِن الأموال والخَدَم والأنصار وسائرِ أسباب العزِّ والكرامة. وقوله تعالى: ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ إذلالَه بأضدادها. وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: أنتَ مالكُ الخير والقادرُ عليه في الدنيا والآخرة، وإنَّما خصَّ الخير بالذِّكر دون الشَّرِّ -وإن كان هو مالكَهما- لأنَّه موضعُ المدح والثناء والرغبة والدُّعاء، فكانت إضافةُ الخير إليه أقربَ (٦) إلى مراعاة الأدب. وقيل: هو مِن باب الاكتفاء (٧)، ومعناه: بيدك الخيرُ والشَّرُّ، وهو كما قال في

стр. 1631

قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: تقيكم الحرَّ والبردَ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مرَّ ذلك كلُّه، ولا يقدر على شيءٍ أحدٌ غيرُك إلَّا بإقدارك. وقال عبد العزيز بنُ يحيى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: الملك على إبليس، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الشيطانَ ليَفرَق مِن حسِّ عمر" (١)، وقال: "ما سَلَكَ عمرُ فجًّا إلَّا سَلَكَ الشيطانُ فجًّا آخَرَ" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ حتى يغلبه الشيطانُ ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهره الشيطانَ ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغلبةِ الشيطانِ عليه. وقال السديُّ: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: المؤمنين (٣)، أَمر اللَّهُ العبادَ بنصرهم ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: الكفار، أَمر اللَّهُ تعالى العباد بقتلهم.

стр. 1632

وقال أبو بكرٍ الورَّاق: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: مُلْكَ النَّفس حتى يغلب شهوتَه وهواهُ، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: مُلْكَ النَّفس ﴿مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ حتى يغلبه هواهُ فيتَّخذَه إلهًا، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهره النفسَ ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقهرِ النفس له. وقال الحسين بنُ الفضل البَجَليُّ ﵀: أي: ﴿تُؤْتِي الْمُلْك﴾ الكبيرَ ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ﴾ الكبيرَ ﴿مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ كما نزعته (١) مِن أهل النار ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالرُّؤية ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالحجاب. وقال مجاهد وسعيد بنُ جبير: الملكُ: النبوَّة (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥١]. وقالوا أيضًا في سبب نزولها: إنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا ابتعثه (٣) اللَّه بالرِّسالة، فدعا الخلق إلى اللَّه تعالى، قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ أي: النبوَّة، فأُنزل قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: تعطي النبوَّة مَن تشاء. وقوله تعالى: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ على هذا التأويل لا يجوز حمله على سلب النبوَّة؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقول: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، فلو جاء مِن أحدهم ما يستحقُّ به نزعَ النبوَّة منه كان جهلًا مِن اللَّه تعالى به، واللَّه تعالى متعالٍ (٤) عن ذلك، ولكن معناه: وتمنع الملكَ؛ أي: النبوَّة ممَّن تشاء، وهو

стр. 1633

كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يمنعهم. ووجهٌ آخَرُ: أن يكون معناه: وتنزع النبوَّة مِن نسلِ مَن تشاء؛ أي: تكون في قومٍ، فينقطع عنهم ذلك بذهاب نبيِّهم، ويُوحَى إلى نبيٍّ مِن غيرهم، كما كان في نسلِ إسحاق ﵇ في بني إسرائيل، ثم صار في نسلِ إسماعيل ﵇ في العرب. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: بالإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالكفر؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]. وقيل لأبي بكر بن عبدش (١): أيَّ قولٍ اخترتَ في هذه الآية، قال: قولًا واحدًا: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالقناعة (٢) ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالسؤال. * * * (٢٧) - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾: الولوجُ: الدخولُ، والإيلاجُ: الإدخالُ، ووليجةُ الرجلِ: بطانته؛ لأَنَّه يُطلِعه على داخل أمرِه، ومعنى الآية: أي: تُنقِص مِن ساعات الليل وتَزيدها في النهار. قوله تعالى: ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾: أي: تَنقص مِن ساعات النهار وتَزيدها في الليل، وهو تقريرٌ للأوَّل ووصفٌ بكمال القدرة، إذ ليس (٣) ذلك في قدرةِ غيرِ اللَّه تعالى. وقال عطاء: هو ما يَأخذ النهارُ مِن اللَّيل حتى يصيرَ النهارُ إلى خمسَ عشرةَ ساعةً، والليلُ إلى تسعِ ساعاتٍ، وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ هو ما يأخذ الليلُ

стр. 1634

مِن النهار حتى يصير الليلُ إلى خمس عشرة ساعةً والنهارُ إلى تسع ساعات (١). وقيل: معناه: يأتي بالليل (٢) في إِثْرِ النهار، فيُلبِس الدُّنيا ظلمته (٣) بعد أنْ كان فيها ضوءُ النهار، ثم يأتي بالنهارِ (٤) في إِثْرِ الليل فيُلبِس الدنيا ضوءَه، فكأنَّ أحدَهما دخل في الآخَر واستتر (٥)، وهو كقوله ﷻ فيه (٦): ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: المؤمنَ مِن الكافر ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: الكافرَ مِن المؤمن. وروى الزهريُّ أنَّ النبيَّ ﷺ ؛ رأى خالدةَ بنتَ الأسود بنِ عبد يغوث، وكانت صالحةً، وأبوها (٧) كافرٌ، فقال: "سبحان الذي يُخرج الحيَّ مِن الميتِ" (٨). وقيل: معناه: يجعل الكافرَ مؤمنًا والمؤمنَ كافرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناهُ. وقال الحسن: أي: يُخرج الطَّيِّبَ مِن الخبيثِ، ويُخرج الخبيثَ مِن الطَّيِّب (٩).

стр. 1635

وقال قتادة: أي: يُخرج النَّسَمةَ الحيَّةَ مِن النطفةِ الميتةِ، والنطفةَ الميتةَ مِن النَّسَمةِ الحيَّةِ (١). وقال مقاتل: أي: الطيرَ مِن البيضة، والبيضةَ مِن الطير (٢). وقال الكلبيُّ: أي: السُّنبلة مِن الحبَّة وهي ميتة، والحبَّة مِن السُّنبلة وهي حيَّةٌ، وكذا النَّخلة مِن النواة والنواة مِن النخلة. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: لا نهايةَ لمقدورِك فما تعطيه العبدَ لا يَنقص ذلك مِن مقدورك شيئًا، وفيه أقاويلُ أُخَرُ كثيرةٌ (٣) ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا تعليمُ الخلق (٤) كيف الثناءُ على الحقِّ؛ أي: صِفْني بما أستحقُّه مِن جلال القَدْر (٥)، فقل: يا مالكَ الملكِ، لا شريكَ لك ولا مُعِين، ولا ظهيرَ ولا قرين، ولا مُقاسمَ لك في الذَّات، ولا مُساهمَ في الملك، ولا معاضدَ (٦) لك في الإبداع (٧). ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ حتى نعلم أنَّك المَلِك (٨)، فالمَلِك مِن المخلوقين مَن تذلَّل للَّه، ومنزوعُ المُلك منهم مَن تكبَّر على اللَّه، فتجمُّلُ الخَلْق في تذلُّلهم للحقِّ، وعزُّهم في محوهم فيه، وبقاؤهم في فنائهم به.

стр. 1636

﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بعرفانك (١)، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بخذلانك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ يشهدك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ يجحدك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تُؤنِسه بك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ توحشَه عنك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تَشغله بك ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بأنْ تَشغله عنك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بسقوطِ أحكامِ نفسه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بغَلَبات وساوسِ نفسه. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ ببسطِه ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بقبضِه. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ بشدِّ نطاق خدمتك، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ بنفيه عن بساط عبادتك. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإفراد سرِّه لك ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ بربط قلبِه بمخلوقٍ لك. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بإقامته بالإرادة ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ تردُّه إلى ما عليه أهلُ العادة. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولم يذكر الشَّرَّ حفظًا لآداب الخطاب، وتفاؤلًا بذِكْر الجميل، وتطيُّرًا بذِكْر الشَّرِّ. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن القَبول والرَّدِّ، والتقريب والطرد، والحجاب والرؤية (٢)، والجمع والتفرقة، والقبض والبسط. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [حتى] يغلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد، فلا يبقى مِن آثار النفس وظلماتها شيءٌ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ (٣)؛ أي: في آخِر الليل (٤)، حتى كأنَّ

стр. 1637

شموسَ القلبِ قد كسفت (١)، أو كأنَّ الليلَ دامَ، وكأنَّ الصبحَ فُقِدَ، ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ حتى كأنَّ الفَتْرة لم تكن، وعهدَ الوصال رجع فتيًا، وعُودَ القُرْب صار غضًّا طريًّا ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ حتى كأنَّ شجر البرم (٢) أَورقَ شوكًا وأثمر شوكًا (٣) ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ حتى لا كدَّ ولا جهدَ، ولا عرقَ جبين، ولا تعبَ يمين، ليله رَوحٌ وراحةٌ، ونهاره طربٌ وبهجةٌ، وساعاته كراماتٌ، ولحظاته قُرباتٌ، ومحاسن أفعاله لا يحصرها لسانٌ، ولا يأتي على استقصاء كُنْهها بيانٌ (٤). * * * (٢٨) - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قيل: نزولُ هذه الآية (٥) في حقِّ حاطب بنِ أبي بَلْتَعة؛ إذ كتب إلى أهل مكَّة: إنَّ محمدًا قد قصدكم فخذوا حِذْرَكم، ودفع الكتابَ إلى سارةَ القَوَّالةِ، فأَخبر جبريلُ ﵇ النبيَّ ﷺ بذلك (٦)، فبعث عليًّا ﵁ وأَمَره أنْ يَقتلها إنِ امتَنعت عن دفعِ الكتابِ إليه، فأَدركها فأَنكرت، فهدَّدها فأَظهرته مِن شعرها، فأخذه عليٌّ ﵁ وجاء به إلى النبيِّ ﷺ ، فقُرِئ الكتابُ وحاطبٌ حاضرٌ، فقام عمرُ ﵁ وسلَّ سيفَه، وقال: يا رسولَ اللَّه، ائْذَن لي في قتل هذا المنافق؟ فقال: "مَهْ يا عمرُ؛ فإنَّه بدريٌّ،

стр. 1638

وإنَّ اللَّهَ قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعمَلوا ما شِئتم فقد غفرتُ لكم، ولا (١) حسابَ عليكم ولا عذابَ" فنزل (٢) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ (٣). وقوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ﴾ نهيٌ، وهو مجزومٌ، وكُسر لالتقاء الساكنين، والأولياءُ: جمعُ وليٍّ، وهو الذي يَلي أمرَ مَن يرضاه بالعون والنُّصرة، وهو يُطلَق على المُعين وعلى المُعان أيضًا، واللَّه وليُّ المؤمنين؛ أي: مُعِينهم (٤)، والمؤمنُ وليُّ اللَّهِ؛ أي: معانُه. ومعنى الآية: لا يَجعلنَّ أحدٌ مِن المؤمنين أحدًا مِن الكافرين وليًّا في أمرٍ مِن الأمور التي يتوالَى (٥) بها المتواصلون والمتوادُّون وأهلُ القرابات؛ مِن تعظيمٍ ومحبَّةٍ وصحبةٍ واستشارةٍ في مهمٍّ، بل ينبغي له أنْ يَصرف ذلك إلى المؤمنين. ومعنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفارقًا للمؤمنين مباعدًا لهم؛ لأنَّ مَن كان دون إنسانٍ في المكان، فهو مفارقٌ له مباعدٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: ومَن يتولَّهم (٦) ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: هي كلمةُ تبرُّؤٍ ومفارقةٍ. وقال السدِّيُّ: ليس مِن ولايةِ اللَّهِ في شيءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قد بَرئ منه (٧).

стр. 1639

وقيل: ليس مِن دينِ اللَّهِ في شيءٍ. وقيل: مِن توفيق اللَّه. وقيل: مِن كرامة اللَّه تعالى. وقيل: مِن ثواب اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: هي على وزن فُعَلَة كتُؤَدَة وتُخَمَة وتُكَأَة، وأصله: وُقاة مِن الوقاية، لكنْ بُني على الفعل، وقد اتَّقى يتَّقي تُقاةً وتُقًى وتَقوَى وتَقيَّةً، وإنَّما صارتا في الفعل؛ لإدغام الواو في التاء بعد إبدالها بالتاء. ومعناه: إلَّا أنْ يكون في موضعٍ تخافون الكفَّارَ على أنفسكم أو أهاليكم أو أولادكم أو أموالكم بإظهارِ العداوة، فرخِّص لكم إظهارُ الموالاة والموافَقة مع إضمار (١) الحقِّ. قال ابنُ عباسٍ ﵄: التقيةُ: الكلمةُ باللِّسان، والقلبُ مطمئنٌّ بالإيمان (٢). وقال قتادة: التَّقيَّة: هي أنْ يصلَ رحمًا له مِن الكفار (٣) المشركين مِن غير أنْ يتولَّاهم في دينهم (٤). وقال النبيُّ ﷺ لعليٍّ ﵁ في موت أبيه: "اذهَبْ فَوارِهِ" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أي: ذاتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾

стр. 1640

[البقرة: ٤١] ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] ﴿فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] خاطب العوامَّ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، والخواصَّ بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: أي: إلى جزاءِ اللَّهِ تعالى مرجعُ الخلقِ؛ فيَجزي كلًّا بعمله. وانتظامُ هذه الآية بما قبلها: أنَّ كلَّ شيءٍ بيد اللَّهِ، وكلَّ حادثٍ بصنع اللَّه، فلا ترجوا ولا تخافوا غيرَ اللَّه، ولا تُوالوا أعداءَ اللَّه. * * * (٢٩) - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: هذا تأكيدٌ للأول؛ لأنَّه (١) نَهَى عن موالاةِ أعدائه سرًّا وعلانيةً (٢)، وحذَّر مخالفته فيما نَهَى، وأخبر أنَّه يَعلم ما أَخفَوه وما أَبدوه، وهذا (٣) أبلغُ وعيدٍ. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: وهذا ابتداءٌ؛ ولذلك رَفَعه، والأولُ جزاءُ الشرط فجَزَمه، وإذا عَلم ما في السماوات وما في الأرض كيف يَخفَى عليه ما يُسرُّه (٤) القلبُ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: على إنزالِ ما حذَّركم به بكم، وقيل: مِن المغفرة والعقاب.

стр. 1641

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش المجلد الرابع دار اللباب

стр. 1642

سورة آل عمران (٣٠) - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾: يحتمل: واحذروا يومَ، ويحتمل: ويُحذِّركم اللَّهَ نفسَه يومَ، ويحتمل: وإلى اللَّه المصير يومَ، ويحتمل: واللَّه على كلِّ شيءٍ قديرٍ يومَ، ويحتمل: واذْكُر يومَ (١). وقوله: ﴿تَجِدُ﴾؛ أي: تنال، وقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ هو للعموم، و ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ للجنس، و ﴿مُحْضَرًا﴾؛ أي: في كتابِ الحساب (٢)؛ قال تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقيل: ﴿تَجِدُ﴾ ثوابَ ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾؛ أي: يُعجَّل لها ولا يُؤخَّر عنها (٣).

стр. 1643

وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾: قيل: هو عطفٌ على الأول؛ أي: وتجد عملَ السُّوء أيضًا مُحضَرًا (١) ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا﴾؛ أي: بينَ النَّفس ﴿وَبَيْنَهُ﴾؛ أي: بين ما عملت مِن سوء (٢) ﴿أَمَدًا﴾؛ أي: غايةً ﴿بَعِيدًا﴾ أي: تتمنَّى أنْ تكون مِن هذا العمل في الدنيا ببُعدٍ لا يزولُ أبدًا فلا تقع فيه قطُّ؛ لِمَا ترى مِن عقوبته، فيكون هذا زيادةَ صفةٍ على وجود العمل السَّيِّئ مُحضرًا، وهو تمنِّي أنْ لم يكن منها ذلك. وقيل: قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ ابتداءٌ، و ﴿تَوَدُّ﴾ إلى آخِره خبرُه. وقيل: فيه إشارةُ بشارةٍ للمؤمن؛ لأنَّه ذكر أنَّه يجد الخيرَ مُحضرًا، وهو كائنٌ لا محالةَ، ولم يذكر إحضارَ الشَّرِّ في حقِّ المؤمن؛ لأنَّ منه ما يُغفر فلا يُحضر، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦] فأمَّا الكافرُ فلا يُغفَر له شيءٌ، والعموم في حقِّه، قال تعالى (٣): ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: أعاد (٤) التحذير؛ للتأكيد والتقرير. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: قال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا للمستأنِفين، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ﴾ للعارفين؛ أولئك أصحابُ التخفيف والتسهيل، وهؤلاء أصحابُ التخويف والتهويل، ونظيره: بَشِّر المذنبين وأَنذر الصِّدِّيقين (٥).

стр. 1644

وقيل: أفناهم بقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ثم أحياهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١). ولمَّا قرأ النبيُّ ﷺ هذا الوعيدَ على بني نجران، قالوا: هذا الوعيدُ لا يكون لنا؛ فنحن أبناءُ اللَّهِ وأحباؤه، فبيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ اللَّهَ تعالى لا يحبُّ إلَّا مَن يتَّبع حبيبَه، وهو قوله تعالى: * * * (٣١) - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: الحبُّ والمحبَّةُ كالودِّ والمودَّة، وقد حبَّه وأحبَّه؛ أي: ودَّه، والثلاثي مِن باب: ضرب ودخل جميعًا. وقال الكسائيُّ: الثلاثيُّ لغةٌ قد ماتت، وبقي الاستعمالُ لقولهم: أحَبَّ، ويُستعمل في المفعول: المحبوبُ (٢)، دون: المحَبِّ، وقد ذَكر عنترةُ في شعره: ولقد نزلتِ فلا تظنِّي غيرَه... منِّي بمنزلة المحَبِّ المكرَمِ (٣) وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أثبت فيه الياء لأنَّه أصلٌ، ولم يثبت في: ﴿وَاتَّقُونِ﴾ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ لأنَّه ختمُ آيةٍ يُنوى بها الوقف (٤). يقول: قل يا محمَّد: إنْ كنتم تحبُّون اللَّهَ كما تزعمون، فإنَّ ذلك لا يتحقَّق لكم

стр. 1645

حتى تتَّبعوني وتتركوا موالاةَ الكفار، فإنِّي أدعو إلى الإيمان بما بعثني اللَّهُ به، وإلى طاعة اللَّه تعالى فيما أمر ونهى، فمَن لم يتَّبعني لم يكن مُحِبًّا للَّه، إذ محبةُ العبدِ اللَّهَ إيثارُ طاعته على غير ذلك، فإذا (١) فعلتم ذلك أحبَّكم اللَّهُ، ومحبةُ اللَّهِ العبدَ: إرادتُه ثوابَه، ورضاه عنه، واستحسانُه عملَه. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾: عطفٌ على قوله تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفرُ لكم ذنوبَكم (٢) ويرحمُكم فلا يعذِّبكم. ودلَّت الآيةُ على شرف النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه جعل محبّته متابعةَ حبيبِ نفسِه، وفيه فضيلةٌ (٣) على الخليل؛ فإنَّ الخليلَ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال اللَّهُ تعالى في حقِّ الحبيب: وقل لهم يا محمد (٤): ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قطعَ اللَّهُ أطماعَ الكلِّ أنْ يَسْلَم لأحدٍ نفَسٌ إلَّا ومقتداهم سيِّد (٥) الأوَّلين والآخِرين. ثم قال: في الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّ المحبَّةَ غيرُ معلولة، وليست هي بفعلِ طاعةٍ أو تجرُّدٍ عن آفةٍ، فإنَّه قال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فأَثبتها لهم مع وجود الذُّنوب منهم (٦). * * *

стр. 1646

(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ولمَّا نزلت الآيةُ الأُولى، قال عبد اللَّه بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلولَ المنافقُ -لعنه اللَّهُ- لأصحابه: إنَّ محمَّدًا يَأمرنا أنْ نحبَّه كما أَحبَّت النصارى عيسى ابنَ مريم، ويَأمرنا أنْ نطيعَه كطاعة اللَّه -تعالى-، فنزل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (١)؛ أي: أطيعوا اللَّهَ فيما أمرَ، والرسولَ فيما بيَّن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢): أي: فإنْ أَعرضوا عن القَبول فقد كفروا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٣): وهو أبلغُ مِن أنْ يُقال: يُبغض الكافرين؛ لأنَّه نفيٌ مِن كلِّ وجهٍ، والإثبات يدلُّ على وجهٍ. * * * (٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾: قال الكلبيُّ: لمَّا نزل قولُه (٤): ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قالت اليهودُ: يا محمَّد، نحن أبناءُ إبراهيم (٥) وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم، فمدح اللَّهُ تعالى إبراهيمَ وأولادَه، وكذَّب اليهودَ في دعواهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (٦)؛ أي: اختاره بالرِّسالة إلى الملائكة والجنِّ والإنس وهم أولاده.

стр. 1647

وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾: أي: اختاره بالرِّسالة وبإعلائه على مَن كفر. وقوله تعالى: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: قيل: هو إبراهيمُ نفسُه، وكذا في قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقال الشاعر: فلا تَبْكِ مَيْتًا بعدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ (١) ... عليٌّ وعبَّاسٌ وآلُ أبي بكرِ (٢) أي: أبي بكر (٣). وكذا على هذا القول قولُه تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: فهو (٤) نفسُ عمران، وهو عمران (٥) بن أشهم، مِن ولدِ سليمان بنِ داود، وقيل: عمران بن ماثان، وهو والد مريم، ولم يكن اختيارُ هذا بالنبوَّة، بل بالدِّين المَرضيِّ والصلاحِ، وجَعْلِه والدَ مريم وجدَّ عيسى ابنِ مريم أبا أمِّه. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمي زمانِهم. وقيل: آلُ إبراهيم: أولادُه إسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ وسائرُ أنبياءِ ذُرِّيَّته، وآلُ عمرانَ: أهلُ عمرانَ والدةُ (٦) مريم؛ يعني حَنَّةَ بنتَ فاقوذ ﵂. وقيل: آلُ عمران: عيسى بنُ مريمَ بنتِ عمران، فإنَّه مصطفًى بالرِّسالة كآدم ونوحٍ وإبراهيم.

стр. 1648

وقيل: آل عمران: موسى وهارون ابنا عمران، وهو غيرُ عمران والد مريم، كان هذا بعد ذاك بألفٍ وثمانِ مئةِ سنةٍ. والأوَّل أشبهُ بنظم الآية بما قَبلها وما بعدَها، وموسى وهارون دخلا في ذلك بذكر آل إبراهيم؛ لأنَّهما مِن ذُرِّيَّته. * * * (٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بإضمارِ: اصطفى، ثانيًا، أو على البدل، أو على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ وما قَبله معرفةٌ، وهي فُعُّولةٌ مِن الذَّرْءِ، وهو الخلْق، وأصله: ذُرُّوْءَة، ثم لُيِّنت الهمزةُ فصارت ياءً، ثم جُعلت الواو التي قبلها ياءً ليتَّفقا، ثم كُسرت لأنَّ الياءَ أختُ الكسرة. والذُّرِّيَّة: الوَلَد عند بعضهم، ومعنى الآية على هذا: أنَّ نوحًا صلوات اللَّه عليه مِن ذرِّيَّة آدمَ، وإبراهيمَ مِن ذرِّيَّة نوحٍ وآدم، وموسى وعمران مِن ذُرِّيَّة إبراهيم ونوح وآدم، ولا يكون آدمُ مِن ذُرِّيَّة أحدٍ، فيكونُ مخصوصًا منها. وقال الكلبيُّ: أي: الأوَّل مِن الآخِر، والآخِر من الأوَّل؛ أي: الجنس واحد. وقيل: آدم مِن ترابٍ، فرجع الكُلُّ إلى ذلك، وهو كقول القائل المُدْلجيِّ: أشهدُ أنَّ هذه الأقدامَ بعضها مِن بعض (١). أي: أسامةُ مِن زيدٍ، وزيدٌ مِن حارثة، وكان نظر إلى أقدامِ أسامةَ وزيدٍ لا غيرُ وقال ذلك، لكن تأويل ذلك ما قلنا، فكذا هذا. ودلَّت الآيةُ على صحَّة أنكحةِ الكفَّار؛ حيث أثبت نسبَ بعضِهم مِن بعضٍ بها. وقيل: الذُّرِّيَّة: الآباء والأولاد؛ قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]

стр. 1649

وكانوا جميعًا، وهذا لأنَّ الذُّرِّيَّة لمَّا كانت مشتقَّةً مِن الذَّرْء اشتملت (١) الكُلَّ؛ لأنَّ الأبَ خُلق منه الولد، والولد خُلق مِن الأب. وقال قتادةُ وأبو رَوقٍ: أي: بعضُهم على دينِ بعضٍ (٢)، كما قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالةِ اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وعلى دينِ إبراهيم وهو دينُ اللَّهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بعقوبتهم على ذلك. * * * (٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: قال الأخفش: أي: واذكُر يا محمَّد إذ قالت حنَّةُ بنتُ فاقوذ (٤). وقال الزجَّاج: أي: واصطفى آلَ عمران إذ قالت (٥). وقيل: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ قالت؛ فهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتها ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّتها. وقوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ﴾ هذا ألفُ وصلٍ؛ لأنَّ الأصل: مرأة، فسكَّنوا الميمَ فأدخلوا (٦) الألفَ وقايةً لسكونها.

стр. 1650

وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: أي: يا ربِّ إنِّي التزمتُ التقرُّبَ إليك بتحريرِ ما في بطني مِن الولد، والتحرير: الإعتاق، وهو إثبات الحرية. وقيل: هو التخليص (١)، وطينٌ حُرٌّ؛ أي: خالصٌ. قيل: كان بنو إسرائيل لم يكن لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكن لهم مماليكُ يُعتقونهم، فكانوا يحرِّرون أولادَهم تقرُّبًا إلى اللَّه ﷻ ، ويَقطعون منافعَهم عن أنفسِهم ويُفرِّغونهم لخدمة بيتِ اللَّه تعالى. وقال عكرمة: ﴿مُحَرَّرًا﴾؛ أي: خالصًا للَّهِ تعالى لا يُخالط أمورَ الدنيا (٢). وقال محمد بنُ إسحاق: كانت امرأةُ عمرانَ بنِ ماثان أُمسِكَ عنها الولدُ وأَيست، وكانوا أهلَ بيتِ صلاحٍ ودينٍ، فبينا هي تحت ظلِّ شجرةٍ نظرت إلى طائرٍ يُطعِم فرخًا له، فتحرَّكت نفسُها للولد، فدعتِ اللَّهَ تعالى أنْ يَهب لها ولدًا، فحملت بمريم، وهلك عمران، فلمَّا عرفت أنَّ في بطنِها جنينًا جعلته محرَّرًا للَّه تعالى (٣). وقال الكلبيُّ: هو الذي يكون في بيت المقدس يَخدمه ويَكنسه ويتعاهده حتى يبلغَ، ثم يخيَّر، فإنْ (٤) شاءأقام، وإنْ شاء ذهب (٥). وقيل: معناه: جعلتُ ما في بطني محرَّرًا خالصًا لك، لا أستأنسُ به، ولا أتكثَّر (٦) به، ولا أتجمَّل (٧) به، ولا أستعين به في أموري.
следующие страницы →