← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ولمَّا نزلت الآيةُ الأُولى، قال عبد اللَّه بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلولَ المنافقُ -لعنه اللَّهُ- لأصحابه: إنَّ محمَّدًا يَأمرنا أنْ نحبَّه كما أَحبَّت النصارى عيسى ابنَ مريم، ويَأمرنا أنْ نطيعَه كطاعة اللَّه -تعالى-، فنزل قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (١)؛ أي: أطيعوا اللَّهَ فيما أمرَ، والرسولَ فيما بيَّن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢): أي: فإنْ أَعرضوا عن القَبول فقد كفروا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٣): وهو أبلغُ مِن أنْ يُقال: يُبغض الكافرين؛ لأنَّه نفيٌ مِن كلِّ وجهٍ، والإثبات يدلُّ على وجهٍ. * * * (٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾: قال الكلبيُّ: لمَّا نزل قولُه (٤): ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قالت اليهودُ: يا محمَّد، نحن أبناءُ إبراهيم (٥) وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم، فمدح اللَّهُ تعالى إبراهيمَ وأولادَه، وكذَّب اليهودَ في دعواهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (٦)؛ أي: اختاره بالرِّسالة إلى الملائكة والجنِّ والإنس وهم أولاده.

стр. 1647

وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾: أي: اختاره بالرِّسالة وبإعلائه على مَن كفر. وقوله تعالى: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: قيل: هو إبراهيمُ نفسُه، وكذا في قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقال الشاعر: فلا تَبْكِ مَيْتًا بعدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ (١) ... عليٌّ وعبَّاسٌ وآلُ أبي بكرِ (٢) أي: أبي بكر (٣). وكذا على هذا القول قولُه تعالى: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: فهو (٤) نفسُ عمران، وهو عمران (٥) بن أشهم، مِن ولدِ سليمان بنِ داود، وقيل: عمران بن ماثان، وهو والد مريم، ولم يكن اختيارُ هذا بالنبوَّة، بل بالدِّين المَرضيِّ والصلاحِ، وجَعْلِه والدَ مريم وجدَّ عيسى ابنِ مريم أبا أمِّه. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: عالَمي زمانِهم. وقيل: آلُ إبراهيم: أولادُه إسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ وسائرُ أنبياءِ ذُرِّيَّته، وآلُ عمرانَ: أهلُ عمرانَ والدةُ (٦) مريم؛ يعني حَنَّةَ بنتَ فاقوذ ﵂. وقيل: آلُ عمران: عيسى بنُ مريمَ بنتِ عمران، فإنَّه مصطفًى بالرِّسالة كآدم ونوحٍ وإبراهيم.

стр. 1648

وقيل: آل عمران: موسى وهارون ابنا عمران، وهو غيرُ عمران والد مريم، كان هذا بعد ذاك بألفٍ وثمانِ مئةِ سنةٍ. والأوَّل أشبهُ بنظم الآية بما قَبلها وما بعدَها، وموسى وهارون دخلا في ذلك بذكر آل إبراهيم؛ لأنَّهما مِن ذُرِّيَّته. * * * (٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بإضمارِ: اصطفى، ثانيًا، أو على البدل، أو على القَطْع؛ لأنَّه نكرةٌ وما قَبله معرفةٌ، وهي فُعُّولةٌ مِن الذَّرْءِ، وهو الخلْق، وأصله: ذُرُّوْءَة، ثم لُيِّنت الهمزةُ فصارت ياءً، ثم جُعلت الواو التي قبلها ياءً ليتَّفقا، ثم كُسرت لأنَّ الياءَ أختُ الكسرة. والذُّرِّيَّة: الوَلَد عند بعضهم، ومعنى الآية على هذا: أنَّ نوحًا صلوات اللَّه عليه مِن ذرِّيَّة آدمَ، وإبراهيمَ مِن ذرِّيَّة نوحٍ وآدم، وموسى وعمران مِن ذُرِّيَّة إبراهيم ونوح وآدم، ولا يكون آدمُ مِن ذُرِّيَّة أحدٍ، فيكونُ مخصوصًا منها. وقال الكلبيُّ: أي: الأوَّل مِن الآخِر، والآخِر من الأوَّل؛ أي: الجنس واحد. وقيل: آدم مِن ترابٍ، فرجع الكُلُّ إلى ذلك، وهو كقول القائل المُدْلجيِّ: أشهدُ أنَّ هذه الأقدامَ بعضها مِن بعض (١). أي: أسامةُ مِن زيدٍ، وزيدٌ مِن حارثة، وكان نظر إلى أقدامِ أسامةَ وزيدٍ لا غيرُ وقال ذلك، لكن تأويل ذلك ما قلنا، فكذا هذا. ودلَّت الآيةُ على صحَّة أنكحةِ الكفَّار؛ حيث أثبت نسبَ بعضِهم مِن بعضٍ بها. وقيل: الذُّرِّيَّة: الآباء والأولاد؛ قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]

стр. 1649

وكانوا جميعًا، وهذا لأنَّ الذُّرِّيَّة لمَّا كانت مشتقَّةً مِن الذَّرْء اشتملت (١) الكُلَّ؛ لأنَّ الأبَ خُلق منه الولد، والولد خُلق مِن الأب. وقال قتادةُ وأبو رَوقٍ: أي: بعضُهم على دينِ بعضٍ (٢)، كما قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالةِ اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وعلى دينِ إبراهيم وهو دينُ اللَّهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بعقوبتهم على ذلك. * * * (٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: قال الأخفش: أي: واذكُر يا محمَّد إذ قالت حنَّةُ بنتُ فاقوذ (٤). وقال الزجَّاج: أي: واصطفى آلَ عمران إذ قالت (٥). وقيل: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذ قالت؛ فهو ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتها ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّتها. وقوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ﴾ هذا ألفُ وصلٍ؛ لأنَّ الأصل: مرأة، فسكَّنوا الميمَ فأدخلوا (٦) الألفَ وقايةً لسكونها.

стр. 1650

وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾: أي: يا ربِّ إنِّي التزمتُ التقرُّبَ إليك بتحريرِ ما في بطني مِن الولد، والتحرير: الإعتاق، وهو إثبات الحرية. وقيل: هو التخليص (١)، وطينٌ حُرٌّ؛ أي: خالصٌ. قيل: كان بنو إسرائيل لم يكن لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكن لهم مماليكُ يُعتقونهم، فكانوا يحرِّرون أولادَهم تقرُّبًا إلى اللَّه ﷻ ، ويَقطعون منافعَهم عن أنفسِهم ويُفرِّغونهم لخدمة بيتِ اللَّه تعالى. وقال عكرمة: ﴿مُحَرَّرًا﴾؛ أي: خالصًا للَّهِ تعالى لا يُخالط أمورَ الدنيا (٢). وقال محمد بنُ إسحاق: كانت امرأةُ عمرانَ بنِ ماثان أُمسِكَ عنها الولدُ وأَيست، وكانوا أهلَ بيتِ صلاحٍ ودينٍ، فبينا هي تحت ظلِّ شجرةٍ نظرت إلى طائرٍ يُطعِم فرخًا له، فتحرَّكت نفسُها للولد، فدعتِ اللَّهَ تعالى أنْ يَهب لها ولدًا، فحملت بمريم، وهلك عمران، فلمَّا عرفت أنَّ في بطنِها جنينًا جعلته محرَّرًا للَّه تعالى (٣). وقال الكلبيُّ: هو الذي يكون في بيت المقدس يَخدمه ويَكنسه ويتعاهده حتى يبلغَ، ثم يخيَّر، فإنْ (٤) شاءأقام، وإنْ شاء ذهب (٥). وقيل: معناه: جعلتُ ما في بطني محرَّرًا خالصًا لك، لا أستأنسُ به، ولا أتكثَّر (٦) به، ولا أتجمَّل (٧) به، ولا أستعين به في أموري.

стр. 1651

وكذا ينبغي للإنسان أنْ يَطلُب ولدَه للَّه تعالى، وكذا دعا زكريا ﵇ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (١) [مريم: ٥] وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] وقال خواصُّ عبادِ اللَّهِ تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾: أي: اقْبَل هذا الو لدَ المحرَّر منِّي (٢) ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾؛ أي: لمقالتي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّتي. * * * (٣٦) - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾: أي: وَلدت (٣) البنتَ. وقيل: الكنايةُ ترجعُ إلى مُضمَرٍ (٤)، وتقديره: فوضعت بنتًا، فلمَّا وضعتها. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: قيل: كانوا يحرِّرون الغلمانَ، وكانت ترجو أن تكون غلامًا، فلمَّا كانت جاريةً خافت أنْ لا تُقبَل منها ولا تَصلُح للمسجد، إمَّا لأنَّ حالهنَّ على التَّستُّر في البيوت، أو لأنَّ المرأةَ تحيضُ فتحتاج إلى الخروج مِن المسجد.

стр. 1652

وقيل: كانوا يُحرِّرون الغلمانَ والجواريَ، لكن الأنثى أضعفُ حالًا (١) وأعجزُ، فقالت ذلك اعترافًا بالتقصير. وقيل: هو استكانةٌ وتذلُّل (٢)، كقول الدَّاعي: أنا عبدُك وابنُ عبدك، وأنا البائسُ الفقيرُ، ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ، ويعقوبُ: بضمِّ التاء؛ وهو إخبارٌ عنها أنَّها قالت ذلك، وقرأ الباقون: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء (٣)؛ وهو إخبارٌ مِن اللَّه تعالى أنَّه أعلم منها بما وَضَعت؛ لأنَّها علمت بها بعد الولادة، واللَّهُ تعالى كان عالمًا بها في الأزل. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: أي: قالت حنَّة: ليست البنتُ في خدمة المسجد كالابن، وهو اعترافٌ أيضًا بالتقصير. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: وليس الذَّكر في الحاجة إلى الحفظ كالأنثى؛ فإنَّها تحتاجُ إليه لا محالةَ، سألتْ بذلك مِن اللَّه تعالى حفظَها وعونها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: هي عبرانيَّةٌ، ومعناها: الخادم، وصارت عربيَّةً باستعمال العرب ذلك في لسانها، وكان ذلك استخارةً منها، ويقول الدَّاعي في الاستخارة: اللَّهمَّ إنِّي أُريد أمرَ كذا، وهو طلبُ الخِيَرة مِن اللَّه تعالى في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: عاذَ لازمٌ، وأعاذَ

стр. 1653

متعدٍّ، وهو الاستعصام والاستغاثة والاستعانة (١)، وسألتْ ذلك في حقِّها وحقِّ ولدها، فأجابها اللَّهُ تعالى إلى ذلك. قال الضحَّاك: فكانت مريمُ صوَّامةً قوَّامةً، قد غلبت الأحبارَ فضلًا وعبادةً، وأقبلت الملائكةُ عند ولادتها (٢) عيسى، فكانوا بينَه وبينَ إبليسَ كانهم بنيانٌ مرصوصٌ. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما مِن مولودٍ إلَّا والشيطانُ يمسُّه حين يُولَد حتى يستهلَّ صارخًا مِن مسِّ الشيطانِ إيَّاهُ إلَّا مريمَ وابنَها"، ثم قال أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٥] (٣). وقال الحسن: معناه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ إذا بلغت، وولدَها إنْ كان لها ولدٌ ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فاستجاب اللَّهُ لها ذلك. * * * (٣٥) - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: أي: قَبِلها اللَّهُ تعالى منها ورَضيها، والقَبول مصدرُ قَبِلَ، لا مصدر تَقبَّل، وإنَّما جاز ذلك؛ لأنَّه في معناه، كما يقال: تكرَّم كرمًا؛ لأنَّه في معناه.

стр. 1654

وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: ولم يقل: إنباتًا، وقد شرحناهُ على الوجه في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والقَبول مصدرٌ جاء على فَعول -بالفتح- وهو نادرٌ، وقال أبو عمرو بنُ العلاء: هو فردٌ لا نظيرَ له (١). وقيل: خمسةُ مصادرَ كذلك (٢): القَبولُ والوَلوعُ والوَزوعُ -أي: المنع- والمَضوُّ في الأمر بمعنى (٣) المُضيِّ، يقال: مَضَى في الأمرِ يَمضي مَضُوًّا، ورقَأ الدَّمُ رَقوءا، والصحيحُ أنَّ مصدر رقأ الدَّمُ هو الرُّقُوء بالضَّمِّ، فأمَّا الحديث: "أَكرموا الإبلَ؛ فإنَّ فيها رَقوءَ الدَّمِ" (٤) فالروايةُ الصحيحةُ بفتح الراء، لكنَّه ليس بمصدرٍ، بل الرَّقوء هو في الأصل الدواء الذي يُرقا به الدَّمُ، والمصدرُ بالضَّمِّ. وأراد في الحديث: أنَّ الإبلَ كأنَّها سببٌ لرُقوء (٥) الدَّمِ؛ أي: تُودَى بها الدِّيَةُ؛ فيُتركُ بها القصاصُ.

стр. 1655

ثم إنَّ اللَّه تعالى ذَكر قَبولها منها، وذلك لضعفها وصِدق نيَّتها في الابتداء، وحيائها في الانتهاء، وكان في ذلك الزمانِ أربعةُ آلافِ محرَّرٍ لم يَشتهر خبرُ واحدٍ (١) منهم اشتهارَ خبرها. وفيه تنبيهٌ للعبد على أنْ يَرى مِن نفسه التقصيرَ بعد جهدها ليَقبل اللَّهُ عملَها، لإظهارها إفلاسَها، وإضمارِها إخلاصَها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: أنشأها تنشئةً حسنةً، وغذَّاها تغذيةً صالحةً، وربَّاها تربيةً طاهرةً (٢)، وهو مشبَّه بإنبات النباتِ وتقويتِه وتربيتِه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِلُ أنَّ ذلك أنْ لم يَجعل للشيطان عليها سبيلًا، ويحتمل أنَّه أنْ (٣) لم يَجعل رزقَها وكفايتَها بيد أحدٍ مِن خلقه، بل تولَّى ذلك ببَعثه إليها مِن ألوان الرِّزق؛ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] (٤). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: القَبول الحَسَن: أنْ (٥) تولَّى اللَّهُ أمرَها على وجهٍ يَعجب العالَمون منها، وأنبتها نباتًا حسنًا بلَّغها فوقَ ما تمنَّت أمُّها، وربَّاها على نعتِ العصمة حتى قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ [مريم: ١٨] ووفَّقها حتى استقامت على الطاعة؛ فكان لا يَدخل عليها زكريا إلَّا وجدها في المحراب، وجعَل كافلَها مثلَ زكريا، ولم يَكِلْ أمرَها إلى غيره، ولم يَطرح مؤنتَها على زكريا،

стр. 1656

بل بعث رزقَها مِن خزائنه، وهذا كلُّه ثمرةُ حُسن التسليم وحُسن القَبول (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: قرأ أهلُ الكوفة مشدَّدة الفاء، والباقون مخفَّفةً (٢). وقرأ الكوفيُّون -غيرَ عاصم في رواية أبي بكر- ﴿زَكَرِيَّا﴾ مقصورًا، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ممدودًا منصوبًا، والباقون ممدودًا مرفوعًا (٣)، فالمدُّ والقَصْر لغتان فيه، والاسمُ أعجميٌّ، وتكلَّمت به العربُ فعرَّبته. والكَفْلُ: الضَّمُّ، والكَفالةُ بالمال: ضَمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في حقِّ المطالبة بالدَّيْن، والكفالةُ بالنَّفس: ضَمُّ مطالبةٍ إلى مطالبةٍ، وكفالةُ اليتيم: ضَمُّه إلى نفسِه ويَضمن مؤنته (٤)، والكَفْلُ: مواصلةُ الصيام؛ وهو ضمُّ الأيَّام إلى الأيَّام في الصوم على الدَّوام. ومعنى (كَفَلها) بالتخفيف: ضمَّها إلى نفسه، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ رفعٌ؛ لأنَّه فاعلٌ. ومعنى التشديد: جعل اللَّهُ زكريَّا كافلَها وضامَّها إلى نفسه، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ نصبٌ، لأنَّه مفعولٌ به. وقصَّته: ما قال الكلبيُّ ﵀، قال: لمَّا وَلدت حنَّةُ مريمَ أخذتها فلفَّتها في خِرقةٍ فوضعتها (٥) في المسجد، فتنافس (٦) فيها الأحبارُ -بنو هارون- أيُّهم تكون عنده، فقال لهم زكريا ﵇: أنا أحقُّكم بها؛ خالتُها امرأتي، فقالت له

стр. 1657

الأحبارُ: لو تُركَت لأحقِّ الناسِ بها تُركَت لأمِّها (١) التي ولدَتْها، ولكنَّا نَقترع عليها بأقلامنا فتكون عند مَن خرج سهمُه. وكان زكريا والأحبارُ في بيت المقدس (٢) يَكتبون العلمَ المدرَّس (٣) التوراةَ والزبور، فأخذوا أقلامَهم التي يكتبون بها، وكانوا سبعةً وعشرين رجلًا، فانطلقوا بها إلى نهرٍ جارٍ، فقالوا: نَطرحُ أقلامَنا هذه على الجِرْية؛ فمَن صعد قلمُه إلى أعلى الجِرية فهو أحقُّ بها، ومن تسفَّل قلمُه مع الجِرية فهو المقروع (٤)، قالوا: نعم، ثم رَمَوا مع الجِرية، فسفلت (٥) أقلامُهم جميعًا مع الجِرية، وصعد قلمُ زكريَّا صلوات اللَّه عليه، فقرَعهم جميعًا وضمَّها إليه واستَرضَع لها (٦). وقال عطاء: الأقلامُ: القداحُ، دون أقلامِ الكتابة. وقيل: كانت مِن حديد، ومَشَت على وجه الماء صُعدًا.

стр. 1658

وقال ابنُ عباسٍ ﵄: فلمَّا بلغت تسعَ سنين صامت وقامت الليلَ وتبتَّلت حتى غلبتِ الأحبارَ. قال مقاتل: فبنى لها زكريا محرابًا في مسجد بيت المقدس، وجعل بابه في وسطه، وكان يُغلِق عليها الباب لا يَدخل عليها (١) غيرُه، ولا يُرقى إليها إلَّا بسُلَّم (٢). وقال الزجَّاج: المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها، وقيل: المساجد عندهم تسمَّى المحاريب، وهو مِفْعال مِن الحرب؛ لأنَّه يُحارَب فيه الشيطانُ، وهو في اللغة اسمٌ للموضع العالي الشريف، قال الشاعر: رَبَّةُ محرابٍ إذا جئتُها... لم ألقها أو أَرْتقي السُّلَّما (٣) وقال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفةُ (٤)، قال: أَلَا تراه قال تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّسوُّر لا يكون إلا مِن علوٍ. وقيل: المحرابُ: اسمٌ للقَصْر أيضًا، قال الشاعر: أو دُمْيةٍ صوِّر محرابُها... أو درَّةٍ سِيقت إلى تاجر (٥)

стр. 1659

وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: جاء في التفسير: فاكهةُ الصيف في الشتاء: العنبُ الطَّريّ والتينُ الطريّ، وفاكهةُ الشتاء في الصيف (١)، وفيه دلالةُ إثباتِ الكرامة للأولياء ردًّا على المعتزلة. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: أي: مِن أين لك هذا ولا يَدخُلُ عليك أحدٌ غيري، ولا يوجد هذا في الدنيا؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: جبريلُ يَأتيني به مِن اللَّه تعالى، خلقَهُ لي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: قيل: هو تمامُ قولِ مريم. وقال الحسن: هو ابتداءُ كلامٍ مِن اللَّه ﷻ ، ومعناه: بغير الاستحقاق على العمل. وقيل: أي: مِن غير أنْ يحاسبَه أحدٌ. وقيل: أي: زيادة على ما يحتسبه (٢) المعطي. وفيه أقاويلُ أخَرُ قد ذكرناها في سورة البقرة. * * *

стр. 1660

(٣٨) - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾: (هنالك) و (هناك) بمعنى (ثَمَّ)، وهو (١) إشارةٌ إلى المكان، وقد يستعمل في الزمان، ومحلُّه نصبٌ بالظرف، ومعناه حينئذٍ؛ أي (٢): لمَّا رأى عندها فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء، على خلافِ مجرى العادة، طمع في الولد على كِبَرِ سِنِّه وعُقر امرأته، وإن كان على خلاف مجرى العادة. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: أي: تفضَّل عليَّ بإعطاء ولدٍ طاهرٍ مِن عندك، إذ لا أحدَ غيرُك يَقدر على ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. والذُّرِّيَّة: الولد، يقع على الذَّكر والأنثى، والواحد والجماعة، وتأنيثُ الطَّيِّبة؛ للَفظ الذُّرِّيَّة، والطَّيِّب: هو الذي يُستطاب أفعاله وأخلاقه، فلا يكون فيه أمرٌ يُستخبث ويُعاب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: أي: مجيبُ الدُّعاء، كما في قولهم: سمعَ اللَّهُ لمَن حَمده، وقولِهم: سمعًا وطاعةً، وهذا لأنَّ مَن لم يُجِب فكأنَّه لم يسمع، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وصَفَ الكفَّار بأنَّهم غيرُ سامعين إذا (٣) كانوا غير مستجيبين (٤).

стр. 1661

وقيل: هو على حقيقته؛ أي: إنَّك تَسمعُ الدُّعاءَ ولا يَخفى عليك ما أقولُه وما أُريده (١). فإنْ قالوا: أليس أنَّ زكريا كان عالمًا أنَّ في قدرة اللَّهِ تعالى ذلك قبل رؤية حالِ مريمَ، فهلَّا سأل ذلك قبل ذلك؟ قلنا: قد يزداد الإنسانُ رغبةً في الشيء إذا عايَنَه وإنْ كان عالمًا به قبله، أو كان عنده أنَّه (٢) وإنْ كان في مقدور اللَّهِ تعالى ذلك لكنَّه لا يفعله، فلمَّا رأى ذلك في حقِّ مريم ﵍ صحَّ عنده أنَّه جائزٌ في الحكمة فسأله. ويحتمِل أنَّه كان أَذنَ له في الدُّعاء (٣)، وجعل ميقاتَ الدُّعاء إذا رأى نظيرَه، وهذا نظيرُه. * * * (٣٩) - ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: قرأ حمزة والكسائي: ﴿فناديه﴾ بالياء (٤)، وعن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه قال (٥): ذكِّروا الملائكةَ فإنَّهم ذكورٌ (٦)، يريد به:

стр. 1662

خالِفوا المشركين في قولهم: إنَّ الملائكةَ بناتُ اللَّه، ولأنَّ الفعلَ مقدَّمٌ والتأنيث للجمع (١). والباقون قرؤوا بالتاء على اللفظ. وفي كلِّ الروايات أنَّ النداءَ كان مِن جبريل وحده، وإنَّما ذكَره جميعًا؛ لأنَّ جبريلَ ﵇ إذا نزل لأمرٍ كان (٢) معه جماعةٌ مِن الملائكة صلوات اللَّه عليهم، فإذا أَخبر بخبرٍ يجوز أنْ يقال (٣): أَخبر الملائكة، على معنى أنَّه أَخبر وهو معهم وهم (٤) جاؤوا لهذا، كما يقال: حضر فلانُ بنُ فلانٍ خواصّ (٥) السلطان يدعونه إليه، وإنْ كان الذي يخاطبه بالدَّعوة واحدًا منهم، إذا كان هو معهم. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ الواو للحال، دَلَّ أنَّ المرادات تُطلَب بالصلوات، وفيها إجابةُ الدَّعوات وقضاءُ الحاجات. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الألف (٦) على إضمار القول، أو جعلِ النداء في معنى القول؛ لأنَّه هو، وقرأ الباقون بالفتح (٧)؛ لوقوعِ فعل النداء عليه، أو جعلِ النداء في معنى الإعلام.

стр. 1663

و ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ يقرأ بالتشديد مِن التبشير، وبالتخفيف مِن البشارة (١)، مِن حدِّ دخل، وقد فسَّرناها في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]. والآيةُ حجَّةٌ لأصحابنا ﵏ (٢) في قولهم: مَن قال: إنْ بشَّرني (٣) عبدي بكذا فهو حرٌّ، فأرسل إليه رسولًا بذلك، عتق؛ لأنَّ اللَّه تعالى أخبر أنَّه بشَّره وكان ذلك بلسان رسولِه جبريلَ. وقوله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾: وقال تعالى في سورة مريم: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، قال الشيخُ الإمامُ الزاهد أبو منصورٍ الماتريديُّ ﵀: قيل: يحيى، اشتُقَّ مِن اسمِ اللَّهِ تعالى الحيِّ، سمَّاه اللَّهُ تعالى به إكرامًا له. قال: وقيل: سُمِّي به لمَّا حَيِيَ به الدِّينُ والمروءة (٤)، أو حَحِيَ به العلمُ والحكمة، أو حَيِي به الأخلاقُ الفاضلة والأفعال المرضيَّة (٥). وقال ابنُ عباس ﵄: سُمِّيَ به لأنَّه حيي به عُقرُ أمِّه (٦). وقال الحسين بنُ الفضل ﵀: سُمِّيَ به لأنَّ اللَّهَ تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يَعْصِ ولم يَهُمَّ بمعصيةٍ. وقيل: سُمِّي به لأنه سبب حياة مَن آمَنَ به بقلبه.

стр. 1664

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: سُمِّي به لحياة قلبِه باللَّه تعالى (١). وقيل: سُمِّي به لأنَّه (٢) إذا قُلب لم ينقلب، بل هو هو، وأولُه كآخِره وآخِرُه كأوَّله، وكذلك (٣) كان يحيى أولًا وآخِرًا وظاهرًا وباطنًا. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: نصبٌ على الحال، أو على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ بعد معرفةٍ. ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) قيل -وهو قول عامَّة أهل التفسير-: هو عيسى ﵇؛ لأنَّه كان بكلمة (٥) اللَّهِ مِن غيرِ أبٍ. وقيل: سُمِّيَ كلمةَ اللَّه: لأنَّ الناسَ يهتدون به في الدِّين كما يهتدون بكلام اللَّهِ تعالى، وهذا (٦) كما سَمَّى اللَّهُ تعالى القرآنَ رُوحًا، وعيسى رُوحًا؛ لأنَّه يُحيي بهما مِن الضلالة كما يُحيي الإنسان بالرُّوح. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: بكتابِ اللَّهِ تعالى، وسُمِّيَ الكتابُ كلمةً لأنَّ العربَ تقول: أنشدني (٧) كلمةَ فلانٍ؛ أي (٨): قصيدته التي قالها وإنْ طالت (٩).

стр. 1665

وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: يُبشِّرك بكلمةٍ مِن اللَّه بيحيى مصدِّقًا؛ أي: يُبشِّرك ببشارةٍ مِن اللَّه. وقيل: تصديقُه بعيسى، إذ بعثه اللَّهُ نبيًّا إلى بني إسرائيل. وقال الضحاك: يحيى أوَّل مَن صدَّق بعيسى وشهد أنَّه كلمةٌ مِن اللَّه، وكان يحيى وعيسى ابنا خالةٍ، وأمُّ يحيى بتشايع، وكان يحيى أكبرَ مِن عيسى بثلاث سنين. وقال ابنُ عباس: كانت أمُّ يحيى تقول لمريم: إنِّي لأجدُ الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى (١). وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾: هو نعتٌ له أيضًا، وهو الذي يفوقُ قومَه في خصال الخير حتى يستحقَّ الرئاسةَ عليهم بسُؤدُده. وقال مجاهد: السَّيِّد: الكريم على اللَّه تعالى. وقال قتادة: السَّيِّد: الحليم (٢) الورع. وقال عكرمة: السَّيِّد الذي لا يَغلبه غضبه (٣). وقال سعيد بنُ جبير: السَّيِّد الذي يطيع ربَّه ولا يعصيه (٤). وقيل: السَّيِّد الحَسَن الخلق. وقيل: الفقيه العامل بعلمه.

стр. 1666

قال نجم الدين: وعندي هو الأصوب، فإنَّ عمر بنَ عبد العزيز قال للحسن البصريِّ: شَرُفْتَ في الدُّنيا بعلمك، فاعمل به تَشرُف بالآخرة (١). وقال عمر: أبو بكر سيِّدُنا وأَعتقَ بلالًا سيِّدَنا (٢). وأراد به الصلاحَ واحتمالَ الشدائد في اللَّه. وقيل: هو المالكُ لنفسه. وقال الخليلُ: ﴿وَسَيِّدًا﴾؛ أي: مطاعًا بعزِّ الطاعة؛ لأنَّ السِّيادة (٣) لمَن له الطاعة، وقال (٤) اللَّه تعالى في بعض الكتب: مَن أطاعني أطاعهُ خلقي. وقال أحمد بنُ عاصم: السَّيِّد: القانع بما يقسم (٥) له. وقال الثوري: السَّيِّد الذي لا يَحسد. وقال أبو بكر الورّاق: هو الراضي بقضاء اللَّه تعالى. وقال محمد بنُ عليٍّ الترمذيُّ: هو المتوكِّل على اللَّه. وقال أبو يزيد (٦): هو الذي عظمت همَّته أنْ تخطر الدنيا بقلبه (٧). وقيل: هو الذي تحرَّز (٨) عن رقِّ الكونين، وتحقَّق بعبادة المكوِّن.

стр. 1667

وقال محمد بنُ عليِّ الباقرُ: السَّيِّد مَن استوت أحواله عند المنع والإعطاء (١). وقال النبيُّ ﷺ : "سادةُ الناس في الدنيا الأسخياءُ، وفي الآخرة الأتقياء" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾: أي: ممتنعًا مِن النساء مع القدرة عليهنَّ، والحَصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعل. وقيل: هو الممتنع عن كلِّ المعاصي. وقيل: هو المتبتِّل الذي حصر نفسَه عن كلِّ لذَّةٍ في الدنيا. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أي: معتَقًا مِن الشهوات، مَكفيًّا أحكامَ البشريَّة مع كونه مِن البشر. قال: وقيل: أي: متوقِّيًا عن المطالبات تعزُّزًا وتقربًا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا﴾: أي: يُوحى إليه إذا بلغ مبلغَه، وهي (٤) مِن النَّبْوة؛ وهي (٥): الرِّفعة، وإذا هُمز فمِن النبأ، وهو الخبر؛ أي: هو مخبِرٌ عن (٦) اللَّهِ تعالى، والنبيُّ: الطريق الواضح أيضًا لغةٌ، والأنبياءُ طرقٌ إلى اللَّه تعالى، ولذا قيل للنبيِّ ﷺ : إمامٌ، والإمامُ: الطريقُ الواضحُ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 1668

وقوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: مِن الآباء الصالحين (١)، والصَّلاح صفةٌ يَنتظم الخيرَ كلَّه. وقيل: الصالح: المؤدِّي حقوقَ اللَّه تعالى وحقوقَ الخلق. وقيل: هو الذي ينتفي عنه الفسادُ بالكلِّيَّة. وقيل: قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: مِن الأنبياء؛ لأنَّ اللَّهَ ﷻ سمَّاهم به، فقال: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]. * * * (٤٠) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: (أنى) لمعنيين: كيف، ومِن أين، ولم يكن هذا نفيَ القدرة، بل سؤالُ الجهة أنَّه يكون عن تَبنٍّ أو توالُدٍ (٢)، ومن امرأتي (٣) هذه أو مِن غيرها، وعلى بقاء شيبهما أو ردِّهما إلى الشباب. وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: أي: على هذه الحال ومِن هذه المرأة، فإنَّ

стр. 1669

وحشةَ الانفراد كانت لكما (١) جميعًا، فكذلك الاستئناسُ بالولد يكون لكما جميعًا. وقال القشيريُّ ﵀: يعني: بأيِّ استحقاقٍ منِّي تكون هذه الإجابة لولا فضلُك (٢). والغلامُ: الولدُ الذَّكر، والجارية الأنثى، والكِبَرُ: العلوُّ في السِّنِّ مِن باب علم، وقد كَبِرَ يَكبَر كبَرًا فهو كبيرٌ، وأمَّا الكبر في القَدْر فمِن حدِّ: شرُفَ. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ وقال تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] لأنَّ ما بلَغَك فقد بلَغْتَه، فيضاف الفعلُ إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو كقولك: تلقَّيتُ الحائطَ، وتلقَّاني الحائطُ، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ وقولِه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وقالوا: لا يستقيم هذا في قولك: بلغتُ البلدَ، أنْ يقال: بلغني البلدُ؛ لأنَّه يقتضي مقدِّمة قصدٍ وتوجُّهٍ، والشيبُ بمنزلة الطالب له، فهو يأتيه بحدوثه فيه. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: هي التي لا تلدُ، وقد عَقُرَتْ تَعْقُرُ عُقْرًا وعَقارةً، مِن حدِّ شَرُف، ورجلٌ عاقرٌ أيضًا: وهو الذي لا يولد له ولدٌ، وعُقْرُ كلِّ شيءٍ أصلُه، وسُمِّيت العاقرُ به؛ لانقطاع النَّسل وكونها (٣) على الأصل. وقيل: كان (٤) هو بلغَ تسعًا وتسعين سنةً وامرأته ثمانيًا وتسعين سنةً. وقيل: كان هو بلغ ثلاثَ مئةِ سنةٍ.

стр. 1670

وقال عطاء: كان دعاؤه قبل بشارته بأربعين سنةً، فلذلك نسيَ ما سأل ربَّه حتى قال ما قال. وقال سفيان بنُ عيينة: حبس اللَّهُ تعالى عن زكريا ﵇ حاجتَه ستِّين سنةً ثم بشَّره. وقال الكلبيُّ قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ هذا خطابٌ منه لجبريل ﵇، ومعناه: يا سيِّدي (١). وقال عامة المفسرين وهو الصحيح: هذا خطابٌ منه للَّه تعالى ومناجاةٌ معه؛ لأن جبريل ﵊ بشَّره من اللَّه تعالى، فخاطب به اللَّه تعالى؛ أي (٢): دعا اللَّهَ الولدَ فاستجابَ له؛ فأصلحَ (٣) له عقرَ امرأتِه فحملَتْ بيحيى، ولم يكن زكريَّا يعرف ذلك، وكان هو الذي يفتح باب المذبَح، ويقرِّب القُربان، ولا يدخلون حتى يأذنَ لهم، فبينما هو قائمٌ ذات يومٍ عند المذبَح يصلِّي والناس ينتظرونه أن يأذنَ لهم، وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب، إذا (٤) هو برجلٍ عليه ثيابٌ بيضٌ، وهو جبريل، فناداه أنَّ اللَّه يبشِّرُك بولدٍ اسمه يحيى. وهذه الرِّواية تدلُّ على أن البِشارةَ كانت بعدَ العلوق. وقيل: بل كانت قبلَه؛ فإنه لمَّا سأل الآيةَ قيل له: آيةُ كونه ألَّا تكلِّم الناس ثلاثًا،

стр. 1671

فدل ذلك على ما قلنا، ولمَّا تعجَّب فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أجابه جبريل بما ذكرَ في الآية. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال هاهنا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، وذكر في سورة مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، فذكر على التقديم والتأخير، وقال هاهنا: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وقال هناك: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ [مريم: ١٠]، ونعلم أن القصَّة واحدة، وقد ذُكرَتْ على اختلاف الألفاظ، ولم يكن تكلَّم زكريا بهذا اللِّسان، فدلَّ أنَّه (١) ليس على الخلق حفظ اللَّفظ، إنَّما عليهم حفظ المعاني المدرجَة فيها (٢). قولى تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: هو كما قلْتَ إنَّك قد (٣) كَبِرتَ وامرأتَك عاقرٌ. وقيل: أي: على هذه الحالِ يُولَد لك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قادرٌ على كلِّ شيءٍ. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: يعني: على وفاق العادة وعلى خلاف العادة؛ لكمالِ قدرتِه، ونفاذ مشيئتِه. وقيل: معناه: كما بشَّرناك به نعطيكَ إيَّاه. * * * (٤١) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾؛ أي: علامةً أَعرف بها علوقَه متى كان،

стр. 1672

وكان ذلك (١) ليتعجَّلَ السُّرورَ والغِبطة، وليشتغل بزيادة الشُّكر على هذه الموهبة، وليزيد (٢) في وظائف العبادة عند ظهور الزِّيادة في النِّعمة. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمل أنَّ سؤالَ الآية كان لأنَّه خفيَ عليه أن الذي ناداه مَلَكٌ أو غيره؟ وقد يخفى على بعض الأنبياء حالُ بعض الملائكة في بعض الأحوال، كما خفيَ على لوطٍ حتى قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٢]، وخفيَ على إبراهيم حتى جاء بعجلٍ حنيذ، ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، فلذلك (٣) قال ما قال (٤). قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾؛ أي: علامةُ حدوثِ الولدِ أنَّك لا تستطيع أن تكلِّم الناس ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليها، من غير خَرَسٍ ولا آفةٍ أخرى (٥)، فإنه بقي قادرًا على التكلُّمِ بالذِّكر والتَّسبيح، بدليل أنه أُمِرَ بذلك في هذه الآية، ولأنه قال في سورة مريم: ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ أي: سليمَ الأعضاء، يقول: لا تُمْنَعْ عن خطابي لأنِّي لا أمنع أوليائي عن (٦) مناجاتي (٧). وما قال مقاتلٌ وقتادةُ والرَّبيعُ بن أنس: إنَّ ذلك كان عقوبةً له؛ حيث سألَ الآيةَ بعد البشارةِ (٨) = فذلك باطلٌ، ولا يليق بحال الأنبياء، ولم يكن سؤالُه جنايةً، ولا

стр. 1673

منعُه عن الكلام عقوبةً؛ لِمَا قلنا: إنَّ سؤالَه لماذا كان (١)، ومنعُه عن كلام النَّاس مع شغلِه بذكرِ اللَّهِ تعالى أعظمُ الكرامات وأرفعُ الدَّرجات. ثم ذَكَر الأيَّام هاهنا واللَّيالي هناك، ولا تنافيَ بينهما؛ لأنَّ ذكرَ أحدهما جمعًا يقتضي دخولَ الأخرى فيها لغةً وعرفًا (٢).

стр. 1674

والرَّمز هو الإشارة بالشَّفتَين، وقيل: بالحاجبَين، وقيل: بالعينَيْن، وقيل: باليدَيْن، وقيل: بالرَّأس.

стр. 1675

وصَرْفُه مِن حدِّ دخل وضرب جميعًا. ونُصب ﴿رَمْزًا﴾ على الاستثناء (١)، وصحَّ استثناء الرَّمز مِن الكلام؛ لأنَّه دالٌّ عليه قائمٌ مقامَه، أو لأن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، وهو استثناءٌ منقطعٌ، وعلى هذا نصبُه على المصدر، فتقديره: ولكن أَرْمزُ رمزًا، أو تَرْمز رمزًا. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ أي: اذكره بلسانك ذكرًا كثيرًا ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾؛ أي: صلِّ بكرةً و (٢) عشيًّا. وقال مجاهد: العَشِيُّ من زوال الشَّمس إلى أن تغيبَ (٣). وقيل: العشيُّ آخرُ النَّهار (٤). والعِشاءُ: من غروب الشَّمس إلى نصف اللَّيل. والعَشاء بالفتح: طعام العشيِّ. والإبكارُ: من وقت طلوع الفجر إلى وقت (٥) الضحى، ولفظه لفظ المصدر، ووضع اسمًا للو قت، وهو كالبُكْرَةِ، والفعل بَكَّرَ يبكِّرُ تبكيرًا، وبَكَرَ يَبْكُرُ بُكورًا، وأبكرَ يُبْكِرُ إبكارًا، قال (٦) الشَّاعر:

стр. 1676

أَلَا بكَرَتْ سَلْمَى وَجَدَّ بُكُورُها (١) وقال عمرُ بن أبي ربيعة: أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ (٢) * * * (٤٢) - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، والعامل في ﴿إِذْ﴾ ما مرَّ ثَمَّ. و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ أريد بها جبريل وحده كما مرَّ في قصة زكريا، وكلامُ جبريل معها لم يكن وحيًا إليها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (٣) [الأنبياء: ٧]، ولا نبوَّة في النِّساء في قول أهل الحقِّ، وما وقع لمريم مِن الخوارق (٤) كان كرامةً لها، وكرامات الأولياء حقٌّ، أو كان معجزةً لزكريَّا، فإنَّها (٥) كانت في زمانه، أو كانت معجزةً لعيسى قبل خروجِه، كالمعجزات التي كانت لنبيِّنا

стр. 1677

المصطفى ﷺ قبل مبعثه، كالرَّمي بالشُّهب، وتظليل الغمام، وقصةِ الفيل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختارَكِ بالدِّين الحق، وقيل: بحسن القَبول وحسن الإنبات. قوله تعالى: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾؛ أي: من الحيض والنِّفاس. قوله تعالى: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختارك بولدٍ من غير أبٍ ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: ويجوز على هذا الوجه أن يكون للعموم، فإنَّ هذا التَّخصيص كان لها على كل النِّساء، وإن أريد بالاصطفاء الثاني هو التفضيل بالمنزلة في الدِّين، فمعناه: على نساء عالَمي زمانها، فعائشةُ وفاطمة ﵄ في فضل الدِّين فوقها. وقيل: ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾؛ أي: اختصَّكِ لعبادته بالتَّحرير، وفرَّغك عن أمر المعاش والمكسب (١)، وطهَّرك عن مسِّ الرِّجال، واصطفاك على نساء العالمين بولدٍ يشهد ببراءتك (٢) وهو في المهد. وفي "تفسير الحسن": ﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ بأنَّ أُمَّك كما ولدَتْكِ ألقَتْكِ إلى اللَّه تعالى، فكفَّلك زكريا، وآتاك رزقَك من الجنَّة، وطهَّرك بالإيمان، واصطفاك بولدٍ مثل عيسى. * * * (٤٣) - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾: قال سعيد: أي: أخلصي (٣).

стр. 1678

وقال الضحاك: أي: أطيعي ربك. وقال قتادة: أي: أديمي الطَّاعة (١). وقال مجاهد: أي: أطيلي القيام، فقامت حتى تورَّمت قدماها (٢). قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: قَبل (٣) القنوت القيامُ، والركوعُ والسُّجود بعدهما (٤)، فهذا أمرٌ بالصلاة، والواو للجمع لا للتَّرتيب، فجاز ذكر السجود قبل الركوع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. وقيل: السجود: الصلاة، والركوع: الشكر، قال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: ٢٤]؛ أي: شاكرًا. وقيل: الركوع: التذلُّل والتواضع. وقيل: السجود هو الصلاة، والركوع كذلك، ومعنى التكرار: أن (٥) قوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾؛ أي: صلي النافلة وحدك، ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلي الفرض مع المصلِّين في بيت المقدس جماعةً. وقيل: ﴿وَاسْجُدِي﴾ أمرٌ بأصل الصلاة، ﴿وَارْكَعِي﴾ أمرٌ بإقامة الجماعة في الصلاة.

стр. 1679

وقال الإمام الزاهد أبو منصورٍ ﵀: فإن قيل: كيف أُمرَتْ بالركوع مع الراكعين وهي امرأةٌ؟ قال: قيل: كانوا ذوي قرابةٍ منها، ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمِّها وكفالتها، وزعم كلُّ واحدٍ منهم أنه أحقُّ بذلك. قال: ويحتمل أنه أراد به: وصلي فيمَن يصلي؛ أي: كُوني من هذه (١) الطبقة، ولم يُرِدْ به الاجتماع في الصلاة في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الآيةَ: أي: لازمي بساط العبادة، وداومي على الطاعة، ولا تقصِّري في استدامة الخدمة، فكما أَفردك (٣) الحقُّ بمقامك، فكوني في عبادتك أوحَد زمانك (٤). * * * (٤٤) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: هذا الذي ذكرنا من (٥) قصة حنَّة ومريم وعيسى وزكريا ويحيى من أخبار الغيب، لا يُوقَف عليها إلَّا بمشاهدةٍ، أو قراءةِ كتابٍ (٦)،. . . . .

стр. 1680

أو تعلُّمٍ من عالمٍ، أو بوحيٍ (١) من عند اللَّه، وانعدمَت الثلاثة الأُوَل، فتعيَّنت الرابعة، وهو الوحي. قوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ننزِّله عليك دلالةً على صحَّة نبوَّتك، وإلزامًا على نصارى بني نجران وغيرهم فيما يحاجُّونك. والوحي في القرآن لِمعانٍ: للإرسال إلى الأنبياء: قال تعالى: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩]. ولإنزال القرآن: قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩]. وللإلهام: قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. ولإلقاء المعنى المراد: قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وقال الشاعر: أوحى لها القَرارَ فاستقرَّتِ (٢) وللإشارة: قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وللوسوسة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأصلُ ذلك كلِّه: الإعلامُ في خفاءٍ (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ

стр. 1681

لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: أُضمر فيه: لينظروا أيُّهم يكفل مريم، وقد بيَّنا عند قوله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] قصَّة إلقاء الأقلام (١). ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ خطابٌ لمحمدٍ ﷺ ، وقال ابن عباسٍ ﵄: ولو كنْتَ حاضرًا لم يكفُلْها إلَّا أنت؛ لأنَّها زوجتك في الجنَّة (٢). وقيل: وما كنت حاضرًا، ولكن ذكرُها لك منَّا الآن خيرٌ لك من حضرتك حينئذٍ. ثم للآية وجهان: أحدهما ظاهرٌ وعليه الأكثر: أنهم تشاحُّوا فيها، فكلٌّ (٣) يرغبُ في كفالتها. والآخر غامضٌ (٤)، وقد (٥) ذكر في بعض التفاسير أنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يروم بالقُرعة دفعَ ذلك عن نفسِه؛ فإنَّه كان في زمان عزَّة الطعام. فعلى الأول: هذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى مِن حرصِهم على كفالتها لفضلها. وعلى الثاني: تعجيب مِن تدافُعهم لكفالتها مع فضلِها، حتى وَفَّقَ لها ورزقها أفضل الكفلاء.

стр. 1682

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم ليكون على علمٍ من ذلك، أو أخبره ليتأمل بم نالوا الصفوةَ المذكورةَ، فيجتهدَ في ذلك (١). * * * (٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد إذ قال جبريل -ووَجْهه ما مرَّ-: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: قال ابن عباسٍ ﵄: إن مريم ﵂ كانت في مَشرقةٍ (٣) لها قد ضَربت دونها سترًا، إذا هي برجلٍ عليه ثيابٌ بيضٌ -وهو جبريل- تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فلمَّا رأته قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (٤)، ثم نفخ في جيب درعها، حتى وصلَت النَّفخة إلى الرَّحم فاشتملَتْ. وقال وهبٌ: وكان معها ذو قرابةٍ لها يقال له: يوسف النَّجار، وكانت مريم ويوسف يخدمان المسجد، وكان أوَّلُ مَن أنكرَ حملَ مريمَ يوسفُ هذا، فاستعظمَ ذلك، فإذا أرادَ أن يتَّهمها ذكرَ صلاحَها، وإذا أراد أن يُبرِّئَها رأى ما ظهرَ عليها، فكانَ

стр. 1683

أولَ ما كلَّمها أن قال لها: قد حكَّ في صدري شيءٌ أردْتُ كتمانَه فغلبني ذلك، فرأيْتُ الكلامَ أشفى لصدري. قالت: قلْ. قال: فحدثيني؛ هل ينبت الزرع من غير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل ينبت شجرٌ من غير أصلٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذكَرٍ؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن اللَّه تعالى أنبتَ الزَّرع يومَ خلقَه من غير بذر؟ والبذرُ يومئذٍ إنما صار من الزَّرع الذي أنبتَ اللَّه من غير بذر؟ ألم (١) تعلم أن اللَّه خلق آدم وحواءَ من غير أنثى ولا ذكر؟ فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيءٌ أكرمها اللَّه تعالى به (٢). قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بولدٍ يخلقُه من غير أبٍ، يقول له: كن فيكون. وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: يهدي به إلى الحقِّ كما يهدي بكلامه. وقيل: كان اللَّه تعالى وعدَ (٣) في كتبه السَّابقة أن (٤) يبعث عيسى نبيًّا، فلمَّا خلقه وبعثه قال: هذا كلمتي؛ أي: ما كنْتُ وعدْتُ به. وقيل: معنى قوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: ببشرى، وهو (٥) ولدٌ يولد لك، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ أي: رسالته التي أخبر بها مريم، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩].

стр. 1684

والإلقاءُ: الإخبارُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (١) [المزمل: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦]. وقيل: الكلمةُ: الأمرُ العظيمُ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ أي: أمورٍ عظيمةٍ شاقةٍ، مِن الأمرِ بذبح الولد، والإلقاء في النَّار، والأمرِ بالهجرة، وغيرِها، وكانَ خَلْقُ عيسى ﵇ أمرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ هذه إضافةُ كرامةٍ، كخليلِ اللَّه، وكليم اللَّه، ونجيِّ اللَّه، وذبيحِ اللَّه، وبيوتِ اللَّه، وللدِّين: نور اللَّه، وللفرائض: حدود اللَّه، ليس في شيءٍ من ذلك توهُّمُ شيءٍ يزيل معنى الخِلْقة فيوجب معنى الرُّبوبيَّة، بل هو لتخصيصه في الفضل على أشكاله، وكذلك قوله: ﴿مِنْهُ﴾، وهو كقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وليس ذلك على ما توهَّمه النَّصارى (٢). قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: قيل: المسيح لقب، والاسم عيسى، وبدئ باللَّقب كما يقال: جاء الشيخُ فلانٌ، والقاضي فلانٌ، والفقيهُ فلانٌ. وهذا على وجه التَّعظيم، ولأنه عُرِفَ بهذا في التوراة وما قبلها من الكتب، فاستقام على هذا قوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾؛ لأن الَّلقب إذا عُرِفَ صار كالاسم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال ﵊: "لي خمسةُ أسماءٍ: محمَّدٌ، وأحمدُ، والماحي، والحاشرُ، والعاقب" (٣).

стр. 1685

وفي معنى (المسيح) أقاويل: قيل: هو الذَّاهب في الأرض، من قولك: مسحتُ الأرض؛ أي: قطعتُها، ومسَحها القسَّام؛ أي: قدَّرها، وهو فعيلٌ بمعنى الفاعل، كالرَّحيم بمعنى الرَّاحم. وقيل: هو الذي كان يمسح المرضى فيَبْرؤون. قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (١). وقيل: لأنه مُسح من الأقذار وطهِّر، وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، كالصَّريع والأسير. وقيل: كان ممسوحَ القدم؛ أي: لم يكن له أخمص، وهو ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم. وقيل: كان ممسوحًا بدهنٍ طاهرٍ مباركٍ، يُمسَح به (٢) الأنبياء. وقال إبراهيم النَّخعي: المسيح هو الصِّدِّيق (٣). وقال سعيد بن عبد العزيز: هو الممسوح بالبركة (٤).
следующие страницы →