← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: أُضمر فيه: لينظروا أيُّهم يكفل مريم، وقد بيَّنا عند قوله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] قصَّة إلقاء الأقلام (١). ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ خطابٌ لمحمدٍ ﷺ ، وقال ابن عباسٍ ﵄: ولو كنْتَ حاضرًا لم يكفُلْها إلَّا أنت؛ لأنَّها زوجتك في الجنَّة (٢). وقيل: وما كنت حاضرًا، ولكن ذكرُها لك منَّا الآن خيرٌ لك من حضرتك حينئذٍ. ثم للآية وجهان: أحدهما ظاهرٌ وعليه الأكثر: أنهم تشاحُّوا فيها، فكلٌّ (٣) يرغبُ في كفالتها. والآخر غامضٌ (٤)، وقد (٥) ذكر في بعض التفاسير أنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يروم بالقُرعة دفعَ ذلك عن نفسِه؛ فإنَّه كان في زمان عزَّة الطعام. فعلى الأول: هذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى مِن حرصِهم على كفالتها لفضلها. وعلى الثاني: تعجيب مِن تدافُعهم لكفالتها مع فضلِها، حتى وَفَّقَ لها ورزقها أفضل الكفلاء.

стр. 1682

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم ليكون على علمٍ من ذلك، أو أخبره ليتأمل بم نالوا الصفوةَ المذكورةَ، فيجتهدَ في ذلك (١). * * * (٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد إذ قال جبريل -ووَجْهه ما مرَّ-: ﴿يَامَرْيَمُ﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾: قال ابن عباسٍ ﵄: إن مريم ﵂ كانت في مَشرقةٍ (٣) لها قد ضَربت دونها سترًا، إذا هي برجلٍ عليه ثيابٌ بيضٌ -وهو جبريل- تمثَّل لها بشرًا سويًّا، فلمَّا رأته قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] (٤)، ثم نفخ في جيب درعها، حتى وصلَت النَّفخة إلى الرَّحم فاشتملَتْ. وقال وهبٌ: وكان معها ذو قرابةٍ لها يقال له: يوسف النَّجار، وكانت مريم ويوسف يخدمان المسجد، وكان أوَّلُ مَن أنكرَ حملَ مريمَ يوسفُ هذا، فاستعظمَ ذلك، فإذا أرادَ أن يتَّهمها ذكرَ صلاحَها، وإذا أراد أن يُبرِّئَها رأى ما ظهرَ عليها، فكانَ

стр. 1683

أولَ ما كلَّمها أن قال لها: قد حكَّ في صدري شيءٌ أردْتُ كتمانَه فغلبني ذلك، فرأيْتُ الكلامَ أشفى لصدري. قالت: قلْ. قال: فحدثيني؛ هل ينبت الزرع من غير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل ينبت شجرٌ من غير أصلٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولدٌ من غير ذكَرٍ؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن اللَّه تعالى أنبتَ الزَّرع يومَ خلقَه من غير بذر؟ والبذرُ يومئذٍ إنما صار من الزَّرع الذي أنبتَ اللَّه من غير بذر؟ ألم (١) تعلم أن اللَّه خلق آدم وحواءَ من غير أنثى ولا ذكر؟ فلما قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيءٌ أكرمها اللَّه تعالى به (٢). قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: بولدٍ يخلقُه من غير أبٍ، يقول له: كن فيكون. وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: يهدي به إلى الحقِّ كما يهدي بكلامه. وقيل: كان اللَّه تعالى وعدَ (٣) في كتبه السَّابقة أن (٤) يبعث عيسى نبيًّا، فلمَّا خلقه وبعثه قال: هذا كلمتي؛ أي: ما كنْتُ وعدْتُ به. وقيل: معنى قوله: ﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: ببشرى، وهو (٥) ولدٌ يولد لك، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ أي: رسالته التي أخبر بها مريم، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩].

стр. 1684

والإلقاءُ: الإخبارُ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (١) [المزمل: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦]. وقيل: الكلمةُ: الأمرُ العظيمُ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ أي: أمورٍ عظيمةٍ شاقةٍ، مِن الأمرِ بذبح الولد، والإلقاء في النَّار، والأمرِ بالهجرة، وغيرِها، وكانَ خَلْقُ عيسى ﵇ أمرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ هذه إضافةُ كرامةٍ، كخليلِ اللَّه، وكليم اللَّه، ونجيِّ اللَّه، وذبيحِ اللَّه، وبيوتِ اللَّه، وللدِّين: نور اللَّه، وللفرائض: حدود اللَّه، ليس في شيءٍ من ذلك توهُّمُ شيءٍ يزيل معنى الخِلْقة فيوجب معنى الرُّبوبيَّة، بل هو لتخصيصه في الفضل على أشكاله، وكذلك قوله: ﴿مِنْهُ﴾، وهو كقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وليس ذلك على ما توهَّمه النَّصارى (٢). قوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: قيل: المسيح لقب، والاسم عيسى، وبدئ باللَّقب كما يقال: جاء الشيخُ فلانٌ، والقاضي فلانٌ، والفقيهُ فلانٌ. وهذا على وجه التَّعظيم، ولأنه عُرِفَ بهذا في التوراة وما قبلها من الكتب، فاستقام على هذا قوله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾؛ لأن الَّلقب إذا عُرِفَ صار كالاسم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال ﵊: "لي خمسةُ أسماءٍ: محمَّدٌ، وأحمدُ، والماحي، والحاشرُ، والعاقب" (٣).

стр. 1685

وفي معنى (المسيح) أقاويل: قيل: هو الذَّاهب في الأرض، من قولك: مسحتُ الأرض؛ أي: قطعتُها، ومسَحها القسَّام؛ أي: قدَّرها، وهو فعيلٌ بمعنى الفاعل، كالرَّحيم بمعنى الرَّاحم. وقيل: هو الذي كان يمسح المرضى فيَبْرؤون. قاله ابن عبَّاسٍ ﵄ (١). وقيل: لأنه مُسح من الأقذار وطهِّر، وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، كالصَّريع والأسير. وقيل: كان ممسوحَ القدم؛ أي: لم يكن له أخمص، وهو ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم. وقيل: كان ممسوحًا بدهنٍ طاهرٍ مباركٍ، يُمسَح به (٢) الأنبياء. وقال إبراهيم النَّخعي: المسيح هو الصِّدِّيق (٣). وقال سعيد بن عبد العزيز: هو الممسوح بالبركة (٤).

стр. 1686

وقيل: المسيحُ: الجميلُ، والمسيخُ بالخاء: القبيحُ، وفي الخبر: "على وجهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ" (١)، وهي (٢) الجمال. وقيل: المسيحُ: فعيلٌ من السِّياحة؛ أي: كان يسيحُ في الأرض ولا يبيت (٣) في مكانٍ. قوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قد ذكرنا أنه خبرُ قولِه: ﴿اسْمُهُ﴾، وإنْ جُعِلَ ﴿الْمَسِيحُ﴾ خبرَه، فهذا بدلٌ عنه. وقيل: إن كثيرًا من المنتحلين قبل خروج نبيِّنا محمَّد ﷺ تنبَّؤوا باسم المسيح، فردَّ ذلك بقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أنه له على الخصوص، لا لكلِّ مُسمًّى باسم المسيح. قوله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: نصبٌ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ بعد معرفةٍ. وقد وَجُهَ يَوْجُهُ وَجاهةً، فهو وجيةٌ، من حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار ذا جاهٍ ومنزلةٍ وقَدْرٍ. والجاهُ أصله: الوجاه، حذفت الواو منه تخفيفًا لكثرة الاستعمال. وجاهُهُ في الدُّنيا: ما قال في صغرِه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] الآية، كما قال في حقِّ موسى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، ومن الجاه أنَّه كان يستجيبُ دعاءَه، ويعطيه سؤله (٤)، ويُجري على يديه ما يقتضي تعظيمَه.

стр. 1687

وفي الآخرة بأن يُشفِّعه في جملةِ مَن يُشفِّعه من الأنبياء، ويدخلَه الجنة مع المرسلين. وقال الحسن: وجيهًا في الدنيا بالنبوَّة، وفي الآخرة بالمنزلة (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: بالمنزلة العُليا من الثَّواب والكرامة في الآخرة؛ فإنَّه ذكرَ الأزواجَ الثلاثةَ: أصحابُ الميمنة، وأصحابُ المشأمة، والسَّابقون، وأشراف أصحاب الميمنة السابقون، وهم المقرَّبون، وعيسى منهم، وقيل: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١] (٢). * * * (٤٦) - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾: تقديرُه: ومكلِّمًا، عطفًا على ﴿وَجِيهًا﴾ ولذلك قال بعده: ﴿وَكَهْلًا﴾. ويجوز أن يكون ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على الذي في الظَّرف، وهو قوله تعالى: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾؛ أي: حال كونه في المهد طفلًا وحال صيرورته كهلًا، وإنما جاز بصيغة الفعل على إرادة الاسم لأنه للحال، وكلُّ واحدٍ منهما يدلُّ عليه، يقال: دخل فلان عليَّ يتبسَّم، و: دخل عليَّ متبسِّمًا. والمهدُ: مَضجَعُ الصبيِّ في الرَّضاعة (٣)، وهو من التَّمهيد له، معناه: أنه يتكلَّم

стр. 1688

في طفوليَّته في حِجرِ أمِّه شاهدًا على طهارتها وبراءتها؛ كرامةً لها، أو (١) معجزةً لعيسى، فإنه ناقضٌ للعادة، إذ ليس حالُه النُّطق عادةً، وهو ما ذُكر في سورة مريم، قال (٢): ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾؛ أي: حال كهوليَّةٍ، وهي ما بين الشباب والشَّيب، من قولهم: اكتهلَ النَّبْتُ: إذا طالَ (٣) وقويَ. وقيل: حدُّها بلوغ أربع وثلاثين سنةً. فإن قالوا: أيُّ أعجوبةٍ في تكلُّمه كهلًا؟ وإنما (٤) ذكر تكلُّمَه في الطفولية أعجوبةً. قلنا: قيل: معناه: يكلِّمُهم في المهد تبرئةً للأمِّ بطريق الكرامَة، ويكلِّمُهم بعد الكهولة داعيًا إلى اللَّه بالوحي والرِّسالة. وقيل: أي: يَبتدئُ الدَّعوة إلى اللَّه من حين كان طفلًا إلى أن يصير كهلًا. وهي بشارةٌ للأم بعيشه وبقائه، فكانت معجزةً في ضمن معجزةٍ. وقيل: معناه: إنَّ كلامَه في طفوليَّته ككلامِه في كهوليَّته (٥)؛ لذكائِه وعقلِه في حالَتَيْهِ. وقيل: ﴿وَكَهْلًا﴾ بعد نزوله من السَّماء لقتل الدَّجال.

стр. 1689

وسئل الحسين بن الفضل: هل في القرآن دلالةُ نزول عيسى من السَّماء؟ فقال: نعم، واستدل بهذا، وقال: كان (١) رفعُه إلى السماء قبل أن يصير كهلًا (٢). وقيل: معناه: يتكلَّم (٣) في حِجرِ أمِّه مرَّةً ببراءةِ أمِّه، ثم يعود إلى حال سائر الأطفال إلى أن يصيرَ كهلًا، فيُوحَى إليه فيتكلَّم (٤) بالوحي. وقيل: الإنسان يكون صبيًّا (٥) سبع عشرة سنةً، ثم شابًا سبع عشرة سنةً، ثم يكتهِل (٦) بعد أربعٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُ عيسى ﵇ إلى السماء قبل ذلك، وهو حين كان ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة وأشهرٍ، وكان ابتداءُ دعوته لثلاثين سنةً. قوله تعالى ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من أفاضل الأنبياء. وقيل: من الأتقياء، وقد قال في سورة مريم: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]. * * * (٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ أي: من أيِّ وجهٍ (٧) يكون مع أنَّ بشرًا لم يمسَّني، والمعتاد ذلك.

стр. 1690

قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (١)؛ أي: قال جبريل بأمرِ اللَّه: كذلكَ المعتاد، لكنَّ اللَّه تعالى يخلق على خلاف المعتاد ما أرادَ، وهو قادرٌ على ذلك. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢) وقد خلقَ آدمَ وحوَّاء من غير أبٍ ولا أمٍّ، وخلق كلَّ شيءٍ من غير شيء. قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: إذا قدَّر تخليقَ ولدٍ من غير أبٍ كوَّنه من غير تأخيرٍ. وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾ رفعٌ لا غير، ولا يجوز نصبه؛ لأنَّه ليس بخبرِ ﴿كُنْ﴾، بل هو عطفٌ على قوله: ﴿يَقُولُ﴾، وهذا بخلافِ قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، النَّصبُ هناك لِمَا أنَّه عطفٌ على ﴿أَنْ نَقُولَ﴾. * * * (٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣): قرأ نافع وعاصم بياء المغايبة عطفًا على قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والباقون بالنون (٤)، إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسِه أنه يفعلُ ذلك، عطفًا على قوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. و ﴿الْكِتَابَ﴾ في قول الكلبيِّ: هو كتب الأنبياء المتقدِّمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، و ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الفقهُ (٥).

стр. 1691

وقال مقاتل: ﴿الكتابَ﴾ هو هو الكتابة بالقلم (١)، وكانَ أحسنَ النَّاسِ خطًّا في زمانِه، و ﴿الحكمة﴾: بيانُ الحلال والحرام (٢). وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: الخطُّ باليد، و ﴿الحكمة﴾: البيانُ باللِّسان. قوله تعالى: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوفان على ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قوله تعالى: ﴿ورسولًا إلى بني إسْرائيل﴾: عطفٌ على قوله: ﴿وَجِيهًا﴾. وقيل: نصبُه بإضمار فعل، وهو قوله: ويجعله رسولًا. وقال الزجَّاج: تقديره: ويكلِّم الناس في المهد وكهلًا ورسولًا (٣). قوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قرأ نافع بكسر الهمزة من ﴿أَنِّي﴾ على حكاية مخاطبته إيَّاهم وإضمارِ القول، وقرأ الباقون بالنَّصب على إرادة الباء (٤)، ووقوع الرِّسالة عليه على تقدير: رسولًا بأني. وكان في الكتب المتقدِّمة أن اللَّه تعالى يُنزِلُ على عيسى ﵇ الإنجيلَ، وكان معروفًا عندهم بهذا الاسم قبل إنزاله، وعرفَتْه مريم، فلذلك بشَّرها جبريل أن اللَّه تعالى يعلِّمه التَّوراة والإنجيل، وكان معلِّمُه لا يعلِّمُه شيئًا إلَّا بدرَه إليه.

стр. 1692

قال سعيد بن جبير: لَمَّا ترعرعَ عيسى جاءت به أمُّه إلى الكُتَّاب، فقال له المعلِّم: قل: بسم، فقال عيسى: اللَّه، فقال له المعلم: قل: الرَّحمن، فقال عيسى: الرَّحيم، فقال المعلم: قل: أبجد، فقال عيسى: أتدري ما الألف؟ قال: لا، قال: الألف آلاء اللَّه، والباء بهاء (١) اللَّه، والجيم جلال اللَّه، والدال دوام اللَّه. فقالَ المعلم: كيف أُعلِّم مَن هو أعلمُ منِّي، قالت مريمُ: فدعْهُ حتى يقعد مع الصِّبيان، وكان يخبرُ الصِّبيان بما أكلوا وبما خُبِّئ لهم (٢). قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: علامةٍ بيِّنة، وهي ما ذكرَ بعدَه من خلقِ الطَّيرِ من الطِّينِ. وقيل: ينصرفُ إلى كلِّ ما ذكرَ بعدَه من المعجزات، وأراد بالآيةِ: الآيات، على هذا التَّأويل، ولكنَّه وحَّده (٣) لأنه أراد به الجنس، ولأن هذه الآيات كلها تدل على معنًى واحد، فكانت كأنها واحدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، بخلافِ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢]؛ لأن كل واحدٍ منهما يدل على معنًى آخر. قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾؛ أي: أقدِّر لأَجْلكم (٤)، قال الشاعر: وَلأَنْتَ تَفْري ما خلقْتَ وبَعْـ... ضُ القومِ يخلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي (٥) ولا يجوز حمله على التخليق من جهةِ عيسى، الذي هو الإيجاد والاختراع؛

стр. 1693

فإنه لا يجوز هذا إلَّا من اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، فأمَّا قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فمعناه: أحسنُ المقدِّرين، على ما قلنا. قوله تعالى: ﴿مِنَ الطِّينِ﴾: هو مجموعُ الماءِ والتُّرابِ. قوله تعالى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؛ أي: كصورةِ الطَّائر، والطَّير للواحد هاهنا، ولذلك قال: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ على التذكير، وقال في (سورة المائدة): ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]، وذلك يرجع إلى الهيئة. وقيل: ﴿فِيهِ﴾ يرجع إلى الطِّين. قوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قرأ نافع: ﴿طائرًا﴾ (١)؛ أي: يطير، وقرأ الباقون: ﴿طَيْرًا﴾؛ أي: يصير طيرًا بإذن اللَّه؛ أي: يقلِبُ اللَّهُ جسمَه الذي كان طينًا فيجعلُه لحمًا ودمًا، ويخلق فيه الحياة. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بتكوينِ اللَّهِ إيَّاه بلا علاجٍ؛ كقوله (٢) تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: يخلق (٣) اللَّه فيه الموت. وقال الضحَّاك ومقاتل: هو الخفَّاش (٤). وقيل: فيه أعاجيب؛ يبكي ويضحك (٥)، ويحمل ويلد ويُرضع، ويطير من غيرِ

стр. 1694

ريشٍ، وله سنٌّ، ولا (١) يبصرُ في ظلمة اللَّيل ولا في ضوء النَّهار (٢)، ويبصرُ فيما بين ذلك. قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾؛ أي: أُصِحُّ. وقد بَرَأَ العليل يَبْرَأُ بُرْءًا -بضم باء المصدر- من باب صَنَعَ؛ أي: صحَّ من علَّته. وبرأَ اللَّهُ الخلقَ برءةً -بفتح باء المصدر- من باب صنع أيضًا؛ أي: خَلَق. وبَرِئَ من الدَّين براءةً، من باب علم؛ أي: سقط عنه. وبَرِئَ منه براءةً؛ أي: تبرَّأ كذلك أيضًا. والأكمَهُ: الذي وُلِدَ أعمى. قوله تعالى ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾: أي: الذي به بَرَصٌ، وهو بياضٌ الجلدِ، ولا يزول بالعلاج. قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: أدعو اللَّه فيُحيي الموتى بدعائي، وهو من صنعِ اللَّهِ تعالى، وذكر ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيما لا يدخل في قدرة العباد؛ إثباتًا ذلك صفةً للَّه تعالى ونفيًا عن نفسه. قال الحسينُ بنُ الفضلِ: علم أنَّه يُعبَد ويُتَّخَذُ إلهًا، فنفى عن نفسه الإلهيَّة؛ قطعًا لِحُججِهم عندَ اللَّه تعالى. وقال الكلبيُّ: كان يحيي الميت باسم اللَّه الأعظم: يا حيُّ يا قيُّومُ (٣).

стр. 1695

وقال الضحَّاك: كان يقول: يا حيُّ يا قيُّوم، يا محيي الأموات. وقال كعب: كان يصلي ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ﴾ السَّجدة، وفي الثانية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ثم يمدح ربَّه، ويدعوه (١) بسبعة أسماءٍ: يا حيُّ، يا قيُّوم، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد (٢). وقال الكلبي: لم يُحيِ عيسى إلَّا أربعةَ نفر: سامَ بن نوحٍ، والعازَرَ، وابنة العاشر (٣)، وابن العجوز؛ مُرَّ به وقد حُمل على سرير الموتى على أعناق الرِّجال، فدعا اللَّه له، فجلسَ على سريره، ونزل، ولبس ثيابه، وحملَ السَّرير على عنقِه، ورجع إلى أهله، وبقي ووُلِدَ له. وكذا العازَر وابنة العاشر عاشا ووُلِد لهما. وأمَّا (٤) سامُ بن نوحٍ، فإنَّه دعا ربَّه باسم اللَّه الأعظم، فخرج من القبر وقد شابَ

стр. 1696

نصفُ رأسِه، وقال: قد قامَتِ القيامة؟ قال: لا، ولكن دعوْتُ اللَّهَ باسم اللَّه الأعظم، ولم يكونوا يشيبون في زمن نوحٍ ﵇، فشهد لعيسى بنبوَّته، وكان عاش خمسَ مئة عام، ومات وهو غلامٌ شابٌّ، فحَيِيَ، ثم عاد ميتًا (١). قوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾؛ أي: وأُخبركم بما تغدَّيتم به وما تعشَّيتم، وما خبَّأتم لغدٍ من طعامٍ. وقد ذَخَرَ شيئًا يَذْخَرُهُ ذُخْرًا من باب صنعَ؛ أي: خبأه لحاجةِ نفعٍ، والذَّخيرةُ اسمٌ لذلك، و ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ تَفْتعِلون منه، وأصله: تَذْتَخِرون، فاستثقلوا التَّاء مع الذَّال فأبدلوا التَّاء دالًا، ثم أدغموها في الذَّال، فصارتا دالًا مشددةً (٢). قال الشَّعبي: وكان عيسى ﵇ يقول في الكُتَّاب للغلام: إنَّ أهلَكَ خبَّؤوا لك كذا من الطَّعام. وقال سعيد بن جبير والسُّدِّي وجماعةٌ كذلك (٣). وقال قتادة: إن القوم سألوه المائدة، وكان يُنزَّل عليهم من ثمر الجنَّة، وأمرهم أن لا يخزنوا ولا يخبؤوا لغدٍ، ففعلوا، فأنبأهم بما ادَّخروا، ومسخهم اللَّه تعالى خنازير بما خالفوا (٤).

стр. 1697

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنَّ فيما أتيْتُ به مِن المعجزات لَعلامةً لكم على صدق نبوَّتي إن كنتم مصدِّقين؛ أي: إن كنتم مؤمنين باللَّه علمتُم أنَّ له أنْ يرسلَ الرُّسل ويقيمَ الحُجج، فصدِّقوني إذ (١) أتيْتُ بها. وقيل: هو خطابٌ لأهل عصر النبيِّ ﷺ ؛ يعني: إنَّ (٢) فيما قَصَصْتُ عليكم مِن أمر عيسى لَعبرةً لكم أيُّها اليهود إنْ كنتم مصدِّقين بأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه. قال مقاتل: إن كنتم مصدِّقين بعيسى أنَّه عبدٌ مرسلٌ (٣). * * * (٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: موافقًا لِمَا (٤) كان قبلي، ونصبُه على تقدير: وجئتكم بآيةٍ من ربكم وجئتكم مصدِّقًا، وهو كقول القائل: جئتك بما تحبُّ ومُكرِمًا لك، وليس عطفًا على قولِه: ﴿وَجِيهًا﴾، ولا على قوله: ﴿رَسُولًا﴾ (٥)؛ لأنَّ ذلك خبرٌ من اللَّهِ تعالى، وهذا خبرٌ عن (٦) عيسى من نفسِه؛ فإنه قال: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾.

стр. 1698

قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: الواو لإرادةِ تكرار المجيء؛ أي: وجئتكم لأحِلَّ لكم، أو تقديره: ولأحِلَّ لكم ذلك جئتُكم. قال قتادة: كان موسى ﵇ حرَّم عليهم لحومَ الإبل والثُّروب (١)، فورد عيسى بتحليل ذلك (٢). وقال مقاتل: أي: بعضَ الذي حُرِّمَ عليكم من اللُّحوم والشُّحوم والسَّمك والطَّير وكلِّ ذي ظُفرٍ (٣). وقال عطاء: هو لحم الإبل وشحومُ الضأن (٤) والمعزِ والبقرِ (٥). وقيل: إنَّ أحبار اليهود حرَّموا (٦) على بني إسرائيل أشياءَ لم يكن اللَّهُ تعالى حرَّمها عليهم، فأمرَ اللَّهُ تعالى عيسى ببيانِ حلِّها. والمرادُ بالآيةِ: استمالةُ بني إسرائيل في الدَّعوة، بأنَّه إنَّما جاء مصدِّقًا للتَّوراة لا مغيِّرًا لها، ومحلِّلًا أشياء (٧) حُرِّمَتْ عليهم تخفيفًا عليهم. قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: أتيتُكُم بِعلامةٍ على صدقِ نبوَّتي، وهي ما مرَّ، وتوحيدها لِمَا مرَّ.

стр. 1699

قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: اتقوا اللَّهَ في تكذيبي و ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: في تصديقي. * * * (٥١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾: أي: فوحِّدوه وأطيعوه. قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: الإيمانُ باللَّه ورسله والطَّاعةُ طريقٌ سويٌّ يؤدِّي بصاحبه إلى الجنَّة. * * * (٥٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾: أي: علم، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨]؛ أي: تُبصر. والحسُّ: العلمُ الحاصل بالحاسَّةِ، والحواسُّ الخمس (١) هي طرقُ علمٍ مخصوص لكلِّ واحدٍ منها، وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾؛ أي: تعرَّفوا الخبرَ. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾؛ أي: فلمَّا علمَ عيسى مِن بني إسرائيلَ الكُفْرَ باللَّهِ، وأنَّهم لا يزدادون على رؤية الآياتِ إلَّا إصرارًا على الجُحود. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: الأنصارُ: جمع النَّصير، كالأشراف جمع الشَّريف، والأشهاد جمع الشَّهيد. وقيل: هو جمع النَّاصر، كالأصحاب جمع الصَّاحب.

стр. 1700

وقيل: الواحد ناصرٌ، والجمع نَصْر، والأنصار جمع الجمع، وكذلك الأشهاد، والفَعْل جمعُ الفاعل له نظيرٌ، كالرَّاكب والرَّكْب، والتَّاجر والتَّجْر. والنَّاصرُ: المعينُ والمانعُ. وقولُه: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ له ثلاثةُ أوجهٍ: قال السُّدِّي وابن جريجٍ: أي: مَن أعواني على هؤلاء الكفَّار مع معونة اللَّه تعالى إيايَ (١). و ﴿إِلَى﴾ بمعنى (مع)، كما في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ فيه معنى الضَّمِّ والجمع، فصَلح (إلى) مكان (مع)، وهو (٢) كما قيل: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبلٌ (٣). وقال الحسنُ: معناه: مَن أنصاري في سلوك السَّبيل إلى اللَّه تعالى (٤)، وذلك لأنَّه دعاهم إلى سبيل اللَّه تعالى، فيقول: مَن أعواني على إقامة الدِّين المؤدِّي إلى رضا اللَّهِ تعالى وإلى ثوابه. والثالث: مَن أنصاري للَّه، وكلمة ﴿إِلَى﴾ بمعنى اللَّام، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] (٥). قوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: هم خواصُّ أصحابِه. وقال الأزهري: هم خُلْصانُ الأنبياء، وسُمُّوا به لأنهم حُوِّروا؛ أي: نُقُّوا مِن كلِّ

стр. 1701

عيبٍ، والدَّقيقُ الحُوَّارَى: المُنَقَّى، وقال ﵊: "الزُّبيرُ ابنُ عمَّتي، وحواريَّ مِن أمَّتي" (١)؛ أي: مختصِّي (٢). وقيل -وهو قولُ سعيدِ بن جبير-: سُمُّوا به لبياض ثيابهم (٣). وقال الضحَّاك وابن أبي نجيحٍ وأبي أرطاةَ (٤): كانوا قصَّارِّين مبيِّضين للثِّياب (٥). والحَوَرُ: شدَّةُ بياضِ العينِ مع شدَّةِ سوادِها، والنَّعتُ منه: أَحْوَر، والأنثى: حوراء، والجمع: حُورٌ. ويقال (٦) لنساءِ الحضر: الحواريَّات؛ لبياض ألوانهنَّ وثيابهنَّ، قال الشَّاعرُ: فقُلْ للحواريَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرنا... ولا يَبْكِنا إلَّا الكلابُ النَّوابح (٧)

стр. 1702

وسُمِّيَ أنصارُ كلِّ نبيٍّ: حواريين؛ تشبيهًا بأولئك. وقيل: كانوا ملوكًا. وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: الحوارُّيون أصفياء عيسى (١). وكانوا اثني عشر رجلًا (٢). وقال الضحَّاكُ: سُمُّوا حواريِّين لصفاءِ قلوبِهم (٣). وقال السُّدِّي: كانوا ملَّاحين يصطادون السَّمك، فمرَّ بهم عيسى صلوات اللَّه عليه، فقال لهم: أفلا (٤) تمشون معي فتصطادوا (٥) الناس، فآمنوا به واتَّبعوه (٦). وقال عبد اللَّه بن المبارَك: سُمُّوا به لأنه (٧) كان يبينُ عليهم أثرُ العبادة ونورُها وحسنُها؛ قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] (٨).

стр. 1703

وقال عليه الصلاة السلام: "مَنْ كَثُرَتْ صلاتُهُ باللَّيلِ حَسُنَ وجهُهُ بالنَّهارِ" (١). وقال عطاء: سلَّمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمالٍ شتَّى، فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصَّارين وصبَّاغين، فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه (٢)، فاجتمع عنده ثيابٌ، وعرض له سفرٌ، فقال لعيسى: إنك قد تعلَّمْتَ هذه الحرفة، وأنا خارج في سفرٍ لا أرجع إلى عشرة أيَّامٍ، وهذه ثيابٌ مختلفة الألوان، وقد أعلمْتُ على كلِّ واحدٍ منها خيطًا (٣) على اللَّون الذي يصبغ به، فيجب أن تكون فارغًا منها وقتَ (٤)

стр. 1704

قدومي، وخرج، فطبخ عيسى ﵇ حُبًّا (١) واحدًا على لون واحدٍ، وجعل جميع الثياب فيه. وقال لها: كوني بإذن اللَّه تعالى على ما أُريد منك. فقدم الحواريُّ والثيابُ في الحُبِّ، فقال له: ما فعلْتَ؟ قال: فرغْتُ مِن صبغِها. قال: أينَ هي؟ قال: في الحُبِّ. قال: كلُّها؟ قال: نعم. قال: أليس قد أعلمْتُ لك على كلِّ واحدةٍ علامةً منها؟ قال: نعم. قال: وكيف تكون كلُّها في حُبٍّ واحدٍ؟ لقد أفسدْتَ تلك الثِّيابَ. فقال عيسى ﵇: قم فانظر. فقام مغضبًا، فأخرج عيسى ثوبًا أصفر وثوبًا أحمر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواريُّ يتعجَّبُ، وعلم أن ذلك من اللَّه تعالى، فقال للنَّاس: تعالوا انظروا (٢) إلى ما صنعَ، فآمَنوا به (٣). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: صنعَ ملكٌ من الملوكِ طعامًا، فدعا الناس إليه، وكان عيسى ﵇ على قصعةٍ، وكانت القصعةُ لا تَنقصُ، فذُكِرَ ذلك للملكِ، فقال: أروني ذلك الرَّجلَ، فأتَوا بعيسى، فقال له الملك: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. فقال: أنا أترك ملكي هذا وأتَّبعُكَ، فانطلق معه، واتَّبعه مَن معه، فهم الحواريُّون (٤). وقيل: إذا اختلفَتِ الرِّوايات فيهم وأَمكن (٥) الجمع، قلنا: يحتمل أن بعضهم

стр. 1705

كان ملكًا، وكان بعضهم صيَّادين، وبعضهم قصَّارين، وكلُّهم (١) صاروا صفوتَه وأعوانه، فسُمُّوا به. فإنْ قيل: فلماذا (٢) استنصر بالحوارييِّن على قومه، وإنما بُعِث بالوعظ دون نصب الحرب؟ قلنا: طلبَ الحمايةَ من الكفَّار الذين أرادوا قتلَه عندَ إظهارِ الدَّعوة. كذا قال (٣) الحسن ومجاهد (٤). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: مِن النَّاس مَن يقولُ: لم يكن في شريعة عيسى ﵇ الأمرُ بالقتال، وفي الآية إشارةٌ إلى ذلك؛ فإنه يقول: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾؛ أخبر أنهم أصبحوا على عدوِّهم ظاهرين (٥)، فلا يخلو ذلك من أن يكون (٦) قتالًا أو غلبةً بحجَّةٍ، أو أشياءَ ممَّا قهرهم به، واللَّه أعلم. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أنصار دينِه، كما قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، واللَّه تعالى لا يُنْصَرُ، ولكن يُنْصَرُ دينُه ورسلُه (٧).

стр. 1706

قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: أي: صدَّقنا أنَّه أرسلَك ﴿وَاشْهَدْ﴾ أنت علينا ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: منقادون. والإشهاد في مثل هذا للتَّأكيد، كأنهم قالوا: اعلم يقينًا (١) أنَّنا كذلك. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: والآية تنقض قولَ مَن يجعلُ الإيمانَ غيرَ الإسلامِ؛ لأنَّهم أَخبروا أنهم آمنوا وأنهم مسلمون، لم يفرِّقوا بينهما، وهو كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، وكذلك قول موسى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وهو قولنا: إنهما واحدٌ، فإن الإيمانَ: أن تصدِّق أنَّك عبدُ اللَّهِ، والإسلامَ: أن تجعلَ نفسَكَ للَّه سالمةً. قال: وقيل: الإسلام: اسمٌ لِمَا ظهرَ، والإيمانُ: اسمٌ لِمَا بَطنَ (٢). * * * (٥٣) - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾: أي: بالكُتبِ التي أنزلتها على الرُّسل جميعًا، فإنْ أرادوا: بما أنزلْتَ على عيسى، فالإيمانُ بواحدٍ من الرُّسل إيمانٌ بجميع الرُّسل وبالكتب كلِّها. قاله (٣) أبو منصورٍ ﵀ (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾: أي: رسولَك عيسى ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛

стр. 1707

أي: أثبِتْ أسامينا في جملة مَن شهد بمثل شهادتنا لك بالتوحيد، ولأنبيائك بالتصديق؛ لنفوزَ بما فازوا. وقيل: في الشَّاهدين أنَّهم هم (١) الأنبياء. وقيل: هم أمَّة محمَّدٍ ﷺ ، ولهم في القرآن أسامٍ كثيرة: المتَّقون، والصَّالحون، والصِّدِّيقون، وحزب اللَّه، والمفلحون، ونحوُ ذلك، وكانَ ذِكْرُ نبيِّنا وذِكْرُنا في كلِّ كتابٍ، وذُكِرَ لكلِّ نبيٍّ وأمَّتِه، وعرَفوا ذلك، فلذلك سَألوا هذا. وقيل: معنى الكتابة: الضمُّ والجمعُ؛ أي: اجمع بيننا وبينهم في الدُّنيا على التَّقوى والثَّبات على طريق الهدى، وتجنُّبِ طريق الرَّدى، وفي الجنَّة في أنواع الكرامة. وقيل: معناه: واجعلنا (٢) نقوم بحجَّتِكَ ودعوتِكَ عندَ مَن أنكر ما جاءَ به رسولُك؛ لأنَّ الشَّاهد هو الَّذي يحقِّق دعوى المدَّعي. يقولون: اجعلنا دعاةً إليك، شاهدِين لك بالحقِّ في عبادك. وقد رُوي أن عيسى ﵇ فرَّقَهم دعاةً في البلدان. وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في تمام الآية: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: لَمَّا بلَّغهم الرِّسالة واختلفوا، فمنهم مَن صدَّقه، ومنهم مَن كذَّبه، وهم الأكثرون = علمَ أنَّه لا تنفكُّ النبوَّة عن (٣) البلاءِ وتسلُّط الأعداء، فقطع عنهم قلبَه، وصدَقَ (٤) إلى اللَّهِ تعالى قصدَه، وقال لقومِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: مَن يساعدني على التَّجرُّدِ

стр. 1708

لحقِّه (١)، والخلوصِ في قصدِه؟ فقالَ مَن انبسطَتْ عليهم أنوارُ العنايةِ، واستُخْلِصوا بآثار الحماية (٢): نحنُ أنصارُ اللَّهِ، آمنَّا باللَّه، فاشهد (٣) لنا بذلك عندَ اللَّه. وأمَّا الآخرون فجَدُّوا في المشاقَّة، وبالغوا في العداوة، ودسُّوا له في المكيدة، فتوهَّموا أنَّهم صَلبوا عيسى، وذلك جهلٌ منهم، بل رفعه اللَّه إلى السَّماء، وأنزل بأسَه على الأعداء (٤). * * * (٥٤) - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا﴾: قال الزَّجَّاجُ: المكرُ: هو السَّعي بالإفساد في حقِّ الغير على خفاءٍ، من قولهم: مَكَر اللَّيلُ وأَمْكَر؛ أي: أَظْلَم (٥)، ومعناه: قصَد الذين لم يؤمنوا به من اليهود في قتلِه. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾؛ أي: جازاهم على مكرِهم، ولا يجوز إضافة المكر إلى اللَّهِ ابتداءً، ويجوز على معنى الجزاء، كما مرَّ في أوَّل سورة البقرة في ذكر الخداع والاستهزاء والسَّيئة والاعتداء. وكان الحواريون مع عيسى وقد قصد اليهود قتلَه، فهرَبَ منهم وقال للحواريِّين:

стр. 1709

أيُّكم يحبُّ أن يكون رفيقي في الجنَّة على أن يُشَبَّهَ للقوم في صورتي فيقتلوه مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضُهم وكانوا اثني عشر رجلًا (١). وقيل: ارتدَّ أحدهم، وكان اسمه يهوذا وصاحب تدبير اليهود في قتل عيسى، فبقي مع عيسى أحد عشر رجلًا. وقيل: أُبْدِلوا مكانَه آخر، فتمُّوا اثني عشر. وأمرَ اليهودُ يهوذا أن يدخلَ على عيسى فيقتلَه، فدخلَ فوجدَه قد رُفِعَ إلى السَّماء، وألقى اللَّه تعالى شبهَه عليه، فخرج إلى أصحابه فقال: ما أرى في البيت أحدًا، فظنُّوه عيسى فقتلوه، فكانَ ذلك جزاءَ مكرِهم. وقال الكلبيُّ ﵀: إنَّ ملكَ اليهودِ أرادَ قتلَ عيسى ﵇، والدَّاخلُ عليه ليقتلَه لطيانوس، أُلقِيَ شبهُه عليه فخرَج فقتلوه (٢). وقال مقاتل: ورفع اللَّه عيسى إلى السماء من بيت المقدس ليلةَ القدرِ في رمضان (٣). وقال عطاء: كان رجل من بني إسرائيل آمن بعيسى ﵇، ثم نافقَ فدلَّ عليه، فجعله اللَّه في صورة عيسى، فطُلِبَ فأُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ (٤).

стр. 1710

وقال وهبٌ: إنهم طرقوا عيسى ليلًا فأخذوه، ونصبوا خشبةً ليصلبوه، فلمَّا أرادوا أن يرفعوه أظلمَتِ الأرضُ، وأرسلَ (١) اللَّهُ الملائكةَ فحالوا بينهم وبينه، وصلبوا مكانَه يهوذا، وهو الذي دلَّهم عليه، وأشرقَتِ الأرضُ، وقلبَ اللَّهُ قلوبَ النَّاسِ وأبصارَهم، فجعلوا ينظرون إلى يهوذا في صورة عيسى (٢). وقيل: الدَّاخل على عيسى (٣) ططوس، وخرج وقد أُلْقِيَ عليه شبههُ فقتلوه، ثم أذهبَ اللَّهُ صورةَ عيسى عنه، فقالَتْ (٤) عشيرتُه: قتلْتُم ططوس بغير حقٍّ، فنطالبُكم بدمِه (٥)، وقالوا: قتلنا عيسى، ثم اختلفوا فقالوا: إن كان هذا عيسى فأين ططوس؟ وإن كان ططوس فأين عيسى؟ ثم تحاربوا، فقُتِلَ سبعون ألفًا منهم، وهذا جزاءُ مكرِهم بعيسى مِن جنسِ قصدِهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وهذا (٦) نظيرُ قصة صالح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وكانوا تقاسموا باللَّه ليبيِّتُنَّهُ (٧) وأهلَه، والملائكةُ بيَّتَتْهم فشدخَتْهم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أي: إنَّ (٨) الماكرين فعلوا ما ليس لهم وهو ظلمٌ منهم وإفسادٌ، واللَّه تعالى فعل ما هو (٩) حقٌّ وعدلٌ وجزاءٌ على الوِفاق.

стр. 1711

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل: ﴿مَكَرُوا﴾ حيث (١) همُّوا بقتل عيسى، ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ حيث رفعَه إليه وألقى شبَهَهُ على رجلٍ منهم فقتلوه، فذلك خيرٌ لعيسى مِن مكرهم. وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ أي: خير الجازِينَ (٢)؛ يجزي أهلَ الجور بالعدلِ، وأهلَ الخيرِ بالفضلِ. وقال: المكرُ هو الأخذُ بالغفلةِ، واللَّه يمكرُ؛ أي: يأخذُ مَنِ استحقَّ الأخذَ مِن حيثُ لا يعلمُ (٣). * * * (٥٥) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (٤): أي: ومكرَ اللَّهُ إذْ قالَ، أو: واذكرْ (٥) يا محمَّدُ إذ قال لعيسى. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: فيه أربعة أقاويل (٦) للمفسِّرين:

стр. 1712

قال الحسنُ وابن جُريجٍ: إني قابضُكَ برفعِكَ منَ الأرض إلى السَّماءِ (١)، والتَّوفِّي والاستيفاءُ: هو قبضُ الشَّيء بتمامِه، وقد وفَّيتُه حقَّه، فتوفَّاه واستوفاه. وقال الرَّبيع بن أنسٍ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: بالنَّوم للرَّفع إلى السماء؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (٢). وقال ابن عباسٍ ووَهْبُ بن مُنبِّهٍ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ وفاةَ موتٍ (٣). ثم قال وهبٌ: توفَّاه ثلاثَ ساعاتٍ، ثم أحياه ورفعَه إلى السَّماء (٤). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: إني رافعك إليَّ ثم متوفِّيك بالموت بعد هبوطك في آخر الزَّمانِ (٥).

стр. 1713

وفي قراءة عليٍّ ﵁: (إنِّي رافعُكَ إليَّ ومتوفِّيْكَ ومطهِّرُك) (١). ثم لأهل المعاني أقاويلُ أُخرُ منها: قيل: ﴿متوفِّيْكَ﴾؛ أي: مستوفي مدَّةَ مقامِكَ (٢) في الدُّنيا. وقيل: أي: متوفِّي عَمَلِكَ، ومتقبِّلُهُ منك، ومثيبُكَ عليه، ورافعُكَ إليَّ في الفضل والمنزلة الرَّفيعة كما تستحقُّه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥]. وقيل معناه: إني مميْتُ شَهْوَتِكَ ورافعُكَ إلى السَّماء، فيصيرُ حالُكَ كحال الملائكة. وقيل: إنَّ اللَّه تعالى توفَّاه ورفعَه، ثم أحياه، وكساه الرِّيشَ، وأنزلَه في اليوم الرَّابع حتى بعثَ الحواريِّين وفرَّقهم في البلاد، فهو أرضيٌّ سماويٌّ، إنسيٌّ روحانيٌّ. قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إلَيَّ﴾؛ أي: إلى السَّماء، والإضافةُ إلى نفسِه إضافةُ كرامةٍ، وهو كقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]. وقيل: ورافعك إلى الموضع الذي لا حكمَ فيه إلَّا للَّهِ، وهو السَّماء، فأمَّا الأرضُ ففيها ملوكٌ وحكَّامٌ ظاهرًا. قوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: مخلِّصُك ومانعُك من الذين كفروا وهمُّوا بقتلِكَ، ولو فعلوا كان ذلك (٣) رجسَ كفرٍ ورجسَ قتلٍ، فطهَّرتُك من (٤) ذلك.

стр. 1714

وقيل: ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾؛ أي: مُبعدُك عنهم، فلا تسمع منهم كفرًا ولا تراه، يُقالُ: طهَّرَ اللَّهُ الأرضَ مِن فلان. وقيل: أي: مبرِّئُك من العيوب التي قالوا فيك، ومنزِّهُك عن ذلك. قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: أهلَ التَّوحيد والإيمان باللَّه، دونَ مَن كذَّبه أو كذَبَ عليه، وقد جعل اللَّه المؤمنين فوق الكافرين بغلَبَة الحُجَّةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]. وقيل: بالقَهْر والسُّلطان، وقد جعلَ أهلَ الرُّوم فوق اليهود بالقهر والسلطنة (١) إلى يوم القيامةِ؛ أي: ولا يكون لليهود مملكةٌ (٢) إلى يوم القيامة. قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي: مصيركم في الآخرة. قوله تعالى (٣): ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: أي: بتحقيق وعد المؤمنين ووعيد الكافرين. وقيل: بإظهار المحقِّين والمبطِلين. وقيل: ذلك بتسويد بعض الوجوه وتبييض بعضها. وقيل: بإعطاء الكتب بالأيمان والشَّمائل. * * * (٥٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

стр. 1715

قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: بالمسخ والقتل والقهر والسبي والجزية. وقيل: بالأمراض والرَّزايا في الأنفس والأموال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٨٥]، ولا ثواب لهم عليها بخلاف المؤمنين. وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: هو عذابُ النَّارِ والخلودُ فيها. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: معِينين ومانعين، وللعذابِ دافعين. * * * (٥٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايبة؛ أي: فيوفِّيهم اللَّهُ ثوابَ أعمالِهم في الدُّنيا بالإعزاز والإعلاء والتَّمكين من الأعداء، وفي الآخرة بالجنة واللِّقاء. وقرأ الباقون بالنون (١)، يقول اللَّه تعالى: نحن نوفِّيهم، كما قال في الآية الأولى: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٦]، والجمع لإظهار العظمة والسُّلطان (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الكافرين، وقيل: العاصين. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذ قال اللَّه: يا عيسى إني متوفِّيك عنك، وقابضك منك، ورافعك عن نعوت البشريَّة، ومطهِّرك من إرادتِك بالكليَّة، حتى

стр. 1716

تكون متصرِّفًا بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك شيء، وبهذا الوصف كان يظهرُ على يديه إحياء الموتى. قال: ويُقال: طهَّر قلبَه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الآثار، في جميع الأحوال والأطوار. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالقهر والنُّصرة والحُجَّة، ومتَّبعُوه: الذين لم يبدِّلوا دينَه، ثم يحكمُ اللَّه تعالى بينه وبين أعدائه؛ فأمَّا الكفَّارُ ففي الجحيم، وأمَّا المؤمنون ففي النَّعيم (١). * * * (٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى القصص المتقدِّمة، ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾؛ أي: بقراءة جبريل عليك بأمرنا. وقيل: معناه: نحن نوحيهِ (٢) إليك بعضَه على إثر بعضٍ. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي: من دلالات وحدانيَّتنا وقدرتنا، ونفاذِ مشيئتنا، ودلالات رسالتك أيضًا. وقيل: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: من العجائب والعبر. قوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: قيل: ﴿الذِّكْرِ﴾: القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، و ﴿الْحُكْمُ﴾: المحكَم، كالشيء البديع بمعنى المبدَع، وهذا من صفات القرآن؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]؛ أي: لا يدخلها انتقاصٌ (٣).

стр. 1717

وقال الضحَّاك: أُحْكِم من الشياطين أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه (١). وقال مقاتل: أي (٢): أُحْكِمَ فلا يدخلُه باطلٌ (٣). وقيل: هو من الحكمة؛ لأنَّه بمنزلةِ: النَّاطق بالحكمةِ، ولأنَّ مُنزلَهُ حكيمٌ، وقد جَعلَ فيه الحكمةَ. وقيل: هو فعيلٌ بمعنى الفاعل، ومعناه: أنه الحاكم على الكتب كلِّها. وقال الكلبيُّ: الذكر الحكيم: هو اللَّوح المحفوظ (٤)؛ أي: كان هذا مكتوبًا في اللَّوح على حقيقة ما كان، وكذا ما في القرآن هو (٥) الصدقُ والحقُّ، دون ما قاله أهل الكتاب فإنَّه مغيَّرٌ محرَّفٌ. * * * (٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾: نزلَتْ في وفد بني نجران، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن عيسى، قال: "هو عبدُ اللَّه وابنُ أَمَته ورسولُه إلى خَلْقه"، فقالوا: إنه يستنكف عن (٦) ذلك، فنزلَتْ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] الآية، فقالوا: إن كان عبدًا للَّه فمَن أبوه؟ فنزلت هذه الآية:

стр. 1718

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: صفته، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفتها. وقيل: المثَلُ: الشَّبَهُ، وأراد (٢) به التَّشبيهَ في كونه بغيرِ أبٍ، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛ أي: في كونه بغير أبٍ ولا أمٍّ. قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: قدَّرَه وصوَّرَه من ترابٍ (٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: قيل: ﴿لَهُ﴾ يرجع إلى آدمَ؛ أي: قال له: كنْ بشرًا سويًّا لحمًا ودمًا وعظامًا وكذا وذا روحٍ فكان، ومعناه: كوَّنَهُ كذلك فكان، وقد مرَّ هذا في سورة البقرة بتحقيقه. وإذا جُعِلَ الخلقُ للتَّصويرِ وقولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ للإحياء، كان ﴿ثُمَّ﴾ على الحقيقة. وإذا جُعِلَ الخلق لإيجاده بشرًا، فكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ تكون بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، و (ثم) بمعنى الواو في القرآن موجودٌ في آياتٍ؛ منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]. وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كنايةٌ عن عيسى، و ﴿ثُمَّ﴾ على هذا للتَّراخي. يقول: قد خلقْتُ آدمَ مِن غير ذكرٍ ولا أنثى، فليسَ خَلْقُ عيسى من غير أبٍ (٤) بأعجبَ من هذا، فما هذا الإنكار؟!

стр. 1719

وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان؛ لأنَّ تقديرَه: فإذا هو كائنٌ، فصلح (١) على صيغة الاستقبال لأنه أيضًا للحال. وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا تامٌّ؛ لأنَّ الكونَ مفهومٌ، ثم قال: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فكذا (٢) يكون كلُّ ما خلقه اللَّه تعالى. وقيل: في الآية دلالةٌ على (٣) جوازِ القِياسِ. وقال الضحَّاكُ: إن أُسقفي بني (٤) نجران أتيا النبيَّ ﷺ السيدَ والعاقبَ- فقالا: يا محمد! هل لعيسى مثلٌ عندك فتَضْربَه لنا؟ قد (٥) أجَّلناك ثلاثة أيامٍ. فلما كان اليومُ الثالث وصلى العصر جاءاه وقالا: هذه الأيام قد مضت فأين المثَل؟ فسكت النبيُّ ﷺ ، ففشت المقالة في مجلس أهل مكة أن أُسقفي نجران قد غَلَبَا محمَّدًا، فنزلَتِ الآيةُ (٦). قال الشيخ أبو القاسم بن حبيب (٧): إنَّ اللَّه شبَّه عيسى صلوات اللَّه

стр. 1720

عليه بآدمَ صلوات اللَّه عليه، فنظرنا فإذا عيسى يشبهُ آدمَ في خمسَ عشرةَ خصلةً: أحدها: في التَّكوين. والأخرى (١): في العناصر؛ لأنَّ آدمَ خُلِقَ من ترابٍ، وهو أحد العناصر، وخُلِقَ عيسى من الرِّيحِ وهي العنصر الثَّاني. واستوَيا في استغنائِهما عن أبٍ يكونانِ منه (٢). وتساوَلا في العبوديَّة؛ إذ (٣) كلُّ واحدٍ منهما عبدُ اللَّه، وكانَ (٤) آدمُ نبيًّا وعيسى نبيًّا. وتساوَيا في المحنَةِ، فكانت محنةُ آدمَ صلوات اللَّه عليه من إبليس، ومحنةُ عيسى ﵇ من اليهود، وكانَ آدمُ يأكلُ ويشربُ، وكذلك عيسى؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال القتيبي: أخبر عن الحدثِ بألطفِ ما يكون من الكنايةِ (٥). وتساويا في الفقر إلى اللَّه تعالى. وتساويا في الصُّورة. وتساويا في التَّركيب والتَّأليف. وتساويا في الأجزاء والأبعاض.
следующие страницы →