← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

تكون متصرِّفًا بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك شيء، وبهذا الوصف كان يظهرُ على يديه إحياء الموتى. قال: ويُقال: طهَّر قلبَه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الآثار، في جميع الأحوال والأطوار. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالقهر والنُّصرة والحُجَّة، ومتَّبعُوه: الذين لم يبدِّلوا دينَه، ثم يحكمُ اللَّه تعالى بينه وبين أعدائه؛ فأمَّا الكفَّارُ ففي الجحيم، وأمَّا المؤمنون ففي النَّعيم (١). * * * (٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى القصص المتقدِّمة، ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾؛ أي: بقراءة جبريل عليك بأمرنا. وقيل: معناه: نحن نوحيهِ (٢) إليك بعضَه على إثر بعضٍ. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي: من دلالات وحدانيَّتنا وقدرتنا، ونفاذِ مشيئتنا، ودلالات رسالتك أيضًا. وقيل: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾؛ أي: من العجائب والعبر. قوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: قيل: ﴿الذِّكْرِ﴾: القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، و ﴿الْحُكْمُ﴾: المحكَم، كالشيء البديع بمعنى المبدَع، وهذا من صفات القرآن؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]؛ أي: لا يدخلها انتقاصٌ (٣).

стр. 1717

وقال الضحَّاك: أُحْكِم من الشياطين أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه (١). وقال مقاتل: أي (٢): أُحْكِمَ فلا يدخلُه باطلٌ (٣). وقيل: هو من الحكمة؛ لأنَّه بمنزلةِ: النَّاطق بالحكمةِ، ولأنَّ مُنزلَهُ حكيمٌ، وقد جَعلَ فيه الحكمةَ. وقيل: هو فعيلٌ بمعنى الفاعل، ومعناه: أنه الحاكم على الكتب كلِّها. وقال الكلبيُّ: الذكر الحكيم: هو اللَّوح المحفوظ (٤)؛ أي: كان هذا مكتوبًا في اللَّوح على حقيقة ما كان، وكذا ما في القرآن هو (٥) الصدقُ والحقُّ، دون ما قاله أهل الكتاب فإنَّه مغيَّرٌ محرَّفٌ. * * * (٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾: نزلَتْ في وفد بني نجران، سألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن عيسى، قال: "هو عبدُ اللَّه وابنُ أَمَته ورسولُه إلى خَلْقه"، فقالوا: إنه يستنكف عن (٦) ذلك، فنزلَتْ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] الآية، فقالوا: إن كان عبدًا للَّه فمَن أبوه؟ فنزلت هذه الآية:

стр. 1718

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١)؛ أي: صفته، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفتها. وقيل: المثَلُ: الشَّبَهُ، وأراد (٢) به التَّشبيهَ في كونه بغيرِ أبٍ، وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛ أي: في كونه بغير أبٍ ولا أمٍّ. قوله تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: قدَّرَه وصوَّرَه من ترابٍ (٣). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: قيل: ﴿لَهُ﴾ يرجع إلى آدمَ؛ أي: قال له: كنْ بشرًا سويًّا لحمًا ودمًا وعظامًا وكذا وذا روحٍ فكان، ومعناه: كوَّنَهُ كذلك فكان، وقد مرَّ هذا في سورة البقرة بتحقيقه. وإذا جُعِلَ الخلقُ للتَّصويرِ وقولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ للإحياء، كان ﴿ثُمَّ﴾ على الحقيقة. وإذا جُعِلَ الخلق لإيجاده بشرًا، فكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ تكون بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، و (ثم) بمعنى الواو في القرآن موجودٌ في آياتٍ؛ منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠]. وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كنايةٌ عن عيسى، و ﴿ثُمَّ﴾ على هذا للتَّراخي. يقول: قد خلقْتُ آدمَ مِن غير ذكرٍ ولا أنثى، فليسَ خَلْقُ عيسى من غير أبٍ (٤) بأعجبَ من هذا، فما هذا الإنكار؟!

стр. 1719

وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان؛ لأنَّ تقديرَه: فإذا هو كائنٌ، فصلح (١) على صيغة الاستقبال لأنه أيضًا للحال. وقيل: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا تامٌّ؛ لأنَّ الكونَ مفهومٌ، ثم قال: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فكذا (٢) يكون كلُّ ما خلقه اللَّه تعالى. وقيل: في الآية دلالةٌ على (٣) جوازِ القِياسِ. وقال الضحَّاكُ: إن أُسقفي بني (٤) نجران أتيا النبيَّ ﷺ السيدَ والعاقبَ- فقالا: يا محمد! هل لعيسى مثلٌ عندك فتَضْربَه لنا؟ قد (٥) أجَّلناك ثلاثة أيامٍ. فلما كان اليومُ الثالث وصلى العصر جاءاه وقالا: هذه الأيام قد مضت فأين المثَل؟ فسكت النبيُّ ﷺ ، ففشت المقالة في مجلس أهل مكة أن أُسقفي نجران قد غَلَبَا محمَّدًا، فنزلَتِ الآيةُ (٦). قال الشيخ أبو القاسم بن حبيب (٧): إنَّ اللَّه شبَّه عيسى صلوات اللَّه

стр. 1720

عليه بآدمَ صلوات اللَّه عليه، فنظرنا فإذا عيسى يشبهُ آدمَ في خمسَ عشرةَ خصلةً: أحدها: في التَّكوين. والأخرى (١): في العناصر؛ لأنَّ آدمَ خُلِقَ من ترابٍ، وهو أحد العناصر، وخُلِقَ عيسى من الرِّيحِ وهي العنصر الثَّاني. واستوَيا في استغنائِهما عن أبٍ يكونانِ منه (٢). وتساوَلا في العبوديَّة؛ إذ (٣) كلُّ واحدٍ منهما عبدُ اللَّه، وكانَ (٤) آدمُ نبيًّا وعيسى نبيًّا. وتساوَيا في المحنَةِ، فكانت محنةُ آدمَ صلوات اللَّه عليه من إبليس، ومحنةُ عيسى ﵇ من اليهود، وكانَ آدمُ يأكلُ ويشربُ، وكذلك عيسى؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال القتيبي: أخبر عن الحدثِ بألطفِ ما يكون من الكنايةِ (٥). وتساويا في الفقر إلى اللَّه تعالى. وتساويا في الصُّورة. وتساويا في التَّركيب والتَّأليف. وتساويا في الأجزاء والأبعاض.

стр. 1721

وتساويا في الرَّفع إلى السماء ثم الإنزال؛ لأن آدم صلوات اللَّه عليه رُفِعَ إلى الجنة ثم أُنْزِلَ إلى الأرض، ورُفِعَ عيسى إلى السماء الرابعة ثم ينزل إلى الأرض فيكسر الصَّليب ويقتل الخنزير، ونزوله من أشراط الساعة (١). وتساويا في الخِلْقة؛ لأنَّهما لم يُخْلَقا أطوارًا كغيرهما. واستويا في الإلهام؛ حين قال آدمُ لَمَّا عطس: "الحمد للَّه" (٢)، وقال عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]. وتساويا في التعليم؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وقال لعيسى: ﴿وَنُعَلِّمُهُ (٣) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. وتساوَيا في نفخ الرُّوح فيهما؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وقال في عيسى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. وتساويا في الموت؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]. وكلُّ ذلك يردُّ على النَّصارى حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. * * * (٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: ذلك الثَّناء هو الحقُّ من ربِّك، والمبتدأُ محذوفٌ. وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ، وتقديرُه: الحقُّ إنما يأتيك من ربِّك.

стр. 1722

وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرُه؛ أي: هو من ربِّك. وقيل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: إيجاد الخلق من ربِّك، فهو الخالقُ لا عيسى، والخطاب على هذا التَّأويل لِمَنْ شكَّ في أمر عيسى ﵇ من النَّصارى. وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وقيل: الخطابُ لمحمَّدٍ ﷺ ، والمرَاد غيرُه. قال الإمام أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: مِن فعلِ الملوكِ خطابُ مَن هو أعقلُ الرَّعيَّةِ وأعظمُهم قَدْرًا عندهم؛ استكبارًا منهم عن مخاطبة الوضيع. قال: ولأنَّ العصمةَ لا تزيل المحنة (١) ولا ترفع النَّهي (٢). وقيل: معناه: فدُمْ على يقينِكَ، ولا تشكَّ في هذا. * * * (٦١) - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾: أي: خاصمَكَ في عيسى. وهو قول قتادة (٣). وقيل: في اللَّه. ويرجعان إلى معنًى واحدٍ، فإنهم كانوا يقولون: عيسى ابنُ اللَّه، فكان حجاجُهم فيهما. وقيل: أي: في الحقِّ، وقد ذُكِرَ قبلَه.

стр. 1723

قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي: البيانِ في القرآن من اللَّه تعالى، حتى علمْتَ ذلك. قولُه تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: أي: هلمُّوا، وللواحد: تعالَ، ومعناه في الأصل: تَصَاعَدْ، كأنَّ الدَّاعيَ كان (١) في علوٍ والمدعوَّ في سفلٍ، فأمرَهُ أن يتعالى إليه، ثم صار ذلك لكلِّ مدعوٍّ أينَ كانَ. قوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾: أي: نحضِرْ، وجزمه بكونه جوابَ الأمر. قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾: ظاهرٌ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾: أي: ونَحضُرْ بأنفسنا. وقيل: بني أعمامنا ونحوَهم من الإخوة والقرابة القريبة. وقيل: وأهلَ ديننا وأهلَ دينكم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]. وقد روي أنَّ النبيَّ ﷺ خرج بنفسه وبالحسن والحسين وفاطمةَ وعليٍّ ﵃ (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: قال الكلبيُّ: أي: نجتهدْ في الدُّعاء (٣).

стр. 1724

وقال مقاتل: أي: نُخْلصْ في الدُّعاء (١). وقال القتيبي: نتداعى باللَّعن (٢). وقيل: نلتَعِن. والابتهالُ والمباهلةُ في اللُّغة: هي (٣) اجتماعُ المتخاصِمَيْنِ في مكانٍ يتَّفقان عليه، والدُّعاءُ باللَّعنة على الكاذبِ من الفريقَيْن. والبُهْلَةُ بفتح الباء وضمها: اللَّعنة، يُقال: عليه بُهْلَةُ اللَّهِ؛ أي: لعنةُ اللَّهِ، وأصله: الإهمال والتخليَة، يقال: ناقةٌ باهلٌ؛ أي: لا صِرارَ على ضرعها يحلبُها مَن يشاء، وقد أَبهَلَها صاحبُها، ورجلٌ باهلٌ: لا عصا معه يدفع بها عن نفسه مَن قصدَه مِن بشَرٍ أو سبُعٍ (٤). وقيل: الابتهالُ هو الدُّعاء مع رفع اليد، والمباهِلُ إذا قالَ: عليَّ بُهْلَةُ اللَّهِ؛ فكأنَّه يقولُ: وكَلَني اللَّهُ إلى نفسِي، وخلَّاني من حفظِه، ومَنْ وكلَهُ اللَّهُ إلى نفسِهِ وخلَّاه من (٥) حفظِهِ ساعةً فقد هلَكَ بغير (٦) شَكٍّ. قوله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾: هو تفسيرُ الابتهالِ؛ أي: فنقُلْ: لعنةُ اللَّهِ على (٧) الكاذب منَّا. والجَعْلُ بمعنى القول هاهنا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].

стр. 1725

وقيل: تحقيقُه: أنَّا إذا قلْنا ذلك ونحن مجتهدودن مخلصون في الدُّعاء، استجابَ اللَّهُ تعالى لنا، ولعنَ الكاذبَ منَّا، فنكون قد جعلنا عليه اللَّعنة. يقول: إنَّ الحجَّة في أمر عيسى قد بلغَتْ مُنتهاها، وظهرَ الحقُّ في أمرِ عيسى، فإنْ جادلوكَ بعد ظهور بطلان قولهم، وليس وقتَ القتال، فاقطع الحِجاجَ عنهم، فباهلْهم (١) وعاملْهم معاملةَ المعاندين، وهو الدُّعاء إلى الملاعنةِ الَّتي يتميَّز بها المُحِقُّ من المُبْطِل (٢) بالاستئصال العاجل المعهود للكاذِب من المتلاعِنين فيما بينهم، وكانوا يقولون: اللَّهم أنزلْ لعنتَكَ على الكاذِبِ منَّا. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ وفدَ نجرانَ قدموا المدينةَ، وهم أربعةَ عشرَ رجلًا من أشرافهم، منهم السَّيِّد وهو كبيرُهم، واسمه أُهَيب (٣)، والعاقبُ الذي بعدَه، وهو صاحبُ رأيهم، واسمُه عبدُ المسيح، والثالث أبو حارثة بن علقمة الأسقف، وكان في شرفٍ وخطرٍ عظيمٍ، وكان ملكُ الرُّوم بنى له الكنائس، وكانَ يبعث إليه بالكرامات. فأقبلُوا حتى قدموا على رسول اللَّه ﷺ في مسجد المدينة بعد العصر، وما رُؤِيَ وفدٌ أجمل منهم، عليهم ثيابٌ حسان، ولهم وجوهٌ وأجسام، فلما دخلوا المسجد قاموا وصلَّوا إلى (٤) قبلتهم، فأرادَ أصحابُ النبيِّ ﷺ أن يمنعوهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "دعوهم"، وقد (٥) كان نزلَ على النبيِّ ﷺ قبلَ قدومهم صدرٌ من سورة آل عمران لمحاجَّتهم.

стр. 1726

ثم انتهى أبو حارثة هذا وآخرُ معه إلى النبيِّ ﷺ ، فقال لهما رسولُ اللَّه ﷺ : "أسلِما"، فقالا: قد أسلَمْنا قبلَك، فقال النبيُّ ﷺ : "كذبْتُما، يمنعُكُما عن الإسلام ثلاثٌ: عبادَتُكما الصَّليب، وأكلُكُما الخنزير، وزعمُكما (١) أنَّ للَّهِ تعالى ولدًا". قالوا: يا محمَّدُ، فَلِمَ تعيْبُ صاحبَنا؟ قالَ: "ومَنْ صاحبُكم؟ "، قالوا: عيسى، قال: "وأيُّ شيءٍ أقولُهُ (٢)؟ "، قالا: تقولُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُه! قالَ: "ليسَ بِهِ عارٌ أنْ يكون عبدًا للَّهِ"، قالوا: بلى. فأنزل اللَّه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]، ونزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآيةَ. ولَمَّا أنكروا ذلك دعاهُمُ النبيُّ ﷺ إلى الملاعنَةِ، وكانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ خرجَ بنفرٍ مِن أهلِه، وجاءَ عبدُ المسيح بابنِه وبابنِ أخٍ له، فقالَ السيِّدُ للعاقبِ: قد واللَّهِ علمْتُم إنَّ الرَّجلَ لنبيٌّ مرسَلٌ، ولو لاعنْتُموه لاستأصَلَكم، وما لاعنَ قومٌ قطُّ نبيًّا فبقيَ كبيرُهم ولا نبَتَ صغيرُهم، وإنْ أنتم لم تتَّبعوه وأبيتم إلَّا إلْفَ دينِكم فوادِعُوه وارجعوا إلى بلادِكم. فأتَوا النبيَّ ﷺ فقالوا: صالِحْنا يا محمَّد. فصالَحَهم النبيُّ ﷺ على ألفَي حلةٍ: ألفٌ في صَفَر وألفٌ في رَجَب، والإعانة في الحروب بثلاثين دِرعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا بطريق العاريَّة، وكتب لهم كتابًا بذلك. وفي روايةٍ: قال النبيُّ (٣): "إنْ لم تَقبَلُوا فإنَّ اللَّهَ أمرني أنْ أباهِلَكُم"، فقالوا: بل نرجعُ فننظرُ في أمرِنا ثم نأتيك، وخلا بعضُهم إلى بعضٍ، وقالوا: إنه نبيٌّ، وملاعنَتُه استئصالٌ (٤).

стр. 1727

وقال ابن عباسٍ ﵄: لو خرجوا لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا (١). وفي روايةٍ: لَمَّا لم يباهلوا قالَ: "هل لكم في الإسلام؟ "، فأبوا، قال: "فهل (٢) لكم في الجزية وأن تؤدُّوها عن يدٍ وأنتم صاغرون؟ "، فقبلوا، وقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب (٣). وروي أنَّه لَمَّا امتنع الكبار عن المباهلة خرج عليهم الأتباع وقالوا: إنَّ هذا الرَّجلَ رضيَ منكم بكلامٍ، فإنْ كنْتُم على الحقِّ فباهلوه، وإنْ كنْتُم على الباطل فأَسلموا نُسلِمْ

стр. 1728

معكم. فقالوا: إنَّ هذا زمان خروجِ نبيِّ (١) آخرِ الزَّمان، ونرى فيه بعضَ الأَمَارات دونَ بعضٍ، فنتوقَّفُ ليظهرَ لنا صدقُه من كذبِه، واتَّفقوا (٢) على قَبول الجزيةِ. وقال ﵊: "لو خَرَجوا وباهَلوا لَغَصُّوا بريقِهِم حتَّى مَاتُوا" (٣). وفي روايةٍ قال: "لاضطرم الوادي عليهم نارًا" (٤). وفي روايةٍ قال: "لو ابتهلوا لم يبقَ في الدُّنيا نصرانيٌّ ولا نصرانيَّةٌ إلى يوم القيامة" (٥). وفي روايةٍ: "لو تموا لِمَا خرجوا له ما بقي من أهل نجران عينٌ تطرف" (٦). وفي روايةٍ قال: "كان العذاب تدلَّى عليهم، ولو فعلوا لاستؤصلوا من جديل -أي: وجه (٧) - الأرضِ" (٨).

стр. 1729

(٦٢) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: أي: وما اقتَصَصْنا عليك من أمر عيسى فأَتْبَعنا بعضَه بعضًا هو الصِّدقُ الذي لا كذبَ فيه، والحقُّ الذي لا باطلَ فيه. وقد قصَّ أثرَه يقصُّه قصًّا؛ أي: اتَّبَعَهُ، والقِصاصُ: إتْباعُ الفعلِ الفعلَ، والقَصصُ: إتْباعُ الخبرِ الخبرَ. قولُه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿مِنْ﴾ لتأكيدِ النَّفي، والمبالغةِ فيه. قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: المنتقِمُ من أعدائه، الحكيمُ في تعليم الحُجَجِ لأوليائه. * * * (٦٣) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فإنْ أعرضوا عن المباهلة، وقيل: عن الإيمانِ بك وتصديقِهم في هذا، فهم مفسدون النَّاسَ، ومفسدون في الأرضِ، واللَّهُ ﷻ عالمٌ (١) بعقوبتهم. * * * (٦٤) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.

стр. 1730

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية: قالَ الحسنُ والسُّدِّيُّ: نزلَتْ في نصارى بني نجران (١). وقال قتادةُ والرَّبيعُ بن أنسٍ وابنُ جريجٍ: نزلَت في يهودِ المدينةِ (٢). وقال الكلبيُّ: نزلت الآيةُ في اليهود؛ ناظَروا نصارى بني (٣) نجران في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، فقالت اليهودُ للنَّصارى: دينُنا خيرٌ من دينِكم، ونبيُّنا خيرٌ من نبيِّكم. وقالت النَّصارى لليهود هكذا، حتى وقعوا في ذكر إبراهيم، فقالت اليهودُ: إن إبراهيمَ كان يهوديًّا. وقالت النَّصارى: بل (٤) كان نصرانيًّا، فكانوا في ذلك إذ دخلَ النبيُّ ﷺ المسجدَ، فقالوا: يا محمَّدُ، احكم بينَنا في إبراهيمَ أنَّه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا؟ فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، بل كان مسلمًا"، فغضبت اليهودُ والنَّصارى، وقالوا: إنَّ محمَّدًا يريدُ أنْ نتَّخذَه ربًّا. فنزلَتْ هذه الآيةُ بيانًا أن محمَّدًا ﵇ ماذا يريد منهم (٥). قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: نداءٌ لليهود والنصارى. وقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا﴾: أي: هلمُّوا، وهذا وإن كانَ في الأصل موضوعًا

стр. 1731

للدُّعاء من سفلٍ إلى علوٍ، ولكن كَثُرَ استعمالُه في الدُّعاء، فصارَ أمرًا بالإقبالِ إلى حيث يُدْعى إليه، ثم صار أمرًا بالقصدِ بالقلبِ إلى ما يُدعى إليه. وقوله تعالى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: أي: عدلٍ، وقد بيَّنَّا وجوهَهُ عند قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]. وقولُه تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ محلُّه خفضٌ؛ لأنَّه ترجمةٌ عن ﴿كَلِمَةٍ﴾. وقولُه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: نحن جميعًا مقرُّون أنَّا مخلوقون، وأنَّا عبيدُ اللَّهِ، فالعدلُ أن نعبدَه وحدَه، لا كفعلِ اليهود في عبادة عُزير، ولا كفعلِ النَّصارى في عبادة المسيحِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: عطفٌ على ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: كذلك؛ أي: لا تتَّخذوني إلهًا كما اتَّخذَ (١) اليهودُ عُزيرًا، وكما اتَّخذَ النصارى المسيحَ. وقال قتادةُ: أي: لا يتَّخذَ الأتباعُ الرؤساءَ (٢) أربابًا من دونِ اللَّهِ، فيطيعونهم كطاعةِ اللَّه تعالى (٣). وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرَضوا عن هذا ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مخلِصون للَّه بالتَّوحيد والعبادة، وعلى دين إبراهيم، فإنَّه كان حنيفًا مسلمًا.

стр. 1732

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: تعالوا إلى كلمة عدلٍ بيننا وبينكم، تلك الكلمةُ لأنهم كانوا يقرُّون أنَّ خالقَهم وخالقَ السَّماوات والأرض هو اللَّه، فدعاهم إلى (١) ألَّا يجعلوا عبادتهم إلَّا لمن أقرُّوا له بذلك (٢). ثمَّ إنَّما (٣) قال: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ ثم فسَّرها بكلماتٍ؛ لأنَّ العربَ قد تسمِّي الكلامَ المشتمِلَ على القصَّة الطَّويلة: كلمةً، ويسمُّون القصيدة الطَّويلة: كلمةً. ويجوز أن يكونَ المرادُ بالكلمةِ: لا إله إلَّا اللَّه، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ تفسيرُها، ثم ما بعدَها تمامُها وتحقيقُها؛ لأنَّ مَن اعترفَ له بالوحدانيَّة لم يشركْ به شيئًا ولم يتخذْ دونَه ربًّا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يظهَرُ صدْقُ هذا بتركِ المدحِ والذَّمِّ لهم، ونفيِ الشَّكِّ (٤) والشَّكوى عنهم، وتنظيفِ السِّرِّ عن حسبانِ ذرَّةٍ مِن المحوِ والإثباتِ منهم، قال ﷺ : "أصدقُ كلمةٍ قالَتْها العربُ قولُ (٥) لبيدٍ: أَلَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلٌ" (٦).

стр. 1733

(٦٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾: أي: لمَ تخاصمون فيه، فتسمُّونَهُ يهوديًّا أو نصرانيًّا. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: مِن بعدِ موتِه. قيل: نزلَتِ التَّوراةُ بعدَ موتِ إبراهيم بألف سنةٍ، ونزل الإنجيل بعد موته بألفي سنةٍ، واليهوديَّةُ ظهرَتْ مِن أهل التَّوراة لمخالفتهم التَّوراة (١)، والنصرانيَّة ظهرَتْ مِن أهل الإنجيل لمخالفتهم (٢) الإنجيل، فكيفَ يصحُّ أن تضافَ هاتان الصِّفتان إلى إبراهيمَ، وقد حدثَتا بعدَه بزمانٍ طويلٍ؟ قولُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أي: ليس لكم عقلٌ تتفكَّرون به أنَّ هذا الكلامَ فاسدٌ. * * * (٦٦) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1734

قولُه تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: "ها" كلمة تنبيهٍ، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ خطابٌ لأهل الكتاب، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ تأكيدٌ لـ ﴿أَنْتُمْ﴾. وقيل: معنى ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الَّذين (١)؛ أي: أنتم الَّذين حاجَجْتُم. وقيل: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاءِ، على النِّداء مع حذف حرف النِّداء. أي: أنتم حاجَجْتُم (٢) محمَّدًا في أن دينكم دينُ موسى وعيسى؛ لأنَّ التَّوراةَ والإنجيلَ أُنْزِلا عليهما، وادَّعيتم أنَّ ما لِدعو إليه محمَّد يخالفُهما؛ لأنَّكم علمْتُم شرائعَ التَّوراة والإنجيل، وسمعْتُم مِن محمَّدٍ ما يخالفُه ظاهرًا، فإنْ جادلْتُم في هذا لهذا العلمِ، فَلِمَ تجادلون (٣) في إبراهيمَ في (٤) أنَّه يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، وليس في التَّوراة والإنجيل بيان ذلك؟! فهذه (٥) مجادلةٌ بغير علمٍ. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أنَّ إبراهيمَ لم يكن كذلك ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أنَّه كان كما تقولون. وقيل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما غابَ وما حضرَ، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إلَّا ما حضرَكم أو بلغَكم الخبرُ به، ولم يحضرْكم إبراهيمُ ولا عندكم خبرُه على الصحَّة.

стр. 1735

وقال الكلبيُّ: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما هو (١) في كتابكم، و ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما ليس في كتابكم (٢). وقال قتادةُ: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما أدركْتُم وعاينْتُم، و ﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: فيما لم تدركوا ولم تعاينوا (٣). وقيل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كذبَكم ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون بما علمْتُم؛ أي: مِن العلمِ ألَّا يُقال شيءٌ على تعيُّن البطلان، ولا على وهم البطلان، وأنتم تقولون ذلك على هذا الوجه. * * * (٦٧) - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾: هذا تصريحٌ بردِّ (٤) كلامِ الفريقَيْن. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾: فسَّرنا الحنيف في قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، وكشفنا عن أصلِه وحقيقتِه. يقول: كان إبراهيمُ ﵊ مسلمًا مستقيمًا، مائلًا عن كل خطأ، حاجًّا، مختتنًا، وأنتم يا أهل الكتاب لستُمْ كذلك، فلستُمْ مِن متابعيه.

стр. 1736

قول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: وأنتم تشركون باللَّه، حيث تقولون: عُزيزٌ ابنُ اللَّه، والمسيحُ ابنُ اللَّه. * * * (٦٨) - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: أي: إنَّ أحقَّ النَّاسِ بدعواه أنَّه على دين إبراهيم. قوله تعالى: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: اللَّام جواب ﴿إِنَّ﴾، وهو للتأكيد؛ أي: الذين تابعوه مِن وقتِه إلى هذا الزَّمان. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾: أي: محمَّد المصطفى ﷺ ؛ لأنَّه اتَّبعَه. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: أمَّته (١)؛ فإنَّهم اتَّبعوه. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: محبُّهم، رفعَ درجةَ متَّبعيه، فجعلَ لهم الولاية كما جعل له الخُلَّة، وكلتاهما اسمٌ للمحبَّة. وقيل: ناصرُهم. وقيل: متولِّيهم ومصلحُ أمورهم. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يدفعُ عنهم تعنُّتَ أعدائهم في إبراهيم، ويظهِرُ الحقَّ في قولِهم (٢).

стр. 1737

(٦٩) - ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: أي: أحبَّتْ وتمنَّتْ، و ﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: لو تمَّ ذلك لكانوا في الحقيقة مضلِّين أنفسَهم؛ لأنَّ ضررَ ذلك عائدٌ عليهم بما يكتسبونه من الإثم بإضلالِكم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. قوله تعالى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يعلمونَ أنَّ اللَّه يخبرُ نبيَّه عن ذلك. قيل: وما يعلمون أنَّ ضررَ قصدِهم يعودُ عليهم. ونزولُ هذه الآيةِ، ونزولُ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]، ونزولُ قولِه تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، نزولُ هذه الآيات الثَّلاث في فنحاص بن عازورا وزيدِ بنِ قيسٍ وجماعةٍ منهم حين دعوا عمَّارًا وحذيفةَ إلى دينِهم، وقد مرَّتْ قصَّته في سورة البقرة في تلك الآية. وإنَّما قال: ﴿طَائِفَةٌ﴾ لأنَّ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]. وقيل في قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾ أي: لا يَتمُّ لهم ذلك، لكن تلك الشُّبهات التي يريدون استزلالكم (١) بها هي المتمكِّنة في قلوبهم، فيضلُّون بها أنفسَهم.

стр. 1738

وقيل: الإضلال هو الإهلاك، ومعنى الآية: يريدونَ إهلاكَكم، وما يهلكون إلَّا أنفَسهم بهذا الفعلِ الباطلِ. والفرقُ بينَ (ودُّوا لو يضلونكم) و (أرادوا أن يضلوكم): أنَّ الإرادةَ تقتضي تحقيقَ المراد، أو تجري مجرى الاستدعاء إلى الفعلِ، وأمَّا التَّمني بـ (لو) فتقديرُ شيءٍ في النَّفس لا على التَّحقيق. * * * (٧٠) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: قال الضحَّاك: أي: بملَّة إبراهيم، وملَّة الإسلام، وبمحمَّد ﵊. وقال مقاتل: بالقرآن (١). وقيل: بالتَّوراةِ؛ ففيها ذكرُ النبيِّ ﷺ ، وفي جحودِ نبوَّة محمَّد كفرٌ بالتَّوراة. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أي: أنَّ التَّوراةَ حقٌّ وأنَّها من اللَّهِ تعالى وفيها ذِكْرُه. وقال الكلبيُّ: أي: وأنتم شهداءُ اللَّهِ على نبوَّة رسولِه بما ذكرَ في كتابِكم وتكتمون الشَّهادة (٢). وقال الضحَّاكُ ومقاتلٌ: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ به إذا خلوتُمْ فيما بينكم.

стр. 1739

وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: الآياتُ: تحتملُ القرآنَ، وتحتملُ الرَّسول (١)، وتحتملُ المعجزات التي جاء بها، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ أي: تعاينون ذلك (٢). * * * (٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: قال الكلبي: أي: تقرُّون ببعض صفة النبيِّ ﷺ وتكتمون بعضًا. واللَّبسُ: الخلطُ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أن ما يدعوكم إليه محمّدٌ حقٌّ، وأنَّه نبيٌّ مرسَلٌ. وقيل: أي: لِمَ تخلطون التَّوراة بما تكتبونه بأيديكم، وتكتمون الحقَّ فيما تحرِّفونَه، وأنتم تعلمون أنَّ ذلك ليس من التَّوراة؟ وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعقلون الأمور، وتميِّزون بين الحقِّ والباطل، ولستم كمَن لا يعلم الحجَّة فيُعذَرَ به. وقيل: أي: لِمَ تخلطون الإسلام باليهوديَّة أو النَّصرانيَّة، فتقولون: إنها حقٌّ كالإسلام، وأنتم تعلمون أنَّ الدِّين عند اللَّه الإسلام؟ وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بدلالة الخلقة وبشهادةِ كتبكِم أنَّ دينَ اللَّه حقٌّ (٣).

стр. 1740

وقيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما جزاءُ مَن لبَّسَ الحقَّ بالباطل. * * * (٧٢) - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾: أي: جماعة، وهي مِن الطَّواف، ولها معنيان: أحدهما: أنها رفقةٌ تطوف في البلاد في السَّفر. والثَّاني: أنها جماعةٌ تستوي حلقة يُطافُ حولَها (١). قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اتَّفقَ المفسِّرون أنَّهم اليهودُ هاهنا. قال السُّدِّيُّ: تواطأَ اثنا عشر حبرًا من اليهود على أن يُؤمنوا بمحمَّدٍ ﷺ ثم يكفروا به، فإذا سُئلوا قالوا: لم يكن بذاك. فحذَّرَ اللَّهُ ﷻ المؤمنين مكرَهم. قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: عن دينِهم، ومعناه: آمِنوا بالقرآن الَّذي أُنزل على محمَّدٍ، وهو كالمُنزَل على المؤمنين أيضًا؛ لأنَّ نفعَه لهم جميعًا. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أوَّله؛ لأنَّه أوَّلُ ما يواجَه منه، كوجه الثَّوب، ولأنَّ وجهَ (٢) الشيء: أعلاه وأشرفه. ونصبُهُ على الظَّرف. ومعناه عند الأكثر: صدِّقوهم في أوَّل النَّهار، وكذِّبوهم في آخرِه؛ فإن ذلك يحملُهم على الرُّجوع عن دينِهم.

стр. 1741

وقال الكلبيُّ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ وهو يصلِّي نحو بيتِ المقدس، فأَعجبَ اليهودَ ذلك وطمعِوا فيه، فلمَّا صُرِفَ إلى الكعبة -وذلك عند الظُّهر- قال كعب بن الأشرف ومالك بن الصَّيف وكعب بن أسيد: آمِنوا بالذي أنزل على محمَّدٍ وجه النَّهار واكفروا آخِرَه؛ أي: انظروا إلى القبلة التي صلَّى إليها (١) آخر النَّهار واكفروا (٢) بها؛ لعلهم يرجعون إلى القبلة، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منا. فيرجعون إلى قبلتكم (٣). وقال مقاتل: معناه: أظهِروا الإيمان في صدر النَّهار لِمَا سلفَ منكم من الإقرار لمحمَّدٍ، ثم ارجعوا في الآخر؛ لتُوْهِموهم أنه وقع الغلط عليكم في صفته. وفيه تشكيكُ ضعَفة المسلمين؛ فإنهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، ولو أرادوا الكفر حسدًا مع تيقُّنهم بصدقه لم يؤمنوا، وحيث آمنوا دلَّ أنهم يلتمسون (٤) الحقَّ، ثم رجعوا لعلمهم أنه ليس هو كذلك (٥). وقالوا: على هذا يكون المراد من ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ و ﴿آخِرَهُ﴾: وقتَيْن مختلفَيْن، ولا يختصُّ ذلك بأوَّلِ النَّهار وآخرِه. وقيل: معناه: نافِقوا أصحابَ محمَّدٍ، فآمِنوا وجه النَّهار إذا لقيتُموهم، واكفروا

стр. 1742

آخرَه إذا خلوتُم بأهل دينكم؛ فإنَّ أمرَهم في اضطرابٍ، ونحن نطمع أن يضعُفَ أمرُهم فيرجعوا إلى دينكم. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]. وفيه معجزةُ النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أطلَعه على سرائرِهم ولم يجحدوا ذلك، فدلَّ على أنَّه باللَّه علِمَ ذلك. * * * (٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ (١): آمنَ له؛ أي: صدَّقه؛ قال تعالى خبرًا عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمل أن يكون ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾؛ أي: في السرِّ، ويتبيَّنُ به أن قولهم: (آمِنوا وجهَ النهار) كان للظاهر (٢)، ثم نَهَوا عنه في الباطن؛ أي: أظهِروا لهم الإسلام والموافَقة، ولا تؤمنوا به في الحقيقة. قال: ويحتمِل ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ في أمر القِبلة خاصَّةً؛ أي: صدِّقوهم في كون القبلة بيتَ المقدس، ولا تصدِّقوهم في أن القبلة هي الكعبة.

стр. 1743

وأرادوا به المحاجَّة [بالموافقة] في أحد الوقتَيْن عليهم، أن يقولوا: لا نزال ننتقل مِن دينٍ إلى دينٍ، فلا نأمَنُ البقاء على دينٍ، وإنَّ مَن لزم الدِّين الأوَّل أحقُّ بالموافقة، وأنكروا جواز نسخِ الشَّرائع (١). وفي نَظْم الآية غموضٌ، ولأهل التَّفسير فيه وجوهٌ: قال مقاتلٌ: في الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا للسَّفِلة: لا تصدِّقوا بالنبوَّة إلَّا لمن تبعَ دينكم اليهوديَّةَ، وصلى إلى قبلتكم بيتِ المقدس؛ فإنَّه لن يُؤتَى أحدٌ من النَّاس مثلَ ما أوتيتم من التَّوراة والمنِّ والسَّلوى، واثبتوا على دينكم، ولا تخبروا أحدًا بأمر محمَّدٍ ﵇ فيحاجُّوكم به عند ربِّكم، ﴿قُلْ﴾ يا محمَّدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: دينُ اللَّه (٢) الإسلامُ، وقبلةُ اللَّه الكعبةُ، و ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ جوادٌ أعطى محمَّدًا النُّبوَّةَ والرِّسالةَ، وأكرمَ أمَّته بنبيِّه ﷺ ﴿عَلِيمٌ﴾ بخَلْقه (٣). وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّه. وقيل: تقديرُه: ولا تؤمنوا أن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم (٤) وأنْ يحاجُّوكم عندَ ربِّكم في القيامةِ؛ أي: لا يُعطى أحدٌ مثلَ (٥) ما أُعطيتم، ولا حجَّة عليكم لأحد، فلا تصدِّقوا أن أصحاب محمد أهدى منكم فيحاجُّوكم بدينهم (٦) في الآخرة عندَ ربكم.

стр. 1744

(٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال الضَّحَّاكُ: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هي مَقالةُ اليهود، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: الدِّينُ الحقُّ دينُ اللَّه، ولن يُعطى أحدٌ من الهدى والبيان مثل ما أُعطيتم يا أمَّة محمَّدٍ، ولم يعطَ اليهودُ والنَّصارى مِن الهدى فيخاصموكم به عند ربِّكم، بل لكم الحجَّةُ البالغة على مَن خالفَكم، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ﴾؛ أي: النُّبوَّةَ (١) والإسلامَ ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، يعطيه مَن يشاء، وليس أحدٌ ينالُه إلَّا باللَّهِ ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقيل: معناهُ: إنَّ البيانَ بيانُ اللَّهِ، والهدى بمعنى البيان، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]؛ أي: بيَّنَ اللَّهُ ألَّا يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمَّةَ محمَّدٍ، وألَّا يحاجُّوكم يومَ القيامة؛ لأنَّ الحقَّ ظاهرٌ يومَئذٍ، وقد زالَ التمويه (٣) فلا يجادلونكم يومَئذٍ بالباطل، و (لا) مُضمرَةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ صلةُ قولِ النَّبيِّ ﵇ (٤): ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ولن يُؤتى أحدٌ مِن الآيات مثلَ ما أوتيْتُ

стр. 1745

أنا؛ لأنَّ آياتِهم كانت حسَّيةً يفقهُها كلُّ أحدٍ، وآياتي (١) عقليَّةٌ لا يفهمها (٢) إلَّا الخواصُّ مِن النَّاس (٣). أو هو خطابٌ للمؤمنين: مثل ما أوتيْتُم مِن الحججِ والبيِّنات الَّتي توضِّح أنَّ الحقَّ في أيديكم. وقيل: هما كلامان من اليهود، ولهما جوابان: أحدهما: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. والثَّاني: مع إضمار (ولا تؤمنوا) ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، وجوابه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. وقيل: لا إضمار ثانيًا، وتمَّ كلام اليهود بالأوَّل، والثَّاني (٤) جوابٌ، وإعادة ﴿قُلْ﴾ لطول الكلام، أو التَكريرُ للتَّأكيد والتَّقرير. وقيل: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾: ﴿أَوْ﴾ للغايةِ، كما يُقال: (كُلْ أو تشبعَ) بالنَّصب، و: (لا تفارقْهُ أو (٥) يعطيَكَ حقَّكَ)، وتقديرُ الكلامِ: لا تصدقوا أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أوتيْتُم

стр. 1746

إلَّا أنْ (١) يحاجُّوكم عند ربِّكم فيُثبتوا ذلك عليكم بالحجَّة. وهذا على التَّبعيدِ وقطعِ الطَّمعِ، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وهذا لا يكون. وهذا قول الفرَّاء. * * * (٧٤) - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: قال الحسن ومجاهد والرَّبيع: أي: بالنبوَّة (٢)، كما قال : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].

стр. 1747

وقيل: أي: بالإسلام (١). وقال ابن جريج: أي: بالقرآن (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: ذو الإفضال والإنعام. وفي الآية تدميرٌ على القائلين بوجوب الأصلح. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يحتمِل أن يكون هذا ابتداءَ أمرٍ من اللَّه تعالى للمسلمين (٣)، ومعناه: لا تعاشروا الأضداد، ولا تُفشوا أسراركم للأجانب. وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: بنعمتِه؛ فقومٌ اختصَّهم بنعمةِ الأرزاق، وقومٌ اختصَّهم بنعمة الأخلاق، وقومٌ اختصَّهم بنعمة العبادة، وقومٌ اختصَّهم بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظَّواهر، وآخرين بتحقيق (٤) السَّرائر، وآخرين بعطاء (٥) الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]. ودلَّتِ (٦) الآيةُ أنَّ الوسائلَ ليس بها شيءٌ، وإنَّما الأمرُ بمشيئةِ اللَّهِ تعالى (٧).

стр. 1748

قال: وقيل: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] بالفَهم عنه فيما يكاشفُ به من الأسرار، ويلقيه فيه مِن فنون الأنوار (١). * * * (٧٥) - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾: وصفَ سبحانَه بعضَ أهلِ الكتاب بحُسن الاعتقاد في (٢) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٧٣]، وبعضَهم بحسن المعاملة كما في هذه الآية (٣)، وهو أداءُ الأمانةِ. والقنطارُ مرَّت الأقاويل فيه في قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]. و ﴿تَأْمَنْهُ﴾ بمعنى: تأتمِنْه، يُقال: أَمِنه وائتمَنه؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وهذا الخطابُ (٤) لكلِّ سامعٍ. وقال الكلبيُّ: معناه: مَن إنْ تبايِعْه بالنَّسيئة بثمن قنطارٍ من الذَّهب والفضَّة يؤدِّه إليك ولا يمطلُك، وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ عبدُ اللَّه بن سلام وأصحابه.

стр. 1749

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: ملحًّا متقاضيًا (١). قال الكلبيُّ: ومنهم مَن إن تبايعه بالنَّسيئة بدينارٍ لا (٢) يؤدِّه إليك إلَّا ما دمْتَ على رأسه (٣) قائمًا؛ أي (٤): مُلحًّا مُتقاضيًا، وهو قول مقاتل أيضًا (٥). وقال أبو سهلٍ: أي: إلَّا أن يكون البيع يدًا بيدٍ. وقال الضحَّاكُ: هذا في أداء الأمانة؛ أي: الوديعة ونحوها. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: القنطار والدِّينار للتَّمثيل؛ أي: منهم مَن يؤدِّي الكثير، ومنهم مَن لا يؤدِّي القليل، وهو كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزله: ٧ - ٨]. (٦). قالوا: وظاهرُه وإن كان يتناولُ أهلَ الكتابِ، لكنَّ عامَّة أهلِ التَّفسير (٧) على أنَّ الوصف بالأمانة لمن أسلمَ منهم؛ لأنَّ المرادَ مِن الآية -واللَّهُ أعلم-: أنَّ اليهود ادَّعوا أنهم المخصوصون بالفضل دون غيرهم، فردَّ اللَّهُ ﷻ عليهم قولهم؛ لأنَّ أداءَ الأمانةِ واجبٌ في الأديان كلِّها، والخيانةُ حرامٌ، ولو ائتُمِنَ أحدُهم على أمانةٍ قليلةٍ

стр. 1750

لم يؤدِّها إلَّا بعد طول (١) التَّقاضي والإشفاقِ من سوء القالة، فلا يجوز لكم أن تدَّعوا الفضلَ لأنفسِكم وهذا وصفُكم، وإذا كان هذا لذمِّهم (٢) كيف يجوز مدحُ الواحد منهم بأداء الأمانة الجليلة؟ والدَّليلُ على أن التَّفضيل على هذا الوجه قولُه تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فلم يميِّزْ مِن المذمومين إلَّا المؤمنين، وقد ذكرنا عن الكلبي كذلك. وقال مقاتلٌ: الأوَّلون عبد اللَّه بن سلامٍ وأصحابه، والآخرون الكفَّار من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه (٣). وقال القتبي: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أي: مواظبًا على التَّقاضي، ووصفُه بالقائم عليه (٤) استعارةٌ؛ لأنَّ الطَّالب (٥) للشَّيء يقوم فيه، والتَّاركَ له يقَعد عنه، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ونحو ذلك (٦).

стр. 1751

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: ذلك الاستحلالُ ومنعُ الأمانةِ وتركُ قضاءِ الدَّين بسبب أنهم يعتقدون ويقولون: ليس علينا في أخذِ أموال العرب مأثمٌ، ويقولون: في كتابنا كذلك. ونفي السَّبيل: نفيُ المطالبة؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وتحقيقُه: أن المُطالِب لا يتمكَّن من المطالبة إلَّا إذا وجدَ السَّبيل إلى المطلوب. وقال مقاتلٌ: إنَّ المسلمين بايعوا اليهود في الجاهليَّة، فلمَّا تقاضاهم المسلمون في الإسلام قالوا: لا حرجَ علينا في حبسِ أموالهم؛ لأنَّهم ليسوا على دينِنا، وزعموا أنَّ ذلك حِلٌّ لهم في التَّوراة (١). وقيل: كانوا يقولون: نحن أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، وسائر النَّاس عبيدٌ لنا، لا جُناح علينا في أموالهم وأخذِها. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: أرادوا بـ (الأميين): العرب؛ حيث كانوا لا كتاب لهم. قال: وقيل: أرادوا بـ (الأميين) جميع المسلمين؛ قال النبيُّ ﷺ (٢): "نحنُ أمَّةٌ أُميَّةٌ، لا نحسُبُ ولا نكتُبُ" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ردَّ اللَّه تعالى عليهم قولَهم أنَّ هذا في التَّوراة، قالَ: يكذبون على اللَّه في هذا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنهم يكذبون على اللَّه.

стр. 1752

وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ في التَّوراة بأداءِ الأمانة في حقِّ الكلِّ. وقال الضحَّاكُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الذي يدعو إليه محمَّدٌ حقٌّ. * * * (٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى: وفَّى؛ إلَّا أنَّ لغة أهل الحجاز: أوفى، ولغة أهل نجد: وفَّى. و ﴿بَلَى﴾ ردٌّ لِمَا قبلَه؛ أي: ليس كما قالت اليهودُ. وقوله تعالى: ﴿بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بعهد اللَّه، فقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. وقيل: أي: مَن أوفى بعهدِ نفسِه؛ أي: ليس كما قالوا: ليس علينا في الأمِّيين سبيل، بلى مَن أوفى بعهده، فأدَّى الأمانةَ واتَّقى اللَّهَ فلم يخفِها، فإن اللَّه يحبُّه؛ لأنَّه يحبُّ المتَّقين. وقيل: معناه: كيفَ يصحُّ قولُهم: ليس علينا في الأميِّين سبيل، وفيهم مَن أوفى بعهدِه واتَّقى، واللَّه يحبُّ المتقين. وقيل: بلى مَن أوفى بعهده وَاتَّقى، وأدَّى الأمانةَ -وهم المذكورون في أوَّل الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ - فإنَّ اللَّه يحبُّه. فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يقلْ: فإنَّ اللَّهَ يحبُّه، وهو أقربُ إلى الإيجاز؟

стр. 1753

قلْنا: أعاد ذكرَ المتَّقين إبانةً (١) أنَّهم بما (٢) ينالون هذه المحبَّة، وليكون وعدًا لكلِّ متَّقٍ بأيِّ شيء اتَّقى، لا للمذكورين في الآية على الخصوص. وقال عطاءٌ: بلى مَن أوفى بما عاهد عليه اللَّه (٣) في التَّوراة، واتَّقى اللَّهَ فيما أحلَّ وحرَّم، وعمل بفرائضه، واتَّقى سخطَه، فإنَّ اللَّهَ يحبُّ مَن كانت هذه صفتُه، مع الإيمان بمحمَّدٍ ﵊، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وذلك أنَّهم عاهدوا اللَّه تعالى: لئنْ بعثَ محمَّدًا ليؤمنُنَّ به وليصدِّقُنَّه، وعاهدهم اللَّه تعالى لئن فعلوا ذلك ليدخلنَّهم الجنَّة. * * * (٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ذكرَ وعيدَ ناقض العهدِ بعدَما ذكرَ وعدَ الموفي بالعهد. والاشتراء به (٤) ثمنًا قليلًا: هو الاعتياض به ذلك، وقد ذكرنا تحقيقَه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]. ونزلت الآية في اليهود؛ فإنَّ جماعةً مِن أحبارِهم أتوا كعبَ بنَ الأشرف في قحطٍ يطلبون منه طعامًا، فقال: ما تقولون في هذا الرَّجل الذي يقول: أنا رسول اللَّه؟

стр. 1754

فقالوا: هو عبد اللَّه ورسوله إلى خلقِه. فقال كعب: لو قلتم غير هذا كان لكم عندي طعامٌ وعطاءٌ، فقالوا: نرجع ونتأمَّل، فرجعوا وعادوا وقد بدَّلوا نعتَه بنعت الدَّجال، وقالوا (١): وجدنا في التَّوراة كذلك. فحلَّفهم لا (٢) يرجعون عن هذا، فحلفوا، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم ثماني أذرعٍ من كرباسٍ، وصاعًا من شعيرٍ، فنزل في شأنهم هذا (٣). وقيل: نزلت في عَيدان (٤) وامرئ القيس (٥). . . . . .

стр. 1755

وقد بيَّنا ذلك عند تفسير قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: عهدُ اللَّه: أمرُه ونهيُه، ويحتمِل أن يكون هذا (١) عهدَهم في التَّوراة؛ أن لا يكتموا نعتَ محمَّدٍ ويُظهروه للنَّاس، فكتموه، و (أيمانهم): هي أيمانُهم التي حلفوا كذبًا أنْ ليس في التَّوراة نعتُه، مخافةَ ذهاب الرِّئاسة والمأكلة. ويحتمل أن يكون عهدُ اللَّه والأيمان واحدًا، وهو الحَلِف على أكلِ (٢) مالِ الغير بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. ويحتمل أن يكون عهد اللَّه: هو ما قبلوا عن اللَّه ﷻ ، وما ألزمهم اللَّه تعالى، والأيمان: ما حلفوا (٣). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: ليس لهم فيها نصيبُ خير ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: لا يخاطبهم اللَّه خطابَ لطفٍ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: نظرَ رحمةٍ.
следующие страницы →