← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: ذلك الاستحلالُ ومنعُ الأمانةِ وتركُ قضاءِ الدَّين بسبب أنهم يعتقدون ويقولون: ليس علينا في أخذِ أموال العرب مأثمٌ، ويقولون: في كتابنا كذلك. ونفي السَّبيل: نفيُ المطالبة؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وتحقيقُه: أن المُطالِب لا يتمكَّن من المطالبة إلَّا إذا وجدَ السَّبيل إلى المطلوب. وقال مقاتلٌ: إنَّ المسلمين بايعوا اليهود في الجاهليَّة، فلمَّا تقاضاهم المسلمون في الإسلام قالوا: لا حرجَ علينا في حبسِ أموالهم؛ لأنَّهم ليسوا على دينِنا، وزعموا أنَّ ذلك حِلٌّ لهم في التَّوراة (١). وقيل: كانوا يقولون: نحن أبناء اللَّه وأحبَّاؤه، وسائر النَّاس عبيدٌ لنا، لا جُناح علينا في أموالهم وأخذِها. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: أرادوا بـ (الأميين): العرب؛ حيث كانوا لا كتاب لهم. قال: وقيل: أرادوا بـ (الأميين) جميع المسلمين؛ قال النبيُّ ﷺ (٢): "نحنُ أمَّةٌ أُميَّةٌ، لا نحسُبُ ولا نكتُبُ" (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ردَّ اللَّه تعالى عليهم قولَهم أنَّ هذا في التَّوراة، قالَ: يكذبون على اللَّه في هذا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنهم يكذبون على اللَّه.

стр. 1752

وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّه تعالى أمرَ في التَّوراة بأداءِ الأمانة في حقِّ الكلِّ. وقال الضحَّاكُ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الذي يدعو إليه محمَّدٌ حقٌّ. * * * (٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى: وفَّى؛ إلَّا أنَّ لغة أهل الحجاز: أوفى، ولغة أهل نجد: وفَّى. و ﴿بَلَى﴾ ردٌّ لِمَا قبلَه؛ أي: ليس كما قالت اليهودُ. وقوله تعالى: ﴿بِعَهْدِهِ﴾؛ أي: بعهد اللَّه، فقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. وقيل: أي: مَن أوفى بعهدِ نفسِه؛ أي: ليس كما قالوا: ليس علينا في الأمِّيين سبيل، بلى مَن أوفى بعهده، فأدَّى الأمانةَ واتَّقى اللَّهَ فلم يخفِها، فإن اللَّه يحبُّه؛ لأنَّه يحبُّ المتَّقين. وقيل: معناه: كيفَ يصحُّ قولُهم: ليس علينا في الأميِّين سبيل، وفيهم مَن أوفى بعهدِه واتَّقى، واللَّه يحبُّ المتقين. وقيل: بلى مَن أوفى بعهده وَاتَّقى، وأدَّى الأمانةَ -وهم المذكورون في أوَّل الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ - فإنَّ اللَّه يحبُّه. فإنْ قيلَ: لِمَ لَمْ يقلْ: فإنَّ اللَّهَ يحبُّه، وهو أقربُ إلى الإيجاز؟

стр. 1753

قلْنا: أعاد ذكرَ المتَّقين إبانةً (١) أنَّهم بما (٢) ينالون هذه المحبَّة، وليكون وعدًا لكلِّ متَّقٍ بأيِّ شيء اتَّقى، لا للمذكورين في الآية على الخصوص. وقال عطاءٌ: بلى مَن أوفى بما عاهد عليه اللَّه (٣) في التَّوراة، واتَّقى اللَّهَ فيما أحلَّ وحرَّم، وعمل بفرائضه، واتَّقى سخطَه، فإنَّ اللَّهَ يحبُّ مَن كانت هذه صفتُه، مع الإيمان بمحمَّدٍ ﵊، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وذلك أنَّهم عاهدوا اللَّه تعالى: لئنْ بعثَ محمَّدًا ليؤمنُنَّ به وليصدِّقُنَّه، وعاهدهم اللَّه تعالى لئن فعلوا ذلك ليدخلنَّهم الجنَّة. * * * (٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ذكرَ وعيدَ ناقض العهدِ بعدَما ذكرَ وعدَ الموفي بالعهد. والاشتراء به (٤) ثمنًا قليلًا: هو الاعتياض به ذلك، وقد ذكرنا تحقيقَه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠]. ونزلت الآية في اليهود؛ فإنَّ جماعةً مِن أحبارِهم أتوا كعبَ بنَ الأشرف في قحطٍ يطلبون منه طعامًا، فقال: ما تقولون في هذا الرَّجل الذي يقول: أنا رسول اللَّه؟

стр. 1754

فقالوا: هو عبد اللَّه ورسوله إلى خلقِه. فقال كعب: لو قلتم غير هذا كان لكم عندي طعامٌ وعطاءٌ، فقالوا: نرجع ونتأمَّل، فرجعوا وعادوا وقد بدَّلوا نعتَه بنعت الدَّجال، وقالوا (١): وجدنا في التَّوراة كذلك. فحلَّفهم لا (٢) يرجعون عن هذا، فحلفوا، فأعطى كلَّ واحدٍ منهم ثماني أذرعٍ من كرباسٍ، وصاعًا من شعيرٍ، فنزل في شأنهم هذا (٣). وقيل: نزلت في عَيدان (٤) وامرئ القيس (٥). . . . . .

стр. 1755

وقد بيَّنا ذلك عند تفسير قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: عهدُ اللَّه: أمرُه ونهيُه، ويحتمِل أن يكون هذا (١) عهدَهم في التَّوراة؛ أن لا يكتموا نعتَ محمَّدٍ ويُظهروه للنَّاس، فكتموه، و (أيمانهم): هي أيمانُهم التي حلفوا كذبًا أنْ ليس في التَّوراة نعتُه، مخافةَ ذهاب الرِّئاسة والمأكلة. ويحتمل أن يكون عهدُ اللَّه والأيمان واحدًا، وهو الحَلِف على أكلِ (٢) مالِ الغير بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]. ويحتمل أن يكون عهد اللَّه: هو ما قبلوا عن اللَّه ﷻ ، وما ألزمهم اللَّه تعالى، والأيمان: ما حلفوا (٣). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: ليس لهم فيها نصيبُ خير ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: لا يخاطبهم اللَّه خطابَ لطفٍ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: نظرَ رحمةٍ.

стр. 1756

قوله تعالى: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: قيل: أي: لا يُنمِّي أعمالهم بالثَّواب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقيل: أي: ولا يُثْني عليهم بالخير، وقيل: أي: ولا يطهِّرهم. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلمٌ. وقد كشفنا ذلك كلَّه (١) على الوجه في سورة البقرة. وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأشعثِ بنِ قيسٍ، نزلَ على بئرِ رجلٍ مِن قومِه كانَ ذلك الرَّجلُ احتفرها ونزلَ عندها (٢) ثم ارتحلَ عنها، فنزل عليها الأشعثُ، فجاء الرَّجلُ وخاصمَه إلى النبيِّ ﷺ ، فسألَ النبيُّ ﷺ صاحبَه البيِّنةَ فلم يأتِ بها، فاستحلفَ الأشعثَ فحلفَ عليها، فقالَ النبيُّ ﷺ : "مَن حلَفَ على مالِ أخيه فاقتطعه (٣) ظلمًا لقيَ اللَّهَ تعالى معرضًا عنه" (٤). فيحتمل أنَّها نزلت في هذه الحادثة، فكانت بعمومها صالحةً لقصَّة اليهود،

стр. 1757

فضُمَّت إلى الآية التي (١) قبلها، ويحتمل (٢) أن تكون نزلَتْ في اليهود وصلحَتْ في هذه الحادثة (٣). وقال مجاهدٌ والشَّعبي رحمهما اللَّه: أقامَ رجلٌ سلعةً أوَّلَ النَّهار، فساومَه (٤) رجلٌ آخرَ النَّهار، فحلفَ باللَّه الَّذي لا إلهَ إلَّا هو لقد طُلب منه (٥) هذا أوَّلَ النَّهار بكذا وكذا، ولولا المساءُ لما باعه (٦) بهذا الثَّمن، فنزلَتِ الآيةُ (٧). * * * (٧٨) - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾: اللَّيُّ في الشَّيء: أن يجعلَ ظاهرَه باطنَه، وباطنَه ظاهرَه، ولَيُّ العُنق واليد والحبل: هو الفَتْل، وأصله: عطفُ الشيء عن الاستقامة إلى الاعوجاج، والالتواء: الانحراف والانعطاف. ومعناه: وإنَّ فريقًا من أهل الكتاب ليلوون، فلمَّا وقع الاسم موقعَ الخبر في

стр. 1758

الذِّكر أُدخلَتِ اللَّام فيه، وموضعُها الخبر إذا ذُكر على التَّرتيب، ومعنى ﴿يَلْوُونَ﴾: يحرِّفون الكلامَ ويعدِلون به عن القصد؛ أي: إنَّ جماعةً من اليهود خاصَّةً يحرِّفون ألسنتهم بالتَّوراة. قوله تعالى: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: لتظنُّوه أنتم (١) مِن التَّوراة ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وليس هو من ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقولون لكم: إنه منزل من عند اللَّه ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: وليس هو بمنزَّلٍ مِن عند اللَّه (٢) ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: ما لم يقله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعلمون أنهم كذلك. وقيل: قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾؛ أي: بما كتبوهُ بأيديهم، وقوله: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مِن التَّوراة، فهذا غيرُ الأوَّل، وأرادَ أنَّهم يغيِّرون (٣) التَّوراة إذا أظهروا لكم الاحتجاجَ بالتَّوراة، وإذا احتججْتُم عليهم بالشَّيء مِن نعتِ محمَّدٍ مضافًا إلى التَّوراة، وهذا تزويرٌ منهم، فلا تقبلوا ذلك منهم. وفي الآية تنبيهٌ على أنَّه لا ينبغي للمُذكِّر (٤) أن يجازفَ فيقولَ عندَ قراءة القارئ أشياءَ لا تليق بالآية، فإنَّه يرى النَّاسُ أنَّه تفسير (٥) هذه الآية، والسَّامعُ يعتقد أنَّه يخبر به (٦) عن اللَّه تعالى، وهو تقوُّلٌ على اللَّه إذا قالَ ما يخالفه.

стр. 1759

(٧٩) - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: قوله: ﴿مَا كَانَ﴾ له وجهان: أحدُهما: النَّفيُ؛ أي: لا يكون الرَّسول بهذا الوصف بحالٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]. والثَّاني: أنَّ معناه: حرامٌ على الرَّسول ذلك، كما تقولُ: ما كان لك أن تفعلَ كذا، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]. واتِّصالُها بما قبلَها: ما جاءَ في قصَّة نزولِها؛ قال (١) ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا دعا النبيُّ ﷺ أهلَ الكتاب، وأوعدَهم على نقضِ العهد وتغييرِ نعتِ النبيِّ ﷺ ، قال أبو رافعٍ القُرظيُّ: تريدُ منَّا يا محمَّدُ أنْ نعبدَك ونتخذَك ربًّا كما فعلَتِ النَّصارى بعيسى؟ فأنزلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ ردًّا عليه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (٢)؛ أي: ليس لآدميٍّ ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يعطيَه اللَّهُ كتابَه وحيًا إليه، ﴿وَالْحُكْمَ﴾؛ أي: بيانَ الكتاب والقضاءَ بين الخلق، ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: فيبعثه اللَّه رسولًا إلى خلقه. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اعبدوني واتَّخذوني إلهًا. وكيف يجوزُ مِن محمَّدٍ هذا وهو ينهاكم أن تتَّخذوا عُزيرًا ربًّا وعيسى كذلك؟! فكيف يرضى ذلك لنفسه (٣)؟!

стр. 1760

وقيل: إنَّ علماءَ اليهود لَمَّا حرَّفوا التَّوراة، ودعَوا العامَّة إلى ذلك، صاروا كالمستعبَدين لهم، فأخبرَ أنَّ هذه الرُّتبةَ لم تكن للأنبياءِ مع أنَّهم الدُّعاة إلى اللَّه تعالى، فكيف لهؤلاء؟! وقيل: هو على ردِّهم؛ أي: ما كان لعزيرٍ وعيسى وغيرهما ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾: التَّوراةَ والإنجيل، أنْ يقولَ للنَّاس ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾؛ أي: ولكن يقولُ هذا النبيُّ للنَّاس: كونوا ربَّانيِّين. قال مقاتلٌ: أي: عابدين للَّه (١). وقال الكلبيُّ: أي: علماءَ بما في التَّوراة. وقيل: علماء حكماء فقهاء (٢). وقيل: أي: مصلحين أمورَكم وأمورَ النَّاس بالعلم والعمل. وقيل: ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾: منسوبين إلى الرَّبِّ؛ أي: للَّهِ على الخلوص. وقيل: الرَّبانيُّون: الَّذين يربُّون النَّاسَ بصغار العلوم قبل كبارها؛ قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣]. قال أبو عبيد: سمعْتُ رجلًا عالمًا بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال

стр. 1761

والحرام، والأمرِ والنَّهي (١)، والأحبار: أهل المعرفة بأنباء الأمم وما كان وما يكون (٢). وقال القشيريُّ: الرَّبانيُّون: العلماءُ باللَّهِ، الحكماء في اللَّه، القائمون باللَّه بغَنائهم عن غير اللَّه، يسمعون باللَّه، وينظرون باللَّه، بمحو ما سوى اللَّه. قال: وقيل: الربَّانيُّ: الذي لا تؤثِّر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها. قال: ويقال: الربَّانيُّ: الَّذي لا تهزُّه نعمةٌ ولا تستفزُّه محنةٌ. قال: ويُقال: الربَّانيُّ: الَّذي لا يتأثَّر بشيءٍ (٣) مِن الحوادث بقلبِه وسرِّه، وإن كان لا يقصِّر في شيءٍ من الشَّرع بفعله (٤). قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾؛ أي: كونوا للَّه في تعليم النَّاس وفي الدِّراسة. * * * (٨٠) - ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾: قرأ عاصم وابن عامرٍ وحمزة بنصب الرَّاء عطفًا على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾. . . ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، يعني: ولا أن يأمرَكم، وقرأ البا قون بالرَّفع على الاستئناف (٥)؛ أي: هو لا يأمرُكم بذلك، أو: اللَّهُ لا يأمرُكم بذلك.

стр. 1762

وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ هو استئنافُ أمرٍ مِن اللَّهِ تعالى. واتِّخاذُ الملائكة أربابًا هو كقول بعضِ العرب: الملائكةُ بناتُ اللَّه، واتِّخاذُ النبيِّين أربابًا هو قول اليهود والنَّصارى في عُزير وعيسى ما قالوا. قوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ والنَّفي؛ أي: لا يأمركم. وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: بعد إذ دعاكم إلى الإسلام وإجابةِ بعضكم. وقيل: أيأمركم اللَّهُ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون بشهادة الخِلْقة؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ٨٣]. وقيل: سأل قومٌ النبيَّ ﷺ فقالوا: أَلَا نسجدُ لك؟ قال: "لا ينبغي لأحدٍ أنْ يسجدَ لأحدٍ دون اللَّه"، وأنزل اللَّه هذه الآية (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أيأمرُكم بإثبات الخلقِ بعد شهود الحقِّ؟! قال: ويقال: أيأمرُكم بمطالعة الأشكال ومطاوعة الأمثال بعدَ أنْ لاحَ في أسراركم أنوارُ التَّوحيد، وطلعَتْ في قلوبكم شموسُ التَّفريد (٢). * * * (٨١) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

стр. 1763

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾: قرأ حمزةُ: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ بكسر اللَّام؛ أي: لأَجْل أني آتيتكم شكرًا لي بذلك. وقرأ الباقون بفتح اللَّام (١)، وله وجهان، ففي الآية لامان مفتوحتان: ﴿لَمَا﴾ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾: فأحدُ الوجهَيْن: أنَّ الأولى لام القسم، والثَّانية جوابه، كقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. والثَّاني: أنَّ الأولى لام الابتداء على التَّأكيد، والثَّانية لام القسم، وهو كقولك: لزيدٌ واللَّه لآتينَّه. و (ما) بمعنى الذي، وتقديره: الذي آتيتكُمُوه من الكتاب والحكمة لتؤمننَّ به ولتنصرنَّه لأجل ذلك؛ يقول: واذكرْ يا محمَّدُ إذ أخذ اللَّه من (٢) النبيِّين الميثاقَ وقال لهم، وهذا مضمر، أو أخذُ (٣) الميثاق قولُ: الذي أعطيتكم من كتابٍ أو بيان كتاب (٤). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: أي: خبرُ رسولٍ، والخبر مضمرٌ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: موافقٌ للكتاب الذي معكم. قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾: أي: لتصدقُنَّ برسالته ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾؛ أي: ولتُعِينُنَّه بالإيمانِ به، وبيانِ نعتِه، وأمْرِ الأمَّة بالإيمان به. والمرادُ مِن هذا الرَّسول هو محمَّد ﷺ .

стр. 1764

وأخذُ الميثاق كان (١) على ثلاثةِ أوجهٍ: ميثاق الذُّرية: وهو قوله عزوجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]. وميثاق الأنبياء بتبليغ الرسالة: وهو في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]. وميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمَّدٍ ﵇ على التَّعيين، وهو في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾: أي: قال اللَّهُ للأنبياء: أأقررتم؟ وهذا (٢) استفهامٌ بمعنى الأمر، كما في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾: أي: أَقَبِلْتُم على ذلكم عهدي، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل. والإصرُ: العهد. قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾: أي: قال الأنبياءُ: أقررنا بذلك ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: قال اللَّهُ للملائكة: فاشهدوا على الأنبياء بذلك (٣). وهو قول سعيد بن المسيب (٤). قوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أي: قال اللَّه تعالى: وأنا شاهد أيضًا على هذا. * * *

стр. 1765

(٨٢) - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أي: أعرض عن هذا العهدِ ونقضَه بعد قَبوله. قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: جمع ذلك لأنَّ (مَن) كلمةٌ تصلحُ للجمع. والتَّولي لا يقع من الأنبياء ولا يوصفون بالفسق، لكن له وجهان: أحدُهما: أنَّ الميثاقَ كان على الأنبياء، وأممُهم على التَّبعية، والتَّولي يقع (١) من الأمم خاصَّةً. والثاني: أنَّ العصمة لا تزيل المحنة، كما مرَّ ذكرُه مرَّاتٍ، وعلى ذلك (٢) قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (٣) [الإسراء: ٧٤]. وقيل في الآية أقاويلُ أُخرُ: قيل في قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾؛ أي: لئن آتيتكم. وقيل: مهما آتيتكم. وقيل: ميثاق النبيِّين أُضيف إليهم إضافةَ الفعل إلى مَن يقع الفعل له. وهو تأويل ابن عباسٍ ﵄ (٤)؛ أي: أُخذ الميثاقُ للنبيِّين على الأمم أن يؤمنوا بالرُّسل إذا جاؤوا وأنْ ينصروهم.

стр. 1766

وقال السُّدِّي: هذا (١) أخذُ ميثاقِ ذريَّةِ آدمَ المذكورِ في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] (٢). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قال الكسائيُّ: قيل فيه بوجهين: أحدهما: ميثاقَ الذين منهم النبيُّون، وهم بنو إسرائيل، وكلُّ ميثاقٍ ذكره اللَّه في القرآن في أهل الكتاب فإنما يُراد به بنو إسرائيل. والثاني: أخذَ اللَّهُ ميثاقَ الأنبياء أن يصدِّق بعضُهم بعضًا، وأن يبلِّغوا كتبَ اللَّه تعالى إلى قومهم (٣). وقال عليٌّ وابنُ عبَّاس وقتادةُ وطاوسٌ وطائفةٌ: هو ميثاقٌ أخذه اللَّه تعالى على النبيِّين أن يصدِّق بعضهم بعضًا؛ الآخِرُ الأوَّلَ، والأوَّلُ الآخِرَ (٤). وهو على العموم، وليس لنبيٍّ على الخصوص، فإنَّ قولَه : ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ هو على النَّكَرة، وليس على التَّعريف. وقال الكلبيُّ وأبو روقٍ ومقاتلٌ والسُّدِّيُّ وعامَّة أهل التَّفسير: هذا أخذُ الميثاق على الأنبياء المتقدمين بالإيمان بمحمَّدٍ سيِّد المرسلِين (٥). فإنَّ قولَه : ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وإن كان لفظه لفظَ النَّكَرة،

стр. 1767

لكنَّه (١) صار معرفة بالصِّفة، وهو كقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢] نكرةٌ وأُريد (٢) بها مكَّة، وصارت معرفة بالصِّفة. وقيل في قوله سبحانه: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: فيه مُضمَر: (قالوا: نعم)، ثم قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: أنتم أيها الأنبياء، ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي على أممكم. وقيل: انتظام هذه الآية بالأولى: أنَّ اللَّه تعالى قال لأهل الكتاب: كيف تأنفون من الانقياد لمحمَّد ﵇، وقد أخذ اللَّه على الأنبياء الميثاق بالإيمان به ونصرته، وأقرُّوا بذلك والْتزَموه. فإنْ قالوا: كيف أُخذ عليهم الميثاق بالإيمان به وبنصرته لو جاءهم، وهو لم يجئْهم ولم يدركوه ليَنصروه؟ قلنا: ذُكر لهذا وجوهٌ، لكنَّ الصَّحيح ما قلنا: إنَّه لم يُردْ به مجيئَه إيَّاهم بنفسِه، ونصرتهم إيَّاه بعد خروجه، لكن تأويله: ثم جاءكم خبرُ رسولٍ لتَنصرُنَّه بذكرِ نعتِه وإحياءِ اسمِه، وأمرِ الأمم بالإيمان به بعينه. وقيل في قوله : ﴿فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: أنتم على أنفسكم، كما في قوله : ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقيل: معناه: قال للأنبياء: فاشهَدوا على الأمم بإقرارهم. وقيل: معناه: ليشهد بعضُكم على بعضٍ بذلك. وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾؛ أي: بيِّنوا، وذلك لأنَّ الأصل في الشاهد أن يكون مصحِّحًا

стр. 1768

لدعوى المدَّعي، ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: من المبيِّنين صحتَه بإجراء حجج النبوَّة (١) على أيديكم. وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ أي: فاعلموا ما أَلْزمْتُموه أنفسكم، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾ من العالمين بما أخذتُه عليكم، حافظٌ له غيرُ ناسٍ، مجازٍ لكم على ما كان منكم من خلافٍ أو وفاقٍ. وقيل: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ أيُّها الأنبياء لمحمدٍ بالنبوَّة، وأنا على ذلك أيضًا من الشاهدين بإقامة المعجزات له. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ قال القشيريُّ ﵀: فمَنْ حادَ عن سنَّته أو زاغَ عن اتِّباع طريقتِه بعد وضوح أدلَّته فأولئك هم المستوجِبون لمقته ولعنته (٢). * * * (٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، والفاء للتعقيب، و (غير) نُصب بوقوع ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عليه؛ أي: أبعدَ تلك الآيات تبغون غيرَ دين اللَّه. وقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بياء المغايبة؛ ردًّا (٣) إلى أهل الكتاب الذين مرَّ ذكرهم، و ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء المخاطبة؛ خطابًا (٤) لكل المكلَّفين.

стр. 1769

وقرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايبة فيهما، والباقون بتاء المخاطبة فيهما (١). ﴿تبغون﴾ أي: تطلبون، وقد بَغَى بِغاءً بكسر (٢) باء المصدر؛ أي: زنى، وبَغَى بَغيًا؛ أي: ظَلم. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: أي: انقادَ له كلُّ مَن فيهما؛ إمَّا طوعًا، وهم الموحِّدون، وإمَّا كرهًا، وهم الجاحدون بما فيهم مِن آثار الصُّنع ودلائلِ الحدوث، وتصريفِهم كيف يشاء (٣) إلى صحةٍ ومرضٍ، وغنًى وفقرٍ، وسرورٍ وحزنٍ، وسائر الأحوال. وله وجوهٌ أُخَرُ بيَّناها عند قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. وقيل: الخطابُ للنَّصارى في قولهم للمسيح؛ أي: أيقولون (٤) في المسيح ما يقولون وهو كان منقادًا للَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: أي: إلى جزائه في الآخرة على الخير والشرِّ، وهو ترغيبٌ وترهيبٌ. وقيل: هو بناءٌ على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: كما انقادوا له في الدُّنيا يصرِّفهم كيف يشاء، فكذا بعثُهم بعد موتهم مِن تصريفه إيَّاهم على ما شاء وهم لا يملكون امتناعًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].

стр. 1770

وقيل: ﴿طَوْعًا﴾: حالةَ الاختيار، ﴿وَكَرْهًا﴾: عندَ نزول الشَّدائد وحلول الموت. وقال ابن عباسٍ ﵄: لَمَّا ادَّعى اليهود والنَّصارى -لعنهم اللَّه- أنَّ إبراهيمَ صلوات اللَّه عليه كان على دينهم، فقال ﵇ في ردِّهم ما قال، قالوا: لا نرضى بقضائِك ولا ندخل في دينك، فنزل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (١). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: كلٌّ يدَّعي أنه يطلب دِينًا هو دين اللَّه، لكن معناه واللَّه أعلم: أنَّ كلًّا في الابتداء يبغي (٢) دِين اللَّه في نفسه، لكن إذا بانَ له بالآيات أنه ليس على دِين اللَّه، وأن دينَ اللَّه هو الإسلام، فلم يرجع إليه، ولا اعتقده، ولزم غيرَه بالعناد والمكابرة، فهو باغٍ غيرَ دين اللَّه. ويحتمل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ أي: أفغير ما في دين اللَّه من الأحكام يبغون، وهو كقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ويحتمل: أبغَيرِ (٣) دِين اللَّه يَدينون، وليس على الاستفهام، بل على التَّحقيق، كما في قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: ٥٠] (٤). وذكر هو عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قولين: أحدهما: وله أسلم من في السماوات طوعًا، فأمَّا (٥) أهل الأرض فمنهم مَن أسلم طوعًا، ومنهم مَن أسلم كرهًا مخافةَ السيف (٦).

стр. 1771

والثاني: أسلمَ مَن وُلد في الإسلام طوعًا، ومَن لم يُولد في الإسلام بالسيف كرهًا (١). وقال قتادة: أسلمَ المؤمنُ طوعًا، والكافرُ عند موته كرهًا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] (٢). وقال الحسن: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو على الخصوص (٣)؛ أي: هو في ذكر المؤمنين منهم دون غيرهم. وقال أبو العالية ومجاهد: أي: كلُّهم أقرَّ (٤) بالعبوديَّة للَّه تعالى، وإن كان فيهم مَن أشركَ في العبادة؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] (٥). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أسلم كلُّهم في أخذ الميثاق (٦).

стр. 1772

وقال أبيُّ بن كعبٍ: هذا يكون في القيامة على العموم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ لإسبال نور التجلِّي عليهم، ﴿وَكَرْهًا﴾ لإجراء حُكم الهيبة على وجه القهر عليهم (١). * * * (٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مرَّ تفسير هذه الآية في سورة البقرة. وقال الكلبيُّ: كفرت النَّصارى بالتوراة، واليهودُ بالإنجيل، وقيل لهم: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، وأمر اللَّه تعالى نبيَّه أن يقول: آمنا باللَّه وبما ذكر، و ﴿آمَنَّا﴾ (٢) على الجمع خبرٌ عنه وعن أمَّته، و ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ هو خلافٌ لأهل الكتاب حيث فرَّقوا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: آمنَّا باللَّه لا بنفوسنا (٣) وحولنا وقوَّتنا (٤).

стр. 1773

(٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ أي: يطلب ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وقال (١) الإمام أبو منصورٍ ﵀: إنَّ (٢) مَن دان غيرَ دِين الإسلام فإنما يتقرَّب به إلى اللَّه؛ لأنَّ كلَّ متدينٍ بدينٍ فإنه يقصد بذلك التقرُّب إلى اللَّه تعالى، فـ [أَخبر أن] ذلك غيرُ مقبولٍ منه؛ لأنَّ الدِّينَ عند اللَّه الإسلام، وهو الدِّين المرضيُّ وعليه الثَّوابُ؛ قال اللَّه تعالى خبرًا عن الكفار: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] (٣). قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: لأنه عمل عملًا لا ينتفع به عند حاجته إليه في الآخرة، ولأنه فاته ما كان يمكنه نيلُه من النعيم المقيم والخلود في الجنان لو أسلم. قال الكلبيُّ: نزلت الآية وما بعدها في عشرة رهطٍ كانوا آمنوا باللَّه ورسوله ثم ارتدُّوا عن الإسلام (٤) ولحقوا بمكَّة (٥). وقال مقاتل: نزلت في اثني عشر رجلًا ارتدُّوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة، ثم انصرفوا إلى طريق مكَّة فلحقوا بالكفَّار، منهم طعمة بن أُبيرق الأنصاريُّ، ومِقْيَس بن صُبابة اللَّيثي، وعبد اللَّه بن أنس بن خطل من بني تيم بن مُرَّة، ووَحْوح بن

стр. 1774

الأسلت (١)، وأبو عامر بن النعمان، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف أخو الجُلَاس بنِ سويد. ثم إنَّ الحارث ندم، فرجع تائبًا، ثم أرسل إلى أخيه الجلاس بن سويد، ثم أتى فأخبر (٢) النبيَّ ﷺ فلم يردَّ شيئًا، فأنزل اللَّهُ تعالى في الحارث فاستثنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ يعني: من الكفر، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العملَ فيما بقي ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكفرِه (٣)، ﴿رَحِيمٌ﴾ به فيما بقي. فبلَّغ الحارثُ الأحدَ عشر الذين بمكَّة، فقالوا: نقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّد الموتَ، فإذا أردنا أن نتوبَ أتينا المدينة، فينزل فينا ما نزل في الحارث ويُقبل منَّا ما قُبل منه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ حين بعثَ اللَّه محمَّدًا فأنكروه وكذَّبوه (٤). * * *

стр. 1775

(٨٦) - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: ﴿كَيْفَ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا يهديهم، ونظيرُه قول الشاعر: فهذي سيوفٌ يا صُدَيُّ بنَ مالكٍ... كثيرٌ ولكنْ أينَ بالسَّيفِ ضارِبُ (١) (أين) استفهامٌ، ومعناه الجحدُ هاهنا؛ أي: ليس. ثم هذا في الظاهر عطفُ فعلٍ على اسمٍ، ولا يتَّفقان، فيُحمل الفعل على المصدر، أو المصدر على الفعل؛ ليتَّفقا؛ لأنَّ المراد ذلك، فيحمل على المعنى المراد، ونظيره عطف الماضي على المستقبل وعلى العكس، ووجهُه حمل أحدهما على وفق الآخر. والتَّقديرُ هاهنا: بعد إيمانهم وشهادتهم أنَّ الرَّسولَ حقٌّ، ومجيءِ البيِّنات إيِّاهم، أو بعد أن آمنوا وشهدوا وجاءهم، وعطفُ الماضي على المستقبل كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ونظير الأوَّل قول امرئ القيس: بكى صاحبي لَمَّا رأى الموتَ دونَه... وأيقنَ أنَّا لاحقان بقيصرا فقلْتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما... نحاولُ ملكًا أو نموتَ فنُعذَرا (٢) أي: نحاول أن نملكَ أو نموت، أو نحاول ملكًا أو موتًا.

стр. 1776

وقال آخر: فَمَا لَكَ فيها غيرُ ذكرَى وحسرةٍ... وتَسألَ عن ركبانِها أينَ يَمَّمُوا (١) أي: غير ذكرى وحسرةٍ وسؤالٍ، أو غير أن تتذكَّر وتتحسَّر وتسأل. ثم معنى الآية عند بعضهم على نظم ما سبق من الآيات: كيف يهدي اللَّه اليهودَ وقد كفروا بعد إيمانهم بمحمَّد قبل مبعثه، وكانوا يستفتحون به على الكفَّار، فلما جاءهم هو وقد (٢) كانت قد جاءتهم البينات في التَّوراة كفروا به. وعن الحسن البصري: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: القرآن (٣). وعند بعضهم: هذا في المرتدِّين على ما روينا. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: هؤلاء ظالمون حين وضعوا الجحود غيرَ موضعه وهم (٤) مختارون لذلك، واللَّه لا يهدي من اختار الضلال. وقيل: لا يهديهم طريقَ الجنَّة إذا ماتوا كفَّارًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨]. وقيل: معنى الآية: كيف يكونون مهتدين كما يزعمون وقد كفروا. وقيل: كيف يهديهم للإيمان حالة الكفر. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: دلَّت الآية أن استطاعةَ الفعلِ مع الفعل،

стр. 1777

حيث نفى عنهم الهداية حالَ الكفر، وفيه إبطالُ قولِ المعتزلة: إنَّ هدى اللَّه هو البيانُ لا غير، وقد بيَّنَ للكافر، ومع ذلك نفى عنهم ذلك. وقال في معنى الآية: يحتمل أن هذا كان في قومٍ مخصوصين بأعيانهم، علمَ اللَّه منهم أنهم لا يؤمنون. وقال: وقيل: معناه: لا يهديهم ما داموا مختارين للكفر (١). * * * (٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٢): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: أهل هذه الصِّفة ﴿جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: طَرْدَه وإبعاده، ومن الملائكة: دعاؤهم باللَّعنة، ومن الناس أجمعين كذلك. أمَّا المؤمنون فإنهم يلعنون الظَّالمين، والظَّالمون يقولون: لعنَ اللَّهُ الظَّالمين، لاتِّفاق الكلِّ على قبح الظُّلم، واستحقاقِ الظَّالم اللَّعنةَ، وهو لا يعتقد نفسه ظالمًا، فترجعُ اللَّعنة منه على (٣) نفسه بقوله. وقيل: هو في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لعنُ الملائكةِ قولُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ولعنُ النَّاسِ قولُهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] (٤).

стр. 1778

(٨٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي: في اللَّعنة، والخلودُ في اللَّعنة خلودٌ في جهنَّم، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ١٠٠ - ١٠١]؛ أي: في الوِزْرِ، وذاك خلودٌ في جهنم. قوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي: لا يُفتَّر ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يُمهَلون، والفرقُ بينَ الكلمتَيْن: أنَّ الإنظارَ: تأخيرُ العبد ليُنظر في أمره، والإمهالَ: تأخيرُه ليَسهُلَ عليه الفعل الَّذي كُلِّفَه. * * * (٨٩) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي: من كفرهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: ما أفسدوه من غرور أتباعِهم وإغوائهم. والإغواءُ إفسادٌ، والرَّدُّ (١) إلى الهدى إصلاحٌ. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: هذا ظاهرٌ. * * * (٩٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: أي: ارتدُّوا ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: نصبُه بوقوع الفعل عليه، وقيل: على التَّفسير (٢).

стр. 1779

وقيل (١): معناه: أصَرُّوا عليه وجحدوا ما نزل على المصطفى محمَّدٍ ﵇ بعد ذلك شيئًا فشيئًا. وقال الكلبيُّ: معناه: قولهم: نقيم بمكَّة على الكفر ما بدا لنا (٢). وقال قتادة: هم اليهود كفروا بعيسى ثم بمحمَّد (٣). قوله تعالى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: قال الحسن: أي: إيمانهم الَّذي كان بمحمَّدٍ قبلَ بعثِه (٤). وقيل: لن يُقبل إيمانهم عند البأس؛ قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وقيل: أي: لن تقبل توبتهم التي أظهروها لأنَّهم غير مخلِصين فيها، دليلُه ما قال بعده: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾؛ أي: الثَّابتون بالقلب على ضلالهم الذي كان. وهو قول ابن عبَّاسٍ ﵄ (٥).

стр. 1780

وقال أبو العالية: لن تقبل توبتهم من (١) الذُّنوب وهم على الكفر (٢). وقيل: هي في قومٍ علم اللَّه تعالى أنهم لا يؤمنون، فقوله: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ أي: لا يتوبون ليكون لتوبتهم قَبولٌ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]؛ أي: لا تكون لهم شفاعة لتنفع. وقال الحسن وقتادة: لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [النساء: ١٨] (٣). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾: الباقون على ضلالهم، وقيل: الهالكون، وقيل: الضَّالوُّن عن الثَّواب الذي رجَوه بهذه التَّوبة. * * * (٩١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: الواو للحال ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾: المِلء: قَدْرُ ما يُملأُ، و ﴿ذَهَبًا﴾: نصب على التَّمييز، والتَّمييزُ نوعان:

стр. 1781

للأفراد؛ كقولك: أحد عشر درهمًا، وعشرون دينارًا. وللمقادير؛ كقولك: عندي ملءُ زقٍّ عسلًا. ونصبُه: أن الذي قبله مقدارٌ معروفٌ (١)، والمقدَّرُ مجهولٌ، وهو نكرةٌ بعد معرفةٍ، فانتصبَ وكان مفسِّرًا لذلك المجهول، ومعناه: إنَّ الكافرَ يوم القيامة لو أَمكنه أن يفتديَ بملء الدُّنيا ذهبًا وافتدى به (٢) لم (٣) يُقبل منه ولم ينفعْه. روى أنسٌ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "يُجاءُ بالكافر يومَ القيامةِ، فيُقالُ له: أرأيْتَ لو كانَ لكَ مثلُ (٤) الأرضِ ذهبًا أكنْتَ مفتديًا به؟ فيقولُ: نعم، فيُقالُ له: لقد سُئِلْتَ أيسرَ مِن ذلك" (٥). وقالَ الزَّجَّاجُ: معناه: لو افتدى به في دار الدُّنيا مع الإقامة على الكفر لم يُقبل منه (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾: الواو للتَّأكيد، كقولك: عليك بالصِّدق ولو (٧) ضرَّكَ. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلمٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: أي: مُعِينين، وللعذاب دافعين، وعن المؤاخذة مانعين.

стр. 1782

وكان إصرارُهم على الكفر لأخذ أموال النَّاس، فأخبرَ أنَّه لا ينفعُهم، ولا ينفعُ الافتداءُ بملء الأرض ذهبًا. وقيل: هذا (١) تبعيدٌ؛ أي: لا يكون هذا أبدًا، لا أن يملكَه (٢) فيفتديَ به فلا يقبلَ، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. * * * (٩٢) - ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: انتظامُها بما قبلها: أنَّه ذكرَ أنَّه لا يُقَبَل مِن الكافر الافتداءُ بملء الأرض ذهبًا، ولن ينجوَ من النَّار، ولن يدخل الجنَّة، وحثَّ في هذه الآية المؤمنَ على الإنفاق بما أمكنه قلَّ أو كثرَ؛ فإنَّه ينفعُه وينجِّيه من النَّار ويدخلُه الجنَّةَ. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾؛ أي: لن تُصيبوا. وقوله: ﴿الْبِرَّ﴾ قال عطيةُ العوفيُّ: البرُّ: الطَّاعةُ. وقال أبو روقٍ: البرُّ: الخيرُ. وقال مقاتل بن حيَّان: البرُّ: التَّقوى (٣). وقيل: هو جماعُ الطَّاعات. وهذه الأقاويل ترجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ -الآية- ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].

стр. 1783

والبرُّ: مصدرُ البَرِّ، وهو واحدُ الأبرار؛ أي: لن تصِلوا إلى درجة الأبرار الَّذين يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان: ٥]، ويقول في دعاء الصالحين: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وقال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: البِرُّ الجنَّة، سُمِّيَتْ به لأنَّها جزاءٌ على البرِّ (١). وهو كقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وهو عذاب النَّار، سُمِّيَ به لأنَّه جزاءٌ على الإثم (٢). وقيل: البِرُّ هو لطف اللَّه تعالى بعبده. وقرئ في الشَّاذِّ: (لن تنالوا البَرَّ) بفتح الباء (٣)، وهو اللَّه تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قيل: هو الزَّكاة، وقيل: هو الصَّدقة النَّفلُ، وقيل: هو الإنفاق على العيال. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويحتمِل أن يكون البِرُّ هو الإيمان؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، والإنفاقُ: هو أداء الزكاة، وهو في قومٍ كانوا لا يقبلون الزكاة، فلم ينالوا اسم الإيمان؛ قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧] (٤).

стр. 1784

قوله تعالى: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: من أموالٍ (١)، و (من) للتبعيض، فلم يَشترِط إنفاقَ كلِّ المال تيسيرًا على العباد، ووعدَ الجنة على الإنفاق مِن بعضه تخفيفًا على عبده. ودلَّتِ الآية على (٢) أنَّه لا بأس بمحبَّة شيءٍ من الدُّنيا إذا لم يقدِّمْه على محبَّة الدِّين، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وهو وعيد العذاب. وقيل: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: ممَّا يعجبُكم ويَعزُّ عليكم مِن أموالكم. وقيل: مِن خيارِه وجيادِه دونَ رذاله، وقال النبيُّ ﷺ : "أفضلُ الصدقةِ ما تصدَّقْتَ به وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُل الغنى (٣) وتخشى الفقر" (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذكَر (مِن) وهو للتَّبعيض، فمَنْ أراد البِرَّ فلينفقْ بعضَ ما يحبُّه، ومَنْ أرادَ البارَّ فلينفقْ جميعَ ما يحبُّه، ومَنْ أنفقَ محبوبه من الدُّنيا وجدَ مطلوبَه من الحقِّ، ومَنْ كان مربوطًا بحظوظ نفسِه لم يحظَ بقرب ربِّه. قال: ويُقال: إذا كنْتَ لا تصلُ إلى البرِّ إلَّا بإنفاق محبوبِك، فمتى تصلُ إلى البارِّ وأنت تُؤْثر عليه حظوظَك (٥)؟! وعن أنسٍ ﵁ قال: لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قالَ أبو طلحةَ: يا رسولَ اللَّهِ،

стр. 1785

حائطي الذي في مكان كذا فهو للَّهِ تعالى، ولو استطعْتُ أنْ أُسِرَّهُ ما (١) أعلنْتُه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ضعْهُ في أقربائِكَ" (٢). وعن ابن عمر ﵄: أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ أعتقَ جاريةً له كان يحبُّها جدًّا، وزوَّجَها مولًى (٣) له، فولدَتْ له صبيًّا، فكان ابنُ عمر ﵄ يأخذ ذلك الصبيَّ فيستنشقُه (٤) ويقبِّلُه، ويقولُ: آهًا لريح فلانة. يعني: أمَّه (٥). قال نافعٌ: وكان ابنُ عمر ﵄ إذا اشتدَّ عجبُه لشيءٍ من مالِه قدَّمه لربِّه وجعله له، ويتأوَّلُ هذه الآيةَ، ولقد رأيتُه راحَ ذات عشيَّةٍ ورحْنا معه ونحن حجَّاجٌ، وراح ابنُ عمر على نجيبٍ له قد أخذه بمالٍ، فلمَّا أعجبَه مسيره أناخَه، وقال: يا نافعُ، انزعوا عنه رحلَه وزمامَه، وأشعروه وجلِّلوه وأدخلوه في البُدن (٦). وكان إذا رأى من أحدٍ من رقيقِه شيئًا يعجبُه مِن حسنِ صلاةٍ أو خيرٍ أعتقَه، فلربَّما شَّمَر أحدُهم فلزمَ المسجدَ، فإذا رآه على تلك الحالة أعتقَه، فيقول له

стр. 1786

أصحابُه: إنهم يخدعونك، فكان يقول: مَن خدَعَنا باللَّه انْخَدعْنا له (١). قال: وكان ابنُ عمر ﵄ مريضًا، فاشتهى عنبًا، وذلك في الشِّتاء، فخرج بنوه فاشتروا له عنقودًا بدرهمٍ، فلمَّا أُتي به أخذ منه حبَّةً، فإذا (٢) سائلٌ يسأل، فأعاد الحبَّة في موضعها، ثم قال: يا سالم، ناولْه العنقود، فإني سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "خيرُ الصَّدقةِ ما كان على شهوتها"، فناولَه سالم، ثم اشتراه منه بدرهمٍ، وجاءَ به إليه، وقال: كلْ شهوتَك، فإذا سائلٌ يسأل، فأعادَها إلى موضعها، وفعل كالأوَّل، فكان كذلك ثلاث مراتٍ، ومات عبد اللَّه بشهوته (٣). وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية جاء زيدُ بن حارثة بفرسٍ له كان يحبُّه فقال: هذا في سبيل اللَّه، فحمل النبيُّ ﷺ عليها أسامةَ بن زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه، فقال النبيُّ ﷺ : "أمَّا اللَّه فقد قبلها منك" (٤). وروي أن ضيفًا ضاف أبا ذرٍّ الغفاريَّ، فقال للضَّيف: إني مشغولٌ، فاخرج إلى البرِّ فإنَّ لي بها إبلًا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقةٍ مهزولةٍ، فقال أبو ذر: خُنْتَني! فقال: وجدْتُ خيرَ الإبل فَحلَها، فذكرْتُ يوم حاجتكم (٥) إليه، فقال أبو ذرٍّ ﵁: إنَّ يوم حاجتي إليه يوم أوضعُ في قبري، مع أن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦).

стр. 1787

وحُكي أن زبيدة رحمها اللَّه اتخذَتْ مصحفًا بسبعين قطعة كُتب (١) بالذَّهب على الرقِّ، وجُعلت ظهورها من الذهب (٢) مرصعةً بالجواهر، فبينا هي تقرأ القرآن ذات يوم انتهَتْ إلى هذه الآية، فلم يكُ شيءٌ احبَّ إليها من هذا المصحف، فقالت: عليَّ بالصَّاغة، وأمرَتْ بالذهب والجواهر فبِيعَتْ، وأمرَتْ بحفر الآبار والحياض في البادية من ثمنها (٣). وفي "الأنوار" ذُكِرَ لها طريقٌ آخر فقالَ: إن سائلًا أتى زبيدة فسألَ منها شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فنظرَتْ زبيدةُ فلم يكن عندها شيءٌ أعزَّ عليها وأحبَّ عندها (٤) من مصحف (٥) كانت تقرأ فيه القرآن (٦)، وكان مكتوبًا كله بالذهب، وكانت أنفقَتْ عليه أربعين مرَّةً خراج مصر، فناولته السائل، وقالت: خذ هذا فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ منه؛ لأدخل تحت هذه الآية، فقال لها السائل: إن كان بقي عندك أو معك شيءٌ أحب إليك من هذا المصحف ولم تدفعيه فلا تدخلين في هذه الآية، فدعَتْ بمقراضٍ، وقطعَتْ شعرها ورمَتْ إليه وقالت: لم يكن عندي شيءٌ أحبَّ إليَّ من هذا؛ أمَّا الشَّعرُ فكان (٧) زينةَ بدني، والقرآنُ زينة قلبي، فأعطيتك الزِّينتين لأدخل تحت هذه الآية (٨).

стр. 1788

وحُكي أنَّ الربيع بن خثيم ضربه الفالج، فكان السَّائل يقوم على بابه يسأل (١)، فيقول الرَّبيع لجاريته: أطعميه السكر فإن الربيع يحب السكر، يتأوَّل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢). وطال به وجعُه، فاشتهى لحم دجاجٍ، فكفَّ نفسه أربعين يومًا فأبت (٣)، فقال لامرأته (٤): لقد اشتهيتُ لحم دجاج منذ أربعين يومًا، فكففْتُ نفسي رجاء أن تكفَّ فأبتْ، فقالت له امرأته: سبحان اللَّه! وأيُّ شيءٍ هذا، تكفَّ نفسك عنه وقد أحلَّه اللَّه تعالى لك؟! فأرسلت امرأتُه (٥) إلى السوق فاشترَتْ له دجاجةً بدرهمٍ ودانقين، فذبحتْها وشوتها، وخبزت له خبزًا، وجعلَتْ له أصباغًا، ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه، فقام سائل على الباب، فقال: تصدَّقوا عليَّ بارك اللَّه فيكم، فكفُّ عن الأكل، وقال لامرأته: خذي هذا وادفعيه إليه، فقالت له امرأتُه: سبحان اللَّه! قال:

стр. 1789

افعلي ما آمرك به، قالت: فأصنع ما هو خيرٌ له، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك، قال: قد أحسنْتِ، ائتيني بثمنه، فجاءت بثمنه، فقال: ضعيه على هذا، وخذيه وادفعيه جميعًا إليه، ففعلت (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: هو (٢) على الشرط، ولذلك جُزم فحُذف النون من آخره، والفاء بمعنى الجزاء؛ أي: ما فعلتم فهو محفوظٌ عليكم وأنتم مَجزيُّون به. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: فيه دليلُ قَبول القليل من الصدقة؛ لأنَّهم كانوا يمتنعون عن قليل التَّصدُّق (٣) استحقارًا، فأخبر أنه بذلك عليم (٤) وإن قلَّ، بعد أن يكون للَّه تعالى (٥). وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ قال: منهم مَن ينفق على ملاحظةِ الجزاء، ومنهم مَن ينفق على مراقبةِ دفعِ البلاء، ومنهم مَن ينفق اكتفاءً بعلمه، قال قائلهم: ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العُلا... لتُذكرَ يومًا عند سَلمى شمائلُه (٦) * * *

стр. 1790

(٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: قال الكلبيُّ: كان يعقوبُ صلوات اللَّه عليه يشتكي عرق النَّسا، وكان أصلُ وجعه أنَّه أقبل من حرَّان (١) يريد بيت المقدس، فلقيه ملأَ وهو خلف الأثقال، فظن يعقوبُ ﵇ أنه لصٌّ فعالجه أن يُصارعه، فغمز الملَكُ فخذَ يعقوب، فكان يَبيت اللَّيل ساهرًا ويَنْصَبُ نهاره، فأقسم لئن شفاه اللَّه ليحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه على نفسه، فشفاه اللَّه، فحرَّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وكان أحبَّ الطعام والشراب إليه، ثم استنَّ ولدُه بسنَّته، فلمَّا أُنزلت التوراة على موسى حُرِّم عليهم فيها لحومُ الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه، فسأل رسولُ اللَّه ﷺ اليهودَ، فقالوا: كل شيءٍ أصبحنا اليوم نحرِّمه فإنه كان محرَّمًا على نوحٍ حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم، فكرهوا أن يأتوا بالتوراة؛ لأن الذي حُرِّم عليهم في التوراة غير الذي حُرِّم عليهم بظلمهم وكفرهم، فكلُّ شيءٍ
следующие страницы →