← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

أصحابُه: إنهم يخدعونك، فكان يقول: مَن خدَعَنا باللَّه انْخَدعْنا له (١). قال: وكان ابنُ عمر ﵄ مريضًا، فاشتهى عنبًا، وذلك في الشِّتاء، فخرج بنوه فاشتروا له عنقودًا بدرهمٍ، فلمَّا أُتي به أخذ منه حبَّةً، فإذا (٢) سائلٌ يسأل، فأعاد الحبَّة في موضعها، ثم قال: يا سالم، ناولْه العنقود، فإني سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "خيرُ الصَّدقةِ ما كان على شهوتها"، فناولَه سالم، ثم اشتراه منه بدرهمٍ، وجاءَ به إليه، وقال: كلْ شهوتَك، فإذا سائلٌ يسأل، فأعادَها إلى موضعها، وفعل كالأوَّل، فكان كذلك ثلاث مراتٍ، ومات عبد اللَّه بشهوته (٣). وقال أنسٌ ﵁: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية جاء زيدُ بن حارثة بفرسٍ له كان يحبُّه فقال: هذا في سبيل اللَّه، فحمل النبيُّ ﷺ عليها أسامةَ بن زيدٍ، فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه، فقال النبيُّ ﷺ : "أمَّا اللَّه فقد قبلها منك" (٤). وروي أن ضيفًا ضاف أبا ذرٍّ الغفاريَّ، فقال للضَّيف: إني مشغولٌ، فاخرج إلى البرِّ فإنَّ لي بها إبلًا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقةٍ مهزولةٍ، فقال أبو ذر: خُنْتَني! فقال: وجدْتُ خيرَ الإبل فَحلَها، فذكرْتُ يوم حاجتكم (٥) إليه، فقال أبو ذرٍّ ﵁: إنَّ يوم حاجتي إليه يوم أوضعُ في قبري، مع أن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٦).

стр. 1787

وحُكي أن زبيدة رحمها اللَّه اتخذَتْ مصحفًا بسبعين قطعة كُتب (١) بالذَّهب على الرقِّ، وجُعلت ظهورها من الذهب (٢) مرصعةً بالجواهر، فبينا هي تقرأ القرآن ذات يوم انتهَتْ إلى هذه الآية، فلم يكُ شيءٌ احبَّ إليها من هذا المصحف، فقالت: عليَّ بالصَّاغة، وأمرَتْ بالذهب والجواهر فبِيعَتْ، وأمرَتْ بحفر الآبار والحياض في البادية من ثمنها (٣). وفي "الأنوار" ذُكِرَ لها طريقٌ آخر فقالَ: إن سائلًا أتى زبيدة فسألَ منها شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فنظرَتْ زبيدةُ فلم يكن عندها شيءٌ أعزَّ عليها وأحبَّ عندها (٤) من مصحف (٥) كانت تقرأ فيه القرآن (٦)، وكان مكتوبًا كله بالذهب، وكانت أنفقَتْ عليه أربعين مرَّةً خراج مصر، فناولته السائل، وقالت: خذ هذا فليس شيءٌ أحبَّ إليَّ منه؛ لأدخل تحت هذه الآية، فقال لها السائل: إن كان بقي عندك أو معك شيءٌ أحب إليك من هذا المصحف ولم تدفعيه فلا تدخلين في هذه الآية، فدعَتْ بمقراضٍ، وقطعَتْ شعرها ورمَتْ إليه وقالت: لم يكن عندي شيءٌ أحبَّ إليَّ من هذا؛ أمَّا الشَّعرُ فكان (٧) زينةَ بدني، والقرآنُ زينة قلبي، فأعطيتك الزِّينتين لأدخل تحت هذه الآية (٨).

стр. 1788

وحُكي أنَّ الربيع بن خثيم ضربه الفالج، فكان السَّائل يقوم على بابه يسأل (١)، فيقول الرَّبيع لجاريته: أطعميه السكر فإن الربيع يحب السكر، يتأوَّل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢). وطال به وجعُه، فاشتهى لحم دجاجٍ، فكفَّ نفسه أربعين يومًا فأبت (٣)، فقال لامرأته (٤): لقد اشتهيتُ لحم دجاج منذ أربعين يومًا، فكففْتُ نفسي رجاء أن تكفَّ فأبتْ، فقالت له امرأته: سبحان اللَّه! وأيُّ شيءٍ هذا، تكفَّ نفسك عنه وقد أحلَّه اللَّه تعالى لك؟! فأرسلت امرأتُه (٥) إلى السوق فاشترَتْ له دجاجةً بدرهمٍ ودانقين، فذبحتْها وشوتها، وخبزت له خبزًا، وجعلَتْ له أصباغًا، ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه، فقام سائل على الباب، فقال: تصدَّقوا عليَّ بارك اللَّه فيكم، فكفُّ عن الأكل، وقال لامرأته: خذي هذا وادفعيه إليه، فقالت له امرأتُه: سبحان اللَّه! قال:

стр. 1789

افعلي ما آمرك به، قالت: فأصنع ما هو خيرٌ له، قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك، قال: قد أحسنْتِ، ائتيني بثمنه، فجاءت بثمنه، فقال: ضعيه على هذا، وخذيه وادفعيه جميعًا إليه، ففعلت (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: هو (٢) على الشرط، ولذلك جُزم فحُذف النون من آخره، والفاء بمعنى الجزاء؛ أي: ما فعلتم فهو محفوظٌ عليكم وأنتم مَجزيُّون به. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: فيه دليلُ قَبول القليل من الصدقة؛ لأنَّهم كانوا يمتنعون عن قليل التَّصدُّق (٣) استحقارًا، فأخبر أنه بذلك عليم (٤) وإن قلَّ، بعد أن يكون للَّه تعالى (٥). وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ قال: منهم مَن ينفق على ملاحظةِ الجزاء، ومنهم مَن ينفق على مراقبةِ دفعِ البلاء، ومنهم مَن ينفق اكتفاءً بعلمه، قال قائلهم: ويهتزُّ للمعروفِ في طلبِ العُلا... لتُذكرَ يومًا عند سَلمى شمائلُه (٦) * * *

стр. 1790

(٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: قال الكلبيُّ: كان يعقوبُ صلوات اللَّه عليه يشتكي عرق النَّسا، وكان أصلُ وجعه أنَّه أقبل من حرَّان (١) يريد بيت المقدس، فلقيه ملأَ وهو خلف الأثقال، فظن يعقوبُ ﵇ أنه لصٌّ فعالجه أن يُصارعه، فغمز الملَكُ فخذَ يعقوب، فكان يَبيت اللَّيل ساهرًا ويَنْصَبُ نهاره، فأقسم لئن شفاه اللَّه ليحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه على نفسه، فشفاه اللَّه، فحرَّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وكان أحبَّ الطعام والشراب إليه، ثم استنَّ ولدُه بسنَّته، فلمَّا أُنزلت التوراة على موسى حُرِّم عليهم فيها لحومُ الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه، فسأل رسولُ اللَّه ﷺ اليهودَ، فقالوا: كل شيءٍ أصبحنا اليوم نحرِّمه فإنه كان محرَّمًا على نوحٍ حتى انتهى إلينا، فنزلت الآية: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم، فكرهوا أن يأتوا بالتوراة؛ لأن الذي حُرِّم عليهم في التوراة غير الذي حُرِّم عليهم بظلمهم وكفرهم، فكلُّ شيءٍ

стр. 1791

هو حلالٌ اليوم كان حلالًا لآدم ﵇ إلَّا ما حرَّم إسرائيل على نفسه (١). فأمَّا ما حرَّم اللَّه تعالى على اليهود فبظلمهم: كانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبًا عظيمًا حرَّم اللَّه تعالى عليهم به طعامًا طيبًا، وصبَّ عليهم رجسًا وهو الموت، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وإنما حُرِّمت عليهم بعد التوراة، وكانت في التوراة لهم حلالًا، فالآية ردٌّ على اليهود أيضًا كالآيات المتقدمة، فكانوا يقولون: إن إبراهيم على ديننا، والمحرَّمات اليوم محرَّمات زمانَه، ولا يرون نسخ الشرائع، فرد اللَّه تعالى عليهم ذلك؛ أن هذا ليس من محرَّمات زمن إبراهيم، ولستم على دينه. قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾؛ أي: كلُّ الأطعمة التي تنازعتُم فيها، وليس بعموم الاستيعاب، فإن منها ما هو حرامٌ قبل ذلك من الميتة والدم ولحم الخنزير، فإنه كان محرَّمًا أبدًا. قوله تعالى: ﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو لحوم الإبل وألبانُها على ما ذكرنا، وكان ذلك بتحريمه على نفسه باليمين، كما قال تعالى في حقِّ نبيِّنا ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وهو العسل، أو ماريةَ القِبطية على ما رُوي. وحرِّم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة ما ذُكر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ

стр. 1792

ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، واليهود كانوا يقولون: هذا كلُّه كان حرامًا (١) من زمن نوحٍ، فردَّ اللَّه تعالى عليهم ذلك: وهو (٢) قولُه ﷻ : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: فاستحضرَهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فلم يُحضروها لعلمهم أنهم كاذبون، وفي ذلك أوضح دلالةٍ على صدق نبيِّنا ﵊. * * * (٩٤) - ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: أي: ادَّعى تحريمَ ذلك في التوراة ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد هذا البيان ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: والافتراء (٣) قبل هذا البيانِ كان ظلمًا أيضًا، لكن هذا أفحشُ وأشدُّ، وهو كما يُقال: مَن ذبَّ عن غيره في القتال فذلك هو الشجاع؛ أي: هو النهايةُ في الشجاعة. * * * (٩٥) - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾: أي: في قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، لا أنتم فيما قلتُم. قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: نصب على الحال ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كاليهود والنَّصارى، فاتَّبِعُوه في استحلال ذلك كلِّه.

стр. 1793

وقال الحسنُ: أي: صدق اللَّه أن إبراهيمَ كان حنيفًا مسلمًا، فاتَّبِعوا ملَّته (١). وقال القشيريُّ ﵀: ملَّةُ إبراهيم: الخروجُ إلى اللَّه بالكليَّة، والتَّسليمُ لحكمه من غير أن تبقى بقيَّة (٢). * * * (٩٦) - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾: انتظامُها بما قبلها: أن في الآية الأولى ذكرَ ملَّة إبراهيم، وفي هذه الآية ذكرَ (٣) قِبلةِ إبراهيم، ولأنَّ (٤) الحجَّ ممَّا يختصُّ بالملَّة الحنيفيَّة فذكر الكعبةَ وشأنها، ثم الحجَّ إليها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ قال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ والحسنُ البصري: أي: أوَّلُ بيتٍ وُضع للعبادة، وقد كان قبله بيوتٌ (٥). وقيل: أوَّل بيتٍ مبارَكٍ وُضع للنَّاس. وقيل: أي: أوَّل مسجدٍ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧].

стр. 1794

وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: أوَّل بيتٍ وضع لحجِّ النَّاس (١). وقال مجاهد وأكثر أهل العلم: بل (٢) هو أوَّل مكانٍ من الأرض، ومنه دحيت الأرض (٣). وفي الخبر: أنَّ مكان البيت خُلق قبلَ خلق الأرض بألفي عامٍ، ولَمَّا حجَّ آدم ﵇ تلقَّته الملائكة ﵈، فقالوا: بُرَّ حجُّكُ، أَمَا إنَّا حججْنا هذا البيت قبلَك بألفي عام (٤).

стр. 1795

وقال وهب بن منبِّه: لَمَّا هبط آدم إلى الأرض شكى الوحشة، فقال اللَّه تعالى له: أمَا إني سأجعل فيها من ذريتك مَن يسبِّح بحمدي ويقدِّس لي، وسأبوِّء لك بيتًا منها أختاره لنفسي، فأخصُّه (١) بكرامتي، وأُوثره على بيوت الأرض كلِّها، وأسمِّيه بيتي، وإني اخترْتُ مكانه يوم خلقْتُ السماوات والأرض، أجعل ذلك البيت لك (٢) ولمن بعدك حرمًا آمنًا، أحرِّم بحُرمته ما فوقَه وما تحتَه وما حولَه (٣). وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: كان في موضع الكعبة قبل خَلْقِ آدم بيت كان (٤) يقال له: بيت الضُّراح (٥). فلمَّا أُهبط آدمُ إلى الأرض قالت له الملائكةُ طفْ حول هذا، فلقد طفنا حولَه قبلك بألفي عامٍ، فطاف به آدمُ ومن بعده بنوه (٦) إلى زمن نوحٍ ﵇، فلمَّا أراد اللَّهُ الطُّوفان حُمل إلى السماء الرابعة، وهو البيت المعمور بحيال الكعبة، يطوف به ملائكة السماوات، ودفنَ جبريل ﵇ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس (٧).

стр. 1796

وقال مقاتل: ولَمَّا حُوِّلت القِبلةُ إلى الكعبة شقَّ ذلك على أهل الكتاب، وقالوا: تعمدون إلى حجارةٍ مبنيَّةٍ فتطوفون بها وتصلُّون إليها وتركتم بيت المقدس (١) أرضَ البركة وأرض المنشر والمحشر، الأرضَ المقدَّسة التي بارك اللَّه تعالى فيها للعالمين، والجبلَ الذي كلَّم اللَّه تعالى عليه موسى صلوات اللَّه عليه، فذمُّوا الكعبةَ ومدحوا بيت المقدس، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية (٢). وكانت قبلة بيت المقدس أربعين سنةً (٣). ثم إضافةُ الكعبة إلى إبراهيم ليست لابتداء بنائه، بل لرفعِه قواعدَها وإظهارِه ما درسَ منها. قال الإمام القشيريُّ ﵀: لا تعلِّقْ قلبَك بأوَّل بيتٍ وُضع لك، ولكن أَفْرِدْ سرَّك للأوَّل الآخر (٤) الذي آثرك، وشتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أوَّل بيتٍ وُضع له، وبين عبدٍ لازَمَ حضرةَ أوَّل عزيزٍ كان له (٥).

стр. 1797

وقال: البيت حَجَرة، والعبد مدَرة، فربَط (١) المدَرة بالحجرة. ثم هو حجرٌ ليس كسائر الأحجار، هو حجرٌ لقلوب الأحباب مُزعِج، بل لأكباد الفقراء مُنضِج (٢)، بل لقلوب قومٍ مثلج، ولأرواح قومٍ مبهج، ولصدور قومٍ مُحرج، ولأرواح قوم مُخرج (٣). بيتٌ هو مقصد الأحباب ومزارُهم، وعنده تُسمع أخبارهم، وتُشهد آثارهم، نزلوا ببيتٍ كما قيل في بيتٍ (٤): إنَّ الدِّيار وإن صمتت (٥) فإن لها... عهدًا بأحبابنا إذ عندها نزلوا (٦) قوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ اللَّام للَّتأكيد في خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكَّة، والباء والميم يتناوبان لأنهما من مخرجٍ واحدٍ، يُقال: سبَد رأسَه وسمدَه؛ أي: استأصل شعره بالحلق. وأَغبطت عليه الحمَّى وأَغمطت؛ أي: دامَتْ، وضَرْبُ لازمٍ ولازبٍ؛ أي: دائم. وسُمِّيت بكَّة لأنَّها تبكُّ أعناق الجبابرة -أي: تدقُّها- إذا قصدوها بسوءٍ.

стр. 1798

وقيل: سمِّيت بكَّة من قولهم: بكَّهُ يبكُّهُ: إذا زحمه، وتباكَّ النَّاسُ؛ أي: تزاحموا، سميت بذلك لازدحام النَّاس بها في الحجِّ. وقيل: سُمِّيت بها لأنَّ النَّاس يتباكُّون حولها وفيها؛ أي: يتدافعون، وقد (١) بكَّه يبكُّه؛ أي: دفعه، قال الشَّاعر: إذا الشَّريبُ أخذَتْهُ أَكَّةْ... فخَلِّهِ حتَّى يَبُكَّ بَكَّةْ (٢) أي: حتى يدفعَ إبله دفعةً فيسقيها، والأكَّةُ: الغَضْبةُ. وسُمِّيت مكَّة لأنها تمكُّ الذنوب؛ أي: تَذهبُ بها كلِّها، من قولهم: مكَّ الفصيلُ أمَّه وامْتَكَّ: إذا امتصَّ ضرع أمِّه وشرب كلَّ ما فيه. وقيل: مكَّة اسمٌ لكل البلدة، وبكَّة قَدْرُ موضع الكعبة من الأرض. وقيل: بكَّة أرض مكَّة. وذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: مكَّة من فجٍّ إلى التنعيم إلى المنحر، وبكَّة (٣) من البيت إلى البطحاء (٤). قوله: ﴿مُبَارَكًا﴾: أصل البركة: ثباتُ الخير ودوامُه ونموُّه، والبِرْكة: الحوضُ من ذلك، وبروك الجمل من ذلك، وتبارك (٥) اللَّه؛ أي: كثُرَ خيرُه ودامَ، ونصبه لوجهين:

стр. 1799

أحدهما: للقطع؛ لأنه نكرةٌ بعد ذكر المعرفة (١). والثاني: للحال؛ فإن الباء في قوله تعالى: ﴿بِبَكَّةَ﴾ للظرف، وفيه إضمار فعلٍ، كأنه قيل: استقر ببكَّة مباركًا، فكان حالًا. فبركة (٢) هذا البيت ممَّا لا يخفى، ولكثرتها لا تُحصى. ومنها: أنه يُجبى (٣) إليه ثمرات كلِّ شيءٍ، ولمن حجَّه المغفرة والجنَّة، وتضعيف الحسنات، وكثرة الدَّرجات. وقال النبيُّ ﷺ : "صلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ مِن مئةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواه" (٤). وقال ﵊: "مَنْ حَجَّ هذا البيتَ فلم يرفثْ ولم يفسقْ خرجَ مِن ذنوبِه كيومَ ولدتْهُ أمُّهُ" (٥). وقال ﵊: "الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة" (٦). قوله تعالى: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: نصبٌ؛ عطفًا على ﴿مُبَارَكًا﴾.

стр. 1800

وقيل: معناه: وقبلةً للعالمين يهتدون به إلى جهة صلواتهم. وقيل: أي: يهتدون بإجابتهم إلى ما تَعبَّدوا به عنده. وقيل: وهدًى إلى الجنة. وقيل: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ بما فيه من الآيات والدلالات على وحدانيته ﵎ (١)، لأنه دلالة على أن اللَّه تعالى هو المدبِّر له بما لا يقدر عليه غيرُه؛ من أَمْن الوحش فيه، حتى يجتمع الذِّئب والظَّبي، وحتى يأنس (٢) الطير فلا يمتنع فيه كما يمتنع في غيره، وما أشبهه من الآيات. * * * (٩٧) - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: وقرأ ابن عباسٍ ﵄: (فيه آيةٌ بينةٌ) على الواحد (٣)، لأنه فسَّره بشيءٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، فالأليق به أن يكون الأوَّل واحدًا. وأمَّا قراءة الجمع فلها وجوهٌ: قال الأخفش: تقديرُ الآية: فيه آيات بيِّنات منها مقامُ إبراهيم (٤)، فاكتفى بذكر

стр. 1801

واحدةٍ وترك سائرَها، وهي معلومةٌ محسوسةٌ لهم، فكان ذكرُها ذكرَ سائرها، كقولك: (تعلَّمْت أب ت ث) فإنَّك تريد كلَّ الحروف. وقال الكسائي: فيه وجوهٌ: إن شئت على العطف بغير واوٍ، كأنه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ وفيه مقام إبراهيم وغيرُه (١). وإن شئْتَ قلْتَ (٢): على الإضمار، كأنَّه قال: فيه آياتٌ بيناتٌ منها مقام إبراهيم. وقيل: المقام مع أنه واحدٌ هو آياتٌ بيِّناتٌ؛ لأن المقام دلَّ على وحدانية اللَّه تعالى وكمال قدرته وعلمه وسائر صفاته وأسمائه، وعلى نبوَّة إبراهيم وصدق دعوته وصدق شرائعه، فكانَ المقامُ الواحد آياتٍ بيِّناتٍ على هذا الوجه، وعلى هذا الوجه (٣) تقديرُه: فيه آياتٌ بيناتٌ هي مقام إبراهيم. وقيل: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أريد به المقامات، فهو جمع بحذف الهاء، فالواحدة (٤): مَقامة، وجمعُها: المقام، كالمعونة يجمع على المعون؛ قال جميل: بُثَيْنُ الْزَمِي (لا) إنَّ (لا) إنْ لَزِمْتِهِ... على كثرةِ الواشينَ أيُّ مَعونِ (٥) والمراد بالمقامات: مناسكَ الحج (٦)، وهي المواضع التي قام فيها إبراهيم

стр. 1802

لأداء أفعال الحجِّ، فصحَّ ذلك تفسيرًا لـ ﴿آيَاتٌ﴾ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها جمع. وقيل: الآيات البيِّنات: الشَّعائرُ، فإنَّ الشَّعائر هي العلامات، والآيات كذلك. وقال أبو رجاء: قال الحسن: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، وعدَّهن الحسنُ في أصابعه: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١). وبمثله قال ابن جريجٍ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وليس ذلك لبيت المقدس، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وليس ذلك لبيت المقدس، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ وليس ذلك لبيت المقدس (٢). فقد فسَّر الآيات بثلاثة أشياءَ، وصار تقديرُه: فيه آياتٌ بيناتٌ: مقام إبراهيم، وأنَّ مَن دخله كان آمنًا، و [أنَّ] للَّه على الناس حج البيت (٣)، وحذفت (أنَّ) للاختصار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ أي: وأنْ أقيموا وجوهكم (٤). فأما (٥) بيان قولنا: مقامُ إبراهيم وغيرُه، فشرحُ ذلك: أنَّ مقام إبراهيم وهو ذلك الحجَر، ففيه أثر قدَمي إبراهيم حيث ساخَتْ فيه قدماه، ليَّنه اللَّه تعالى له.

стр. 1803

واختُلف في أصل ذلك: قيل: إن إبراهيم وإسماعيل رفعَا القواعدَ من البيت، فلما ارتفع ذلك احتاج إبراهيم إلى شيءٍ يقوم عليه، فوضع حجرًا ووضع قدمه عليه، فساخت فيه. وقيل: إن أصله: أن امرأة إسماعيل ﵇ أرادت أن ترجِّله وهو راكبٌ، فوضعت حجرًا حتى وضع إبراهيم قدمه عليه، فرجَّلته، وأثَّرت قدمُه فيه. وقيل: هو الذي قام عليه وأذَّن في الناس بالحج. ويجوز أن يكون قام عليه في هذه المواضع كلها. فأما غيرُ ذلك من الآيات التي عُرفت من غير ذكر: فأمْنُ الصَّيد من الناس والذِّئابِ والكلاب، وقلةُ ما يجتمع من الحصى عند الجمرات مع كثرتها وطولِ المدَّة فيها وتوافُرِ الرَّامين في الألوف من السنين من غيرِ رفعِ إنسانٍ ومرورِ سيلٍ عليه (١)، وتركُ الحمام أن يعلو البيتَ أو يقع عليه، وانحرافُها عنه إذا كادت تصير فوقه، وقصةُ أصحاب الفيل، وشأنُ الحجر الأسود، وما روي أنه أودع فيه كتاب أخذ الميثاق على ذرية آدم (٢)،

стр. 1804

وأنه يمينُ اللَّه في الأرض يصافح به عباده (١)، وأنه ياقوتةٌ من الجنَّة (٢)، وأن له يوم القيامة لسانًا وعينين وشفتين، يشهد لمن وافاه بالحج والعمرة (٣).

стр. 1805

قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: قد ذكرنا أنه عند بعضهم ذلك الحجر. وقيل: هو الموضع الذي يُصلَّى فيه من المسجد الحرام، قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقيل: هو مواضع (١) أداء أمور الحج. وقيل: هو الحرم كلُّه. وقال الشِّبليُّ (٢): ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الخلَّة (٣). وقال محمَّدُ بن عليٍّ التِّرمذيُّ ﵀: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو بذلُ النَّفس والمال والولد في رضى (٤) خليله، فمَن نظر إلى عين المقام ولم يتحلَّ بما تحلَّى به (٥) إبراهيم من بذل النَّفس والمال والولد ولم يُسلم فقد بطل سفرُه وضاعَتْ رحلتُه (٦).

стр. 1806

قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: قال يحيى بنُ جَعْدةَ: أي: كان آمنًا من النَّار (١). وتحقيقُه: مَن دخلَه معظِّمًا (٢) له متعبِّدًا للَّه تعالى أمنَ من النَّار بوعد اللَّه تعالى. قال عطاء: مَن مات في الحرم بُعث آمنًا. وتلا هذه الآية (٣). وقد (٤) روي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ ماتَ في أحدِ الحرمَيْنِ مكَّةَ أو المدينة بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا" (٥).

стр. 1807

وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: ومَن دخلَه مصدِّقًا بفَرْضيَّة حجِّه كان آمنًا من عذاب اللَّه الذي يستحقُّه الجاحدون له (١). وقال قتادة: كان الحرم أمنًا في الجاهليَّة ومَفزعَ كلِّ خائفٍ ومَلجأَ كلِّ جانٍ، لا يُهاج فيه ذو (٢) جَريرةٍ، ولا يُتعرَّض (٣) فيه لقاتل، فأمَّا اليوم فمَن سرق فيه قُطع، ومَن قَتلَ فيه قُتل، وأحبُّ البقاع إلى اللَّه ما تُؤدَّى فيه فرائض اللَّه تعالى (٤). وهذا في حقِّ مَن جنى فيه، فأمَّا الجاني إذا التجأ إليه كالحربيِّ والمرتدِّ والقاتل؛ فعند الشافعي يُقتَل فيه، وعندنا لا يُقتل فيه (٥)، ويُلجأ إلى أن يَخرج منه فيقامَ عليه ذلك؛ لهذه الآية (٦). فإنَّ قولَه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ تقديرُه: ومَن يدخلْه يكنْ آمنًا؛ لأنَّه شرطٌ وجزاءٌ، وذلك يكون في المستقبل دون الماضي، ولكلمة الشرط والجزاء أثرٌ في هذا، وهو تغيير الماضي إلى معنى المستقبل؛ فإنَّ قولَك: إنْ زرْتَني زُرْتُكَ، في معنى (٧): إن تَزُرْني أَزُرْكَ.

стр. 1808

والآيةُ في حقِّ مَن جنَى؛ فإنَّ غير الجاني آمنٌ حيث دخل، فإنَّما خُصَّ الحرمُ بذلك لوقوع الأمن فيه لمن جنَى ثم دخله. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: إذا أصابَ الرَّجلُ الحدَّ في الحرم أُقيم عليه، وإنْ (١) أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه لا يُحدَّث ولا يُجالس ولا يُؤاكل ولا يُبايع، حتى يَخرجَ منه، فيُؤخَذ فيُقام عليه الحدُّ (٢). وقال ابن عمرٍ ﵄: لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتلْه (٣). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في الفرقِ بينَ مَن قَتلَ فيه وبين مَن قَتلَ ثم دخلَه: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] أباح لهم القتل عند المسجد الحرام إذا قاتلونا، فعلى ذلك يُقام الحدُّ إذا أصابه (٤) وهو فيه، وإذا أصاب في غيره ثم لجأ إليه لم يُقَم (٥)، كما (٦) لم نقاتلْ إذا لم يقاتلونا. قال: وهذا فرقٌ حسنٌ واضحٌ (٧). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ في الظَّاهر: ما تأثَّر بقدمه، وفي

стр. 1809

الإشارة: ما وقف عليه الخليل بهمَّته، وشَرُفَ مقامُ إبراهيم لأنه أثر الخليل، وأثرُ الخليل عند الخليل له خطرٌ جليلٌ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾؛ أي: دخل مقام إبراهيم ﵇، ومقام إبراهيم التسليمُ، فمَن سلَّمَ الأمورَ إلى اللَّه تعالى لم يبقَ له اختيارٌ، ومَن سقطَ اختيارُه ثبتَ أمنُه وزال حِذارُه. قال: ويُقال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ يرجع إلى البيت، ومعناه: دخوله على وصف الأدب، وأدبُ دخول البيت تسليمُ الأمور إلى ربِّ البيت. قال: ويقال: لا يكون دخول البيت على الحقيقة إلَّا بخروجك عنك، فإذا خرجْتَ عنك صحَّ دخولُك في البيت. قال: ويقال: دخولك في بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإنَّ الشَّخص الواحد لا يكون في حالةٍ واحدةٍ في مكانَين، فمَن دخل بيتَ ربِّه فبالحَرِيِّ أن يخرج من معاهد (١) نفسه؛ ليُكرَم بالدُّخول في مشاهد (٢) قُدسه (٣). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾: الحَجُّ بالفتح والكسر لغتان، كالسَّلْم والسِّلْم، والوَتْر والوِتْر، والكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل (٤) الحجاز وأهل العالية. وتفسيره: زيارةُ البيت، في اللُّغة.

стр. 1810

ومعناه: هو أفعالٌ مخصوصةٌ من المناسك في الشَّريعة. و ﴿عَلَى﴾ كلمةُ إيجاب، فدلَّ به (١) على الفَرْضيَّة. قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: و ﴿مَنِ﴾ بدل مِن قوله: ﴿النَّاسِ﴾، وهو خفضٌ، وتقديرُه: على مَن استطاع؛ أي: قدرَ وأطاق إلى البيت ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا؛ أي: قدرَ على الذَّهاب إليه، وأراد به قُدرةَ سلامة الآلات والأسباب. وفسَّره النبيُّ ﷺ بالزَّاد والرَّاحلة (٢)، وهذه تتقدَّم على الفعل، فأمَّا الاستطاعة -التي هي قدرة الفعل- فإنها مع الفعل عندنا، خلافًا للمعتزلة، فإنهم يقولون: إنها سابقةٌ على الفعل. و ﴿النَّاسِ﴾ في هذه الآية هم المؤمنون دون الكفَّار؛ فإنهم غيرُ مخاطَبين بأداء الشَّرائع عندنا، وعند الشَّافعي هم مخاطبون بها.

стр. 1811

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀ في (١) قول الشَّافعيِّ: إنَّ العبادات تجب على الكافر في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه: وذلك عندنا لعبٌ وعبثٌ في دين اللَّه، لا يجوز (٢) أن يلزمه فرضٌ في حالٍ لا يجوز له فعله، فإذا جاء سبب الجواز سقط عنه (٣). والاستطاعةُ عند بعضهم: صحَّةُ البدن. وقد بيَّنا وجوه ذلك وشرائطه على الاتفاق والاختلاف في "حصائل المسائل" (٤). وقالوا: لَمَّا نادى الخليلُ الخلقَ بالحج باسم النَّاس، فقال: يا أيُّها النَّاس، إنَّ اللَّه قد بنى لكم بيتًا وأمركم أن تحجُّوه فحجُّوه = ذكرَ اللَّهُ تعالى أمور الحج في آيٍ مِن القرآن مقرونًا باسم النَّاس؛ فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج: ٢٧]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨]، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الاستطاعة أنواعٌ؛ فمستطيعٌ بنفسه، ومستطيعٌ بماله، ومستطيعٌ بغيره، والأهم وقد (٥) غفل عنه الأكثرون: مستطيعٌ بربِّه، وإليه نظرُ كلِّ محقِّق، فإن بلاياه لا يحملها إلَّا مطاياه.

стр. 1812

ثم إذا كان البيتُ المنسوب إليه لا يوصل إليه من ناحيةٍ من نواحيه إلَّا بقطع المفاوز والمتاهات، فكيف يطمع أن يصلَ إلى ربِّ البيت بدون تحمُّل المشقَّات ومفارقة الرَّاحات؟ ثم حجُّ البيت على أصحاب الأموال، وحجُّ ربِّ البيت على أصحاب الأحوال، وقد ينسدُّ الطَّريق إلى البيت في أحوالٍ، ولا ينسدُّ الطَّريق إلى ربِّ البيت بحال. والحجُّ هو القصد إلى مَن يعظِّمه، فقاصد بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود ربِّ البيت، فالقاصدون بنفوسهم أحرموا عن محرَّمات الإحرام، والقاصدون بقلوبهم أحرموا عن شهود الغير وجميع الأنام، هؤلاء تحلُّلهم عن إحرامهم عند قضاء نسكهم، وهؤلاء تحلُّلهم عن إحرامهم عند شهود ربِّهم (١). وسبيلُ مَن حجَّ البيت أن يقوم بآداب (٢) الحجِّ، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عقدٍ يصدُّه عن هذا (٣) الطَّريق، وينقض كلَّ عزمٍ يردُّه عن هذا التَّحقيق. وإذا تطهَّر تطهَّر عن كلِّ دنسٍ من آثار الأغيار بماء الحياء، ثم بماء الوفاء، ثم بماء الصَّفاء. وإذا تجرَّد عن ثيابه تجرَّد عن كلِّ ملبوسٍ له من الأخلاق الذَّميمة والأفعال اللَّئيمة. وإذا لبَّى بلسانه وجبَ ألَّا تبقى شعرةٌ من بدنه إلَّا استجابَتْ للَّه تعالى. فإذا بلغ الموقف وقفَ بقلبه وسرِّه حيث وقَفه (٤) الحقُّ بلا اختيارِ مقامٍ.

стр. 1813

وإذا وقف بعرفات عرفَ الحقَّ سبحانه، وعرفَ له حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى اللَّه تعالى بتبرُّئه عن قوَّته وحوله، والحقُّ سبحانه يَتَعَرَّفُ إليه بتولِّيه بمنَّته وطَوله. وإذا بلغَ المشعر الحرام يذكر مولاه بلسان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه ربَّه مع ذكر نفسه. فإذا بلغ منًى نفى عن قلبه كلَّ طلبٍ ومُنًى، وكلَّ شهوةٍ وهوًى. فإذا بلغ رميَ الجمار رمى عن قلبِه وحذفَ عن سرِّه كلَّ علاقةٍ في الدُّنيا والعقبى. فإذا ذبح ذبح هواه بالكليَّة، وتقرَّب به إلى اللَّه تعالى. فإذا دخل الحرم عزم على التَّباعد عن (١) كلِّ محرَّم. فإذا وقعَ طَرْفه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت. فإذا طافَ بالبيت أخذ سرُّه في الجولان في الملكوت. فإذا سعى بين الصَّفا والمروة صفا عن كلِّ كدورة بشريَّةٍ وكلِّ آفةٍ إنسانيَّةٍ. فإذا حلقَ قطعَ (٢) كلَّ علاقةٍ بقيت له. وإذا تحلَّل (٣) من إحرام نفسه وقَصْدِه إلى بيت ربِّه استأنف إحرامًا جديدًا بقلبه. وكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربِّه يخرج من بيت ربِّه إلى ربِّه، فمَن

стр. 1814

استكمل (١) نُسكه فإنما عمل لنفسه، ومَن قصَّرَ فإنَّ اللَّه غنيٌّ عن العالمين (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: أي: مَن لم يرَ الحج فرضًا فقد كفر. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أي: مستغنٍ عنهم وعن طاعاتهم، وإنما أمَرهم به لينفعهم لا لنفعه (٣). وروى أبو أمامة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ ماتَ ولم يحجَّ حجَّةَ الإسلامِ، ولم تمنعْهُ حاجةٌ ظاهرةٌ أو مرضٌ حابس أو سلطانٌ جائرٌ، فلْيَمُتْ على أيِّ حالٍ شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٤). وإنما خصَّ هذين لأنَّ اليهود والنَّصارى هم الذين لا يرون الحجَّ ولا فضل الكعبة. وقال الضحَّاكُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾؛ أي: ومَن لم يكن مؤمنًا فلا حجَّ عليه، إنَّما الحجُّ على المؤمنين (٥).

стр. 1815

وقيل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هو مِن كفران النِّعمة؛ أي: ومَن لم يحجَّ فقد كفر نعمةَ الإسلام ونعمة تشريف اللَّه إيَّاه بإقامة هذه الأعلام. * * * (٩٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: وقال قبل هذا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ فالأوَّل على جهة التلطُّف في استدعائهم إلى الحقِّ بتوجيه الخطاب إليهم، وهذا على جهة (١) الإهانة بصرف الخطاب عنهم وتوجيهه (٢) إلى غيرهم بصدِّهم عن الحقِّ. وقيل: هو خطابٌ لمحمَّدٍ ﵇. و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنَّصارى. قوله تعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: قال الضحَّاكُ: أي: الإسلام والحجِّ (٣). وقال الكلبيُّ: الحجُّ والقرآن. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: عالمٌ بكفركم وتغييركم نعتَ محَّمدٍ السلام، وأخذِكم الرِّشى. ثم هذا توبيخ على لفظ الاستفهام؛ لأنه سؤالُ تعجيزٍ عن إقامة العذر. * * *

стр. 1816

(٩٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: تمنعون وتَصْرفون، وسبيلُ (١) اللَّه الإسلام؛ لأنَّه الطَّريق المؤدي إلى رضى اللَّه تعالى وثوابه. قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: مفعولٌ بالصَّد، و ﴿مَنْ﴾ للجمع؛ أي: المؤمنين. قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: تطلبون للسبيل زيغًا وميلًا، واللَّام محذوفةٌ لكثرة الاستعمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: يطلبون لكم الفتنة. والكناية ترجع إلى السَّبيل وهو يذكَّر ويؤنَّث؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، قرئ بالياء والتاء ورفع اللَّام (٢). والعِوجُ: الزَّيغ والميل. قال أبو عبيدة: العِوَج بكسر العين: في الدِّين والقول والعمل، والعَوَج بالفتح: في الجدار والحائط وكلِّ شخصٍ (٣).

стр. 1817

وصدُّهمُ المسلمين عن السَّبيل: هو قول علمائهم: إنَّه كاذبٌ وليس بنبيٍّ. وقيل: هو محاربتهم مع المسلمين. وقيل: هو ثباتهم على كفرهم، وكان ذلك كدعوتهم (١) غيرَهم إلى ذلك. وقيل: هو إدخال الشُّبَه على المسلمين واستزلالُهم بإدخالهم التحريف فيه وسوءِ التأويل. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾: أي: شهداء (٢) على أن هذه السبيل هي الحق، وإن كنتم تكتمون شهادتكم. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: أي: من الصدِّ عن سبيله وكتمانِ الشَّهادة لنبيِّه. * * * (١٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: وبَّخَ أولًا أهلَ الكتاب بصدِّ المؤمنين، ثم نهى المؤمنين عن اتِّباع هؤلاء الصَّادِّين. يقول: إن تطيعوا هؤلاء في سلوك السبيل التي يَدْعونكم إليها ردُّوكم إلى الكفر. وقد بيَّنَّا سبب نزوله في قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٩]، وإنما خصَّ فريقًا وطائفةً لأنَّ منهم مَن آمَنَ.

стр. 1818

وقال عكرمةُ في نزوله: مرَّ شاسُ بن قيسٍ اليهوديُّ على أناسٍ من الأنصار جلوسٍ في مسجد رسول اللَّه ﷺ يتحدَّثون، فقال لصاحبٍ كان معه: أنشدهم حربَ بُعاثٍ لعلَّهم يغضبون، فأنشدهم ما قيل في يوم بُعاثٍ من الشِّعر، فقال ثعلبة بن عَنَمة (١) من الخزرج: لو تأخر الإسلام قليلًا لأجلينا الأوس من يثرب، فغضب أوس ابن قَيْظيٍّ فقال: قد تأخر الإسلام قبل ذلك فما صنعتُم؟! فتنادوا بالسلاح واجتمعت القبائل وتأهبوا للقتال، فخرج إليهم النبي ﷺ فلم يزل بهم (٢) يكفُّ بعضَهم عن بعضٍ ويقول: "عبادَ اللَّه! بعد أن هداكم من الضلالة وأنقذكم من الجهالة وفيكم رسولُ اللَّه ﷺ ترجعون كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض؟! " فلم يزل بهم حتى اصطلحوا واعتنقوا وبكى بعضهم إلى بعضٍ، وقالوا: كان هذا نزغةً من الشيطان، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣). * * * (١٠١) - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾: قد (٤) ذكرنا أنَّه كلمة تعجيبٍ؛ أي: من العجب هذا.

стр. 1819

قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾: أي: كيف تكفرون مع وضوح الدلائل. وقيل: أي: كيف يطمع هؤلاء في كفركم مع علمهم أن كتاب اللَّه (١) يُتلى عليكم، ورسول اللَّه معكم يبيِّن لكم معانيَه، ويقيم المعجزات الدَّالةَ على صدقه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يقع عليه ظلُّ الكفر والطغيان، فإنه إذا أقبل الليل من هاهنا أدبر النهار من هاهنا (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يمتنعْ باللَّه من أعدائه، والعصمةُ: المنع، أي: ومَن يتعلَّق بدين اللَّه. وقيل: أي: ومن يتمسَّك بكتاب اللَّه. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي: أُرشد إلى الدِّين الحقِّ. قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: مَن يجعلِ اللَّهَ له مفزعًا وملجأً عند الشُّبَه والإشكال ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يحفظه (٣) عن الشُّبَه (٤). * * * (١٠٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: هو (٥) تفسير الاعتصام.

стр. 1820

وقال ابن عبَّاسٍ وابن مسعودٍ ﵃ وسعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر (١). وذُكرَتْ هذه المبالغة في ثلاثة أشياءٍ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. وقالَ الزَّجَّاجُ: اتَّقوا اللَّهَ فيما يحقُّ عليكم أنْ تتَّقوه (٢). وقال أنسٌ: لا يتَّقي اللَّهَ أحدٌ حقَّ تقاتِه حتَّى يَخْزُنَ مِن لسانِه (٣)، ويَعدَّ كلامَه مِن عملِه (٤). وقالَ الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قيل: معناه: واحذروا عذابَ اللَّهِ حقَّ حَذَرِه. قال: وقيلَ: معناه: أطيعوا اللَّهَ حقَّ طاعتِه. قال: وليس في وُسعِ أحدٍ أن يتَّقي اللَّهَ حقَّ تقاتِه في كلِّ العبادات، ألَا ترى أنَّ

стр. 1821

الملائكةَ بعدما وُصفوا مِن عبادتهم أنهم لا يَفْترون ولا يسأمون يقولون يومَ القيامة: "سبحانَك ما عبدناكَ حقَّ عبادتِك" (١)، وإذا كانَ أحدٌ لا يبلغُ ذلك فلا (٢) يحتمل تكليف مثله، فكان هذا الأمر راجعًا إلى الإسلام، وترك الشِّرك في كلِّ حالٍ. ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: كونوا في حالٍ إذا أدرككم الموتُ أدرككم وأنتم مسلمون (٣). وما ذكر عطاء أنَّه لَمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وما حقُّ تقاته؟ قال: "أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكرَ فلا يُكفر". قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ فنزل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٤) = ليس فيه أن الأوَّل كان أمرًا بما ليس في الوسع ثم نزل (٥) التَّخفيف، بل فيه بيان أن ذلك الأمرَ كان بما (٦) هو في الوسع. وقيل: كان الأمرُ الأوَّل به في حال الأمن وحال الخوف على نفسه وماله، وأُمروا بالائتمار بالأمر والانتهاءِ بالنَّهي بكلِّ حالٍ، ثم وردَ التَّخفيف حالةَ التقيَّة بفعلِ ما أُكره عليه مع طمأنينة القلب على خلافِه.

стр. 1822

وقال القشيريُّ ﵀: حقُّ التَّقوى: أن يكون على وَفقِ الأمر، لا يزيد من قِبل نفسِه ولا ينقص. حقُّ التَّقوى أوَّلًا اجتناب الزَّلَّة، ثم اجتناب الغفلة، ثم التَّوقِّي عن كلِّ خلَّةٍ، ثم التَّنقِّي (١) عن كلِّ علَّةٍ، فإذا اتَّقيْتَ عن شهود تقواك بعد اتِّصافك بتقواك فقد اتَّقيْتَ حقَّ تقواك. وقيل: حقُّ التَّقوى: صونُ العهود، وحفظُ المعهود، وشهودُ الإلهيَّة، والانسلاخُ عن الأوصاف البشريَّة، والجمودُ تحت جريان الحُكم بعد اجتنابِ الذَّنب والجُرم، واستشعارُ الأَنَفة عن التَّوسل إليه بشيءٍ من طاعاتك دونَ صِرف كرمِه، والتَّحقُّقُ بأنَّه (٢) لا يَقبلُ أحدًا بعلَّةٍ، ولا يردُّ أحدًا بعلَّةٍ (٣). * * * (١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أي: تمسَّكوا بالقرآنِ (٤).

стр. 1823

قال النَّبيُّ ﷺ : "عليكم (١) بكتاب اللَّه؛ فإنَّه نبأُ مَن قبلَكم وخبرُ ما (٢) بعدَكم، وذِكْرُ ما بينكم، وهو حبلُ اللَّهِ المتين. . . " الحديث (٣). واستعارتُه: أنَّ مَنْ تعلق بحبلٍ لم يسقطْ وتوصَّلَ به إلى المقصد، وكذا مَن عَمِل بالقرآن. وقال النبيُّ ﷺ : "إني تاركٌ فيكم الثَّقلَينِ؛ كتابُ اللَّهِ (٤) حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، وعِترتي أهلُ بيتي" (٥). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: اعتصموا بدين اللَّه والقرآن (٦).

стр. 1824

وقال الكلبيُّ: أي: بدينِ اللَّهِ وعهدِه (١)، والحبلُ: اسمٌ للعهد، قال تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال مقاتل: حبل اللَّه الإسلام (٢). ثم قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ينقضُ قولَ مَن (٣) تكلَّف ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ خطاب العامة، ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ خطاب الخاصَّة؛ فإنَّه قال: ﴿جَمِيعًا﴾ فعمَّهم جميعًا. وقيل: هو إجماع الأمَّة؛ أي: تمسَّكوا بالإجماع، ودليلُه قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ فارقَ الجماعةَ قيدَ شبرٍ فقد خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِن عنقِه" (٤)، والرِّبْقَةُ: الحبلُ. ودليلُ ذلك أيضًا: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: أي: ولا (٥) تتفرقوا، سقطَتْ إحدى التَّاءَيْن تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨]. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: يقول: لا تتفرقوا؛ أي: لا تختلفوا في الدِّين كما اختلف أهل الكتاب. ونعمةُ اللَّه: إنعامُه بالإسلام؛ أي: واذكروا إنعامَه عليكم إذْ كنتم أعداءً في

стр. 1825

الجاهليَّة يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ، فألَّف بينَ قلوبِكم بالإسلام، فصرتم بإنعامِه عليكم أخلَّاءَ في الدِّين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الملك: ١٠]. و (أصبح) أصلُه: دخل في الصَّباح، وأمسى: دخل في المساء، ثم يُطلَق كلُّ واحدٍ منهما على الصَّيرورةِ أيَّ وقتٍ كانَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]. وكان بين الأوس والخزرج حربٌ في مدَّة مئةٍ وعشرين سنةً، فألَّف اللَّهُ بينَ قلوبِهم بالإسلام، فزالَتْ تلكَ الأحقادُ. ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ خرج يومًا على حماره يعفور، وكان يعفور إذا رأى منافقًا ردم ردمةً (١)، فمرَّ على عبد اللَّه بن أُبيٍّ المنافق، ففعل كذلك. وقيل: كان النبيُّ ﵇ نزلَ، ووقف الحمارُ على الطَّريق، فمرَّ عبدُ اللَّه به (٢)، ففعل كذلك، فقال عبد اللَّه لسايس الحمار: نحِّ الحمارَ فإنَّه يؤذينا، فقال سعدُ بن معاذٍ الخزرجيُّ: أتقولُ هذا لحمار رسولِ اللَّه ﷺ يا ملعونُ؟ فأجابه بشيءٍ، وتعدَّى ذلك إلى المناظرة بين الأوس والخزرج. فقالت الأوسُ: منَّا خزيمةُ بنُ ثابت ذو الشَّهادتَين، ومنَّا حنظلةُ غسيل الملائكة، ومنَّا سعدُ بن معاذٍ الذي اهتزَّ لموته العرشُ، ورضي اللَّه بحكمِه في بني قريظة. وقالت الخزرج: منا أربعة أحكموا القرآن؛ أبيُّ بن كعبٍ، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وسعدُ بن عبادة خطيب الأنصار.
следующие страницы →