← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الملائكةَ بعدما وُصفوا مِن عبادتهم أنهم لا يَفْترون ولا يسأمون يقولون يومَ القيامة: "سبحانَك ما عبدناكَ حقَّ عبادتِك" (١)، وإذا كانَ أحدٌ لا يبلغُ ذلك فلا (٢) يحتمل تكليف مثله، فكان هذا الأمر راجعًا إلى الإسلام، وترك الشِّرك في كلِّ حالٍ. ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: كونوا في حالٍ إذا أدرككم الموتُ أدرككم وأنتم مسلمون (٣). وما ذكر عطاء أنَّه لَمَّا نزلَ قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وما حقُّ تقاته؟ قال: "أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكرَ فلا يُنسى، ويُشكرَ فلا يُكفر". قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ فنزل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٤) = ليس فيه أن الأوَّل كان أمرًا بما ليس في الوسع ثم نزل (٥) التَّخفيف، بل فيه بيان أن ذلك الأمرَ كان بما (٦) هو في الوسع. وقيل: كان الأمرُ الأوَّل به في حال الأمن وحال الخوف على نفسه وماله، وأُمروا بالائتمار بالأمر والانتهاءِ بالنَّهي بكلِّ حالٍ، ثم وردَ التَّخفيف حالةَ التقيَّة بفعلِ ما أُكره عليه مع طمأنينة القلب على خلافِه.

стр. 1822

وقال القشيريُّ ﵀: حقُّ التَّقوى: أن يكون على وَفقِ الأمر، لا يزيد من قِبل نفسِه ولا ينقص. حقُّ التَّقوى أوَّلًا اجتناب الزَّلَّة، ثم اجتناب الغفلة، ثم التَّوقِّي عن كلِّ خلَّةٍ، ثم التَّنقِّي (١) عن كلِّ علَّةٍ، فإذا اتَّقيْتَ عن شهود تقواك بعد اتِّصافك بتقواك فقد اتَّقيْتَ حقَّ تقواك. وقيل: حقُّ التَّقوى: صونُ العهود، وحفظُ المعهود، وشهودُ الإلهيَّة، والانسلاخُ عن الأوصاف البشريَّة، والجمودُ تحت جريان الحُكم بعد اجتنابِ الذَّنب والجُرم، واستشعارُ الأَنَفة عن التَّوسل إليه بشيءٍ من طاعاتك دونَ صِرف كرمِه، والتَّحقُّقُ بأنَّه (٢) لا يَقبلُ أحدًا بعلَّةٍ، ولا يردُّ أحدًا بعلَّةٍ (٣). * * * (١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: أي: تمسَّكوا بالقرآنِ (٤).

стр. 1823

قال النَّبيُّ ﷺ : "عليكم (١) بكتاب اللَّه؛ فإنَّه نبأُ مَن قبلَكم وخبرُ ما (٢) بعدَكم، وذِكْرُ ما بينكم، وهو حبلُ اللَّهِ المتين. . . " الحديث (٣). واستعارتُه: أنَّ مَنْ تعلق بحبلٍ لم يسقطْ وتوصَّلَ به إلى المقصد، وكذا مَن عَمِل بالقرآن. وقال النبيُّ ﷺ : "إني تاركٌ فيكم الثَّقلَينِ؛ كتابُ اللَّهِ (٤) حبلٌ ممدودٌ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، وعِترتي أهلُ بيتي" (٥). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: أي: اعتصموا بدين اللَّه والقرآن (٦).

стр. 1824

وقال الكلبيُّ: أي: بدينِ اللَّهِ وعهدِه (١)، والحبلُ: اسمٌ للعهد، قال تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال مقاتل: حبل اللَّه الإسلام (٢). ثم قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ينقضُ قولَ مَن (٣) تكلَّف ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ خطاب العامة، ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ خطاب الخاصَّة؛ فإنَّه قال: ﴿جَمِيعًا﴾ فعمَّهم جميعًا. وقيل: هو إجماع الأمَّة؛ أي: تمسَّكوا بالإجماع، ودليلُه قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ فارقَ الجماعةَ قيدَ شبرٍ فقد خلعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِن عنقِه" (٤)، والرِّبْقَةُ: الحبلُ. ودليلُ ذلك أيضًا: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: أي: ولا (٥) تتفرقوا، سقطَتْ إحدى التَّاءَيْن تخفيفًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ [الملك: ٨]. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: يقول: لا تتفرقوا؛ أي: لا تختلفوا في الدِّين كما اختلف أهل الكتاب. ونعمةُ اللَّه: إنعامُه بالإسلام؛ أي: واذكروا إنعامَه عليكم إذْ كنتم أعداءً في

стр. 1825

الجاهليَّة يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ، فألَّف بينَ قلوبِكم بالإسلام، فصرتم بإنعامِه عليكم أخلَّاءَ في الدِّين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الملك: ١٠]. و (أصبح) أصلُه: دخل في الصَّباح، وأمسى: دخل في المساء، ثم يُطلَق كلُّ واحدٍ منهما على الصَّيرورةِ أيَّ وقتٍ كانَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [المائدة: ٣٠]، ﴿أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠]. وكان بين الأوس والخزرج حربٌ في مدَّة مئةٍ وعشرين سنةً، فألَّف اللَّهُ بينَ قلوبِهم بالإسلام، فزالَتْ تلكَ الأحقادُ. ورُوي أنَّ النبيَّ ﷺ خرج يومًا على حماره يعفور، وكان يعفور إذا رأى منافقًا ردم ردمةً (١)، فمرَّ على عبد اللَّه بن أُبيٍّ المنافق، ففعل كذلك. وقيل: كان النبيُّ ﵇ نزلَ، ووقف الحمارُ على الطَّريق، فمرَّ عبدُ اللَّه به (٢)، ففعل كذلك، فقال عبد اللَّه لسايس الحمار: نحِّ الحمارَ فإنَّه يؤذينا، فقال سعدُ بن معاذٍ الخزرجيُّ: أتقولُ هذا لحمار رسولِ اللَّه ﷺ يا ملعونُ؟ فأجابه بشيءٍ، وتعدَّى ذلك إلى المناظرة بين الأوس والخزرج. فقالت الأوسُ: منَّا خزيمةُ بنُ ثابت ذو الشَّهادتَين، ومنَّا حنظلةُ غسيل الملائكة، ومنَّا سعدُ بن معاذٍ الذي اهتزَّ لموته العرشُ، ورضي اللَّه بحكمِه في بني قريظة. وقالت الخزرج: منا أربعة أحكموا القرآن؛ أبيُّ بن كعبٍ، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وسعدُ بن عبادة خطيب الأنصار.

стр. 1826

وقالت الأوسُ: أَمَا واللَّهِ لولا مجيءُ الإسلام وقدومُ النبيِّ ﷺ لقتلنا رؤساءَكم، واستعبدنا أولادَكم، ونكحنا نساءَكم. وتجادلوا في ذلك حتى صاروا إلى التَّضارب بالنِّعال، ثم بالسِّلاح، فجاءَهم النبيُّ ﷺ ، وقرأ عليهم هذه الآية، فاصطلحوا وسكنوا (١). قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: أي: حرفِ (٢) وطرفِ، ومثلُه قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأَشْفَى على كذا؛ أي: أَشْرفَ عليه؛ أي: كنتم كفَّارًا لو متُّم عليه دخلتم النَّار. قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾: أي: أنجاكم، يقال: أنقذه واستنقذه؛ أي: نجَّاه؛ أي (٣): هداكم للإسلام فنجَّاكم به من العذاب. ورُوي أن ابن عبَّاسٍ ﵄ قرأ يومًا هذه الآية، فسمع أعرابيٌّ ذلك، فقال: واللَّهِ ما أنقذَهم منها وهو يريد أن يقحمَهم فيها. فقال ابنُ عبَّاسٍ: ويحكم اكتبوه مِن غير فقيهٍ (٤). وقال قتادةُ: هذا خطابٌ للعربِ، كانوا أبينَ النَّاس ضلالةً (٥)، وأشقاهم عيشًا، وأعراهم جلودًا، وأجوعهم بطونًا، مكعومين (٦) على رأس حجرٍ، بينَ أسدَيْن: فارسَ

стр. 1827

والرُّومِ، مَن عاشَ منهم عاشَ شقيًّا، ومَن ماتَ منهم رُدِّيَ في النَّار، فلمَّا جاء اللَّه بالإسلام هداهُم به مِن الضَّلالةِ، ووسَّع لهم الرِّزق، ومكَّنَ لهم في البلاد، وأظهرَهم على الأعداء، وجعلَهم ملوكًا، فيقول: اذكروا هذه النِّعَم (١). قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: القرآنَ الَّذي فيه أمرُه ونهيُه، ووعدُه ووعيدُه؛ لتهتدوا به إلى الصَّواب، وما به يُنالُ الثَّواب. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ردٌّ على المعتزلة؛ لأن على قولهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا اللَّهُ تعالى. قال: ودلَّتِ الآية أنه يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنَّه قال: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] (٢). * * * (١٠٤) - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ أمرُ مغايبة (٣)، وقوله: ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: طائفةٌ. ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الائتلاف ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو ما استحسَنه

стр. 1828

الشَّرعُ والعقل، وهو الموافقة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: وهو (١) ما استقبحه الشَّرع والعقل، وهو المخالفة. وعلى هذا (٢) انتظامُ هذه الآية بما قبلَها، ثم يقع ذلك على كلِّ خيرٍ وكلِّ مستحسَنٍ شرعًا وعقلًا بعمومِه. وقيل: الخيرُ: الطَّاعة، والمعروفُ: ما وافقَ الكتاب والسنَّة، والمنكرُ: ما خالف الكتاب والسنَّة. وقيل: المعروفُ: كلُّ الطَّاعات، والمنكرُ: كلُّ المعاصي. وقال الضحَّاك: المعروفُ: التَّوحيد، والمنكرُ: الكفر (٣). قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: النَّاجون ممَّا خافوا، والواصلون إلى ما رَجُوا، وقد مرَّ تفسير الفلاح بوجوهه في أول سورة البقرة. ودلَّ قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهي (٤) للتَّبعيض: أن الأمر بالمعروف إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهو على مَن علم ذلك وقدر عليه دون الكلِّ؛ قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].

стр. 1829

وقال الزَّجَّاجُ: (مِن) لإبانة الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والأمر لكلِّ الأمَّة بذلك؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فوصف الكلَّ بذلك (١). وقيل: لَمَّا نزلَتْ هذه الآية بعثَ النبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه دعاةً للملوك في أقطار الأرض إلى اللَّه تعالى. * * * (١٠٥) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾: أي: بالعداوة، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ أي: في الدِّيانة، فلم يكن تكرارًا، وهم اليهود والنَّصارى؛ اختلفوا فقالت اليهود: الدِّينُ الحقُّ هو اليهوديَّة، وقالت النَّصارى: بل هو النَّصرانيَّة، واختلفوا في الأنبياء أيضًا؛ فكذَّبَ اليهودُ عيسى ومحمَّدًا، وكذَّبَ النَّصارى محمَّدًا، وقالت اليهودُ: عزير ابن اللَّه، وقالت النَّصارى: المسيح ابن اللَّه. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: أي: الحجج على حقيَّة (٢) الإسلامِ ومحمَّدٍ والقرآنِ، وعلى بطلان قولهم، وذلك في القرآن، وفي التَّوراة والإنجيل أيضًا. قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ﴾: أي: هؤلاء المتفرِّقون المختلفون ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في الآخرة، فإنَّه يدومُ ولا ينقطعُ.

стр. 1830

قال الكلبيُّ: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾: خطابٌ للأوس والخزرج، ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ يعني: اليهودَ والنصارى، ﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ في الدِّين، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ في كتابهم. * * * (١٠٦) - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: ﴿يَوْمَ﴾ نصبٌ على الإغراء، وقيل: على الظَّرف؛ أي: ولهم عذابٌ عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوهٌ وتسودُّ وجوه. وأكثر أهل التَّفسير على أنه تبيضُّ وجوهُ قومٍ، وتسودُّ وجوهُ آخرين حقيقةً، ليتميَّزَ أهلُ الجنَّة مِن أهل النَّار، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقال النبيُّ ﷺ : "يُحْشَرُ المؤمنُ ووجهُهُ أضوأُ مِنَ القمرِ ليلةَ البدرِ، ويُحْشَرُ الكافرُ ووجهُهُ أسودُ مظلمٌ" (١). وفي الخبر في قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم: ٤٢]: أنَّ المؤمنين إذا سجدوا رفعوا رؤوسهم ووجوهُهم مثلُ الثلج بياضًا، والكفَّار لا يستطيعون السُّجود (٢)، فإذا نظروا إلى وجوه المؤمنين اسودَّتْ وجوهُهم (٣).

стр. 1831

وعلى هذا قال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهم المنافقون وأهل الملل كلِّها (١). وقال عطاءٌ: يوم تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصار، وتسودُّ وجوه بني قريظة والنَّضير (٢). وقال الكلبيُّ وجماعةٌ: هو ظهورُ أثر السُّرور والنِّعمة على وجه أهل الجنَّة، وبضده لأهل النَّار، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ الآيات [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨]، ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] (٣). ويستعمل هذا في السُّرور وضدِّه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، ويقال: لفلان عندي يدٌ بيضاء؛ أي: سارَّة. وفي الخبر: "أوَّلُ صدقةٍ بيَّضَتْ وجوهَ الصَّحابةِ صدقةُ طَيِّئٍ" (٤).

стр. 1832

وقال بعضُ الشُّعراء في الشَّيب والخضاب: يا بياضَ القرونِ سوَّدْتَ وجْهِي... عندَ بِيضِ الوجوهِ سودِ القرونِ فلَعَمْري لأخضبنَّكَ (١) جُهدي... عَنْ عِياني وعَنْ عِيانِ العُيونِ بسوادٍ فيه بياضٌ (٢) لوجْهِي... وسوادٌ لوجهِكَ الملعُونِ (٣) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وأُضمر هاهنا: (فيقال لهم)، والقولُ يضمَر في موضع يُعرف ولا يَخفى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. واختلفوا في الكفر بعد الإيمان: قال الحسنُ: هم الَّذين كفروا بعد إظهار الإيمان بالنِّفاق (٤). وقال قتادة: هم الَّذين ارتدُّوا (٥). وقال أبيُّ بن كعبٍ: هم جميع الكفَّار أعرضوا عن إيمانهم يوم الميثاق (٦). وقال الزَّجَّاج: هم اليهود والنَّصارى كفروا بمحمَّدٍ ﵇ بعدما آمنوا به قبلَ مبعثِه (٧).

стр. 1833

قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قال الزَّجَّاج: يقال هذا لليائس؛ أي: ليس لكم (١) من هذا خلاصٌ (٢). * * * (١٠٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: أي: في الجنَّة؛ لأنَّها تُنال برحمة اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أي: دائمون لا يموتون ولا يخرجون. وقال الإمام القشيري ﵀: يوم تبيضُّ وجوه أصحاب المعاني، وتسودُّ وجوه أرباب الدَّعاوي. قال: ويُقال: مَن ابيضَّ اليومَ قلبُه ابيضَّ غدًا وجهُه، ومَن كان بالضِّدِّ فعلى العكس. وأمَّا الَّذين اسودَّتْ وجوههم ففي بكاءٍ ونَوحٍ، وأمَّا الَّذين ابيضَّتْ وجوهُهم ففي أُنسٍ ورَوحٍ (٣). * * * (١٠٨) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾. قولُه تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: أي: هذه حججُ اللَّه. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هي القرآن (٤).

стр. 1834

وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا﴾: أي: نوحيها (١) إليك بعضَها على إثرِ بعض. وقيل: أي: جبريل يتلوها عليك (٢) بأمرنا. قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾: أي: بالصِّدق، وقيل: لبيان الحق. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: أي: لا يشاء أن (٣) يظلمَ هو عبادَه فيعاقبَهم بلا جُرمٍ منهم. * * * (١٠٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ملكًا ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ أي: حكمًا، ولو قال: (وإليه) استقام، ولكن هذا أبلغُ؛ ليكون كلامًا مستقلًّا بنفسه. فإنْ قالوا: الرُّجوع إليه يكون بعد الذَّهاب عنه، ولم يكن، فلمَ قالَ ذلك؟ قلنا: كانت كالذَّاهبة بهلاكها، وكالرَّاجعة بإعادتها (٤)، ولأنَّ في الدُّنيا يملك بعض الخلق التَّدبير، وفي القيامة يكون كلُّ ذلك للَّهِ تعالى. * * * (١١٠) - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

стр. 1835

قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: انتظام هذه الآية بما قبلَها: أنَّه أمرَ بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أوَّلًا، ثم مدحَ في هذه الآية هذه الأمَّة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. و ﴿كُنْتُمْ﴾ قد مرَّ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: ٢٣] أنَّه يجيء على ثلاثة أوجهٍ: للماضي، والحالِ، والاستقبال (١)، وبيَّنَّا أصلَه. واختُلف فيه هاهنا: قال الضَّحَّاك: كنتم في اللَّوح المحفوظ (٢). وقيل: كنتم في سابق (٣) علمي وحكمي. وقيل: أي: في كتب الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: ٢٩]؛ أي: صِفَتهم. وقيل: أي: كنتم مذ كنتم خير أمَّةٍ، كقولك لآخر: كنْتَ مذ كنْتَ مباركًا؛ يعني: مذ خرجتم وآمنتم كنتم خير أمَّةٍ، وأنتم اليومَ كذلك. وقيل: معناه: حَدَثْتم ووُجِدْتُم خيرَ أمَّة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقيل: معناه: أنتم خيرُ أمَّةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦] مع أنه قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]، وإنما صلح

стр. 1836

﴿كُنْتُمْ﴾ مقام ﴿أَنْتُمْ﴾ لأنَّهما ضِدَّان لكلمةِ: (لستم)؛ لأنَّ ذلك للنَّفي وهذان للإثبات، فقام أحدُهما مقامَ الآخر لمشاكلتهما في مُضادَّتهما كلمةَ النَّفي. وقيل: معناه: صرتُم خيرَ أمَّة، كما في قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]؛ أي (١): صرتُم بالإيمان بخير الرُّسل وبخروجه في زمانه خيرَ الأمم. قوله تعالى: ﴿خَيْرَ﴾ هو كلمة تفضيلٍ، والمراد (٢) به: أنَّهم أفضل الأمم، وأكثرُهم (٣) طاعاتٍ، وأوفرُهم خيراتٍ. وقيل: أراد به: أنفعهم، وزيادة نفعِهم بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ففيه صلاح الكلِّ وخلاصُهم. قوله تعالى: ﴿أُمَّةٍ﴾: فالأمَّةُ: كلُّ قومٍ اجتمعوا على اتِّباع نبيٍّ، أو جمعتهم دعوة نبيٍّ، وهي في القرآن لعشرة أوجهٍ: ١ - للجماعة: قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]. ٢ - ولاتِّباع كلِّ رسولٍ: قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]. ٣ - وللملَّة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]. ٤ - ولأهل ملَّةٍ واحدةٍ: قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. ٥ - ولأمَّة محمَّدٍ على الخصوص: المسلمين منهم؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 1837

وللكفَّار الَّذين بُعِثَ فيهم رسولُ اللَّه ﷺ (١)؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠]، وهم أمَّة الدَّعوة، والأوَّلون أمَّة الإجابة. ٦ - وللإمام: قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. ٧ - وللطَّريقة: قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: أُولو طريقة قيِّمة. ٨ - وللصنف: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ٩ - وللمدَّة: قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]. ١٠ - وللحين: قال تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. وسببُ نزول الآية: ما روي أنَّ مالك بن الصَّيف ووهب بن يهوذا اليهودِيَّيْن قالا (٢) لابن مسعودٍ وأبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ ﵃: إنَّ ديننا خيرٌ من دينكم الذي (٣) تدعوننا إليه، ونحن خيرٌ منكم. فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٤). قوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قيل: أي: ذُكِرَتْ لمن سلفَ مِن النَّاس.

стр. 1838

والإخراجُ في القرآن ذُكِرَ لمعانٍ كثيرةٍ ذكرناها عند تفسير قولِه: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، منها الذِّكْر، وهو في هذه الآية عند بعضهم. وقيل: معناه: أُظهرَتْ للأنبياء يوم القيامة للشَّهادة على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: للنَّاس، وهم الأنبياء، وقد بيَّنا وجهه في تلك الآية. وقيل: معناه: أُخرجَتْ للكفَّار ليقاتلوهم ويدعوهم إلى الإسلام (١)، وعلى ذلك معنى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر اللَّذَين ذُكِرا بعدَه. وقيل: معناه: أُخْرجَتْ للمؤمنين لتأمروهم بالطَّاعات وتنْهَوهم (٢) عن المعاصي. و (النَّاسُ) تصلح لذلك كلِّه، وهو في القرآن لأكثرَ مِن عشرين وجهًا: ١ - لكلِّ بني آدم: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]. ٢ - ولأولاد آدم المسلمين الَّذين كانوا في عصرِه قبلَ أن يكفرَ بعضهم: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]. ٣ - ولقوم نوحٍ: قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قيل: على قوم نوحٍ لنوح (٣) ﵇. ٤ - ولقوم نمروذ في زمن إبراهيم: قال تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١].

стр. 1839

٥ - ولبني إسرائيل: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤]. ٦ - ولقوم فرعون: قال تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]. ٧ - ولقوم يوسف: قال تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩]. ٨ - ولقوم عيسى: قال تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ٩ - ولليهود: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ١٠ - ولأهل مكَّة: قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢]. ١١ - وللصَّحابة (١): قال تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]. ١٢ - ولأهل اليمن: قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. ١٣ - ولمؤمني أهل الكتاب: قال تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣]. ١٤ - ولكلِّ المؤمنين: قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]. ١٥ - ولعامَّة الرُّسل: قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. ١٦ - ولمحمَّدٍ عليه الصلاة السلام: قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]. ١٧ - ولنُعيم بن مسعودٍ الأشجعيِّ: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. ١٨ - وللمشركين: قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].

стр. 1840

١٩ - وللدَّجَّال: قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. ٢٠ - وللحُجَّاج: قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. ٢١ - وللمنافقين: قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ويصلحُ للمؤمنين والكافرين والمنافقين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، فقد سبق ذكرُ (١) الفرق الثَّلاث هاهنا. قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: قال أبو هريرة ﵁: تجيؤون بالكفَّار في السلاسل (٢) فتدخلونهم في الإسلام (٣). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وهو أعظم معروفٍ، وتنهَون عن التَّكذيب وهو أنكرُ منكَرٍ (٤). وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: باتِّباع محمَّدٍ، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن عبادة الجبت والطَّاغوت (٥).

стр. 1841

وقال مقاتل: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الإيمانِ باللَّه، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: الشِّرك باللَّه (١). وقيل: المعروف الطَّاعة، والمنكر المعصية. وإنَّما قيل للحسن معروفٌ -مع أنَّ القبيح قد يُعرَف أنَّه قبيحٌ- لأنَّ القبيحَ وإنْ عُرِفَ فهو كما (٢) لا يُعرَف لخموله وسقوطه، والحسن بمنزلة النَّبيه (٣) الَّذي يُعرف لجلاله وعلوِّ قدره. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: المعروف والمنكر يتوجَّه إلى (٤) ثلاثة أوجهٍ: ١ - المعروف: هو المعروف في العقول الَّذي تستحسنه العقول، والمنكر: هو الَّذي قبَّحته العقول وأنكرته. ٢ - ويحتمل أنْ يكون المعروفُ: هو الَّذي عُرِفَ بالآيات والبراهين أنَّه حسنٌ، والمنكرُ: ما عُرِفَ بالحُججِ أنَّه قبيحٌ. ٣ - ويحتمل أنَّ المعروفَ: هو الَّذي جرى على ألسنِ الرُّسلِ أنَّه حسنٌ، والمنكرُ: هو الذي أنكروه ونهوا عنه. وعلى الوجوه الثَّلاثة يُخرَّج معنى الآية (٥). وقال سفيانُ بن عيينة: هذا على الشَّرط: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ما أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر (٦).

стр. 1842

وعن عمرَ (١) أنَّه قال: مَنْ سرَّه أنْ يكون مِن تلك الأمَّة فليؤدِّ شرط اللَّه فيها (٢)؛ إشارةً إلى هذا. وعن عمرَ أيضًا أنَّه قال: لو شاء اللَّه لقالَ: (أنتم خير أمَّةٍ) فكنا كلُّنا (٣). وعن الحسن أنَّه قال: قد كانت واللَّه هذه الأمَّة مغ هكذا (٤)؛ أشار إلى أنَّ هذه الصِّفةَ للصدر الأوَّل. قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: تدومون على الإيمان به. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: اليهود بمحمَّدٍ ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الإقامة على الكفر. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: عبد اللَّه بن سلام وأصحابه ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون (٥) عن الأمر بالإيمان. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يُشْكلُ (٦) أنَّ الإيمان خيرٌ من الكفر، والمراد من الآية: أن علماء أهل الكتاب تمسَّكوا بالكفر لوجهَيْن: أحدهما: أنهم كانوا أهلَ (٧) عزٍّ وشرفٍ وعلمٍ ينتابُ الناس إليهم، فخافوا

стр. 1843

ذهابَ ذلك، فأَخبر أنَّهم لو آمنوا لكان عزُّهم وشرفُهم في الإيمان أكثرَ، وقد ظهر ذلك لعبد اللَّه بن سلام وكعبِ الأحبار. والثَّاني: أنهم أبَوا الإيمانَ واتِّباعَ محمَّدٍ وثبتوا على الكفر إشفاقًا على ما لهم من المنافع والمنال أن يذهبَ ذلك عنهم، فأخبر أنَّ الإيمان خير لهم في الآخرة؛ إذ هذا منقطعٌ، والذي يكون لأهل الإيمان في الآخرة باقٍ دائمٌ لا يزول (١). وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: ثبتوا على إيمانهم به قبلَ مبعته (٢) ولم يكفروا به بعدَه. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لَمَّا كان المصطفى أشرفَ الأنبياء كانَتْ أمَّتُه (٣) أشرف الأمم، وكانت أعمارُهم أقصرَ الأعمار، وعصرُهم آخرَ الأعصار؛ لئلَّا يطول تحتَ الأرض لبثُهم، وما حصلَتْ خَيريَّتُهم (٤) لكثرة صلواتهم (٥) وعباداتهم، ولكنْ بنظرِ اللَّه تعالى إليهم، وتخصيصِه إيَّاهم، ولقد طالَ وقوفُ المتقدِّمين بالباب، ولكنْ لَمَّا خرجَ الإذن بالدُّخول تقدَّم المتأخِّرون (٦): وكَمْ باسطيْنَ إلى وَصْلِنا... أَكُفَّهُمُ لمْ يَنالوا نَصِيبًا (٧) وقال في قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:

стр. 1844

المعروفُ: خدمةُ الحقِّ، والمنكرُ: صحبةُ النَّفس. المعروفُ: إيثار حقِّ الحقِّ، والمنكرُ: اختيارُ (١) حظِّ النَّفس. المعروفُ: ما يُزْلفُك إليه، والمنكرُ: ما يحجبُك عنه. وشرطُ الآمر بالمعروف أن يكون متَّصفًا بالمعروف، وحقُّ النَّاهي عنْ المنكر أن يكون منصرفًا عن المنكر. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا﴾: لو دخل الكافَّة (٢) تحتَ أمرنا وصلوا (٣) إلى حقيقة العزِّ في الدُّنيا والعُقبى، ولكن ترَكوا فتُركوا (٤). * * * (١١١) - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: أي: لن يقدرَ اليهود أن يُلحقوا بكم ضررًا إلَّا أذًى باللِّسان مِن شتمٍ لكُم، وافتراءٍ (٥) على اللَّه بقولهم ما لا يليق به، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]؛ أي: في اللَّه ما هو منزَّهٌ عنه، بدليلِ أنَّه قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أي: فأنتَ فنزِّهْ ربَّكَ بالقول، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] بالفعل، وقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].

стр. 1845

وقيل: الأذى: هو إسماعُهم المكروه في عيسى ومحمَّدٍ، والطَّعنُ في شرائعِهما. ولَمَّا حثَّهم في الآية الأولى على القتال الذي هو حقيقةُ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعدَهم ما أَمِنوا به وقوع الضَّرر منهم في أنفسهم وأموالهم وأهليهم (١) وذراريهم، وأنهم إذا قاتلوهم انهزموا، وذلك: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾؛ أي: يوجِّهوا إليكم ظهورَهم ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: في الدُّنيا عند الهزيمة، ولا في الآخرة عند العقوبة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ﴾ حرفُ عطفٍ، وهو هاهنا (٢) لعطف الإخبارِ لا على وجه الجزاءِ، ولذلك ثبتَتِ النُّون في آخره ولم تسقط، ولم يُجزم على جزاء الشَّرط كقوله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾؛ لأنَّ سببَ التَّوليةِ القتالُ، فجُعِلَ جزاءً للقتل، ومَنع النَّصرِ للكفرِ لا للقتالِ، فلذلك لم يَلحقْ به في الجزاء. وفي الآية أبلغُ بشارةٍ لهم بما يَؤُول إليه حالهم وحالُ عدوِّهم. وفيه دلالةُ صحَّة نبوَّة نبيِّنا محمَّدٍ ﵊؛ حيثُ أَخبرَ عمَّا لم يكن، فكان كما أَخبرَ، فما قاتلَهم إلَّا ظَفِر بأيسر مُؤْنةٍ، وهو ظاهرٌ في حديث فتح خيبر، وإجلاء بني النَّضير، وقتلِ بني قريظةَ وسَبْيِهم. ثمَّ اليهود بعد ذلك اليوم (٣) مقهورون إلى اليوم في كلِّ البلاد، ولا يقوم (٤) لهم رايةٌ إلى يوم القيامة (٥).

стр. 1846

وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: إنَّ الحقَّ لا يُسلِّطُ أعداءَه على أوليائِه إلَّا بمقدارِ ما يَصدقُ إليه فرارُهم، فإذا حقَّ ذلك أكرمَ لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجبات حسناتهم انعكس الحالُ بالصّغَرِ والهوان عليهم (١). * * * (١١٢) - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: أي: أُلزموا الذُّلَّ، كالشَّيء يُضرَب على الشَّيء فيَلْصَق (٢) به. قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: أي: في أيِّ مكانٍ وأيِّ زمانٍ وُجدوا في دار الإسلام. قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: بعهدِ اللَّهِ (٣)؛ لأنَّه يُتعلَّق به للسَّلامة كما يُتعلَّق بالحبل المفتول. قوله تعالى: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: قال الضحَّاكُ: هو محمَّدٌ ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، وكان وادَعَهم مدَّةً أنْ لا يقاتلهم (٤).

стр. 1847

وقيل: ﴿النَّاسِ﴾: هم المؤمنون، والحبل: هو عقد الذِّمَّة منهم، وعهدُهم وعهدُ محمَّدٍ هو عهد اللَّهِ لأنَّه بأمرِه. وقيل: المراد هو عهدهم (١)، وإضافتُه إلى اللَّه تعالى أوَّلًا لتشريفهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. وقيل: حبلُ اللَّه: هو عهد المسلمين، ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: هو أمانُ قومٍ آخرين من الكفَّار يكونون فيهم، لأنه لا مملكة لليهود، فيكونون في بلاد المسلمين، أو في بلاد الكفَّار (٢) من غيرهم، فلا يأمنون إلَّا بعهدٍ (٣). ثم قوله تعالى: ﴿إِلَّا﴾؛ قيل: هو استثناءٌ منقطعٌ، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]؛ لأنَّ الذِّلَّة لازمة لهم بكلِّ حالٍ، ومعناه: لكنْ يأمنون للحال بعقد الذِّمَّة. وقيل: هو استثناءٌ متَّصلٌ، وهذا لأنَّ عزَّ المسلمين عزٌّ لهم بالذِّمَّة، وهذا لا يخرجهم من الذِّلَّة في أنفسهم. قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: قيل: رجعوا، وقيل: احتمَلوا، وقيل: استَحقُّوا، وقد بيَّنا حقيقته في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾؛ أي: الانقِماعُ، فهم مقموعون أبدًا. وقيل: هي الفقر بسبي المسلمين ذراريَهم واستغنامِهم أموالَهم.

стр. 1848

وقيل: زيُّ الفقر مع الغنى (١)؛ عقوبةً لهم على قولهم: إن اللَّه فقيرٌ ونحن أغنياء. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: جعلَ كلَّ حاجتهم إلى ما يفنى، ويَحتمِلُ خوفَ الفقر مع قيام اليسار (٢). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: هذا الذُّلُّ والغضب والمسكنة لهم بكفرهم بأنبياء اللَّه تعالى وكتبه. قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: زكريا ويحيى وغيرَهما، وهم مِن أسلاف هؤلاء، وهؤلاء يتولَّونهم فوُبِّخوا به. وقيل: لأنَّهم قصدوا قتلَ محمَّدٍ، وهو كقصد قتل الكلِّ. وقيل: قتلوا أتباع محمَّدٍ، فأضافه إليهم، كما في الخداع. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: كان زوال إيمانهم بعصيانهم وعدوانهم، وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة. * * * (١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: أهل الكتاب (٣) ليسوا بمتساوين. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: قال الزَّجَّاجُ: أي: طائفةٌ ذوو طريقةٍ مستقيمةٍ، و (ذوو) مُضمَر، والأمَّةُ: الطَّريقةُ؛ قال النَّابغةُ:

стр. 1849

حلفْتُ يمينًا غيرَ ذي مثنويَّةٍ... وهَلْ يأثمَنْ ذو أمَّةٍ وهو طائعُ (١) وقال المازنيُّ: وهذا غير صحيحٍ؛ لأنَّه عدولٌ عن الظَّاهر، وحكمٌ بالحذف من غير دلالةٍ. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: على حدود اللَّه، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرِّفوه. وقيل: ﴿قَائِمَةٌ﴾؛ أي: مهتديةٌ (٢). وقال الحسنُ وابنُ جريجٍ: ﴿قَائِمَةٌ﴾؛ أي: عادلةٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ والرَّبيعُ: أي: ثابتةٌ على الحق. وقال السديُّ: أي: قائمةٌ بطاعة اللَّه (٣). وقيل: أي: مصلِّيةٌ باللَّيل، بدليلِ ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: يقرؤون القرآن ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: ساعاته (٤)، واحدها: إِنْيٌ، بتسكين النُّون وكسر الهمزة، كقولك: خِثْيٌ وأخثاءٌ (٥)؛ قال الشَّاعر:

стр. 1850

في كلِّ إِنْيٍ رعاهُ القوم يَنتعِل (١) وقيل: واحدُها: إِنًى، بكسر الهمزة وفتح النُّون والقصر، كقولك: مِعًى وأمعاء؛ قال تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقيل: هو بفتح الهمزة كالقَرْء والأقراء، وقد أَنَى يَأْنِي؛ أي: حان قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾؛ قيل (٢): أي: يصلُّون، والواو للحال؛ أي: يقرؤون حالة (٣) الصَّلاة. وقيل: أي: يتلون قيامًا ثم يخرُّون سجودًا. وقيل: أي: يتلون خارج الصَّلاة، فإذا تلوا آية السُّجود (٤) سجدوا.

стр. 1851

وقيل: السُّجود هو التَّذلُّل (١) للَّه والخشوع له بالصَّلاة وغيرها، وهما فعلان: تلاوةٌ وتخشُّعٌ. * * * (١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: هو بيان اعتقادهم وإقرارهم. قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: هو بيان جهادهم المشركين ومعاملتهم (٢) مع عصاة المسلمين حقًّا للَّهِ ربِّ العالمين. قوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: هو (٣) بيان عملهم بما يقولون. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤): هو تسميةٌ لهم على استجماعهم خصالَ الدِّين، وقد شرحناه في سورة البقرة. وحقيقة الصَّلاح هو (٥) انتفاءُ الفساد عنه بالكليَّة، وهو نهاية كمال الوصف بالمحاسن، وهو ممَّا مدحَ اللَّهُ ﷻ به الأنبياء (٦)؛ قال تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٦]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وقيل: أي: هم مع الصَّالحين في الجنَّة.

стр. 1852

وقال: ومَن يعمل ذلك كلَّه فهو صالحٌ (١). وانتظامُها بما قبلها: أنَّه قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ثم ذكرهما فقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾. فإنْ قالوا: لِمَ ذكرَ أحدَ الفريقَيْن، ولم يذكرِ الفريقَ الآخرَ بعد ذِكْرِ نفي التَّسوية، وذاك لا يقوم بالواحد؟ قلنا: قال الفرَّاءُ: إنَّه حذَف أحدهما وهو مرادٌ، بدلالةِ ما تقدَّم عليه، وهو كقول أبي ذؤيب: دعاني (٢) إليها القلبُ إنِّي لأمرها... مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها (٣) يعني: أرشدٌ أم غيٌّ، فحذف هذا (٤). فعلى هذا تقدير الآية: أمَّةٌ قائمةٌ وأمَّةٌ غير قائمةٍ، و ﴿أُمَّةٌ﴾ (٥) على هذا رفع بـ ﴿لَيْسُوا﴾، وإنَّما جُمِع مع أنَّه متقدِّمٌ، كما في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].

стр. 1853

وقال الزَّجَّاج: تمام الكلام عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويرجع إلى المذكورِين قبله، ثم استأنف قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ وختم بهم (١). وسببُ نزول هذه الآيةِ: ما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وقتادة وابن جريجٍ: لَمَّا أسلم عبد اللَّه بن سلامٍ وأصحابه قال أحبار اليهود: ما آمن بمحمَّد إلَّا شرارنا (٢)، فنزلَتْ هذه الآية (٣). وقال مقاتلٌ: إنَّ اليهود قالوا لعبد اللَّه بن سلام وأصحابه: لقد خسرتُم حين استبدلتُم بدِينكم دِينًا غيره، ولقد عُهد إلينا أنْ لا ندينَ (٤) إلَّا بديننا (٥). وقال ابن مسعودٍ ﵁: أخَّرَ النبيُّ ﷺ صلاةَ العشاء ليلةً، ثم خرجَ إلى المسجد بعد هُوِيٍّ (٦) مِن اللَّيلِ فقال: "أَمَا إنَّه ليسَ مِنْ أهلِ هذه الأديان أحدٌ يذكرُ اللَّهَ غيرَكم"، فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ الآيات (٧). فيحتمِل أنَّ أولئك كانوا نفرًا من مؤمني أهل الكتاب. وقال عطاءٌ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هم أربعون رجلًا من أهل نجرانَ من العرب، واثنان

стр. 1854

وثلاثون من الحبشة، وثمانيةٌ من الرُّوم؛ كانوا على دين عيسى وصدَّقوا بالنبيِّ ﷺ ، وكان من الأنصار فيهم عِدَّةٌ قبل قدوم النبيِّ ﷺ ، منهم أسعد بن زُرارة، والبراءُ بن مَعرور، ومحمد بن مسلمة (١) ومحمود بن سلمة (٢) وأبو قيس صِرْمةُ (٣) بن أنس، وكانوا موحِّدين مسلمين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع (٤) الحنيفيَّة، حتى جاءهم النبيُّ ﷺ فصدَّقوه واتَّبعوه ونصروه (٥). فوصفهم بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بتوحيد اللَّه، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: الشركِ (٦) باللَّه، ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: في كلِّ ما للَّه رضًى فيه (٧)، من صلة الأرحام، وخلعِ الأنداد، ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. * * *

стр. 1855

(١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (١): قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ بياء المغايبة؛ صرفًا للكلام (٢) إلى أهل الكتاب المذكورين قبله، وقرأ ابن كثيرٍ ونافع وعاصم في رواية أبي بكرٍ وابن عامر بالتَّاء (٣). وأبو عمرو يجيز كليهما (٤). وهو خلطٌ لهم بغيرهم من المكلَّفين وخطابٌ لهم، و ﴿وَمَا﴾ كلمة شرطٍ، ومعناه: وكلُّ ما عملتم من خيرٍ هو (٥) عندَ اللَّه مشكورٌ غيرُ مكفورٍ، فإنَّ اللَّه تعالى شكورٌ. وشكرُ اللَّهِ تعالى للعبد: إظهارُ فعلِه بالثَّناء عليه والثَّواب عليه، والكفرانُ: ستر الصَّنيع؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: سمَّاهم متَّقين كما سمَّاهم صالحين،

стр. 1856

وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ (١) مع أنَّه عليم بالكلِّ؛ لأنَّه ذكرَ جزاءَ المتَّقين. قال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ متى (٢) يستوي الضِّياء والظُّلمة، والوصال والفُرقة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، والمتَّصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات لا يلتقيان، فكيف يستويان؟! قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، لم يخبْ عن بابِه قاصدٌ، ولم يخسرْ تاجرٌ، ولم يستوحشْ معه صاحبٌ، ولم يذلَّ له طالبٌ (٣). * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]؛ أي: بمحمَّدٍ والقرآن، وهم اليهود الذين سبقَ ذكرُهم. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لن تمنع ولن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب اللَّه شيئًا، وإنَّما ذكرَ الأموالَ والأولادَ لأنَّها عمدة الإنسان التي يدفع بها (٤) عن نفسه، وقد أغنى عنه؛ أي: نَفَعه. قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: مرَّ تفسيره مرَّاتٍ. * * *

стр. 1857

(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ نفعَ ما ينفقونح لأنَّه شبِّه بالرِّيح، أو المضمر في المشبَّه به، وتقديرُه: مَثَلُ ما ينفقون كمثلِ مُهلَكِ ريحٍ، لتستقيمَ المقابلة، ووجهُه ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]. والكاف في ﴿كَمَثَلِ﴾ زائدة، كما فى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهي زائدةٌ (١) مؤكِّدةٌ. والصِّرُّ: البردُ الشَّديدُ، في قول ابن عبَّاسٍ والحسن وقتادة والرَّبيع والسدي والضَّحَّاك وابن زيد (٢). وقال الزَّجَّاجُ: هو صوت لهيب النَّار الَّتي في الرِّيح، من صرير الباب (٣). ويجوز أن يكون صوتَ الرِّيح الباردة الشَّديدة. وفي (٤) الحديث: عمَّا قتله الصِّرُّ من الحراد (٥)؛ أي: البرد.

стр. 1858

وقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]؛ أي: في (١) صيحةٍ. والصَّرصرُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ أيضًا. وقال مقاتلٌ: الآيةُ في إنفاق سفلةِ اليهودِ على رؤساء اليهود (٢)؛ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا للآخرة، وهي في تظاهُرهم على النبيِّ ﷺ ، وكتابة الكتاب المحرَّف، واستمالة العوامِّ، في عدم النَّفع وعودِ الضَّرر عليهم عاجلًا وآجلًا كمثل ريحٍ فيها بردٌ شديدٌ. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بمنع حقوق (٣) اللَّه تعالى في مالهم. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بالكفر والمعاصي ومنعِ حقوق (٤) اللَّه تعالى، بيَّن أنَّ إهلاك (٥) الزَّرع عقوبةٌ على المنع وسوء الصُّنع. وقيل: ظلموا أنفسهم بأنْ زرعوا في غير موضع الزَّرع أو في غير وقته؛ لأنَّ الظُّلم: وضعُ الشَّيء في غير موضعِه. ووجهُ المثَل: أنَّ أهل الحرث عملوا وتعبوا وهلك حرثُهم وضاع سعيُهم فلم يحصلوا على شيءٍ (٦)، فكذا هؤلاء في إنفاقهم، لا نفع لهم، وليس لهم إلَّا التَّعبُ والخَيبة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية [النور: ٣٩].

стр. 1859

وقال يَمانُ بن رِئابٍ (١): الآية في نفقة أبي سفيان وأصحابه يوم بدرٍ، وكان يطعمُهم كلَّ يومٍ واحدٌ من رؤسائهم، وفيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٦]. وقيل: نزلت في نفقة المنافقين مع المسلمين في حرب المشركين (٢) مراءاةً للمؤمنين. وقول مقاتل في النُّزول أوفقُ لِمَا قبله. * * * (١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: البطانةُ: خاصَّة الرَّجل الذين يُظهر لهم ما في الباطن، ويكشفُ السرَّ لهم، وفلانٌ بطانةٌ لفلانٍ؛ أي: مداخلٌ له، تشبيهًا ببطانة الثَّوب الذي يلي بدن الإنسان في القرب. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: نهى اللَّهُ المؤمنين أن يتَّخذوا اليهود بطانةً من دون المؤمنين فيُفشون إليهم أسرارهم (٣).

стр. 1860

قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصِّرون، وقد أَلَوْتُ آلُو، وما أَلَوْتُ في الحاجة جهدًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: لا يقصِّرْ. والخَبالُ: الفسادُ، والخَبَلُ: الفساد (١) في العقل وهو الجنون، ورجل مخبَّلُ الرَّأي؛ أي: فاسد الرأي، والمختبِلُ كذلك. و ﴿خَبَالًا﴾ نصب على التَّفسير، أو بنزع الخافض (٢)، ومعناه: لا يقصِّرون في إفساد أموركم (٣)، ويُلقون إلى الكفار أسراركم. وقيل: أي: يقصدون صرفَكم عن دينِكم. قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: (ما) مع الفعل مصدر، ومعناه: أحبُّوا وتمنَّوا عَنَتكم؛ أي: إثمَكم على (٤) أن تشاركوهم في أشياءَ تَأْثَمون بها. وقيل: أي: مشقَّتكم وشدَّتكم في الدِّين. وهو قول ابن جريجٍ (٥). وقال السديُّ: أي: ضلالكم عن دينكم (٦). قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: ظهرت العداوة على ألسنتهم؛ أي: بالتَّكذيب (٧) الظَّاهر والإيذاءِ لكم بالقول.
следующие страницы →