← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ (١) مع أنَّه عليم بالكلِّ؛ لأنَّه ذكرَ جزاءَ المتَّقين. قال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ متى (٢) يستوي الضِّياء والظُّلمة، والوصال والفُرقة، والمعتكف على البساط والمنصرف عن الباب، والمتَّصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات لا يلتقيان، فكيف يستويان؟! قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: ١١٥]، لم يخبْ عن بابِه قاصدٌ، ولم يخسرْ تاجرٌ، ولم يستوحشْ معه صاحبٌ، ولم يذلَّ له طالبٌ (٣). * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١١٦]؛ أي: بمحمَّدٍ والقرآن، وهم اليهود الذين سبقَ ذكرُهم. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: لن تمنع ولن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب اللَّه شيئًا، وإنَّما ذكرَ الأموالَ والأولادَ لأنَّها عمدة الإنسان التي يدفع بها (٤) عن نفسه، وقد أغنى عنه؛ أي: نَفَعه. قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: مرَّ تفسيره مرَّاتٍ. * * *

стр. 1857

(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ نفعَ ما ينفقونح لأنَّه شبِّه بالرِّيح، أو المضمر في المشبَّه به، وتقديرُه: مَثَلُ ما ينفقون كمثلِ مُهلَكِ ريحٍ، لتستقيمَ المقابلة، ووجهُه ما مرَّ في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١]. والكاف في ﴿كَمَثَلِ﴾ زائدة، كما فى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهي زائدةٌ (١) مؤكِّدةٌ. والصِّرُّ: البردُ الشَّديدُ، في قول ابن عبَّاسٍ والحسن وقتادة والرَّبيع والسدي والضَّحَّاك وابن زيد (٢). وقال الزَّجَّاجُ: هو صوت لهيب النَّار الَّتي في الرِّيح، من صرير الباب (٣). ويجوز أن يكون صوتَ الرِّيح الباردة الشَّديدة. وفي (٤) الحديث: عمَّا قتله الصِّرُّ من الحراد (٥)؛ أي: البرد.

стр. 1858

وقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩]؛ أي: في (١) صيحةٍ. والصَّرصرُ: الرِّيحُ الشَّديدةُ البردِ أيضًا. وقال مقاتلٌ: الآيةُ في إنفاق سفلةِ اليهودِ على رؤساء اليهود (٢)؛ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا للآخرة، وهي في تظاهُرهم على النبيِّ ﷺ ، وكتابة الكتاب المحرَّف، واستمالة العوامِّ، في عدم النَّفع وعودِ الضَّرر عليهم عاجلًا وآجلًا كمثل ريحٍ فيها بردٌ شديدٌ. ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بمنع حقوق (٣) اللَّه تعالى في مالهم. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بالكفر والمعاصي ومنعِ حقوق (٤) اللَّه تعالى، بيَّن أنَّ إهلاك (٥) الزَّرع عقوبةٌ على المنع وسوء الصُّنع. وقيل: ظلموا أنفسهم بأنْ زرعوا في غير موضع الزَّرع أو في غير وقته؛ لأنَّ الظُّلم: وضعُ الشَّيء في غير موضعِه. ووجهُ المثَل: أنَّ أهل الحرث عملوا وتعبوا وهلك حرثُهم وضاع سعيُهم فلم يحصلوا على شيءٍ (٦)، فكذا هؤلاء في إنفاقهم، لا نفع لهم، وليس لهم إلَّا التَّعبُ والخَيبة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية [النور: ٣٩].

стр. 1859

وقال يَمانُ بن رِئابٍ (١): الآية في نفقة أبي سفيان وأصحابه يوم بدرٍ، وكان يطعمُهم كلَّ يومٍ واحدٌ من رؤسائهم، وفيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ الآية [الأنفال: ٣٦]. وقيل: نزلت في نفقة المنافقين مع المسلمين في حرب المشركين (٢) مراءاةً للمؤمنين. وقول مقاتل في النُّزول أوفقُ لِمَا قبله. * * * (١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: البطانةُ: خاصَّة الرَّجل الذين يُظهر لهم ما في الباطن، ويكشفُ السرَّ لهم، وفلانٌ بطانةٌ لفلانٍ؛ أي: مداخلٌ له، تشبيهًا ببطانة الثَّوب الذي يلي بدن الإنسان في القرب. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: نهى اللَّهُ المؤمنين أن يتَّخذوا اليهود بطانةً من دون المؤمنين فيُفشون إليهم أسرارهم (٣).

стр. 1860

قوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يقصِّرون، وقد أَلَوْتُ آلُو، وما أَلَوْتُ في الحاجة جهدًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢]؛ أي: لا يقصِّرْ. والخَبالُ: الفسادُ، والخَبَلُ: الفساد (١) في العقل وهو الجنون، ورجل مخبَّلُ الرَّأي؛ أي: فاسد الرأي، والمختبِلُ كذلك. و ﴿خَبَالًا﴾ نصب على التَّفسير، أو بنزع الخافض (٢)، ومعناه: لا يقصِّرون في إفساد أموركم (٣)، ويُلقون إلى الكفار أسراركم. وقيل: أي: يقصدون صرفَكم عن دينِكم. قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: (ما) مع الفعل مصدر، ومعناه: أحبُّوا وتمنَّوا عَنَتكم؛ أي: إثمَكم على (٤) أن تشاركوهم في أشياءَ تَأْثَمون بها. وقيل: أي: مشقَّتكم وشدَّتكم في الدِّين. وهو قول ابن جريجٍ (٥). وقال السديُّ: أي: ضلالكم عن دينكم (٦). قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: ظهرت العداوة على ألسنتهم؛ أي: بالتَّكذيب (٧) الظَّاهر والإيذاءِ لكم بالقول.

стр. 1861

قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: أي: ما تضمِر قلوبُهم مِن قتلِ رسول اللَّه ﷺ ومن الكفر باللَّه أعظمُ ممَّا أظهروه من التَّكذيب. قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: أخبرناكم بالقرآن ما أرادوا وما أَخْفَوا. وقال مقاتل: نزلت الآية في حقِّ المنافقين (١). وقال ابن كيسان: معناه: لا تتَّخذوا المنافقين (٢) أخلَّاء دون المؤمنين، وذلك أنَّ الرَّجل من المؤمنين كان يُوادُّ المنافقين على الدُّنيا، فنُهوا عن ذلك؛ لأنَّهم لا يَدَعونَ أن يُلبِّسوا عليهم ويصدُّوهم عن الدِّين. ومعنى قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ على هذا: أنَّه يجري في كلامهم ما يُستدلُّ به على ذلك، وكذا في وجوههم؛ قال تعالى: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وهو في آياتٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]، ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] ونظائرِها. قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذا (٣) ظاهرٌ. وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: العلامات المميِّزة بين الأولياء والأعداء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنَّ العاقلَ لا يركنُ إلى مَن يريدُ به السُّوء، ولا يثقُ إلَّا بَمْن يعلم أنَّه يريد به (٤) الخير.

стр. 1862

وقيل: أي: إن كنتم تعقلون الفصلَ (١) بين العدوِّ والوليِّ. وقيل: أي: إن كنتم تعقلون أنَّ النَّفع في ذلك لكم. قالَ الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل: إن كنتم تعقلون الآيات، ويحتمِل: إن كنتم (٢) تنتفعون بعقولكم؛ لأنَّه ذكر في غير آيةٍ من القرآن أنَّهم لا يعقلون، وقد كانت لهم عقولٌ، لكن لم ينتفعوا (٣) بها، فنفاه عنهم رأسًا (٤). * * * (١١٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ﴾: ﴿هَا﴾ تنبيهٌ، ﴿أَنْتُمْ﴾ للخطاب، و ﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاء. وقيل: بمعنى الذين، و ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صلةٌ لـ (الذين). وقيل: ﴿أَنْتُمْ﴾ ابتداءٌ، و ﴿أُولَاءِ﴾ بمعنى هؤلاء خبر له، و ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في موضع الحال، ومحلُّ إعرابه النَّصب. قوله تعالى: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: أي (٥): يا معشر المؤمنين تحبُّون اليهود بسبب القرابة والرَّضاعة، وهم الذين (٦) لا يحبُّونكم لأجل الدِّين.

стр. 1863

وقيل: أي: تعاملونهم في أمور دنياكم معاملة المحبِّ، فتخالطونهم وتفشون إليهم أسراركم، وهم لا يفعلون ذلك (١)، بل يُخفون أحوالهم عليكم. وقيل: أي: تَبَرُّونهم وتحبُّون معاشرتهم، وهم لا يفعلون كذلك. وقيل: أي: تَدْعونهم إلى الإيمان الذي به السَّعادة، وهو فعل المحبِّ، وهم يدعونكم إلى الضَّلال وسوء الفعال، وهو عمل العدوِّ. قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: أي: بالكتب كلِّها: التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبور والفرقان (٢) وغير ذلك. واكتفى باسم الواحد لوجهين: أحدهما: أنَّه جنسٌ؛ فيصلح للكلِّ، كما يقال: كَثُرَ الدِّرهم في أيدي الناس. والثَّاني: أنَّه مصدرٌ. وهاهنا مضمرٌ؛ أي: وهم لا يؤمنون بكتابكم، لكنْ حُذف لدلالة الكلام عليه؛ لأنَّه (٣) قال تعالى في الأوَّل: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾، فدلَّ ذلك أن الثاني (٤) مثله، وهذا اختصارٌ (٥) كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ الآية [آل عمران: ١١٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ الآية [الزمر: ٩]. وقيل: معناه: بالقرآن كلِّه؛ أي: بجميع ما فيه.

стр. 1864

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾: فإنَّهم كانوا يقولون: نحن نؤمن باللَّه وكتبه ورسله، ويُلبِّسون ذلك، وكانوا يقولون: نحن على ذلك، لكنْ محمَّدٌ ليس بنبيٍّ، وما يتلو ليس بكتابٍ منزَلٍ. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي: إذا صاروا إلى أهل دينهم عَضُّوا أناملَهم -أي: رؤولسَ أصابعهم، جمع أَنمَلة بفتح الميم هو الصَّحيح في اللغة- غيظًا مِن اجتماع كلمتِكم وائتلافكم على دينكم، كما يفعله المتناهي في غيظه -وهو الغضبُ الكامن (١) في القلب- العاجز عن إنفاذه. وقال الكلبيُّ والضحَّاكُ ومقاتلٌ: الآية في المنافقين (٢)، ومعناه: أنتم تظهرون لهم المحبَّة اعتمادًا منكم على ظواهرهم من إظهارهم الإيمان، وهم لا يحبُّونكم في الباطن، وتؤمنون (٣) بالكتاب كلِّه وتأخذون بكلِّ ما في القرآن ولا تنافقون ولا تضمرون خلاف ما تظهرون، وهم يخالفون ذلك، ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، وهو كما مرَّ في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: هذا توبيخٌ، يُقال ذلك لمن لا فرَجَ له يُرجى، ومعناه: أنَّ الموت دون ما يرجون. وقيل: أي: دُوموا على هذا إلى أن تموتوا. وقيل: أي: أماتكم اللَّه بغيظكم، لفظُ أمرٍ بمعنى الدعاء. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بعداوة الصُّدور.

стр. 1865

وقيل: أي: بضمائرها، وهو كقولك: ذو مالٍ، وذات مالٍ، بمعنى: الصَّاحب والصَّاحبة، فهو نعتٌ لمؤنَّثةٍ (١) تصحب الصُّدور، فلذلك حُملَتْ على العداوة ونحوِها، وهو وعيد؛ أي: يَعلمُ فيُجازِي. * * * (١٢٠) - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾: أي: إن تصبكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقولهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]. ﴿حَسَنَةٌ﴾: أي: نعمةٌ وأُلفةٌ وغَلَبةٌ وغنيمةٌ وخصبٌ، ونحوُ ذلك من (٢) حالة مستحسنةٍ. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾: أي: تحزنهم؛ يُقال: ساءه يَسوؤه؛ أي: أحزنه، وسرَّه يسرُّه خلافُ ذلك، فأما قولُهم: أساء إليه يسيء، فهو خلافُ الإحسان إليه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: حالةٌ سيِّئةٌ: محنةٌ، أو فُرقةٌ، أو غلبةُ عدوٍّ (٣) وهزيمةٌ، أو جُدوبةٌ. ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾: أي: يُسرُّوا بها، وهي (٤) في صفة المنافقين على قول مَن حمل الآيتَيْن قبْلها عليهم، وفي اليهود على قولِ مَن جعلها فيهم، وهي صفة الكلِّ لعداوة الكلِّ، وما (٥) ينبغي أن يُتَّخذ العدوُّ بطانةً.

стр. 1866

وقال الكلبيُّ: ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: ظفرٌ وغنيمةٌ كما في يوم بدرٍ، و ﴿سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: قتلٌ وهزيمةٌ كما في يوم أحد (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: على ما أمرتم ﴿وَتَتَّقُوا﴾؛ أي: عمَّا نهيتم. وقيل: أي: وإن تصبروا على أذاهم، وتتَّقوا موالاتهم. قوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾: قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، من ضارَ يَضِير، وجزمُه لأنَّه جوابُ الشَّرط. وقرأ الباقون بضم الضَّاد والرَّاء وتشديدها (٢)، من ضرَّ يَضُرُّ، وهو في موضع الجزم، وحرِّك لاجتماع الساكنين، وضُمَّ إتباعًا لِمَا قبله. وقرأ عاصمٌ في روايةٍ بفتح الرَّاء (٣)؛ لأنَّها حركةٌ ضروريَّةٌ، فجُعلَتْ بالفتحة الَّتي هي (٤) أخفُّ الحركات. قوله تعالى: ﴿كَيْدُهُمْ﴾: هو الاحتيالُ للإيقاع في الهلاك. يقولُ: إنْ صبرتم على الطَّاعة (٥) واتَّقيتم المعصية، لم يَنَلْكم ما يريدون بكم من الهلاك. قوله تعالى: ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: شيئًا من الضرر، نصبٌ على المصدر (٦)، وقيل: أي: بشيءٍ، نصبٌ بنزع الخافض.

стр. 1867

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالمٌ بكلِّية ما يعملونه، قادرٌ على جزائهم به (١)، وهو أبلغ وعيدٍ. * * * (١٢١) - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّدُ إذ خرجت غدوةً من وطنك منزلِ عائشة إلى أُحدٍ. وهو قول ابن عبَّاسٍ وقتادة ومحمَّد بن إسحاقٍ والرَّبيع والسُّدي وعامَّة المفسِّرين (٢). وقال الحسنُ ومجاهدٌ ومقاتلٌ: يوم الأحزاب (٣). قوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: تهيِّئ لهم، والمَباءة: المَراح، وقد باء؛ أي: رجع، وتبوَّأ: اتَّخذ مسكنًا لنفسِه، وبوَّأه؛ أي: هيَّأه لغيره، ويُعدَّى باللَّام وغير اللَّام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال هاهنا: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهو كقوله (٤): رَدِفه ورَدِف له، وشكَره وشكر له، ونصحه ونصح له. وقيل: ترك اللَّام لتقدير: تُرتب المؤمنين، وتُقعد المؤمنين (٥)، وتُنزل، ولو أُريد (٦) اتِّخاذ المكان لهم لكان باللَّام.

стр. 1868

قوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ﴾: جمع مقعدٍ، وهو موضع القعود، وجاء في التَّفسير: أمكنةُ القتال، ومصافُّ القتال، وكان ينزل (١) كلَّ طائفةٍ موضعًا مخصوصًا. وسمِّيَتْ مقاعد لأنهم يتمكَّنون فيها (٢) قاعدين إلى أن يقعَ القتال. وقيل: هي الأماكن، وهي تكون للقيام والقعود جميعًا، ويُسمَّى بأحدهما، ويُدَلُّ على الآخر، وهو كقوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، سمَّاه مقامًا -وهو للقعود والقيام جميعًا- لهذا. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: وفي الآية: أنَّ الأئمَّة هم الَّذين يتولَّون أمور العساكر، ويختارون لهم المقاعد، وعليهم تعاهُد أحوالهم، ودفعُ الخلل والضياع عنهم ما احتمل وسعُهم، وعليهم طاعة الأئمَّة، وقَبول الإشارة (٣) من الإمام؛ قال اللَّه تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٤). قوله تعالى: ﴿لِلْقِتَالِ﴾: أي: لأجل مقاتلة الكفار. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: قيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقول المنافقون يومئذٍ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضمرون (٥)، وهو وعيدٌ لهم. وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقول محمَّد للمؤمنين، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرُه، وهو تزكيةٌ للنَّبيِّ ﷺ .

стр. 1869

وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالة المشيرين عليك (١)، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون؛ لأنَّهم اختلفوا، فمنهم مَن أشار بالخروج، ومنهم مَن أشار بالمقام في المدينة، وهو تزكيةٌ للزَّاكي، ووعيدٌ لغير الزَّاكي (٢). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿سَمِيعٌ﴾ لمقالتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائركم. قال: ويحتمل ﴿سَمِيعٌ﴾ بذكركم اللَّه؛ فقد قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]، ﴿عَلِيمٌ﴾ بثوابكم. قال: ويحتمل أنَّه بشارةٌ كما قال تعالى لموسى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. قال: ويحتمل ﴿سَمِيعٌ﴾ مجيبٌ لدعواتكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما به نصرُكم (٣). ثم انتظام هذه الآية بما قبلها: أنَّه قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقال في هذه القصة أيضًا: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾. * * * (١٢٢) - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قولُه تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾: أي: واذكر (٤) إذ همَّتْ، أو هو ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿إِذْ هَمَّتْ﴾؛ أي: قصدت، وهو للخَطْرة هاهنا، لا للعزمة (٥)؛ فإنه قال بعده: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.

стр. 1870

و ﴿طَائِفَتَانِ﴾؛ أي: جماعتان، وهما هنا بنو سَلِمةَ بن جُشَمَ، وهم من الخزرج، وبنو حارثة بن النَّبِيت، وهم من الأوس، وهما جميعًا من الأنصار. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: تجْبُنا من حدِّ عَلِمَ. والفشلُ يقعُ من غير فعلِه فلا يُلام عليه، لكن معناه: أن تفعلا فعلَ مَن يَفشل (١)، وهو الانصراف وترك القتال. وذلك أن عبد اللَّه بن أُبيٍّ ابنَ سلولَ انصرف عن النبيِّ ﷺ في ثلاث مئة نفرٍ من قومه، وبقي رسول اللَّه ﷺ في (٢) سبعِ مئة نفرٍ، والمشركون في ثلاثة آلاف رجلٍ، وكان انصرافه لنفاقه، وقيل: لغضبه؛ لأنَّه كان أشار على النبيِّ ﷺ بالثُّبوت في المدينة والتَّحصُّن بها، وكان أكثرُ المؤمنين يحبُّون الخروجَ، فكره النبيُّ ﷺ خلافَهم والأخذَ بقول ابن أُبيٍّ، فغضب لذلك، وقال: أطاع الولدان وعصاني. وهمَّتْ هاتان الطَّائفتان بالانصراف كما انصرف ابنُ أُبيٍّ، لا لغشٍّ أو نفاقٍ، بل خوفًا من كثرة المشركين، فتولَّاهم اللَّهُ بعصمته حتى لم يَفعلا (٣)، وحقَّق إيمانهما بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقال الواقديُّ: همَّتْ هاتان الطَّائفتان ألَّا يخرجوا مع النبيِّ ﷺ خوفًا، ثم وفَّقهم اللَّه تعالى فخرجوا (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: أي: محبُّهما وناصرهما ومتولِّيهما، والواو للحال، ومعناه: ما كان ينبغي لهما أن يفشلا واللَّه يتولَّى نصرَهما ومعونتَهما.

стр. 1871

وقال قتادة: لَمَّا نزلت الآيةُ قال الحيَّان: واللَّه ما يَسرُّنا أنَّا لم نهمَّ بالَّذي همَمْنا به وقد أخبرنا اللَّه تعالى بأنَّه وليُّنا (١). ورُوي أنَّه لَمَّا انصرفَ عبدُ اللَّه بن أُبيٍّ بثُلث الجيش قال: يا قوم، علامَ نقتلُ أنفسنا وأولادنا، فتبعهم [عبد اللَّه بن] عمرو بن حرام (٢) فقال: أتترك النبيَّ ﵇ والصحابة؟ فقال: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم، ولو أطَعْتنا لرجعْتَ معنا. وهمَّتْ بنو سلمة وبنو حارثة (٣) بالانصراف، فوفَّقهم اللَّهُ للسَّداد فلم يرجعوا (٤). وفي الإخبار عن هذا الهمِّ وهو غيبٌ دلالةُ صدقِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّه أَخبر بإخبار اللَّه تعالى وإطْلاعه إيَّاه عليه. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أي: فليَعتمِد على ما وعد، وليجتهد في الوفاء بما عهد، وليفوِّض كلَّ أمره إلى اللَّه إذ علم أنَّه بكلِّيته للَّه، وإليه مرجعه، وبهذه الجملة وعدَ أن ينصر دينَه. قال: وليس في القرآن تعيين الطَّائفتين، ولا ينبغي أنْ يُذكرَ إلَّا بإقرارٍ منهما، وقد روي أنهما أقرَّتا بذلك لِمَا سمعتا من قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٥). وقال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: جملةُ العلوم أدنى بابٍ من التَّعبُّد، وجملةُ

стр. 1872

التَّعبُّد أدنى بابٍ من الورع، وجملةُ الورع أدنى بابٍ من الزُّهد، وجملةُ الزُّهد أدنى بابٍ من التَّوكُّل (١). * * * (١٢٣) - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾: وانتظامُها بالأولى أنَّه قال: توكَّلوا واذكروا نصري إيَّاكم يوم بدرٍ مع قلَّة عَددكم وعُددكم. وبدرٌ: بئرٌ بين مكَّة والمدينة، وحافرُها كان رجلًا اسمه بدر، فسُمِّيت به، وسميت تلك النَّاحية به أيضًا. قاله الشَّعبيُّ (٢). وقال الواقديُّ عن شيوخه: هو اسمٌ لذلك المكان وُضع، لا لهذا (٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: جمع ذليلٍ؛ أي: في قلَّةِ عَددٍ وعُددٍ؛ لأنَّهم كانوا يومئذٍ ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشر رجلًا؛ ستَّةً وسبعين من المهاجرين، وبقيَّتُهم من الأنصار، والمشركون ألف رجلٍ، وكان صاحبَ راية رسول اللَّه ﷺ عليُّ بن أبي طالب ﵁، وصاحبَ راية الأنصار سعد بن عبادة ﵁. وقيل: وأنتم أذلةٌ عند أنفسكم؛ لقلَّة العدد والسلاح. وقيل: عند المشركين، وهو كقوله: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأرادوا (٤) بالعزِّ الكثرةَ، وبالذُّلِّ القلَّةَ.

стр. 1873

قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: اعملوا بطاعته، واجتنبوا (١) معصيته، لتقوموا بشكر نعمته. * * * (١٢٤) - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾: أي: واذكر يا محمَّدُ ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ لأصحابك يومَ أُحُد -وعاد إلى قصة أُحُد عند أكثر أهل التَّفسير-: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، الكفاية: البلوغ إلى قَدْر الحاجة، والغنى: الزِّيادة على قدر الحاجة. قوله تعالى: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾: الإمدادُ: إعطاءُ المدد، وهو الزِّيادة على عددهم تقويةً لهم. قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: أي: من السَّماء، وقرأ ابن عامر بالتَّشديد (٢)، وهو للترادُف على التَّوالي، وقرأ أبو حَيْوَةَ بكسر الزَّاي (٣)؛ أي: آتين بالنَّصر. قال لهم النبيُّ ﷺ قبلَ لقاء العدو، ووعدهم الإمداد بثلاثة آلاف ملكٍ، فركَنوا إليه، فوعدهم إنِ اتَّقوا وصبروا (٤) الزِّيادة على ذلك، وهو خمسة آلافٍ؛ يعني: زيادة ألفين على ثلاثة آلاف، ولو اتَّقوا وصبروا لأُمدُّوا، لكنْ لم يفعلوا فحُرموا

стр. 1874

أصلًا. وإلى هذا القول ذهب الكلبيُّ والواقديُّ ومحمَّدُ بن إسحاق والضَّحاك وعبد الرَّحمن بن زيد بن (١) أسلم (٢). وقالوا: كان العدوُّ يوم أحدٍ ثلاثة آلافٍ والمسلمون بعد رجوع المنافقين سبعَ مئةٍ، فسألوا رسولَ اللَّه ﷺ : هل يمدُّنا اللَّه في هذه الغزوة بالملائكة كما أمدَّنا اللَّه يوم بدرٍ إذ كانوا ثلاثةَ أمثالنا؟ فقال لهم النبيُّ ﷺ : "ألن يكفيَكم أن يمدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف ملَكٍ على عدد الأعداء، وأنتم زيادةٌ على ذلك". وقالوا: كان هذا بوعد اللَّه له به (٣) بالشَّرط الذي تقدَّم، ووعدهم أيضًا الزِّيادة عليه بالوعد أيضًا. وقيل: لم يكن بالوعد، لكن لَمَّا سألوه عن ذلك قال لهم: "هل يكفيكم ثلاثة آلافٍ لأسأل اللَّه تعالى ذلك لكم؟ " فقالوا: نعم. فسألَ اللَّهَ ، فأجابَ ووعدهم بعد ذلك بخمسة آلافٍ إن اتَّقوا وصبروا، والشَّرط (٤) في الوعدَيْن جميعًا. وعن الحسن: إنَّ الوعدَ بثلاثة آلافٍ من اللَّه تعالى مطلقٌ، والزِّيادةَ إلى خمسة آلافٍ بالشَّرط. وعلى قوله: جملتُهما (٥) ثمانية آلافٍ (٦).

стр. 1875

وعلى قول غيره معناه: زيادة ألفين على ثلاثة آلافٍ حتى تصير خمسة آلافٍ مع تلك الثَّلاثة الآلاف، وهو (١) كقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠]؛ أي: مع اليومَيْن الأوَّلَيْن. وقال جماعةٌ من المفسرين: هذا الوعد كان في يوم بدرٍ، وهو متَّصلٌ بالأوَّل؛ أي: نصركم يوم بدرٍ، والنبيُّ ﷺ وعدهم ذلك، وحُقِّقَ ذلك، فأُنْزِلَ خمسةُ آلاف ملَكٍ. وعلى هذا معنى قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؛ أي: من وجههم هذا الَّذي قصدوكم منه، لأنهم لَمَّا (٢) سمعوا باعتراض المسلمين لعِيرهم (٣) فاروا -أي: جاشوا- كفوَران القِدْر، وهو غليانها، وقد فارت العين؛ أي: جاش ماؤها، وفورة الغضب هيجانُه، وفورُ الأمر حدَّتُه (٤) وحدوثه. فلمَّا سمعوا ذلك فاروا وتكثَّروا (٥)، وركبوا كلَّ صحبٍ وذَلولٍ، وخرجوا أقوياء عند أنفسهم، قد أحمتهم جاهليَّتهم، وحرَّكتهم حميَّتهم لأموالهم، فأخبرهم اللَّه تعالى أنهم أتَوْكم على هذه الحالة فلا تهابوهم؛ فإنَّ اللَّه تعالى يكفيكم شرَّهم، ووعدهم إحدى الطَّائفتين: إمَّا العِير، وإمَّا النَّفير. وقال هؤلاء: دليل ذلك أنَّه لم ينزل يوم أحدٍ الملائكة. قال عبيد بن عمير: لَمَّا رجعَتْ قريشٌ من أُحدٍ جعلوا يتحدَّثون في أنديتهم بما

стр. 1876

ظفروا، ويقولون: لم نَرَ الخيل البُلْقَ (١)، ولا الرِّجال البيض الَّذين كانوا ببدرٍ (٢). وما رُوي عن سعد بن أبي وقَّاص أنَّه قال: رأيْتُ يومَ أحدٍ عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلَيْن عليهما ثيابٌ بيضٌ يقاتلان عنه كأشدِّ القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ (٣) = فذاك -على قول هؤلاء- كان للنبيِّ ﷺ على الخصوص؛ لأنَّه صبرَ واتَّقى، ولم يكن للصَّحابة مدد ملَك. وكذا ما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ (٤) أعطى مصعب بن عمير اللِّواء، فقُتل مصعبٌ، فأخذه ملَكٌ في صورة مصعب، فقال له النبيُّ ﷺ (٥): "تقدَّم يا مصعب"، فقال: لستُ بمصحب. فعرف أنه ملَكٌ (٦). فهذا له على الخصوص أيضًا. وقال بعضُ مَن قال بالقول الأوَّل: لا يستقيم حمل هذه الآية على أهل بدرٍ؛ فإنَّ المذكور في حقِّهم في (سورة الأنفال): ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [الأنفال: ٩]، وهذا العددُ غيرُ ذلك. وقال الفريق الثَّاني: وعدهم بألفٍ (٧)، ثم بزيادة ألفين، فصاروا ثلاثة آلافٍ، ثم بزيادة ألفين آخرين، فصاروا خمسة آلافٍ، وهو كما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ قال

стр. 1877

لأصحابه: "أيسرُّكم أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ "، قالوا: نعم. قال: "أيسرُّكم أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنَّةِ؟ "، قالوا: نعم. قال: "أيسرُّكم (١) أن تكونوا نصف أهل (٢) الجنَّة؟ "، قالوا: نعم. قال: "فإنِّي أرجو أن تكونوا ثُلُثي أهل الجنَّة" (٣). وروي هذا التَّأويل عن قتادة والرَّبيع قالا: أُمِدُّوا بألف (٤)، ثم صاروا ثلاثة آلافٍ، ثم صاروا خمسة آلاف (٥). وله وجهٌ آخر حكي عن الشَّعبيِّ قال: حُدِّث المسلمون يوم بدرٍ أنَّ كرزَ بن جابر المحاربيَّ يمدُّ المشركين، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فقيل لهم: ألن يكفيكم أن يمدَّكم ربكم بثلاثة آلافٍ، ثم بخمسة آلافٍ؛ أي: إن أتوا، فلما بلغ خبر هزيمة الكفَّار إلى كرزٍ رجع هو (٦)، فلم يُمَدوا بثلاثة آلافٍ ولا بخمسة آلافٍ (٧). * * * (١٢٥) - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.

стр. 1878

قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: تصبروا على القتال وتتقوا الفِرار. وقيل: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: تثبتوا، و ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ النبيِّ ﷺ وعصيانَه. قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ﴾: قال ابن عباسٍ ﵄: من وَجْههم هذا (١)؛ أي: من طريق مكَّة،، ولم يرجعوا وتمُّوا على قصدهم. وقال مجاهد والضَّحَّاك: أي: من غضبهم (٢). قولُه تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾: جزم بالشَّرط والجزاء. قوله تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: قرأ ابن كثيرٍ وعاصم وأبو عمرو بكسر الواو، والباقون بفتحها (٣). والتَّسويمُ: الإعلام، والسُّومةُ: العلامةُ الَّتي يعلِّم بها الفارس نفسَه. ومعنى قراءة الكسر: أنَّهم أعلموا خيلهم في أذنابها ونواصيها وأنفسَهم بنوع لباسٍ. ومعنى قراءة الفتح: أنَّهم (٤) فُعل بهم ذلك؛ وله وجهان: أعلموا أنفسهم بذلك، فهم مفعولون بفعل أنفسهم، أو اللَّه تعالى فعل بهم ذلك.

стр. 1879

وقيل في قراءة الكسر: إنه بمعنى: المتسوِّمين، وقد سوَّم وتَسوَّم، كما يقال: قدَّم وتقدَّم، وحوَّل وتحوَّل. وفي الخبر: أنَّهم كانوا أعلموا خيولَهم بالصُّوف في النَّواصي والأذناب، وأنفسَهم بالعمائم الصُّفر، وقيل: البيض، قال عروة بالأوَّل (١). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان سِيما الملائكة يوم بدرٍ عمائمَ بيضٍ قد أرسلوها بين أكتافهم، ويومَ حنين عمائمَ حمرٍ، وفي سائر الغزوات شهدوا ولم يقاتلوا (٢). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: إنما أُعلموا ليَعلمَ المؤمنون أنهم يحتاجون إلى العلامة، قال ﵇: "تسوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمَتْ" (٣). وقال الأخفش: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بالكسر؛ أي: مرسِلين خيلَهم في الغارة، مِن السَّائمة، والتَّسويم كالإسامة، كالتَّقويم في معنى الإقامة. وقيل: مرسِلين أذناب عمائمهم، وكانوا فعلوا ذلك (٤) وهم على خيلٍ بُلْقٍ. * * * (١٢٦) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

стр. 1880

قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾: الهاء في: ﴿جَعَلَهُ﴾ يجوز أن تكون كنايةً عن القول الَّذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾، ويجوز أن تكون كنايةً عن العدد، أو عن الإمداد، أو عن الوعد، أو عن النَّصر، أو عن إنزال الملائكة، يقول: ما فعل ذلك إلَّا ليبشركم (١) بالنَّصر. قوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: أي: ولتسكن قلوبُكم به، وهو عطفٌ على الأوَّل معنًى؛ لأنَّ قوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾؛ أي: ليبشركم، أو أضمر فيه فعلًا قبلَه أو بعدَه، وتقديرُه: ولتطمئن قلوبُكم به فعلَ ذلك، أو فعل ذلك لتطئمنَّ (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: ليس ذلك من الملائكة، بل من اللَّه ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾؛ أي: العزيز في ملكه، الحكيم في حكمه. وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع الَّذي لا يلحقه عجزٌ، فلا يُتوقَّع النَّصرُ إلَّا مِن عنده، ﴿الْحَكِيمِ﴾: الفاعل ما توجبُه الحكمةُ، فلا ينصرُ إلَّا أهله. وقيل: ﴿الْعَزِيزِ﴾: المنيع، فلا يُرام، وليس ما نال (٣) أعداؤه من أوليائه لعجزه، ﴿الْحَكِيمِ﴾: يضع الأمور مواضعها تصرُّفًا في ملكِه، فلا اعتراض عليه إنْ نصرَ أو خذلَ. * * * (١٢٧) - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: واتِّصالها بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾.

стр. 1881

وقيل: بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ﴾. وقيل: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ بكذا (١) ﴿لِيَقْطَعَ﴾. وقيل: هو عطفٌ على قوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ حذف حرف العطف، كما يقال: فلان برَّني أكرمني أحسن إليَّ. وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ وهو وعدٌ بالشَّرط. وقوله تعالى: ﴿طَرَفًا﴾؛ أي: قطعةً، وإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: وسطًا، وإن كان ذلك قطعةً أيضًاح لأن القطع بأيدي المسلمين، وإنما يقطعون الَّذين يلونهم من الكفَّار، وهم طرفٌ لا وسطٌ. وقيل: هذا في أهل بدرٍ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧]، وهو طرفٌ منهم، قاله الحسنُ وقتادةُ والرَّبيعُ (٢). وقيل: صناديدهم وأشرافهم. وقال السُّديُّ: هو يوم أُحُدٍ، قُتل منهم ثمانية عشر، وقُتل صاحبُ لوائِهم (٣). قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: قال الخليلُ: الكَبْتُ (٤): هو صرع الشَّيء على وجهِه (٥).

стр. 1882

وقيل: الكَبْتُ: وهنٌ يقع في القلبِ، فيَصرع في الوجه لأجله. وقيل: أي: يذلَّهم. وقيل: أي: يغيظهم. وقيل: أي: يهزمهم. وقيل: أي: يخزيهم. ويقال: كَبَتَهُ في معنى: كَبَدَهُ؛ أي: ضربَ كبدَه، والدَّال والتَّاء يتعاقبان، يقال: سبَّتَ رأسهَ وسَبَّده؛ أي: حلقَه. وقيل: معناه: أو (١) يلعنَهم. والأشبه: يغيظهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. قوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: أي: فيرجعوا آيسين، وبينهما فرقٌ؛ فإنَّ الخيبة هي انقطاع الأمل، ولا يكون إلَّا بعد ما أَمَّلَ، واليأس يكون قبلَه وبعدَه. وقال يمانُ بن رِئابٍ (٢): ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: ليَهدم (٣) ركنًا من أركان الشِّرك، ويُهلك طائفةً منهم، أو يهزمهم فيصرعهم لوجوههم، فيرجعوا بلا ظفرٍ ولا نُجحٍ. * * * (١٢٨) - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

стр. 1883

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (١): اختلف في نزولها (٢)؛ قال أنس ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كُسرَتْ رباعيَتُه يومَ أُحُدٍ، وشُجَّ في جبينِه حتَّى سالَ الدَّمُ على وجهِه، فقال: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم"، فنزلَتْ هذه الآيةُ (٣). وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "اللَّهمَّ العَنْ أبا سفيانَ، اللَّهم العَن الحارث ابن هشام، اللَّهم العَنْ صفوانَ بن أميَّة، فنزلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، فأسلموا وحسنَ إسلامهم (٤). وقال قتادة: شَجَّ عتبةُ بن أبي وقَّاص رسولَ اللَّه ﷺ وكسرَ رَباعيَته، فقال: "اللَّهمَّ لا تُحِلْ عليه [الحولَ] حتى يموت [كافرا] "، فنزلت الآية، وماتَ دونَ الحول كافرًا (٥). وقال عكرمة: إنَّ الَّذي دمَّى (٦) وجهَ رسول اللَّه ﷺ يوم أُحُدٍ رجلٌ من هذيل يُقال له: عبد اللَّه بن قَمِئة، فسلَّط اللَّه عليه تيسًا، فنطحَه حتَّى قتلَه (٧).

стр. 1884

وقيل: لَمَّا مثَّلوا بحمزةَ -كما رُوي- قال النَّبيُّ ﷺ : "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بعمِّ رسول اللَّه"، فنزلت الآية (١). ومعناه: ليس لك يا محمَّد في إهلاك هؤلاء أوإبقائهم أمرٌ ولا حكمٌ، إنَّما الأمر في ذلك للَّه يتوب عليهم أو يعذِّبهم، فلا تَدْعُ عليهم، فإنَّهم بين رجلَيْن: مَن سيؤمِنُ بك فيصيرُ كأصحابك، ومَن يموت على كفره فيصير إلى النَّار، ولَعذابُ الآخرة أشدُّ وأبقى. وقولٌ آخر: إنَّه في قَتَلةِ أهل بئر معونةٍ. قال الكلبيُّ ومقاتل: إنَّ جماعةً مِن أهل الصُّفَّة خرجوا لقتال عصيَّة وذكوان، فقُتلوا جميعًا عند بئر معونة، فدعا عليهم النبيُّ ﷺ في الفجر أربعين يومًا، فنزلت الآيةُ، ونُهي عن الدُّعاء عليهم (٢).

стр. 1885

وقولٌ آخر: أنَّه في المنهزمين يوم أُحدٍ من المسلمين، وهو عن ابن مسعودٍ والكلبي والواقدي: أنَّ النبيَّ ﷺ أراد أن يلعنَهم فنزلَت الآية (١). وقيل: أراد أن يستغفرَ لهم، فنُهي عن ذلك -أيضًا- حتى تظهرَ توبتُهم أو يجريَ بنوعٍ خاصٍّ عقوبتُهم كما عُرف في الذين تخلَّفوا عن تبوك. وقيل: لَمَّا شجَّ يومئذٍ وأُدمي سأل الصَّحابةُ رسولَ اللَّه ﷺ أن يلعنَهم ويدعو بهلاكهم، فقال: "ما بعثني اللَّه لعَّانًا ولا طعَّانًا، ولكن بعثني داعيًا ورحمةً، اللَّهم اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون"، فنزلَتِ الآيةُ، ونُهي عن سؤال الهداية لهم (٢). وقيل: نزلت في شأن أبي طالب. ويجوز أن يكون في الكلِّ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون ابتداءَ خطابٍ من اللَّه تعالى من غير أن سبق منه ما يُعاتَب عليه أويُمنع عنه؛ ليكون أبدًا مقبِلًا نحو الإذن له في كلِّ شيءٍ (٣).

стр. 1886

قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: قيل: هو عطفٌ على قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ فاعتَرض (١) بينهما كلامٌ تامٌّ. وقيل: هو بمعنى: إلَّا أن (٢)، كأنَّه قال: ليس لكَ من الأمر شيءٌ إلَّا أن يعطيَهم اللَّهُ تعالى التَّوبةَ. وقيل: إلَّا أن يتوبوا فيَقبلَ (٣) توبتهم أو يعذِّبهم فإنهم ظالمون مستحقُّون للتَّعذيب، فيكون أمرك تابعًا لأمر اللَّه (٤) برضاك بتدبيره. * * * (١٢٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: الأمر له لا لك؛ لأنَّ ما في السماوات وما في الأرض له لا لك. قوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: هو الذي يهدي مَن يشاء فيوفِّقُه (٥) فيغفر له، ويخذل من يشاء فيعذِّبه على كفره ومعاصيه. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيغفر (٦) لمن تاب، ويرحم جميعَ خلقه، ومن رحمته جعل للكفَّار عن الكفر بالإيمان مخرجًا ومتابًا.

стр. 1887

(١٣٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾: اتِّصالُها بما قبلَها: أنَّ آكل الرِّبا محارِبٌ للَّه تعالى ولرسوله، فأُلحق بأهل الحرب من الكفَّار في الذِّكر. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾؛ أي: لا تأخذوا؛ لأنَّه يُقصد بالأخذ: الأكلُ غالبًا. نزلت في الأنصار، فكان الرَّجل منهم إذا حلَّ مالُه طلبَه مِن صاحبه، فيقول المطلوب: أخِّرْ عنِّي وأزيدك على مالك، فيفعلون ذلك، فوعظهم اللَّه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا﴾: جمع ضعفٍ، وهو المثل إلى ما زاد، على ما مر في آية تضعيف (١) الصدقات. ﴿مُضَاعَفَةً﴾ نعتٌ للأضعاف، وعن عطاء ومجاهد: أنَّه الزِّيادة في المال للزِّيادة في الأجل عند محلِّه وهو لا يجد ما يقضيه (٢). وقيل: معناه: أي: تضاعِفون به أموالكم. وفي الآية نهيٌ عن أكل الرِّبا (٣) أضعافًا مضاعفةً، فكان تحريمًا لذلك، وثبت تحريم القليل بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقد شرحناه في آخر سورة البقرة مع بيان سبب النُّزول.

стр. 1888

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: اتَّقوا اللَّه في الرِّبا لتفوزوا وتنجُوا من (١) عذاب آكل الرِّبا. * * * (١٣١) - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: مرَّ تفسيره في أوائل (٢) سورة البقرة. وتحذير المؤمنين عن النَّار الَّتي أُعدَّت للكافرين ردٌّ على المرجئة في قولهم: إن المؤمن لا يُعذَّب بالنَّار (٣) أصلًا، ولا يَضرُّ مع الإيمان ذنبٌ. والآية ردٌّ على المعتزلة أيضًا في أنَّ المؤمن الَّذي هو صاحب كبيرةٍ يخلد في النَّار، واللَّه تعالى أخبر عنها (٤) أنها أعدت للكافرين، فلا يكون الخلود فيها للمؤمنين. وقيل: معنى الآية هاهنا: واتَّقوا استحلالَ الرِّبا، فتكفروا، فتُعذَّبوا بالنَّار (٥) الَّتي أُعدَّت للكافرين. وقيل: يُعذَّب اَكل الرِّبا بالنَّار الَّتي يُعذَّب بها الكفار (٦) -بظاهر هذه الآية- مُد ثم يخرج. وقال بعضُ أهل المعرفة: نهى اللَّه تعالى الخلقَ عن الإقراض بشرط الأضعاف المضاعفة، واستقرض من عباده على الأضعاف المضاعفة؛ إظهارًا لكرمِه، وأنَّه لا

стр. 1889

يَنقص شيءٌ من خزائنه، ورحمةً (١) على خلقه، وصيانةً للعبد عن إلحاق الضَّرر به. * * * (١٣٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: أي: في تحريم الرِّبا ﴿وَالرَّسُولَ﴾؛ أي: فيما بيَّن مِن وجوهه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لِتُرحَموا. * * * (١٣٣) - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: اتِّصالها بما قبلها: أنَّه يقول: وبادروا إلى سببِ مغفرةٍ من ربِّكم، وهو التَّوبة إن أخذتم الرِّبا، واستوجبتُم به النَّار، فتوبوا وسارعوا إلى نيل المغفرة بها. وقال عطاءٌ: لا تصرُّوا على الذُّنوب، وأسرعوا إلى التَّوبة. وقيل: هو المبادرة إليها قبل أن تموت، قال ﵇: "اغتنم خمسًا قبل خمسٍ. . . " الحديث (٢). وقال محمد بن إسحاقٍ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ هذا في حربِ أحدٍ؛ أَمرَ النبيُّ

стр. 1890

- ﷺ أصحابَه أن يحفظوا مراكزهم كيلا يدخل الكمين عليهم، فترك الرُّماة المركز (١)، فدخلوا عليهم منه، فعاتبَهم اللَّه تعالى بهذا (٢). قوله تعالى: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال [الضحاك]: هو الجهاد في دينِه. وقال عثمان بن عفانٍ ﵁: هو الإخلاص في العمل. وقال عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁: هو أداء الفرائض. وقال يمانٌ: هو الصَّلوات الخمس. وقال أنس بن مالكٍ ﵁: هو التَّكبيرة الأولى. وقال أبو رَوقٍ: وسارعوا إلى الهجرة. وقال أبو بكرٍ الورَّاق: إلى الطَّاعة. وقيل: إلى الجمعات (٣) والجماعات (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: النَّاس في المسارعة على أقسامٍ: فالعابدون يسارعون بأقدامهم في الطَّاعات، والعارفون يسارعون بهممهم (٥) في القُربات، والتَّائبون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات، فمَن سارع بقدمه

стр. 1891

وجدَ مثوبته، ومَن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته (١). قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ﴾: عطفٌ على ﴿مَغْفِرَةٍ﴾؛ لأن الأولى لإزالة العقاب، والثانية لإنالة الثواب، فتغايرتا فصحَّ العطف. قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: وسارعوا (٢) إلى جنَّةٍ -أي: إلى عملٍ يوصلكم إلى جنةٍ- عرضُها كعرض السَّماوات والأرض، كما قالَ في آيةٍ أخرى: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وهذا مضمرٌ فيه، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أي: كخَلْقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وجازَ ذلك لدلالةِ الكلام عليه. قال ابن عبَّاسٍ والحسنُ: إنَّ السَّماوات والأرض إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، فعرضُ الجنَّة مثلُها، وأمَّا الطُّول فأكبر من ذلك؛ لأنَّ طول كلِّ شيءٍ يزيد على عرضِه (٣). وهو كقوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ يدلُّ على أنَّ ظهائرَها أنفسُ وأرفعُ وأحسنُ منهاء وقيل: أراد بالعرض: المعارَضةَ والمقابَلة؛ أي: لو قُوبلَت الجنَّةُ بالسَّماوات والأرض كانت كذلك.

стр. 1892

وما رُوي أنَّ الجنة في السَّماء، أو في السَّماء الرَّابعة، فمعناه: أنَّها مِن جهتِها، لا أنَّها فيها، أو في بعضِها، كما يُقال: في الدَّار بستانٌ، وإن كان يَزيد عليها، ويُراد به: أنَّه مِن جهتها -لا أنَّه في بعضها- ويُشْرَع بابه إليها (١)، وإن كان بأضعافها. وقيل: العرض هو السَّعة؛ قال الشَّاعر: كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ... على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابل (٢) أي: واسعةٌ. وقيل: هذا التَّقدير للواحدِ (٣) من أهل الجنَّة، ولكلِّ واحدٍ كذلك، وقال ﵇: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً مَن يُعطَى مثلَ الدُّنيا وعشرة أمثالها" (٤). وقال سهل بن عبد اللَّه التُّستَري: معناه: كما أنَّ السماوات والأرضين عريضةٌ عندكم في رأي العين، فالجنَّة عند أهلها كذلك؛ لا على أنها بقَدْر السماوات والأرض، وكيف ولواحدٍ منهم مثلُ الدُّنيا عشر مرَّاتٍ؟

стр. 1893

وقال ابن عباسٍ ﵄: لو أُلصقت السَّماواتُ (١) بعضُها ببعضٍ والأرضُ كذلك لكانت الجنة الواحدة كذلك (٢). ونصيب أحدهم مسيرةُ ألف سنةٍ، يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، لو ضافه (٣) الجنُّ والإنس مُذ خلقوا إلى أن تقوم (٤) السَّاعة لأطعمهم وسقاهم وكساهم، ولا ينتقص (٥) ممَّا عندَه جناح بعوضةٍ. وقيل: ليس عند النَّاس أوسعُ من السماوات والأرض، فذكر اللَّه ذلك، فأمَّا سَعة الجنان فلا يعلمها إلَّا اللَّه، وهو كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، لِمَا أنَّها أعظم المخلوقات وأقواها (٦) عندهم، وكقوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] لأنها أدومها وأطولها مدةً عندهم (٧)، وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]، لأنها أغلظها وأكثفها جرمًا عندهم، وهذا كله لإيقاع الشيء في أفهامهم (٨). قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾:

стр. 1894

قيل: أي: الذين اتَّقوا الشِّرك، كما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقيل: للَّذين اتقوا المعاصي. وكلاهما صحيحان؛ فالَّذين اتَّقوا المعاصي كلَّها هي لهم بغير عقوبةٍ، والذين اتَّقوا الشِّرك ووقعوا في المعاصي فخاتمةُ أمرهم الرُّجوع إليها. وقيل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم قد يدخلُها بفضل اللَّه وبعفوه (١) غير المتَّقين، كما يُقال: أُعدَّت هذه المائدة للأمير، ثم قد يأكلها أتباعه. ودلَّت الآيتان أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان، كما مرَّ في أوَّل سورة البقرة. * * * (١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم ذكر بعض صفات هؤلاء المتَّقين: وذلك قوله ﷻ : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: قال الكلبيُّ: أي: الَّذين ينفقون أموالهم في طاعة اللَّه في الرَّخاء واليسر، وفي الشِّدَّة والعسر (٢). وقال الضَّحَّاك: أي: في الغنى والفقر (٣). وقال السديُّ: أي: في السرور والحزن. وقيل: في الرُّخص والغلاء.

стр. 1895

وقيل: في الكثرة والقلَّة. وقيل: في الفقد وفي الوجود. وقيل: في العزَّة وفي الوجود (١). وقيل: في العرس والمأتم. قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: أي: المتجرِّعين، وقد كظم البعيرُ جِرَّته: إذا ردَّها إلى (٢) حَلْقه، وكظم رأسَ القِربة: إذا شدها (٣) على ملئها، والكظيم (٤) والمكظوم: الممتلئ حزنًا، الممسكُ عليه، والكِظامةُ: القناةُ الممتلئة ماءً، وكذا السِّقاية. وأخذ بكَظَمه؛ أي: بمجرى نَفَسه، وكظَم خصمَه: أجابه بالمُسكِت فأفحمه. وكَظْمُ الغيظِ: تجرُّعُه على القدرة على إمضائه. والغيظُ: توقُّد حرارة القلب من الغضب، وقد تغيَّظَت الهاجرةْ إذا اشتدَّ حميُها؛ قال الأخطل: لدن غُدْوةٍ حتى إذا ما تغيَّظَتْ... هواجرُ مِن شعبانَ حامٍ أصيلُها (٥) وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]؛ أي: من شدَّة الحرِّ، وقوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢]؛ أي: غليانًا.
следующие страницы →