← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وجدَ مثوبته، ومَن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته (١). قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ﴾: عطفٌ على ﴿مَغْفِرَةٍ﴾؛ لأن الأولى لإزالة العقاب، والثانية لإنالة الثواب، فتغايرتا فصحَّ العطف. قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: وسارعوا (٢) إلى جنَّةٍ -أي: إلى عملٍ يوصلكم إلى جنةٍ- عرضُها كعرض السَّماوات والأرض، كما قالَ في آيةٍ أخرى: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، وهذا مضمرٌ فيه، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]؛ أي: كخَلْقِ نفسٍ واحدةٍ وبعثِها، وجازَ ذلك لدلالةِ الكلام عليه. قال ابن عبَّاسٍ والحسنُ: إنَّ السَّماوات والأرض إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ، فعرضُ الجنَّة مثلُها، وأمَّا الطُّول فأكبر من ذلك؛ لأنَّ طول كلِّ شيءٍ يزيد على عرضِه (٣). وهو كقوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ يدلُّ على أنَّ ظهائرَها أنفسُ وأرفعُ وأحسنُ منهاء وقيل: أراد بالعرض: المعارَضةَ والمقابَلة؛ أي: لو قُوبلَت الجنَّةُ بالسَّماوات والأرض كانت كذلك.

стр. 1892

وما رُوي أنَّ الجنة في السَّماء، أو في السَّماء الرَّابعة، فمعناه: أنَّها مِن جهتِها، لا أنَّها فيها، أو في بعضِها، كما يُقال: في الدَّار بستانٌ، وإن كان يَزيد عليها، ويُراد به: أنَّه مِن جهتها -لا أنَّه في بعضها- ويُشْرَع بابه إليها (١)، وإن كان بأضعافها. وقيل: العرض هو السَّعة؛ قال الشَّاعر: كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ... على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابل (٢) أي: واسعةٌ. وقيل: هذا التَّقدير للواحدِ (٣) من أهل الجنَّة، ولكلِّ واحدٍ كذلك، وقال ﵇: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً مَن يُعطَى مثلَ الدُّنيا وعشرة أمثالها" (٤). وقال سهل بن عبد اللَّه التُّستَري: معناه: كما أنَّ السماوات والأرضين عريضةٌ عندكم في رأي العين، فالجنَّة عند أهلها كذلك؛ لا على أنها بقَدْر السماوات والأرض، وكيف ولواحدٍ منهم مثلُ الدُّنيا عشر مرَّاتٍ؟

стр. 1893

وقال ابن عباسٍ ﵄: لو أُلصقت السَّماواتُ (١) بعضُها ببعضٍ والأرضُ كذلك لكانت الجنة الواحدة كذلك (٢). ونصيب أحدهم مسيرةُ ألف سنةٍ، يَرى أقصاها كما يَرى أدناها، لو ضافه (٣) الجنُّ والإنس مُذ خلقوا إلى أن تقوم (٤) السَّاعة لأطعمهم وسقاهم وكساهم، ولا ينتقص (٥) ممَّا عندَه جناح بعوضةٍ. وقيل: ليس عند النَّاس أوسعُ من السماوات والأرض، فذكر اللَّه ذلك، فأمَّا سَعة الجنان فلا يعلمها إلَّا اللَّه، وهو كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، لِمَا أنَّها أعظم المخلوقات وأقواها (٦) عندهم، وكقوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧] لأنها أدومها وأطولها مدةً عندهم (٧)، وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١]، لأنها أغلظها وأكثفها جرمًا عندهم، وهذا كله لإيقاع الشيء في أفهامهم (٨). قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾:

стр. 1894

قيل: أي: الذين اتَّقوا الشِّرك، كما قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقيل: للَّذين اتقوا المعاصي. وكلاهما صحيحان؛ فالَّذين اتَّقوا المعاصي كلَّها هي لهم بغير عقوبةٍ، والذين اتَّقوا الشِّرك ووقعوا في المعاصي فخاتمةُ أمرهم الرُّجوع إليها. وقيل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم قد يدخلُها بفضل اللَّه وبعفوه (١) غير المتَّقين، كما يُقال: أُعدَّت هذه المائدة للأمير، ثم قد يأكلها أتباعه. ودلَّت الآيتان أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقتان، كما مرَّ في أوَّل سورة البقرة. * * * (١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم ذكر بعض صفات هؤلاء المتَّقين: وذلك قوله ﷻ : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: قال الكلبيُّ: أي: الَّذين ينفقون أموالهم في طاعة اللَّه في الرَّخاء واليسر، وفي الشِّدَّة والعسر (٢). وقال الضَّحَّاك: أي: في الغنى والفقر (٣). وقال السديُّ: أي: في السرور والحزن. وقيل: في الرُّخص والغلاء.

стр. 1895

وقيل: في الكثرة والقلَّة. وقيل: في الفقد وفي الوجود. وقيل: في العزَّة وفي الوجود (١). وقيل: في العرس والمأتم. قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: أي: المتجرِّعين، وقد كظم البعيرُ جِرَّته: إذا ردَّها إلى (٢) حَلْقه، وكظم رأسَ القِربة: إذا شدها (٣) على ملئها، والكظيم (٤) والمكظوم: الممتلئ حزنًا، الممسكُ عليه، والكِظامةُ: القناةُ الممتلئة ماءً، وكذا السِّقاية. وأخذ بكَظَمه؛ أي: بمجرى نَفَسه، وكظَم خصمَه: أجابه بالمُسكِت فأفحمه. وكَظْمُ الغيظِ: تجرُّعُه على القدرة على إمضائه. والغيظُ: توقُّد حرارة القلب من الغضب، وقد تغيَّظَت الهاجرةْ إذا اشتدَّ حميُها؛ قال الأخطل: لدن غُدْوةٍ حتى إذا ما تغيَّظَتْ... هواجرُ مِن شعبانَ حامٍ أصيلُها (٥) وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]؛ أي: من شدَّة الحرِّ، وقوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: ١٢]؛ أي: غليانًا.

стр. 1896

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أقوامٌ يكظمون الغيظَ (١) علمًا بأن ذلك بسبب جُرمهم، ويَشهدونهم بعين التَّسلُّط، وآخرون يكظمون الغيظ تحقُّقًا بأنَّ اللَّه يعلم ما يقاسون، فيَهون عليهم التَّحمُّل، وآخرون فنُوا عن أحكام البشريَّة، فوجدوا صافيَ الرَّاحات في الذُّلِّ؛ لأنَّ نفوسهم ساقطةٌ فانيةٌ، وآخرون ما شهدوا ذرةً من الأغيار من الأشياء (٢)، فعلموا أنَّ المقدِّر هو اللَّه، فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير اللَّه، فانقادوا لحكمه، فأكرمهم ببرد الرِّضا (٣). قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: أي: المتجاوزِين عن الجانين. وقيل: المسقِطين عن الغرماء المعسرين. وقال أبو العالية: أي: عن المملوكِين (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هؤلاء محسنون، واللَّه يحبُّ المحسنين. وقال ﵊: "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللَّه كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ" (٥). وقال الضحَّاكُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦] قال: كان يأسو (٦) جرحاهم، ويداوي مرضاهم، ويجهِّز موتاهم (٧).

стр. 1897

وقال الحسن: الإحسان: أن يعمَّ ولا يخصَّ كالرِّيح والشَّمس والمطر (١). وقال الثَّوري: هو أن تُحسِن إلى مَن أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسِن متاجرةٌ كنقد السُّوق؛ خذ مني وهات (٢). وقال الفضيل بن عياض: الإحسان بعد الإحسان مكافأةٌ، والإساءة بعد الإساءة مجازاة، والإحسان بعد الإساءة كرمٌ وَجُودٌ، والإساءة بعد الإحسان لؤمٌ وشؤمٌ. وقيل: الإحسان شرطٌ زائدٌ على هذه الصِّفات. وحُكي أن خادمًا كان قائمًا على رأس الحسن بن علي وهو مع أضيافه على المائدة، فانحرفت قصعةٌ كانت في يد الخادم فسقط منه شيءٌ على الحسن، فنظر إليه مغضبًا تأديبًا له وتثقيفًا له (٣)، لا تعظُّمًا وتجبرًا، فقرأ الخادم: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فنكس الحسن (٤) رأسَه، فقال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، فتبسَّم الحسن (٥) وقال: قد عفوتُ عنكَ، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فقال: أنت حرٌّ لوجه اللَّه، وقد زوَّجتك فلانةَ فتاتي، وعليَّ ما يُصلحكما (٦). * * *

стр. 1898

(١٣٥) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية، قال الحسن: هو معطوف على المذكورِين في الآية الأولى؛ أي: أُعدَّتِ الجنَّة لأولئك ولهؤلاء، إذا تابوا واستغفروا (١). وقيل: هو عطف على ما يليه، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية. وقيل: هو استئنافٌ. والفاحشةُ: ما بلغَ الغاية في القبح من المعاصي، ويقال للطويل المفرِط: إنه لفاحش الطول. وقال الكلبيُّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: الزِّنا، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: ما دون الزِّنا من قُبلةٍ أو لمسةٍ أو نظرةٍ فيما لا يحلُّ (٢). وقيل: الفاحشة: الكبيرة، والظُّلم: ما دون ذلك. وقيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: هي بالأفعال، وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: هو بالأقوال. وقيل: الفاحشةُ: الأقوال والأفعال، وظلم النَّفس: العقد والإضمار.

стр. 1899

وقيل: الفاحشة: الفعلة الواحدة القبيحة، وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هو الإكثار من الذُّنوب. وقيل: الفاحشة: الفعلة القبيحة يفعلها العبدُ (١) غيرَ عامدٍ، وظلم النَّفس: أن يتعمَّدها. وقال إبراهيم النخعي: الفاحشة والظُّلم واحدٌ (٢). وعلى هذا (أو) بمعنى الواو؛ أي: فعلوا فاحشةً وظلموا أنفسهم بها (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: بركونهم إلى أفعالهم، ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بملاحظة أحوالهم. وقيل (٤): فاحشةُ كلِّ أحدٍ (٥) وظلمُه على حسَب حاله ومَقامه، وليس الجُرم على البساط كالذَّنب على الباب، وخطورُ المخالفات ببالِ الأكابر كفعلها من الأصاغر، قال قائلهم: أنتَ عيني وليسَ مِن حقِّ عيني... غمضُ أجفانها على الأقذاءِ (٦)

стр. 1900

قوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: قيل: ذكروا أمرَ اللَّه بالتَّقوى. وقيل: ذكروا نهيَ اللَّه عن المعصية. وقيل: ذكروا أمر اللَّه بالتَّوبة والاستغفار. وقيل: ذكروا وعد اللَّه بالتَّوبة والاستغفار، ووعيدَ اللَّه على الثَّبات والإصرار. وقيل: ﴿ذَكَرُوا﴾؛ أي: دعوا اللَّه وذكروه بالثَّناء عليه، فالأوَّل بالقلب كما في قوله: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، والثَّاني باللِّسان ثناءٌ ودعاءٌ. وقال مقاتلٌ: الذِّكر هاهنا ذكرُ القلب، وهو خوف العبد من قيامه بين يدي اللَّه تعالى يوم الحساب. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: سألوا اللَّه أن يغفر ذنوبهم. ولام ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ بمعنى: لأجْل ذنوبهم، فأمَّا الصِّلة لهذا الفعل، فإنَّه يُقال: غفرَ اللَّه لفلانٍ ذنبَه، فتوصَل اللَّام بالمذنِب لا بالذَّنب؛ لأنَّ المغفرة هي السَّتر، وهو متعدٍّ، واللَّام في الذَّنب (١) على معنى أنَّه فُعل ذلك له. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النَّفي، وهو تعجيبٌ من ترك المؤمنين الاستغفار مع علمهم أنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا اللَّه، ولا يؤمَن العقاب عليها إلَّا بمغفرة اللَّه. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾: عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾، واعترَضَ بينهما كلامٌ تامٌّ، وهو من محاسن الكلام. والإصرارُ: الثَّبات والدَّوام.

стр. 1901

قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا فَعَلُوا﴾؛ أي: من الفاحشة والظُّلم. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: قال الحسين بن واقدٍ: قال عبد اللَّه بن عبيد بن عمير: أي: وهم يعلمون أنَّه لا يغفرُ ذنوبَهم إلَّا اللَّه (١). وقال الحسين بن الفضل: وهم يعلمون أن لهم ربًّا يغفر الذُّنوب (٢). قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ أذنبَ ذنبًا، وعلم أن له ربًّا يغفر الذُّنوب ويأخذ بها، غفر له وإن لم يَستغفر" (٣). وقيل: وهم يعلمون أنَّ الرُّجوع خيرٌ من الإصرار. وقيل: وهم يعلمون أنه معصيةٌ. * * * (١٣٦) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى الذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم استغفروا اللَّه تعالى

стр. 1902

على صدق التَّوبة، فقد سوَّى بين المذنبين التَّائبين وبين المتَّقين المحسِنين في هذه الآيات، فقد قال في حقِّ أولئك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾، وقال في حقِّ هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾، وهذا فضلٌ من اللَّه؛ حيث جعل للعبد المتخلِّف أنْ يتداركَ حالَه ويُلحِقَ بالسَّابقين نفسَه. قولهتعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي: ما أثابهم اللَّه تعالى به من نعيم الجنان هو في غاية الفضل والشرف والحُسن؛ فإنَّه لا يَتنغَّص ولا يَنتقِضُ (١) ولا يحول ولا يزول. وقيل: نِعْمَ ما جازاهم اللَّه تعالى على التَّوبة، فليس أحدٌ أذنب إلى خلقٍ ثم ندم يجزيه مثلَه. وقال الحسن: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: عملوا قليلًا ونعِّموا طويلًا. وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ حثٌّ على العمل. وأوحى اللَّه تعالى إلى موسى ﵇: ما أقلَّ حياءَ مَن يطمع في جنَّتي من غير (٢) عملٍ، ياموسى، كيف أجود برحمتي على مَن يبخل بطاعتي (٣)؟! وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أوحى اللَّه إلى موسى ﵇: يا موسى (٤)، قل للظَّلَمة حتَّى لا يذكروني، فإنِّي أوجبْتُ أنْ أذكرَ مَن ذكرَني (٥)، وذكري للظَّلمة باللَّعنة (٦).

стр. 1903

وقال اللَّه تعالى لظَلَمة هذه الأمَّة: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بالتَّبرِّي من حركاتهم وسكناتهم، علمًا منهم أنَّه لا وسيلة إليه إلَّا به، فخلَّصهم مِن ظلمات نفوسهم؛ فإن رؤية الأفعال ظلماتٌ عند ظهور الحقائق. ومن طهَّره اللَّه بنور العناية صانه عن التَّورط في مغاليط البشريَّة، وردَّه إلى شهود الربوبيَّة بما سبق له من الحسنى في سابق القسمة (١). وقال الكلبيُّ في نزول هذه الآية: إنَّ رجليَنْ أحدهما أنصاريٌّ والآخر ثقفيٌّ آخى رسولُ اللَّه بينهما، فخرج الثَّقفيُّ في غزاةٍ، واستخلف الأنصاريَّ على أهلِه، فاشترى لهم اللَّحم، فلمَّا أرادَتِ المرأة أن تأخذ منه اللَّحم دخل على أثرها، فدخلت المرأة بيتًا، فتبعها فاتَّقته بيدها، فقبَّل يدها، ثم ندم ووضع التُّراب على رأسه، وخرج وهام على وجهه. وفي روايةٍ: أقبلَ ذات يوم وهي تغتسل في بيتها ناشرةً شعرَها، فوقع في نفسه، ودخل الدَّار من غير استئذانٍ، فانتهى إليها، وهمَّ أن يمسَّها، فوضعَتْ كفَّها على وجهها، فقبَّل كفَّها، ثم استحيى وندم، وقالت المرأة (٢): سبحانَ اللَّه! خنْتَ أمانتكَ، وعصيْتَ ربَّك، ولم تُصِبْ (٣) حاجتك، فخرج هائمًا في الجبال. وقفل رسولُ اللَّه وأصحابه من الغزو، وجعل الرَّجل يتلقَّاه أبوه وعمُّه وابن عمِّه، ولم يرَ الثَّقفيُّ أخاه، فأجزعه ذلك، فلمَّا انتهى إلى أهله قال: أخبِروني ما فعل أخي؟ فقالت: لا أكثر اللَّه في (٤). . . . . . .

стр. 1904

الإخوان مثلَه. وأخبرته بخبره، فمضى الثَّقفيُّ (١) إلى الأنصاريِّ على راحلته ولم ينزل. وخرج يطلبه في الجبال، حتى دُلَّ (٢) عليه فوجده ساجدًا يبكي، ويقول: ربي، ذنبي، قد خنْتُ أخي، وظلمْتُ نفسي. فقال الثَّقفيُّ للأنصاريِّ: قمْ يا أخي وارجع إلى المدينة، فلعلَّ اللَّهَ يجعل لك مخرجًا. فقدم المدينة ودخل على أبي بكر الصديق ﵁ وسأله عن صنيعه، فقال: لعلَّها امرأة غازٍ؟ قال: نعم. قال: أما علمْتَ أن اللَّه تعالى يغار للغازي في سبيله ما لا يغار للجالس في بيته، لا توبة لك. فخرج من عنده، ودخل على عمر ﵁، فسأله عن ذلك، فردَّ عليه عمر مثل ذلك. فخرج من عنده ودخل على عليٍّ ﵁، فسأله عن ذلك، فردَّ عليه مثل ما ردَّا عليه (٣). فخرج وهو يقول: يا ويلاه، يا ويلاه، لم أجد عند أحدٍ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فرجًا. وأتى رسولَ اللَّه ﷺ ، فقام على الباب، ثم هتفَ: يا رسولَ اللَّهِ، المذنبُ المذنبُ. فقال ﵇ لسلمانَ وهو عندَه: "اخرج فانظر مَن هو؟ "، فخرج سلمانُ، فسأل عن ذنبه، فأخبره، فرجع سلمان إلى رسول اللَّه فأخبره بذلك، فقال النبيُّ ﷺ : "ائذن له"، فأذن له، فدخل فسأله مثلَ ما سأل أصحابَه، وردَّ عليه رسولُ اللَّه ﷺ مثلَ ما ردَّ عليه (٤) أصحابُه.

стр. 1905

فخرج وهو يقول: يا ويلاه، لم أجد عند رسول اللَّه ﷺ مخرجًا (١)، فخرج يصيح، فجعل لا يمرُّ على حجرٍ ومدرٍ (٢) ولا سهلٍ إلَّا تجرَّد وتمرغ عليه، حتى إذا كان ذات يومٍ عند العصر نزل عليه جبريل بتوبته وعذَره بهذه الآية، فدعاه رسول اللَّه ﷺ ، وقرأها عليه، فحمد اللَّه تعالى (٣). وقال عطاء: نزلت في أبي مقبل بن نبهان التمَّار، أتته امرأةٌ جميلةٌ تبتاع التَّمر، فضرب عجُزها، فقالت: واللَّه ما حفظتَ غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك. فسُقط في يده، ثم أتى أبا بكر كما حكى في الأولى، إلى أن أتى النبيَّ ﷺ فقال له: "أو ما علمت أن اللَّه تعالى يغضب للغزاة كما يغضب للمرسَلين"، فقام ثلاثة أيامٍ صائمًا، ونزلت الآية في اليوم الرابع (٤).

стр. 1906

وقيل: هي في الطَّائفتين إذ همَّتا أن تفشلا، فأُمرتا بالاستغفار. وقيل: هي في الرُّماة الَّذين تركوا المركز، وفي المنهزمين يوم أحدٍ؛ قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٥]. * * * (١٣٧) - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: أي: مضَتْ. وقال الزَّجَّاجُ: هاهنا مضمرٌ، وتقديرُه: قد خلَتْ من قبلكم أهلُ سُننٍ؛ أي: طرائقَ في الشَّرِّ فانظروا كيف كان عاقبتهم، والسُّنّة: الطَّريقة (١). وقد سنَّ سُنَّةً؛ أي: وضع طريقةً تسلك؛ قال لبيد: مِنْ مَعْشَرٍ سنَّتْ لهم آباؤُهُمْ... ولكلِّ قومٍ سُنَّةٌ وإمامُها (٢) وقيل: هي على ظاهرِها، وسُننُ اللَّهِ: معاملات اللَّه فيهم، فالآية (٣) في شأن أهل أُحُد، ومعناها: قد مضَتْ سُننٌ في المؤمنين والكافرين؛ أنَّ الكفَّار وإن نالوا من المؤمنين بعض النَّيل امتحانًا للمؤمنين فإنَّ العاقبة للمؤمنين؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: في بلاد ثمودَ ولوطٍ وشعيبٍ وغيرهم.

стр. 1907

قوله تعالى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ رسلي وأوليائي. كان مِن الكفَّار إيذاؤهم والإضرارُ بهم، ثم هلكوا ونجا الأولياءُ. وقال مجاهد: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ من كفَّارٍ ومؤمنين، وخيرٍ وشرٍّ (١). وقيل: معناه: قد خلت من قبلكم سننٌ بالغلبة للأولياء تارةً وللأعداء أخرى (٢)، ولو كان الظَّفر كلَّ مرَّةٍ للمؤمنين لصار (٣) الإيمان ضروريًّا. وقيل: هو تنبيهٌ لأهل عصر النبيِّ ﷺ وحثٌّ لهم على طاعة الرَّسول، وزجرٌ عن مخالفته؛ اعتبارًا بمن صدَّق الرُّسل الماضين ومَن كذَّبهم. وقال جعفر بن محمَّد: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تفكَّروا في القرآن يخبرْكم عمَّا كان، فيصير كأنَّكم سرتم واطَّلعتم على ذلك بالعيان (٤). * * * (١٣٨) - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال محمَّد بن إسحاق: أي: هذا الَّذي ذكرتُ لكم من سُنَني (٥) في الماضين بيانٌ لكم وللكفَّار لِمَا يؤول إليه عاقبة أموركم، وهدًى لكم إلى الثَّبات على الحقِّ، وهدًى للكفار إلى قَبول الحقِّ،

стр. 1908

وموعظةٌ لكم في إزالة الضَّعف عن قلوبكم بما نالكم من المشركين (١). وخصَّ المتَّقين بهما لاختصاصهم بالانتفاع بهما، فالبيان للعامة، والاهتداء والاتِّعاظ للمتَّقين خاصَّةً (٢). ودل هذا على أن البيان غير الهدى. وقال قتادة والحسنُ: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إشارةٌ إلى القرآن (٣). وقال الشَّعبيُّ: بيانٌ من العمى، وهدًى من الضَّلالة، وموعظةٌ من الجهل (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيانٌ لقومٍ من حيث أدلَّةُ العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلِّي الحقِّ في الأسرار والغيوب (٥). * * * (١٣٩) - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: الوهنُ: الضَّعفُ، والإيهانُ والتَّوهينُ: الإضعافُ؛ قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]، قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (٦).

стр. 1909

يقول: لا تَضعُفوا عن قتال هؤلاء بعدأن نبَّهتكم على ما حلَّ بأمثالهم من المكذِّبين. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: أي: لا تهتمُّوا لِمَا أصابكم من الجراح، والنَّقصِ في المال، والمصيبةِ في الإخوان، فذلك كلُّه تمحيصٌ ودرجاتٌ. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: أي: الأرفعون درجةً بالإسلام، فلا ينبغي للأعلى أن يضعف في مقابلة الأدنى. وقيل: أي: أنتم الأعلون بالحجَّة، والمحقُّون في هذه المقاتَلة. وقيل: أي: لكم الظَّفر واليد في العاقبة، وهذا وعدٌ لهم بالنَّصر. وقيل: أنتم الأعلون عليهم بما ذكر: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: اليوم، ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] يعني: يومَ بدرٍ. وقيل: هذا وعد (١) معلَّقٌ بالشَّرط الَّذي بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن دمْتُم على إيمانكم فلكمُ العلوُّ عليهم بالظَّفر وغير ذلك. وقيل: أنتم الأعلون في الجنَّة إذا استُشهدتم. وقيل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمعنى: إذ كنتم. وقيل: هو على الشَّرط، ومعناه: إن كنتم مصدِّقين باللَّه فذاك يدعوكم إلى أن لا تهنوا ولا تحزنوا في قتال عدوِّه.

стр. 1910

وقال بعضهم: أي: أنتم الأعلون وقيل: أي: المنصورون (١). وقيل: أي: الأعلون في الدُّنيا والآخرةِ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: إذا قلْتُم باللَّه وصُلْتُم باللَّه فلا ينبغي أن تخافوا غيرَ اللَّه. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ فإنَّ النَّصر من عند اللَّه، والغالب هو اللَّه، ولا شيء ممَّا سوى اللَّه، ومَن سوى اللَّه (٢). وعاد الكلام في هذه الآيات إلى قصة أُحُدٍ الَّتي افتُتحت بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، واعترض بينهما كلامٌ آخرُ من وجهٍ آخر في الظَّاهر، ويمكن الوصل بينهما في هذه القصَّة من الوجه الذي أشرنا إليه، فيصير كلُّه على سَنَنٍ واحدٍ. وقصَّتُه: ما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لَمَّا أصيب أصحاب بدرٍ، وكانت وقعةُ بدرٍ في شهر (٣) رمضان لسبعَ عشرةَ ليلةً خلَتْ من عام اثنين من الهجرة (٤)، ووقعة أُحُدٍ في شوال لثماني عشرة ليلة خلَتْ من عام ثلاث من الهجرة (٥)، ورجع أبو سفيان بعِيرهم إلى مكَّة = مشى عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزوميُّ وعكرمة بن أبي جهل في رجالٍ ممَّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلَّموا أبا سفيان

стр. 1911

ومَن (١) كان له مال (٢) في تلك العير [فقالوا]: يا معشر قريش، إنَّ محمَّدًا قد وتركم، وقتل أخياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه؛ لعلنا ندرك بعض ما أصاب منَّا. ففعلوا (٣). قال الواقديُّ: وكانت العير ألف بعيرٍ، وكان المال خمسين ألفًا من الدَّنانير، وكانوا يربحون (٤) في تجارتهم للدِّينار دينارًا (٥). وخرج كعب بن الأشرف حتى قدم مكَّة، فوضع رحله عند المطَّلبِ بن وَداعة السَّهْمي وبكى على قتلى قريش من أصحاب القَليب. فأجمعت (٦) قريش على السير إلى أحدٍ، وكان أبو عزَّةَ عمرُو بن عبد اللَّه الجُمحيُّ أخذه رسول اللَّه ﷺ يوم بدرٍ أسيرًا، فقال: إني ذو بناتٍ فامْنُنْ عليَّ، فمَنَّ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال له صفوان بن أمية يوم أحد: إنك شاعرٌ فأَعِنَّا بلسانك واخرج معنا، فقال له (٧): إن محمدًا قد مَنَّ عليَّ، وإني (٨) لا أريد أن أظاهر عليه أحدًا.

стр. 1912

فقال له صفوان: أعنَّا بلسانك، فإنَّ لك عليَّ إنْ رجعنا أنْ أُغْنِيَك، وإنْ أُصبتَ أنْ أجعل بناتي مع بناتك، فخرج معهم يدعو الناس ويقول الشعر. ودعا جبيرُ بن مطعِمٍ غلامَه الوحشيَّ (١) فقال: إن قتلتَ حمزةَ عمَّ محمد فأنت حرٌّ. فخرجت قريشٌ بالظعائن، وكان أبو سفيان يومئذٍ قائد قريشٍ، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف رجلٍ فيهم مئة رجلٍ من ثقيف ومعهم سلاحٌ كثيرٌ، وقادوا مئتي فرسٍ، وفيهم سبعُ مئة دارعٍ (٢)، وثلاثة آلاف بعيرٍ. وخرج أبو سفيان معه بهندٍ بنت عتبة، وخرج عكرمةُ ببرةَ بنتِ أبي جهلٍ (٣)، وخرج صفوان بن أمية ببرزةَ بنت مسعودٍ، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبِّه (٤)، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة. وكانت هندٌ كلما رأت وحشيًّا قالت: يا (٥) أبا دَسْمةَ، اشْفِ واسْتَشْفِ. فخرجوا حتى نزلوا ببطن السبخة على شفير الوادي مما يلي المدينة. فلما سمع رسول اللَّه ﷺ بهم قال: "رأيتُ في المنام كأني لبستُ درعي الحصينة (٦) فأوَّلْتُها المدينةَ"، وكره (٧) الخروج إليهم.

стр. 1913

فقال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: لا تخرج إليهم يا رسول اللَّه، فواللَّه ما خرجنا إلى عدوٍّ لنا قط إلا أصاب منَّا، ولا دخل علينا إلا أصبناه، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوا إلينا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة فيرجعون خائبين. فقال رجالٌ من المسلمين ممن أراد اللَّه تعالى أن يكرمهم بالشهادة: اخرج بنا إليهم لا يرون أنَّا جَبُنَّا عنهم. فلبس رسول اللَّه ﷺ لَأْمته وتعمَّم، وتقلَّد السيف، وألقى الترس في ظهره، وأخذ القناة بيده، وخرج إليهم مع الناس في ألفِ رجلٍ منهم مئة دارعٍ. حتى إذا كانوا بالشوط رجع ابن أبيٍّ بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني، واللَّه ما ندري ما نقتل أنفسنا؟ ثم انصرف وتبعه [عبد اللَّه بن] عمرو بن حرام فأنزل اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية (١). فمضى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه، وكان خروج النبي ﷺ بعد العصر يومَ الجمعة، فسلك حَرَّةَ بني حارثة، فذبَّ فرسُ بُردةَ بنِ أبي نِيَارٍ بذَنَبه فأصاب قائمةَ سيفِه، فاستلَّه فقال رسول اللَّه ﷺ : "شِمْ سيفَك فإنِّي أرى السيوف ستُسلُّ اليوم"، وكان ﵇ يحب (٢) الفأل. فقال: "مَن يخرجُ بنا من كثيبٍ في طريق الحَرَّة مخالِفةٍ عنهم (٣) "؟ فقال أبو خيثمةَ أخو بني حارثةَ: أنا يا رسول اللَّه، فخرج بهم حتى سلك ماءً لمربعٍ وكان منافقًا

стр. 1914

ضرير البصر، فلمَّا سمع حسَّ رسول اللَّه ﷺ ومَن معه قام يحثو التراب في وجوههم ويقول: إن كنتَ رسول اللَّه فإني لا أرضى أن تدخل حائطي. فضربه سعدُ بن زيد بالقوس فشجه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا أعمى القلب"، ثم خرج حتى نزل بالشعب من أحدٍ في سبعِ مئة رجلٍ، فأمَّر (١) عبدَ اللَّه بنَ جبير أحد بني عمرو بن عوف على الرماة وهم خمسون رجلًا، فقال: "انضَحْ عنا الخيل بالنَّبل لا يأتوننا من خلفنا، وإن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك"، وظاهَرَ بين درعين، وجعل ظهره إلى أحد، وقال: "لا تقاتلوا حتى آمركم بالقتال". وسرَحت قريش بالظَّهر والكراع، وتهيَّأ رسول اللَّه ﷺ للقتال، وقال: "مَن يأخذ هذا السيفَ بحقِّه ويضربُ العدو حتى ينحني؟ "، فأخذه أبو دجانة وكان رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتمَّ بعمامةٍ حمراء وجعل يتبخترُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنها لمشيةٌ يبغضها اللَّه تعالى إلا في هذا الموضع" (٢). وكان مع قريشٍ مئتا فرسٍ (٣)، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، وعلى الخيل صفوان بن أمية. وقال أبو سفيان: يا بني عبد الدار، إنما يؤتى الناس من قِبَل راياتهم، فإما أن تَكْفُونا لواءنا وإمَّا أن تخلُّو بيننا وبينه حتى نكفيَكُموه، فقالوا: ستعلم إذا الْتقينا كيف نصنع (٤).

стр. 1915

وكانت هندٌ بنتُ عتبةَ في صواحباتها أخذن (١) الدُّفوف حين حميت الحرب يضربن بها ويقلن: نحن بناتُ طارقْ... نمشي على النَّمارقْ إنْ تُقْبِلوا نعانِقْ... ونَفْرش النَّمارقْ أو تُدْبِروا نُفارِقْ... فراقَ غيرِ وامقْ (٢) وكان أبو عامرٍ عبدُ عمرِو بن صيفيٍّ أولَ مَن لقيهم بالأحابيش (٣) وعبيدِ أهل مكة، فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة، وقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو كبش الكتيبة وهو يحمل لواء قريشٍ. وأخذ اللواء من بعده عثمان بن أبي (٤) طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص بسهمٍ فمات مكانه، وأخذ اللواء بعده مسافع بن طلحة فقُتل، وقتل الحكم بن الأخنس، وعبد اللَّه بن حميد، وأبو أمية بن حذيفة (٥). ورمى عاصمُ بن ثابتٍ بن [أبي] الأقلح الأنصاريُّ مسافعَ بن طلحة فقال: خذها وأنا ابن الأقلح، وكذلك فعل بأخيه الحارث بن طلحة، فأتته أمه سلافةُ فقالت: مَن رماك يا بني؟ قال سمعت رجلًا رماني وهو يقول: خذها وأنا ابن [أبي] الأقلح، فنذرتْ لئن أَمْكنَها اللَّه من رأس عاصم أن تشرب في قَحْف رأسه خمرًا، وجعلت لمن جاء به مئةً من الإبل.

стр. 1916

وأُخذ أبو عزَّةَ الشاعرُ فأُتي به رسولُ اللَّه ﷺ فضرب عنقه، وقال: "لا تمسح خديك بين الصفا والمروةِ وتقول: خدعت محمدًا مرتين". وأنزل اللَّه نصره؛ قال (١) الزبير بن العوام: فرأيت هندًا وصواحباتها هارباتٍ. فلما نظرتِ الرماةُ إلى القوم قد انكشفوا أقبلوا يريدون النهب والغنائم، وخلَّوا ظهور المسلمين بحيال المشركين، فأتاهم خيل المشركين من خلفهم، فصرخ صارخٌ -ويقال: كان ذلك إبليس-: ألا (٢) إن محمدًا قد قُتل، فانكفَّ (٣) الناس، وكان لواء المشركين يومئذٍ مع عبدٍ لبني عبد الدار يقال له: صُؤابٌ الحبشي، فقطعت يده، فأخذ اللواء بصدره وعنقه فقتل. وكان لواء رسول اللَّه ﷺ يومئذٍ ويوم بدرٍ مع مصعب بن عمير أحدِ بني عبد الدار، فقُتل يوم أحد وأَخذ اللواء من بعده عليُّ بن أبي طالب ﵁ وكانت الراية تسمى العقاب، وكان النبي ﷺ يقعد تحتها، فانكشف المسلمون وأصاب (٤) منهم القوم. وكان المسلمون أثلاثًا: ثلثٌ قتيلٌ، وثلثٌ جريحٌ، وثلثٌ مهزومٌ. وقال قتادة: قُتل من الصحابة سبعون: ستةٌ وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين (٥). وقال الواقدي: وثبت رسول اللَّه ﷺ ومعه أربعةَ عشر رجلًا؛ سبعةٌ من المهاجرين:

стр. 1917

أبو بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبو عبيدة والزبير (١)، وسبعةٌ من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأُسيد بن الحُضير، وسعد بن معاذ -ويقال: سعد بن عبادة- كلهم يقولون: نَفْسي دون نَفْسِك. وذبَّ مصعب بن عميرٍ عن رسول اللَّه ﷺ حتى قُتل دونه، قتله عبد اللَّه بن قَمِئةَ الليثيُّ، فرجع وهو يُرى أنه قتل النبيَّ ﷺ ، وقال: إني قتلت محمدًا، يرى أن مصعبًا (٢) رسول اللَّه ﷺ (٣). ثم خلصوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقذفوه بالحجارة حتى وقع لشقه وأصيبت رَبَاعِيَته وكُلمت شفتُه وأصيبت وجنته، فقال: "مَن يَشْرِي لنا نَفْسَه؟ "، فقال زياد بن السَّكَن الأنصاريُّ (٤): أنا. وترَّس أبو دجانةَ نفسَه دون رسول اللَّه ﷺ ، فوقع النَّبْل الكثيرُ في ظهره. وخرج حمزةُ وسِباعُ بنُ عبد العُزَّى وكان يكنى: أبا نِيَار، فضربه حمزة فقتله. قال وحشيٌّ: وأنا أنظرُ إليه، فهزَزْتُ حربتي ورميتُه بها، فوقعت في ثُنَّته (٥) ثم خرجت من بين رجليه فوقع، ووقعت هندٌ والنسوة يمثِّلن بالقتلى. وأقبل أبو سفيانَ حين أراد الانصراف فصرخ بأعلى صوته: اُعل هبلُ -فوق ذروة

стр. 1918

الجبل (١) - يومٌ بيوم بدرٍ (٢)، فقال رسول اللَّه ﷺ لعمر: "أَجِبْه" فقال: اللَّه أعلى وأجلُّ، لا سواءَ، قتلانا في الجنة ينعَّمون (٣) وقتلاكم في النار يعذَّبون. فقال له أبو سفيان: هلمَّ إليَّ يا عمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ائته"، فقام عمر إليه، فقال أبو سفيان: أَنشُدكَ [اللَّه] (٤) يا عمر، هل قتلنا محمدًا؟ فقال: لا، وإنه ليسمع كلامك، قال: أنت عندي واللَّه أصدقُ من ابن قمئة، زعَم أنه قتَله، وقال أبو سفيان: إنه كان في قتلاكم مُثُلٌ واللَّه ما رضيتها ولا أمرتُ بها -وفي روايةٍ: لم اَمُرْ بها ولم تَسُؤْني (٥) - وقد (٦)

стр. 1919

كان مرَّ عليه الحُلَيس بن علقمةَ (١) وهو يضربُ شدقَ حمزةَ بزُجِّ الرمح ويقول: ذق عُقَقُ، فقال الحُليس: يا بني كنانة! هذا سيد قريشٍ يصنع بابن عمه ما ترون! فقال أبو سفيان: اكتُمها عليَّ. وكان أول المسلمين عرف رسولَ اللَّه ﷺ كعب بن مالكٍ قال: عرفتُ رسول اللَّه ﷺ عينيه تحت المغفر تَزْهَران (٢)، فناديت بأعلى صوتي: يا معاشر المسلمين، أبشروا هذا رسول اللَّه ﷺ ، فأشاروا (٣) إليَّ أن اسكتْ. ثم أقبل أنس بن النَّضْر عمُّ أنس بن مالكٍ إلى عمر وطلحة بن عبيد اللَّه في رجال من المهاجرين قد أَلْقَوا بأيديهِم (٤)، فقال: ما يجلسكم (٥)؟ قالوا: قتل محمدٌ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! موتوا كرامًا على ما مات عليه نبيُّكم، ثم انحاز إلى القوم فقاتل حتى قُتل (٦).

стр. 1920

فلما عَرف المسلمون رسولَ اللَّه نهضوا إليه، ونهض معهم نحو الشِّعب ومعه أبو بكر وعمر وطلحة والزبير والحارث بن الصمة في رهطٍ من المسلمين. ويقول رسول اللَّه ﷺ لسعد بن أبي وقَّاص: "ارْمِ فداك أبي وأمي"، فرمى حتى اندقَّت سِيَةُ قوسه (١). وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته، فردها رسول اللَّه ﷺ مكانها فعادت كأحسنِ ما كانت. فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ أدركه أبيُّ بن خلفٍ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول اللَّه، ألا يعطف عليه رجلٌ منا؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول اللَّه ﷺ الحَربة من الحارث بن الصِّمَّة ثم استقبله فطعنه (٢) في عنقه وخدشه خدشةً، فتدهده (٣) عن فرسه، ورجع إلى مكة فمات بموضعٍ يقال له: سَرِفُ، وكان قبل ذلك يَلْقَى رسول اللَّه ﷺ بمكة ويقول: عندي رَمَكةٌ (٤) أعلفها كل يومٍ ذرة أقتلك عليها فيقول له رسول اللَّه ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه.

стр. 1921

وكان لما رجع يقول: قتلني محمدٌ، فقالت له قريشٌ وبه الطعنةُ في عنقه: ما بك من بأسٍ! فيقول: بلى، قال لي: أنا أقتلك، ولو بزق عليَّ بعد تلك المقالة لقتلني، فمات قبل أن يصل إلى مكة. وسار رسول اللَّه ﷺ إلى فم الشِّعب، وجاءت فاطمة ومعها قربةٌ من ماءٍ فسقت رسول اللَّه ﷺ ، وجعلت تغسل الدم عن وجه رسول اللَّه (١) ﷺ ، وتنظر إلى سالم مولى أبي حذيفة وتقول: كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا برسول اللَّه ﷺ وهو يدعوهم إليه. وقال: "اشتد غضبُ اللَّه على مَن أَدْمى وجه رسول اللَّه" ﷺ (٢). قال أنس بن مالكٍ ﵁: وكان قلب رسول اللَّه ﷺ مشغولًا بعليٍّ وحمزة، فأُتي بعليٍّ ﵁ وعليه (٣) نيِّفٌ وستون جراحةً من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يمسحها وهي تلتئم بإذن اللَّه كأنْ لم تكن. وجيء بحمزة ﵁ مقتولًا في كساءٍ مبقورًا بطنه مجدوعًا أنفه، فبكى رسول اللَّه ﷺ (٤)، وقال للشهداء: "زمِّلوهم بدمائهم وكلومهم (٥) وقدِّموا أكثرَهم قرآنا" (٦). وصلى على حمزة سبعين صلاةً (٧)،. . . . . . .

стр. 1922

وقال: "أمَا إن حمزةَ لا بواكيَ له" (١)، فبكى نساء المدينة أولًا على حمزة ثم على القتلى (٢)، وصار ذلك عادة لهن (٣) إلى هذا اليوم. قال أنس فلم نجد لحمزة كفنًا فدفنَّاه في الإذخر، فكلما غطَّينا رأسه انكشف رجلاه، وكلما غطينا رجليه انكشف رأسُه. وهمَّ رسول اللَّه ﷺ بالذين أدموا وجهه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤) * * * (١٤٠) - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: قرأ أهل الكوفة غيرَ حفصٍ بضمِّها والباقون بفتحها (٥). قال الأخفش: هما لغتان كالجَهد والجُهد، والكَره والكُره، والضَّعف والضُّعف (٦).

стр. 1923

وقال الكسائي وجماعةٌ: القَرح بالفتح: الجُرح، وبالضم: ألمُ الجُرح (١). وقال أبو عبيدة: بالفتح المصدر وبالضم الاسم. وقال يعقوبُ الحضرميُّ (٢): بالفتح: ما كان بسلاح، وبالضم: ما كان بغير سلاحٍ. ومعناه: إن يُصبكم قرحٌ (٣) وألمٌ وقتلٌ في آخر حربِ أحدٍ فقد أصاب الكفار مثلَ ذلك في أولِ هذا الحرب، فقد بينَّا أنه قُتل وجرح منهم خلقٌ (٤) كثيرٌ. وقيل: معناه: فقد أصاب القومَ مثلُه في حرب بدرٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي: نصرِّفها، والمداولة: نقلُ الشيء من واحدٍ إلى آخرَ، وقالوا (٥): تداوَلَتْه الأيدي؛ أي: تناقلتْه، ومنه قولُه تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]؛ أي: يتناقلونها بينهم لا يجعلون للفقراء فيها (٦) نصيبًا. واختلف في معناه؛ قيل: هي تشديد المحنة على هؤلاء مرةً وتسهيلُها على أولئك، وعلى عكسه، ويكلِّف المؤمنين الصبر على ما ينالهم تعظيمًا لأجرهم، ويخذل الكفار بالتخلية بينهم وبين المؤمنين.

стр. 1924

والحكمة في ذلك: أنه لو أظفر المؤمنين أبدًا ولم ينلهم (١) كربٌ ولا نكبةٌ في حربٍ، وكان الكفار مقموعين أبدًا، لسَقَط الاختيار ولآمنوا بالاضطرار، فبطل الثواب والعقاب وزال التكليف والخطاب. وليس معنى المداوَلة: التسويةَ بين الفريقين في النُّصرة فينصرَ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً كما توهَّم بعضهم، ألا ترى أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، ولو كان معنى المداولة ما توهَّموه لكان يمحِّص هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، ويمحقُ هؤلاء مرةً وهؤلاء مرةً، وهو خلافُ ما أَخبر اللَّه تعالى به، بل هو على ما بينَّاه. وقيل: معنى المداولة: أنه يُدِيل المؤمنين إذا أطاعوه على الكافرين بقذف الرعب في قلوبهم، ويُديل الكفار على المؤمنين برفع هذا الرعب من (٢) قلوبهم إذا عصاه المؤمنون، فأَخبر أنه ينتقم من الفريقين إذا عصَوْه، غيرَ أن انتقامه من أوليائه تأديبٌ لهم لئلا يعودوا إلى مخالَفة أمره (٣)، وانتقامَه من الكفار سخطٌ وعذابٌ بما أشركوا به. وقيل: المداولة بما في الدنيا من السلامة والعافية والرخاء والسرور وضدِّ ذلك، وأحوالُ الدنيا ليست على الدوام، ويستوي في ذلك الأولياء والأعداء، والحكمة فيه: إزعاج الناس إلى الطاعة وتعريفُهم حقارة الدنيا لتقلَّ رغباتهم فيها وثقتهم (٤) بها، ويرغبوا في الآخرة الباقية الفاخرة.

стр. 1925

وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يومًا للمؤمنين ويومًا عليهم، وذلك للامتحان، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]. قال: فإن طعن طاعنٌ من الملحدين فقال: يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، فإذا نصرتُم دينه فلمْ ينصركم فقد أَخلف (١)، وإن نصركم وغلبكم عدوُّكم مع نصره فذلك (٢) كذبٌ. فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أن قوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ معناه: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا ينصركم بالحجج في العقبى، قال تعالى: ﴿﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلً﴾ [النساء: ١٤١]. وقيل: إن تنصروا دين اللَّه ولم تَعْصُوا اللَّه فيه ينصركم. وقيل: معناه: إنْ تنصروا دينَ اللَّه جملةً يَنصرْكم. قال ﵇: "لن يغلب اثنا عشر ألفًا من قِلَّةٍ كلمتُهم واحدة" (٣).

стр. 1926

وقيل: معناه: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا (١) ينصركم؛ أي: يَجعلِ النصرَ والظَّفَر في العاقبة لكم، وكان كذلك. قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ إبطال القول بالأصلح، لأن الغلبة لو كانت للمسلمين كان ذلك ألزمَ للحجة وأظهرَ للدعوة وأدعَى إلى الإجابة، وفيها كلُّ (٢) صلاحٍ، ومع ذلك لم يفعل (٣). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليَعلم ذلك موجودًا حالَ وجوده كما عَلم قبل وجوده أنه يوجد، وقد شرحنا ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ما وصفتَ اللَّه تعالى به إذا ذكرتَ معه الخلقَ تذكر (٤) وقتَ كون الخلق، لئلا يُتوهَّم (٥) قِدَمُه، وإذا وصفت به اللَّه تعالى بلا ذكر الخلق وصفتَه به في الأزل، نحو قولك: عالمٌ قادرٌ (٦) سميعٌ بصيرٌ خالقٌ رازقٌ في الأزل.

стр. 1927

وقال بعض أهل التأويل: معناه: وليكون الذين آمنوا كما علم اللَّه بهم في الأزل (١). وقيل: أي: وليظهر إخلاص المؤمنين في إيمانهم بصبرهم على ما ينالهم من المشركين وثباتِهم على دينهم، وهو كقوله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وقيل: معناه: وليعلم أولياءُ اللَّه الذين آمنوا، جعَل عِلمَ أوليائه عِلمَه تشريفًا لهم. ثم معنى الواو في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ أنَّ فيه إضمارًا تقديره: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ليتميَّز الخبيت من الطيب -أو نحوُ ذلك- ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو الإضمارُ بعده، وتقديره: وليَعلم اللَّه الذين آمنوا نداولُها بين الناس. قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: أي: نداولها ليَعلم وليَجعل بعضَكم شهداء في سبيله فيرفعَ درجاتهم في الآخرة بالشهادة. وقيل: أي: يجعلَهم (٢) شهداءَ في الآخرة للأنبياء على الأمم. وقال الإمام الزاهد أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: وفيه دلالة (٣) أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس، حتى يُظهِروا العدالة من أنفسهم (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الكفار والمنافقين، مع أنه قد يُدِيلهم.

стр. 1928

وقيل: أي: لا يحب المنافقين، فلا يدعُهم مختلِطين بالمؤمنين، بل يمتحن بهذه الأحوال ليَتميزوا، وكان كذلك، فقد كان في المدينة منافقون ومنهم مَن يعبد اللَّه على حرف، فإن أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه، ولمَّا ظهر هذا قال المنافقون: ما وعدَنا اللَّه ورسوله إلا غرورًا، وثبت المخلصون فلم يَهِنوا ولم يرجعوا. وروي أن امرأةً كانت تحمل قتيلين زوجَها وأخاها أو ابنها (١) على بعيرٍ، فقيل لها: ما الخبر؟ قالت: خيرٌ، رسولُ اللَّه سالمٌ، واتَّخذ اللَّه من المؤمنين شهداءَ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ١٢٥] ثم ساقت بعيرها، وفيها نزلت هذه الآية. * * * (١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: نداولُها بين الناس ليفعل كذا وليخلِّص المؤمنين بالشهادة، وقد محَصْتُ الشيءَ مَحْصًا؛ أي: خلَّصته (٢) من العيب، ومحَّصْتُه تمحيصًا للتكثير أو للتكرير، وقال الأزهري: محَصْتُ العَقَب من اللَّحم؛ أي: نقَّيتُه منه لأَفْتِلَه وَتَرًا، ومحَصْتُ الذهب بالنار: خلَّصته (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: المحق: إفناء الشيء حالًا بعد حالٍ، وهو كامِّحاق (٤) الهلال.

стр. 1929

قال الكلبي: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما يبتليهم فيَأْجُرَهم ويمحوَ ذنوبهم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يستأصلَهم ولا يأجرَهم (١)، فيهلكهم ومعهم ذنوبُهم. وقال يمان: يمحقُهم؛ أي: يُديلُهم استدراجًا لهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. * * * (١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: قد مر تفسيره في سورة البقرة: أن (أم) يقتضي إضمارَ استفهام قبله ثم عطفًا (٢) بـ (أم) عليه، تقديره: أظننتم أن يكون كذا أم ظننتم أن تدخلوا الجنة مع أنكم لم تجاهدوا في سبيله ولم تصبروا على بلائه. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يعلم، قيل: (ما) زيدت على (لم)، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: (لمَّا) يجوز أن يوقف عليها تقول (٣): جاء زيد؟ فيقول الرجل: لمَّا؛ أي: لم يجئ، ولا يجوز ذلك في (لمْ). وقيل: (لمَّا) جواب: قد فَعَل، و (لم) جواب: فَعَل؛ أي: الأول للتأكيد. يقول: كيف تنالون الجنة ولم يكن منكم جهادٌ في سبيله، وعَلِم أنه لا يكون منكم جهادٌ في سبيله (٤)، ولو كان منكم جهادٌ لعَلِمه لأنه عالمٌ بكلِّ شيءٍ، وقد بينَّا أن اللَّه

стр. 1930

يعلم الشيء موجودًا حال وجوده، ويَعلمه قبل وجوده أنه (١) يوجَد حالَ وجوده فيما يوجَد، ويَعلمُ ما لا يوجَد أنه لا يوجَد. قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: هو نصبٌ على الصرف كما في قول الشاعر: لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم (٢) ومعنى الصرفِ: أنه مصروفٌ عن معنَى مطلقِ العطف، فإنه ليس معناه النهيَ عن إتيان مثله قصدًا كالنهي عن النهي عن خُلُق، بل معناه النهيُ عن الجمع بينهما، وكذا معنى الصرف في هذه الآية ليس هو مطلقَ نفي علمِ الصابرين كنفيِ علمِ المجاهدين، بل معناه نفيُ اجتماعهما. وهو كقولهم: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لا تجمع بينهما، وليس هو نهيًا عن كلِّ واحدٍ منهما مفردًا. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعْمَرَ: ﴿وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ﴾ بالكسر (٣)، وهو على العطف، وهو مجزومٌ كالأول. وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثَّابٍ: ﴿وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ﴾ بالرفع على الاستئناف (٤)؛ أي: وهو يعلمُ الصابرين. * * *
следующие страницы →