← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وقيل: معناه: إن تنصروا دين اللَّه في الدنيا (١) ينصركم؛ أي: يَجعلِ النصرَ والظَّفَر في العاقبة لكم، وكان كذلك. قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ إبطال القول بالأصلح، لأن الغلبة لو كانت للمسلمين كان ذلك ألزمَ للحجة وأظهرَ للدعوة وأدعَى إلى الإجابة، وفيها كلُّ (٢) صلاحٍ، ومع ذلك لم يفعل (٣). قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ليَعلم ذلك موجودًا حالَ وجوده كما عَلم قبل وجوده أنه يوجد، وقد شرحنا ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ما وصفتَ اللَّه تعالى به إذا ذكرتَ معه الخلقَ تذكر (٤) وقتَ كون الخلق، لئلا يُتوهَّم (٥) قِدَمُه، وإذا وصفت به اللَّه تعالى بلا ذكر الخلق وصفتَه به في الأزل، نحو قولك: عالمٌ قادرٌ (٦) سميعٌ بصيرٌ خالقٌ رازقٌ في الأزل.

стр. 1927

وقال بعض أهل التأويل: معناه: وليكون الذين آمنوا كما علم اللَّه بهم في الأزل (١). وقيل: أي: وليظهر إخلاص المؤمنين في إيمانهم بصبرهم على ما ينالهم من المشركين وثباتِهم على دينهم، وهو كقوله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وقيل: معناه: وليعلم أولياءُ اللَّه الذين آمنوا، جعَل عِلمَ أوليائه عِلمَه تشريفًا لهم. ثم معنى الواو في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ أنَّ فيه إضمارًا تقديره: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ليتميَّز الخبيت من الطيب -أو نحوُ ذلك- ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أو الإضمارُ بعده، وتقديره: وليَعلم اللَّه الذين آمنوا نداولُها بين الناس. قوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: أي: نداولها ليَعلم وليَجعل بعضَكم شهداء في سبيله فيرفعَ درجاتهم في الآخرة بالشهادة. وقيل: أي: يجعلَهم (٢) شهداءَ في الآخرة للأنبياء على الأمم. وقال الإمام الزاهد أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: وفيه دلالة (٣) أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس، حتى يُظهِروا العدالة من أنفسهم (٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: الكفار والمنافقين، مع أنه قد يُدِيلهم.

стр. 1928

وقيل: أي: لا يحب المنافقين، فلا يدعُهم مختلِطين بالمؤمنين، بل يمتحن بهذه الأحوال ليَتميزوا، وكان كذلك، فقد كان في المدينة منافقون ومنهم مَن يعبد اللَّه على حرف، فإن أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه، ولمَّا ظهر هذا قال المنافقون: ما وعدَنا اللَّه ورسوله إلا غرورًا، وثبت المخلصون فلم يَهِنوا ولم يرجعوا. وروي أن امرأةً كانت تحمل قتيلين زوجَها وأخاها أو ابنها (١) على بعيرٍ، فقيل لها: ما الخبر؟ قالت: خيرٌ، رسولُ اللَّه سالمٌ، واتَّخذ اللَّه من المؤمنين شهداءَ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ١٢٥] ثم ساقت بعيرها، وفيها نزلت هذه الآية. * * * (١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: نداولُها بين الناس ليفعل كذا وليخلِّص المؤمنين بالشهادة، وقد محَصْتُ الشيءَ مَحْصًا؛ أي: خلَّصته (٢) من العيب، ومحَّصْتُه تمحيصًا للتكثير أو للتكرير، وقال الأزهري: محَصْتُ العَقَب من اللَّحم؛ أي: نقَّيتُه منه لأَفْتِلَه وَتَرًا، ومحَصْتُ الذهب بالنار: خلَّصته (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: المحق: إفناء الشيء حالًا بعد حالٍ، وهو كامِّحاق (٤) الهلال.

стр. 1929

قال الكلبي: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما يبتليهم فيَأْجُرَهم ويمحوَ ذنوبهم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يستأصلَهم ولا يأجرَهم (١)، فيهلكهم ومعهم ذنوبُهم. وقال يمان: يمحقُهم؛ أي: يُديلُهم استدراجًا لهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. * * * (١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: قد مر تفسيره في سورة البقرة: أن (أم) يقتضي إضمارَ استفهام قبله ثم عطفًا (٢) بـ (أم) عليه، تقديره: أظننتم أن يكون كذا أم ظننتم أن تدخلوا الجنة مع أنكم لم تجاهدوا في سبيله ولم تصبروا على بلائه. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يعلم، قيل: (ما) زيدت على (لم)، وقيل: هما بمعنًى، وقيل: (لمَّا) يجوز أن يوقف عليها تقول (٣): جاء زيد؟ فيقول الرجل: لمَّا؛ أي: لم يجئ، ولا يجوز ذلك في (لمْ). وقيل: (لمَّا) جواب: قد فَعَل، و (لم) جواب: فَعَل؛ أي: الأول للتأكيد. يقول: كيف تنالون الجنة ولم يكن منكم جهادٌ في سبيله، وعَلِم أنه لا يكون منكم جهادٌ في سبيله (٤)، ولو كان منكم جهادٌ لعَلِمه لأنه عالمٌ بكلِّ شيءٍ، وقد بينَّا أن اللَّه

стр. 1930

يعلم الشيء موجودًا حال وجوده، ويَعلمه قبل وجوده أنه (١) يوجَد حالَ وجوده فيما يوجَد، ويَعلمُ ما لا يوجَد أنه لا يوجَد. قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: هو نصبٌ على الصرف كما في قول الشاعر: لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم (٢) ومعنى الصرفِ: أنه مصروفٌ عن معنَى مطلقِ العطف، فإنه ليس معناه النهيَ عن إتيان مثله قصدًا كالنهي عن النهي عن خُلُق، بل معناه النهيُ عن الجمع بينهما، وكذا معنى الصرف في هذه الآية ليس هو مطلقَ نفي علمِ الصابرين كنفيِ علمِ المجاهدين، بل معناه نفيُ اجتماعهما. وهو كقولهم: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لا تجمع بينهما، وليس هو نهيًا عن كلِّ واحدٍ منهما مفردًا. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعْمَرَ: ﴿وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ﴾ بالكسر (٣)، وهو على العطف، وهو مجزومٌ كالأول. وقرأ إبراهيم النخعي ويحيى بن وثَّابٍ: ﴿وَيَعْلَمُ الصَّابِرِينَ﴾ بالرفع على الاستئناف (٤)؛ أي: وهو يعلمُ الصابرين. * * *

стр. 1931

(١٤٣) - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾: قيل: إن قومًا غابوا عن قتال بدرٍ وعلموا ما نالَ (١) أهل بدرٍ من الفضل بقول النبيِّ ﷺ : "إنَّ اللَّه تعالى اطَّلَع على أهل بدرٍ فقال: اعمَلوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم" (٢) فتمنَّوا قتالًا آخَرَ يَشهدونه، فلما كان قتالُ أحدٍ قصَّر بعضهم فنزل في حقِّهم هذا. وقوله تعالى: ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لقاءَ العدو، لأنه من أسباب الموت فأُطلق عليه اسمه؛ كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١١٨٠]، ويقال: رأيتُ الموت في أطراف الأسنَّة. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾: أي: رأيتم لقاءَ العدوِّ ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تأكيدٌ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، كما يقال: رأيتُه عِيَانًا، ورأيتُه بعيني، وسمعتُه بأذني، وفائدتُه: نفيُ وهمِ رؤيةِ القلب وسَمْعِ العلم. وقيل: معناه: وأنتم تتأمَّلون الحالَ في ذلك كيف هي (٣)؟ لأن النظر تقليبُ البصر نحو المبصَر؛ أي: كانت رؤيةَ تثبُّتٍ وتأملٍ، لا رؤيةَ تلمُّحٍ (٤) وتخيُّلٍ.

стр. 1932

وقيل: معناه: رأيتُم أسباب الموت وأنتم أصحَّاءُ الأبصار، لا حائلَ بينكم وبينها فتشكُّوا (١) فيها. وقيل: معناه: رأيتُم الموت وأنتم تقرُبون منه لا تبعُدون من موضعه؛ كما يقال: دُورُنا تتناظرُ؛ أي: تتقارب، قاله أبو العباس ثعلبٌ. وقال الكلبيُّ: لمَّا أخبرهم (٢) اللَّه تعالى بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في ذلك وقالوا: اللهم أَرِنَا قتالًا لعلنا نُستشهَدُ فنلحقَ بإخواننا في الجنة، فأراهم اللَّه تعالى ذلك يومَ أحدٍ فلم يَثبتوا، فقال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى السيوف فيها الموتُ. وقال أنس بن مالكٍ ﵁: إن عمِّي أنس بن النضر غاب عن قتال (٣) بدرٍ فقال: غبتُ عن أولِ قتالٍ قاتلَه (٤) النبيُّ ﵇، ولئن أشهدني اللَّه قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يومُ أحدٍ انكشف المسلمون فقال: اللهمَّ إنِّي أعتذرُ إليك ممَّا صَنع هؤلاء -يعني: أصحابَ النبي (٥) ﷺ وأبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني: المشركين، ثم تقدَّم فلقيَه سعد بن معاذٍ، فقال: يا سعد، إيهًا إيهًا (٦) لريح الجنة، واللَّه إني لأجدُها دون أحدٍ، فمضى حتى استُشهد. قال أنس: فما عرَفناه إلا ببنانه، قال: وجدنا فيه بضعًا وثمانين من ضربةٍ بسيفٍ

стр. 1933

وطعنةٍ برمحٍ ورميةٍ بسهمٍ، فكنا نقول: فيه وفي أصحابه أنزلت: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١). وقال مجاهدٌ: قال ابن أبيٍّ وأصحابُه من المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، فقال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يومَ أحد. فعلى هذا نزلت الآية في المنافقين. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل قولُه ﷻ : ﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ أنها في قومٍ تمنَّوا عين الموت خوفًا عن الرجوع عن الدين، فتمنَّوا الموت على الإسلام، ويحتمِل أنهم تمنَّوا الموت ليتخلَّصوا عن تعذيب الكفار إياهم، وخافوا بها على دينهم فأحبوا أن يموتوا فيَتخلَّصوا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: إلى من يموتون بالقتل. فإن قالوا: تمنِّي الموتِ بالشهادة تمنِّي قتلِ الكافر إياهم على الإيمان، وذاك كفرانٌ، أفلا (٣) يكون رضًى بالكفر؟ قلنا: لا، وهو (٤) تمني الجهادِ والصبرِ عليه إلى أن يُستشهدوا، أو هو تمنِّي أن يعذَّب الكافر على كفره، وهو غاية استقباح الكفر، قال اللَّه تعالى خبرًا عن موسى وهارون صلوات اللَّه عليهما أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨].

стр. 1934

وقال (١) الإمام القشيري ﵀: مَن ظنَّ أنه يصل إلى محلٍّ عظيمٍ من دون مقاساة (٢) الشدائد أَلْقته أمانيه في مهواة الهلاك، وإنَّ مَن عرَف قَدْرَ مطلوبه سهُل عليه بذلُ مجهوده؛ قال الشاعر: وما جاد دهرٌ بلذَّاته... على مَن يَضِنُّ بخلعِ العِذَار (٣) وقال آخر: إذا شام الفتى برقَ المعالي... فأَهْوَنُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد (٤) * * * (١٤٤) - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾: لمَّا انهزم المسلمون يوم أحدٍ عُوتبو ا فاعتلوا أنهم سمعوا صارخًا يصرخ: ألَا إن محمدًا قد قتل، فنزلت الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أي: مضت، ولم يكونوا لا يموتون ولا يقتلون، بل قتل كثيرٌ منهم ومات (٥) الباقون، وذلك لا يوجب ارتفاعَ الدِّين ولا تركَ أتباعهم جهادَ الكافرين.

стр. 1935

قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: الألفُ ألفُ استفهامٍ (١) بمعنى التوبيخ، وهو في الحقيقة داخلٌ في قوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لأن تقديره: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل. وإنما جاز لأنه دخل (٢) الشرطَ فصار كلُّه كلامًا واحدًا بشرطه وجزائه (٣)، فصار دخول الاستفهام في أوله دخولًا في الخبر المذكور فيه، وهو كقولك: أزيدٌ ضربك أم عمرو، وهو في الحقيقة داخلٌ في الضرب وإن ذُكر ظاهرًا في زيد؛ لأن الكلام (٤) صار شيئًا واحدًا. والانقلاب على العَقِبَين مجازٌ عن الردَّة، وقد كشفنا عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾. وقيل: هو مجازٌ عن الانهزام هاهنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] ومَن انقلب على عقبيه فقد رجع إلى الطريق الذي كان جاء منه، والمنهزِم كذلك صورةً والمرتدُّ كذلك معنًى. وفيه استنكار كلِّ واحدٍ من الأمرين عليهم، يقول: موتُ النبيِّ ﷺ أو قتلُه لا يوجب الارتداد ولا التخلُّفَ عن الجهاد. ثم إنما أُدخل (٥) (أو) بين الموت والقتل وهو للتشكيك، مع أن اللَّه تعالى علم أنه يموت ولا يقتل، إخفاءً لعاقبته؛ ليكون قتاله الكفارَ من غيرِ تَوَقٍّ دليلًا على كمال

стр. 1936

شجاعته، ولا يحملَ عدوٌّ ذلك على أنه لما سمع أنه يموتُ ولا يقتل أمِن القتلَ في الجهاد فلذلك لا يَتوقَّى. وقيل: كان خروجه عن الدنيا بالموت والقتل جميعًا، فإن أُكلة خيبر كانت تُعادُّه، وبها خرج عن الدنيا (١)، وذلك في معنى القتل وهو موتٌ على الفراش ظاهرًا، فلذلك جمع بينهما. وقال ابن عباسٍ ﵄: كان أناسٌ من أهل النفاق قالوا يوم أحد حين فرَّ الناس: إن كان محمدٌ قُتل فالحَقوا بدينكم الأول، فنزلت الآية (٢). وقال قتادة: لمَّا أُخبروا بقتل محمدٍ ﵇ قال ناسٌ منهم: لو كان نبيًا ما قُتل، وقال (٣) ناسٌ: قاتِلوا على ما عليه قاتل نبيُّكم حتى يَفتح اللَّه عليكم أو تلحقوا به، فنزلت الآية (٤). وقال مجاهد: مرَّ رجلٌ من المهاجرين على رجلٍ من الأنصار يتشحَّط في دمه فقال: يا فلان! أشعرت أن محمدًا قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمدًا قتل فقد بلَّغ فقاتِلوا عن دينكم (٥).

стр. 1937

وقال إبراهيم النخعيُّ: لما قُبض النبي ﷺ كان أبو بكرٍ الصديق ﵁ غائبًا، فلما حضر كَشف عن وجه رسول اللَّه ﷺ وقبَّل بين عينيه، وقال: بأبي أنت وأمي طبتَ حيًّا وميتًا، وخرج وصعد المنبر وقال بعد أنْ حمد اللَّه وأثنى (١) عليه: ألَا مَن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبدُ ربَّ محمدٍ فإنه حيٌّ لا يموت، ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: أي: ومَن يرتدَّ عن الإسلام. وقيل: أي: ومَن يرجعِ القَهْقَرَى في الانهزام. وقوله تعالى (٣): ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: أي: جَلَّ اللَّه أن يَلحقه ضررٌ أو يدخلَ مُلكَه نقصٌ (٤) وإنما ضرَّ نفسَه مَن فعَل ذلك وأَلحق النقصَ بنفسه، وهذا وعيدٌ للمرتدِّين والمنهزِمين بالعقاب. قوله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: وهذا وعدٌ للثابتين والمجاهدين بالثواب. * * * (١٤٥) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾: أي: بإماتة اللَّه للوقت الذي كتبه أجلًا لها.

стр. 1938

وقيل: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعِلم اللَّه؛ أي: بالوقت (١) الذي عَلم بموته فيه. وقيل: أي: بأمر (٢) اللَّه ملكَ الموت بقبضِ روحه. ﴿كِتَابًا﴾ مصدرٌ لفعلٍ محذوفٍ، وتقديره: كتب (٣) اللَّه كتابًا. وقيل: هو منصوبٌ بحذف الباء؛ أي: بكتابٍ مؤجَّلٍ؛ أي: مكتوبٍ في اللوح المحفوظ، وله وجهان: أحدهما: أن محمدًا لو مات أو قُتل فذاك حكمٌ جرى عليه من اللَّه تعالى في اللوح المحفوظ (٤) في الأجل الذي جعله له، فلِمَ ارتدادُكم أو انهزامُكم؟ والثاني: أن الموت ليس بالجهاد، ولا الحياةَ بالتخلُّف عنه، وهو تحريضٌ على الجهاد، وبيانٌ أنَّ (٥) المجاهد لا يموت إلا عند أجله (٦)، والمتخلِّفَ عنه لا يَسلم عنه (٧) مع حضور أجله، وهذا ردٌّ على المنافقين قولَهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: مَن يُرِدْ بقتاله الغنيمةَ أو الذِّكر نُعطِه ذلك.

стр. 1939

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: أي: ومَن يُرِدْ به إعلاء كلمة اللَّه والأجرَ والدرجةَ في الآخرة نُعطه ذلك. ورُوي أن النبيَّ ﷺ سئل: إن الرجلَ يقاتل ليُذكر، ويقاتل ليُرى مكانُه، ويقاتل للغنيمة؟ فقال: "مَن قاتَلَ لتكون كلمةُ اللَّه هي العُليا فهو الذي في سبيلِ اللَّه" (١). ومعنى وصلِ هذا بالأول: أن مَن قاتَل للدنيا انهزم إذا خاف القتل، ومَن أراد به الآخرة اغتَنم الشهادة. قوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: التكرير للتقرير، والآيةُ وإنْ وردت في القتال فهي عامَّةٌ في كل الأفعال. * * * (١٤٦) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾: وكم من نبيٍّ قاتل معه ربيون كثير (٢). قرأ ابن كثيرٍ ونافع وأبو عمرو: ﴿قُتِلَ﴾ (٣) وتمَّ به الكلام؛ أي: وكم من نبيٍّ (٤) قُتل وكان معه ربيون كثيرٌ؛ أي: جماعاتٌ، واحدهم: رِبِّيٌّ، منسوبٌ إلى الرّبَّة وهي الفرقة الكثيرة من الناس، قال حسان بن ثابتٍ:

стр. 1940

وإذا معشرٌ تجافَوا عن الحقْـ... قِ حملنا عليهم رِبِّيًّا (١) وقال ابن مسعودٍ ﵁: الربِّيون: الجموع (٢). وقال مجاهد: الجموع الكثيرة (٣)، وقال الكلبي: واحدُهم عشرةُ آلافٍ (٤)، وقال الضحاك: الواحد ألفٌ (٥)، وقال قتادة: ﴿رِبِّيُّونَ﴾: ألوفٌ كثيرةٌ (٦). وقرأ الحسن: (رُبِّيون) بضم الراء (٧)، وقال: تفسيرُه: الصُّبُر (٨). وذكر ابن مجاهدٍ عن بعضهم: (رَبِّيون) بفتح الراء (٩) منسوبٌ إلى الرَّبِّ، كما يقال: ربانيٌّ وإلهيٌّ، ومعناه: عارفون باللَّه عاملون للَّه.

стр. 1941

وقراءة (١) العامة: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير﴾؛ أي: عاوَن النبيَّ ﵇ في قتالِ العدوِّ جماعاتٌ كثيرةٌ، وعلى هذا ﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعلٌ بفعلهم وهو ﴿قَاتَلَ﴾، وعلى الأول رفعُه بقوله: ﴿مَعَهُ﴾. ومعنى القراءتين واحدٌ؛ أي: كم من نبيٍّ قاتل الكفارَ ومعه جماعاتٌ من أتباعه، فأصابتهم جراحاتٌ وقُتل بعضهم فلم يَضعفوا، وكم من (٢) نبيِّ قُتل هو وكان معه أتباعُه فلم يتركوا الجهاد، وهو قطعٌ لعذرِ هؤلاء في تركهم (٣) الجهادَ بسماعِ خبرِ قتلِ النبيِّ ﷺ . وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في الآية دلالتان: إحداهما: على إثبات رسالة محمدٍ (٤) ﵇، حيث أَخبر عن حالِ الماضينَ، ولم يختلف إلى أحدٍ يعلم أخبارهم، فعُلم أنه (٥) بإخبار اللَّه له (٦). والثانية: أن العمل بشريعةِ مَن قبلنا ثابت ما لم يظهر نسخُه؛ لأنَّه ذكر محاسنهم لنتَّبعهم في ذلك ونقتديَ بهم، وذكر مساوئهم وما لحقهم بذلك لننتهيَ عنها ونكونَ على حذرٍ مما أصابهم (٧). قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾: الوهن: انكسار الحدِّ (٨)

стр. 1942

بالخوف، والضعف: نقصان القوة وقيل: فما وهنوا في دينهم وما ضعفوا في أنفسهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: أي: وما استسلموا لعدوِّهم (١) وما خضعوا (٢) لهم، والكِينةُ (٣) اسمٌ من الاستكانة، وهي الذلة والخضوع. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: أي: الثابتين على الدِّين وجهادِ الكافرين، ورُوي أن النبيَّ ﷺ نادى المنهزمين وقال: "إليَّ أنا رسول اللَّه" فوقفت الأنصار وعرفوا صوته، فطأطؤوا رؤوسهم وشدوا أسيافهم وقالوا: إليك (٤) واللَّه بآبائنا وأمهاتنا أنت، وقاتلوا حتى استُشهدوا، ولم ينظر منهم أحدٌ إلى رسول اللَّه ﷺ حياءً منه، وكانوا ثمانيةً وثمانين رجلًا. * * * (١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: قرأ العامة: ﴿قَوْلَهُمْ﴾

стр. 1943

بالنصب، وهو خبرُ ﴿كَانَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ (أنْ) مع الفعل مصدرٌ تقديره: إلا قولُهم، بالرفع (١)، وهو اسم (كان)، وتقدَّم الخبر هاهنا على الاسم. وقرأ الحسن: (قولُهم) بالرفع (٢)، وهو اسمٌ و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ خبرٌ وهو في محل النصب. قوله تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾: هو مجاوزة الحد، يقول: هؤلاء الذين هم أتباعُ الأنبياء الماضين كان قولَهم عند قتل الأنبياء هذا الدعاءُ، وهو مدحٌ لهم أنهم مع حُسن العمل استغفروا من الزَّلَل والخلَل. وهذا (٣) مبالغةٌ في الاعتراف بالذنب، فإن الإسراف والذنب واحدٌ، وذكرُهما غايةُ سوء الظن بأنفسهم. وقيل: الذنوب الصغائر، والإسراف بالكبائر (٤). قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: قيل: على الإيمان، وقيل: على جهاد العدو. قوله تعالى: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: بالقوة والغلبة، وقيل: بالبرهان والحجة. وقال الإمام القشيري ﵀: إن الذين درَجوا على الوفاء، وقاموا بحقِّ الصفاء، ولم يرجعوا من الطريق، وطالبوا أنفسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق

стр. 1944

والتدقيق، وَجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرهم، وكان الخَلَفُ لهم (١) الحقَّ عند نهاية أمرهم، فما زاغُوا عن شرط الجهد ولا راغُوا (٢) في حفظ العهد، وسلَّموا تسليمًا، وخرجوا عن الدنيا وكان (٣) كل واحدٍ منهم للعهد مستديمًا، وعلى شرط الخدمة والودِّ مستقيمًا، وما قالوا من الدعاء فقد تحقَّقوا بحقائق المعاني، وتحرَّسوا (٤) عن إظهار الدعاوي، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا في مواقف الاستحياء، فكانوا (٥) كما قيل: يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافُها... فكأنما حسناتُه آثامُ (٦) * * * (١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾. قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: أي: أعطاهم جزاءهم في الدنيا الظَّفرَ والنصرَ والغنيمة، والمدحَ والتعظيم والحرمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: الجنة والنعمة والقربة والرؤية، وذكرُ الحُسْنِ في ثواب الآخرة دونَ الدنيا؛ لصِغَر أمر الدنيا وحقارتها، وانقطاعِ ما فيها. ثم إنما عَطف قولَه تعالى: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ على قولهِ: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ -والإيتاءُ هو الإعطاء، وثوابُ الآخرةِ للحال غيرُ معطًى- لأن معنى الإيتاء

стр. 1945

في حق ثواب الآخرة هاهنا هو الحكمُ به والوعد، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]. وأراد به الالتزام؛ فإن حقيقة الإعطاء يكون بعد سنةٍ، والقتال يسقط بقبولهم الجزية، فكان ذلك إعطاءً على معنى أنه ثبت فصار كالمعطَى. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هم محسِنون واللَّه يحبهم ويُحسن ثوابَهم. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: يحتمِل أن يكون هو إحسانَ المعرفة، يقال: فلانٌ يُحسِن كذا، ويحتمِل أن يكون هذا اختيارَ محاسن الأفعال، ويحتمِل أن يكون هذا إحسانًا إلى نفسه بالعمل بما فيه النجاة (١). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أقلُّ ذلك القناعةُ، ثم الرضا، ثم العيش معه، ثم الأنسُ (٢) بقربه، ثم كمالُ الفرح بلقائه (٣). ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: دخولهم الجنة وهم محرَّرون عنها غيرُ داخلين في أسرها. قال: ويقال: ثوابُ الدنيا والاخرة: الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما، ثم حُسنُ ثوابِ الآخرة بدوامه وتمامه، وأنْ لا يشوبه (٤) ما ينافيه (٥). * * *

стр. 1946

(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: قال الحسن وابن جريجٍ: أي: إنْ تطيعوا أهل الكتاب (١). وقال السُّدِّي: أي: إن تطيعوا أبا سفيان وأصحابه يَرجعوكم كفارًا (٢)، وكانوا يقولون للمسلمين: إن محمدًا قد قُتل فالحَقوا بعشائركم تأمَنوا على أنفسكم، وكانوا يقولون: لو كانوا عندنا وأطاعونا ما ماتوا وما قتلوا. وقوله تعالى: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ يجوز أن يكون مجزومًا عطفًا على قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾، ويجوز أن يكون نصبًا لأنه جواب الشرط بالفاء، وحذفُ النونِ يدلُّ على كلِّ واحدٍ منهما. * * * (١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: ﴿بَلِ﴾ ردٌّ لِمَا قبله وهو طاعة الكفار، و ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ، و ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ خبرُه؛ أي: هو ناصرُكم وحافظُكم وحبيبكم ومتولِّي أموركم، فهو أَولى أن يُطاع، وكذلك (٣) هو خير مَن ينصركم فهو أحقُّ أن يؤتمر بأمره.

стр. 1947

وقرأ طلحة: (بل اللَّهَ مولاكم) بالنصب (١)؛ أي: بل أطيعوا اللَّه، و (مولاكم) نعتُه على النصب أيضًا. * * * (١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: بيانُ (٢) قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾، والرعب: الخوف الذي يملأ القلب، يقول وإن نالكم للحال بعضُ الشدة بعصيانكم فسنلقي في قلوبهم الخوف فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم. وقد حقَّق هذا الوعدَ فألقى في قلوب أبي سفيان وأصحابهِ الرعبَ فلم يجيؤوا في بدرٍ الصغرى وإنْ وَعدوا ذلك. قوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: (ما) مفعولٌ بوقوع ﴿أَشْرَكُوا﴾ عليه، والسلطان: البرهان، وأصله: القوة، فسلطان الملك: قوته، وسلطان المدَّعِي: حُجتُه، وبها يَقْوَى على دفع المُبْطِل. وقيل: هو من السَّليط، وهو دُهن الزيت، وبه ضوءُ السراج، فالسلطان هو الحجةُ النيِّرة، يقول: ألقى اللَّه في قلوبهم الخوف عقوبةً لهم على شركهم ولا حجةَ لهم فيه. وهذا ذمٌّ لهم على تقليدهم آباءهم في الضلال، وكانوا مقرِّين باللَّه، وأنه هو (٣)

стр. 1948

خالقُهم، فكان يلزمُهم بحكم إقرارهم ألَّا يعبدوا (١) معه غيرَه، إلا أن يأمرَهم به فيكون ذلك إنزالَ السلطان. وذكَر الإنزالَ لأن الأمر يكون على ألسنةِ الأنبياء بإنزالِ اللَّه ذلك إليهم بواسطة الملائكة من السماء. قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: أي: مصيرُهم جهنم في الآخرة ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: وساء مقامُ الكافرين الذين ظلموا أنفسَهم ووضعوا الشيء في (٢) غير موضعه، وقال في حق المؤمنين: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مكان قوله في حق الكافرين: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. * * * (١٥٢) - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: أي: حقَّق ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي (٣): تقتلونهم وتستأصلونهم بتخليته. وقد حسَّ البردُ الجرادَ؛ أي: قتله واستأصله، يَحُسُّه بالضم، وسَنَةٌ حَسُوسٌ: تأتي على كل شيءٍ، وحرثٌ محسوسٌ؛ أي (٤): استأصله البرد.

стр. 1949

يقول: قد صدَق اللَّه هذا الوعدَ، وهو قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، وقولُه تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وقولُه تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾ بكذا (١)، قد صدق هذا الوعدَ في ابتداء الأمر يوم أحدٍ إذ غلبتُم الكفار وقتلتُم كثيرًا منهم، غيرَ أن هذا الوعد كان معلقًا بقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: أي: جبُنْتُم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْر﴾؛ أي: اختلفتُم ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾؛ أي: خالفتُم أمر النبيِّ ﵇ بلزوم المراكز. وقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾؛ أي: من قهر الكفار. و (حتى إذا) يطلب جوابًا، واختُلف في جوابه: قيل: هو مضمرٌ في آخره، وهو: قطع عنكم نصرته. وقيل: الواو في ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ مقحمةٌ زائدةٌ (٢). وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ (٣)، وتقديره: حتى إذا تنازعتُم فشلتُم، فكان الاختلافُ هو سببَ الفشل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، ونظيرُ هذه الواوِ

стр. 1950

المقحَمة في القرآن في (١) آيات: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] إلى قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٤]، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ١٥]. والأصح أن الواو مثبتةٌ والكلَّ موصولٌ، والجواب في آخره محذوفٌ، ومثلُه (٢) في القرآن كثيرٌ، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية (٣) [الرعد: ٣١]، وجوابه محذوفٌ وتقديره: لكان هذا القرآنَ. وكان لهم النصر إلى أن اختلفوا وتنازعوا، ومال بعضهم إلى الدنيا وقالوا: لقد (٤) وقع الفتح ونخاف أن نُسبق إلى الغنائم. وقيل: خافوا أن يكون الأمر في الغنائم يومَ أحدٍ كهو في يوم بدرٍ مَن أخذ شيئًا فهو له خاصةً، فآثَروا الدنيا على طاعة رسول اللَّه. وقال بعضُ الرماة: بل نلزم مراكزنا (٥)، ونحفظُ وصيةَ نبيِّنا (٦)، فإنه كان قال لهم: "لا تَبْرَحوا مراكزكم وإنْ رأيتُمونا يتخطَّفُنا الطير" (٧)، ففشلوا، للتنازع بينهم، وميلِ مَن مال منهم إلى الدنيا، فانقلب الأمر لخلافهم (٨) الشرطَ الذي كان يدومُ به النصر.

стр. 1951

قال (١) الواقدي: ما أَظفر اللَّه رسولَه في موطن ما أظفره وأصحابَه يومَ أحدٍ حتى عصوه، لقد قُتل أصحاب لوائهم وانكشف المشركون وتداعت نساؤهم بالويل بعد ضرب الدُّفوف، وكلما أتى خالد بن الوليد من سفح الجبل (٢) ردَّه الرماة (٣). وكان النبيُّ ﷺ قال للرماة: "قوموا على مصافِّكم ولا تبرحوا بحال" (٤)، وأميرهم عبد اللَّه بن جُبير. فلما انهزم المشركون وتبعهم المسلمون قال بعضُ الرماة لبعض: لمَ تقيمون هاهنا في (٥) غيرِ شيءٍ؟ قد هزَم اللَّه العدو فادخلوا عسكر المشركين فاغنَموا مع إخوانكم. فقال بعضهم: ألم تَعلموا أن النبيَّ ﷺ قال: "احموا ظهورنا ولا تبرحوا مكانكم". فقال الآخرون: لم يُرِدْ رسولُ اللَّه ﷺ هذا، وقد أذلَّ اللَّه العدوَّ. فلما اختلفوا خطبهم أميرُهم عبدُ اللَّه بن جبير فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم أمرهم بطاعة اللَّه وطاعة رسوله. فعصوا وانطلقوا، فلم يبق مع الأمير إلا أقلُّ من عشرةٍ، واستدارت رحاهم، ونظر خالد إلى خلاء الجبل فكرَّ عليهم بالخيل في خمس مئة فارسٍ، فحمل الرماة

стр. 1952

عليهم ورمى عبد اللَّه حتى فَنِيتْ نَبْلُه، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كَسرَ جَفْنَ سيفه فقاتلهم حتى قتل (١). قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: أي: الغنيمةَ (٢) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: الثواب والشهادة، قال ابن مسعودٍ: ما علمتُ أن أحدًا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية (٣). ثم قولُه تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ هذا عامٌّ أريد به الخصوص، وهم الذين خالفوا أمرَ النبيِّ ﷺ في ترك المركز (٤). ثم فواتُ النصر وغلبةُ العدو كان عقوبةً للعصاة خاصةً، والآخرون أُكرموا بالثناء والثواب ودرجةِ الشهادة، كما يُخسف ببلدٍ وفيهم صبيانٌ وبهائمُ، فتكون العقوبة للعاصِين (٥)، ولا عقوبة للآخرين، وإنما هو درجةٌ لهم وكرامةٌ يومَ الدِّين، وقد رُوي في بعض الأخبار أنه يُخسَف بقومٍ في آخِر الزمان ثم يُبعث كلُّ واحدٍ منهم يوم القيامة على نيَّته (٦). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: أي: بهزيمتكم والتولِّي عنهم، وهو حجةُ أهل السنَّة والجماعةِ في أن اللَّه تعالى خالقُ أفعال العباد. وقولُه تعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أي: ليشدِّدَ عليكم بعصيانكم، وهو ابتداءُ عقوبةٍ.

стр. 1953

وقيل (١): هو ابتلاءٌ ببليةٍ أَمر اللَّه تعالى بالصبر عليها ووعَد الثواب (٢) عليه. وقيل: معناه: ليبتليكم بسيوف الكفار عقوبةً على ترك الائتمار. وقيل: ليَمِيز المؤمنَ من المنافق والمطيعَ من العاصي، وحقيقتُه: ليختبركم، ومعناه: ليُعاملكم معاملة المختبِرين؛ لأنَّه يجازِي على ما يَعمله العبد، لا على ما يَعلمه منه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: يعني: أيها المنهزمون، فلم (٣) يُهلِكْكُم ولم يسلِّط عليكم عدوَّكم. وقيل: ترَكَكم أحياءً بعدما قُتل سبعون منكم. وقيل: غفر لكم مع سَبْق الوعيدِ (٤) وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية [الأنفال: ١٦]، وهو العفوُ عن الانهزام. وقيل: هو العفو عما كان منهم من الفشل وإرادةِ الدنيا. وقيل: الخطاب في ﴿صَرَفَكُمْ﴾ لغير المنهزمين، وفي ﴿عَفَا عَنْكُمْ﴾ للمنهزمين، وإن كان على نسقٍ واحدٍ؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠] الكناية ترجع إلى أبي بكرٍ الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه، وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ ترجع إلى النبي ﷺ ، لأن الخوف والحزن كانا للصدِّيق، فكانت السكينةُ منزَلةً عليه، وكان التأييدُ بالجنود للنبي ﵇ معجزةً له، فرجعت

стр. 1954

إحدى الكنايتين إلى غيرِ مَن رجعت إليه الأخرى، وكذا قولُه تعالى: ﴿ويوقروه ويسبحوه﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بالعفو عنهم، وقبولِ توبتهم، وتركِ استئصالهم، وبكلِّ حالٍ. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في هذه الآيات دلالاتٌ على إبطال قول المعتزلة بوجوب الأصلح على اللَّه تعالى، وهو قولُه (١) تعالى: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقولُه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقولُه تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (٢). * * * (١٥٣) - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾: أي: عفا عنكم إذ تُصعدون، والإصعاد: هو النفوذ في مستوى الأرض، والصعود: الارتفاع (٣). وقيل: الإصعاد: الإبعاد في الضرب في الأرض. وقيل: الإصعاد في الوادي، والصعود في الجبل.

стр. 1955

وقال صاحب (الديوان): الإصعادُ في الأرض، والتصعيد في الجبل، والصعود (١) في السلم. وقال أبو معاذٍ النحويُّ (٢): كلُّ شيءٍ له أسفلُ وأعلى كالوادي والنهر والزقاق فإنك تقول: أَصعد فيه: إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه، وتقول: أَصعَدَ الحاجُّ: إذا ابتدأ يريد مكة، وإذا ارتفع ارتفاعًا كما في السلَّم قلتَ: صَعِدَ. وقال ابن عرفة (٣): كلُّ مبتدئٍ إذا قصد جهةً (٤) من سفرٍ وغيرِه فهو مُصْعدٌ في ابتدائه منحدِرٌ في رجوعه من أيِّ بلدٍ كان. وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن السُّلَمي: ﴿تَصْعِدُونَ﴾ بفتح التاء من الصعود على الجبل (٥). وقراءة العامة: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بالضم، وفي قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ وعبد اللَّه بن مسعودٍ ﵄: (إذ تُصْعِدون في الوادي) (٦)، والرواية المشهورة ذهابُهم في الوادي، ويحتمل أنهم ذهبوا في الوادي ثم صَعِدَ بعضهم إلى (٧) الجبل ملتجئًا به.

стр. 1956

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾: أي: لا تعرِّجون، وقيل: لا تَعطِفون، وقيل: لا تَقِفون، وقيل: لا تلتفتون، وقيل: لا تلبثون. وهو من قولك: لوى جِيدَه إليه ملتفتًا إليه، قال امرؤ القيس: عشيةَ جاوَزْنا حماةَ وشَيْزَرا... أخو الجَهْد لا يَلْوِي على مَن تَعَذَّرا (١) وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾: أي: على أحدٍ من الآحاد، وهو إخبارٌ عن (٢) غايةِ انهزامهم وخوفِ عدوِّهم (٣). وقال الكلبي: ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾؛ أي: على الرسول ﵊. قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: أي: يناديكم في آخركم (٤)، والتأنيثُ لمعنى الطائفة والفرقة، وكان يقول: "إليَّ عبادَ اللَّه"، لا استعانةً (٥) بهم، بل أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر وهو الانهزامُ وتركُ قتال الكفار.

стр. 1957

وكان ينادي: "يا آل سورة البقرة، يا آل سورة آل عمران، يا آل الحواميم (١)، يا آل طه"، ونحوَ ذلك، وكان كلُّ فريقٍ تعلَّموا سورًا، فكان (٢) يعرفهم بها، فلم يقف من المنهزمين إلا طلحةُ وتسعةٌ من الأنصار، فتقدَّموا وقاتلوا الكفار حتى استُشهِدَ هؤلاء التسعةُ وبقي طلحة، فقال النبيُّ ﷺ لطلحةَ: "ما بقي من الأنصار في حقِّنا شيءٌ لم يفعلوه، بذلوا أنفسَهم وأموالهم لأجْلنا، وما بقي إلا أنتَ وأنا في نحرِ العدوِّ، فإمَّا أن تتقدَّمَ أو أتقدَّمَ"، فتقدَّم طلحة وقاتلهم فقُطعت إصبعُه فقال: آه، فقال ﵇: "لو قلتَ: اللَّه، لرفعَتْك الملائكة إلى السماء والناسُ ينظرون"، ثم قاتلهم حتى هزمهم، وجاء الناس واجتمعوا عند رسول اللَّه ﷺ ، ثم جعلوا يتأسَّفون على القتلى وعلى الجرحى وعلى فوتِ الغنيمة، فإذا خالد بن الوليد قد صعد الثنية يقصدهم في خمس مئة فارسٍ (٣)، وذلك (٤) قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: أي: جازاكم غمَّ قصدِ خالدِ بن الوليد بسبب اغتمامِكم على ما كان من القتل والجرح وفوتِ الغنيمة، وكان ينبغي لكم ألا تغتموا لذلك (٥)، ولذلك قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾؛ أي: مع سلامة نبيِّكم. وقيل: بسبب غمِّكم النبيَّ ﷺ بمخالفته. والثواب: الجزاء كيفما كان، والإثابة والتثويب: إعطاء الجزاء؛ قال تعالى:

стр. 1958

﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦]، وقال ﵇: "الواهبُ أحقُّ بهِبَتِه ما لم يُثَبْ منها" (١). وقيل: بل الثواب إذا أُطلق يراد به الجزاءُ في الخير، وهاهنا أريدَ به أنه قائم مقام الثواب لعصيانهم (٢)، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]؛ أي: أقم لهم الوعيدَ بالنار مقام البشارة بالمسارّ. وقيل: معناه: فجزاكم (٣) اللَّه تعالى على عصيانكم غمًّا على غمٍّ، فالباء بمعنى (على)؛ كما يقال: نزلتُ بفلانٍ؛ أي: على فلانٍ. وقيل: معناه: غمًا مع غمٍّ؛ كما يقال: ما زلت بفلانٍ حتى فعَل كذا؛ أي: مع فلان. وقيل: أي: غمًّا متصلًا بغمٍّ، والباء للاتِّصال. وقال الكلبي: الغمُّ الأولى الهزيمة، والغم الثاني إشراف خالد بن الوليد. وقال ابن جريجٍ: الغم الأولى هو (٤) حزنهم على ما أصابهم وأصاب أصحابهم، وولجوا شِعبًا فجاء أبو سفيان وأصحابه وأخذوا فم الشعب، فخافوا على أنفسهم كلِّهم الهلاك، فهو الغم الثاني (٥).

стр. 1959

وقال قتادة: الغمُّ الأول: القتل والجراح، والغمُّ الثاني: سماعُهم أن النبيَّ ﷺ قُتل (١). وقيل: الغمُّ الأول: غمُّ الجناية في حقِّ النبيِّ ﵇، والغمُّ الثاني: هو غمُّ الاعتذار إليه. وقيل: الغمُّ الأول هو الاغتمامُ بما أصابهم، والغمُّ الثاني هو الاغتمامُ بما فعلوا وما يُجزون (٢) عليه. وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: قيل: هو متصلٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ لأن العفو يُذهب كلَّ حزنٍ. وقيل: هو متصلٌ بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا﴾ هو (٣) أعظمُ من الأول؛ لئلا (٤) تغتمُّوا بالأول. وقيل: أي: لكيلا تحزنوا بعد هذا على فوتِ الغنيمة، فيحملَكم على الاشتغال عن القتال، فينالَكم ما نالكم في هذه الغزوة من الهزيمة والجراح، ولكيلا تحزنوا على ما (٥) أصابكم من الجراح فيدعوَكم إلى الفشل، فيصيبَكم ما خفتُموه وأنتم عاصون، ولولاه لأصابكم وأنتم مطيعون مأجورون.

стр. 1960

وقيل (١): أي: ليكون خوفكم و (٢) حزنكم على العصيان بالهزيمة لا على فوت الغنيمة، ولتهتمُّوا بقبح أفعالكم (٣) لا بنقص أنفسكم وأموالكم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي (٤): لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم، وهذا ترغيبٌ في الطاعة وترهيبٌ عن المعصية. * * * (١٥٤) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾: هذه الآية من الجوامع، وفيها كلُّ الحروف المعجَمة، والأمَنة: الأمن، وهي مصدرٌ على الفَعَلة كالعَظَمة والغَلَبة. وقوله تعالى: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلٌ من الأمنة وترجمةٌ عنها. وقوله تعالى: ﴿يَغْشَى﴾ قرأ حمزة والكسائي بتاء التأنيث ردًّا إلى الأمنة، وقرأ الباقون بياء التذكير ردًّا إلى النعاس (٥)، ونظيره: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ

стр. 1961

كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] (١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] (٢). وقال أبو عبيد (٣): التذكير أولى؛ لأنَّه يليه في كلِّ هذه الآيات، والصرف إلى الأقرب أولى، ولأن النعاس هو الذي يغشى القوم. والغشيان هو التغطية والإتيان، يقول: مَنَّ على المؤمنين منكم المخلصين (٤) فأمَّنَهُم وأنامَهم وأزال اغتمامهم؛ قال أبو طلحة: ما منَّا أحد إلا وهو يميلُ تحت جحفته من النعاس (٥). وقال أنس: وذكر (٦) أبو طلحة أن السيف كان يسقط من يده ثم يأخذه، ثم يسقط ثم يأخذه (٧). وقال الإمام أبو منصور ﵀: سمعوا بانصراف العدو فأَمِنوا وناموا، والمنافقون سمعوا به فلم يصدِّقوا ودام خوفهم فلم يناموا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (٨).

стр. 1962

قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: هذا ابتداء، وهم المنافقون وكان (١) حضورهم للغنيمة، فلما فاتهم وخافوا على أنفسهم الاستئصالَ ولم يكونوا من أهل الكرامة، لم يؤمِّنهم ولم يُنِمْهم فبَقُوا في الغموم. وقال سيبويه: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ هذه واوُ الحال؛ أي: إذ طائفةٌ (٢). ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: حملتهم على الهمِّ؛ يقال: همٌّ مُهِمٌّ، وأمرٌ مهمٌّ، ويقولون: همُّكَ ما أَهَمَّكَ. ثم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَصلُح أن يكون خبرًا للابتداء وما بعده كذلك، ويجوز أن يكون قد أهمتهم صفةً لهم وما بعده خبرًا. وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ (٣)؛ أي: أنْ لا ينصرُ محمدًا. وقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: قيل: أي: ظنَّ أهلِ الجاهلية، وهي حالةُ الكفر، والإضمارُ سائغ. وقيل: أي: كظنِّهم في الجاهلية، يعني: كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان المسلمون على حقٍّ لم تَنَلْهم هذه النكبةُ، ولم يعلموا أن اللَّه يبتلي عبادَه بما شاء ليتميَّز المخلِص من غيره. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: من النصر والعلوِّ، وهو استفهام بمعنى الجَحْد؛ أي: لسنا محقِّين فلسنا بمنصورين.

стр. 1963

ويقال: الأمر لفلان، وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: قرأ أهل المدينة والكوفة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالنصب تأكيدًا لـ ﴿الْأَمْر﴾ وقرأ أهلُ البصرة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالرفع على الابتداء (١). أي: الحقُّ للَّه تعالى ولمن دعا إلى دينه، وهو ينصر أولياءه على كل (٢) حالٍ بالغلبة أو بالحجة، وله أن يبتلي عباده بما شاء. قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: أي: من الشك والنفاق. وقيل: هو ما لا يستطيعون إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، ومن ظهور حالهم للمؤمنين. وقيل: قال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنهم يأتمرون بأمر النبيِّ ﵇ لا بأمري. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: هو (٣) قول ابن أُبيٍّ: لو كانوا عملوا بأمري ولم يخرجوا من المدينة لم يُقتلوا. وقوله تعالى: ﴿مَا قُتِلْنَا﴾؛ أي: ما قُتل منَّا أحد، يقال: قَتَلْناكم؛ أي: قتلنا منكم. وقيل: معناه: لو كان الأمر إلى اختيارنا واستصوابنا لم نَخرج فلم يُقتل من قراباتنا أحد، وكان أكثرُ القتلى يومئذ من الأنصار، ولم يقتل من المهاجرين إلا يسيرٌ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:

стр. 1964

أي: لو تخلَّفْتُم فمكَثْتُم في منازلكم بالمدينة لخرج الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم بأُحد، يقول: ما حكَم اللَّه فهو كائن لا محالة لا دافع له ولا رافع. وقيل: معناه: أن المنافقين قالوا: لو لم نخرج نحن ما خرج (١) المخلِصون من الأنصار، فإنهم يقتدون بنا اعتضادًا بنا، فقال اللَّه تعالى: لو تخلَّفتم أيها المنافقون لخرج المخلِصون الذين آمنوا بي وبرسولي، فهم أطوعُ لي وأحرصُ على قتال العدوِّ من أن يتخلَّفوا لتخلُّفكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: أي: ليُظهر ما في قلوبكم من النفادتى، والواوُ مقحَمة زائدةٌ عند بعضهم، وتقديره: ثم أنزل عليكم كذا ليبتلي. وقيل: الواو ثابتة، وهو معطوف على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾. وقيل: في آخره إضمار (٢)؛ أي: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أمركم بالجهاد. والتمحيص: التخليص، ومعناه: أن المسلمين كانوا يرتابون في أمر المنافقين، فأراد أن يزيل عنهم الشك في أمرهم. وقيل: الخطاب في الابتلاء والتمحيص للمخلِصين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فعَل ذلك ليُظهرَ ثقتكم وإخلاصكم (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾: أي: بما فيها من الخير والشر، وهو

стр. 1965

وعدٌ ووعيدٌ، يقول: لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإنه عالمٌ بها، لكن يعاملكم معاملةَ المختبِر ليجزيَكم على عملكم لا على علمه، أو: ليبتليكم (١) المؤمنون ليعلموكم، فأضاف ابتلاءَهم إلى نفسه تشريفًا لهم. * * * (١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُم﴾: أي: انهزموا من المسلمين دون المنافقين ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: اجتمع الجندان: جندُ المسلمين وجند الكافرين (٢) ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهم على هذه الزلة. وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: ببعض ذنوبهم؛ من حبِّ الحياة، أو الرغبة (٣) في المال، أو عصيان الرماة بترك المركز، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: أي: تجاوز اللَّهُ عنهم هذه الزَّلة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يغفر الذنب ولا يَعْجَل بالعقوبة. وقيل: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أي: ذكَّرهم خطايا سلفت منهم، فكرهوا أن يقتلوا ولم يتوبوا (٤) منها، فذهبوا رجاء أن يتوبوا ويستغفروا ثم يموتوا من (٥) بعدما طهروا؛ قال
следующие страницы →