← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] (١)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] (٢). وقال أبو عبيد (٣): التذكير أولى؛ لأنَّه يليه في كلِّ هذه الآيات، والصرف إلى الأقرب أولى، ولأن النعاس هو الذي يغشى القوم. والغشيان هو التغطية والإتيان، يقول: مَنَّ على المؤمنين منكم المخلصين (٤) فأمَّنَهُم وأنامَهم وأزال اغتمامهم؛ قال أبو طلحة: ما منَّا أحد إلا وهو يميلُ تحت جحفته من النعاس (٥). وقال أنس: وذكر (٦) أبو طلحة أن السيف كان يسقط من يده ثم يأخذه، ثم يسقط ثم يأخذه (٧). وقال الإمام أبو منصور ﵀: سمعوا بانصراف العدو فأَمِنوا وناموا، والمنافقون سمعوا به فلم يصدِّقوا ودام خوفهم فلم يناموا، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (٨).

стр. 1962

قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: هذا ابتداء، وهم المنافقون وكان (١) حضورهم للغنيمة، فلما فاتهم وخافوا على أنفسهم الاستئصالَ ولم يكونوا من أهل الكرامة، لم يؤمِّنهم ولم يُنِمْهم فبَقُوا في الغموم. وقال سيبويه: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ هذه واوُ الحال؛ أي: إذ طائفةٌ (٢). ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: حملتهم على الهمِّ؛ يقال: همٌّ مُهِمٌّ، وأمرٌ مهمٌّ، ويقولون: همُّكَ ما أَهَمَّكَ. ثم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يَصلُح أن يكون خبرًا للابتداء وما بعده كذلك، ويجوز أن يكون قد أهمتهم صفةً لهم وما بعده خبرًا. وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ (٣)؛ أي: أنْ لا ينصرُ محمدًا. وقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: قيل: أي: ظنَّ أهلِ الجاهلية، وهي حالةُ الكفر، والإضمارُ سائغ. وقيل: أي: كظنِّهم في الجاهلية، يعني: كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان المسلمون على حقٍّ لم تَنَلْهم هذه النكبةُ، ولم يعلموا أن اللَّه يبتلي عبادَه بما شاء ليتميَّز المخلِص من غيره. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: من النصر والعلوِّ، وهو استفهام بمعنى الجَحْد؛ أي: لسنا محقِّين فلسنا بمنصورين.

стр. 1963

ويقال: الأمر لفلان، وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: قرأ أهل المدينة والكوفة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالنصب تأكيدًا لـ ﴿الْأَمْر﴾ وقرأ أهلُ البصرة: ﴿كُلَّهُ﴾ بالرفع على الابتداء (١). أي: الحقُّ للَّه تعالى ولمن دعا إلى دينه، وهو ينصر أولياءه على كل (٢) حالٍ بالغلبة أو بالحجة، وله أن يبتلي عباده بما شاء. قوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: أي: من الشك والنفاق. وقيل: هو ما لا يستطيعون إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، ومن ظهور حالهم للمؤمنين. وقيل: قال عبد اللَّه بن أُبيٍّ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنهم يأتمرون بأمر النبيِّ ﵇ لا بأمري. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: هو (٣) قول ابن أُبيٍّ: لو كانوا عملوا بأمري ولم يخرجوا من المدينة لم يُقتلوا. وقوله تعالى: ﴿مَا قُتِلْنَا﴾؛ أي: ما قُتل منَّا أحد، يقال: قَتَلْناكم؛ أي: قتلنا منكم. وقيل: معناه: لو كان الأمر إلى اختيارنا واستصوابنا لم نَخرج فلم يُقتل من قراباتنا أحد، وكان أكثرُ القتلى يومئذ من الأنصار، ولم يقتل من المهاجرين إلا يسيرٌ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:

стр. 1964

أي: لو تخلَّفْتُم فمكَثْتُم في منازلكم بالمدينة لخرج الذين كتب عليهم القتل في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم بأُحد، يقول: ما حكَم اللَّه فهو كائن لا محالة لا دافع له ولا رافع. وقيل: معناه: أن المنافقين قالوا: لو لم نخرج نحن ما خرج (١) المخلِصون من الأنصار، فإنهم يقتدون بنا اعتضادًا بنا، فقال اللَّه تعالى: لو تخلَّفتم أيها المنافقون لخرج المخلِصون الذين آمنوا بي وبرسولي، فهم أطوعُ لي وأحرصُ على قتال العدوِّ من أن يتخلَّفوا لتخلُّفكم. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: أي: ليُظهر ما في قلوبكم من النفادتى، والواوُ مقحَمة زائدةٌ عند بعضهم، وتقديره: ثم أنزل عليكم كذا ليبتلي. وقيل: الواو ثابتة، وهو معطوف على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾. وقيل: في آخره إضمار (٢)؛ أي: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أمركم بالجهاد. والتمحيص: التخليص، ومعناه: أن المسلمين كانوا يرتابون في أمر المنافقين، فأراد أن يزيل عنهم الشك في أمرهم. وقيل: الخطاب في الابتلاء والتمحيص للمخلِصين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فعَل ذلك ليُظهرَ ثقتكم وإخلاصكم (٣). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾: أي: بما فيها من الخير والشر، وهو

стр. 1965

وعدٌ ووعيدٌ، يقول: لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإنه عالمٌ بها، لكن يعاملكم معاملةَ المختبِر ليجزيَكم على عملكم لا على علمه، أو: ليبتليكم (١) المؤمنون ليعلموكم، فأضاف ابتلاءَهم إلى نفسه تشريفًا لهم. * * * (١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُم﴾: أي: انهزموا من المسلمين دون المنافقين ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: اجتمع الجندان: جندُ المسلمين وجند الكافرين (٢) ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهم على هذه الزلة. وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾؛ أي: ببعض ذنوبهم؛ من حبِّ الحياة، أو الرغبة (٣) في المال، أو عصيان الرماة بترك المركز، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: أي: تجاوز اللَّهُ عنهم هذه الزَّلة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ يغفر الذنب ولا يَعْجَل بالعقوبة. وقيل: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أي: ذكَّرهم خطايا سلفت منهم، فكرهوا أن يقتلوا ولم يتوبوا (٤) منها، فذهبوا رجاء أن يتوبوا ويستغفروا ثم يموتوا من (٥) بعدما طهروا؛ قال

стр. 1966

الزبير: نزلت الآية في شأن عثمان بن عفان وسعد بن عثمان الزُّرقيُّ وعقبة بن عمير ﵃، خرجوا إلى جبل بناحية المدينة يقال له: الجَلْعَب (١)، فأقاموا به ثلاثًا، فلما رجعوا إلى رسول اللَّه ﷺ قال: "لقد ذهبتُم فيها عريضةً" (٢). وقال عكرمة: هم عثمان والوليد بن عُقبة وخارجة بن زيد ورِفاعة بن المعلَّى (٣). وقيل: هم جميع مَن انهزم ذلك اليوم. وقال الواقدي ﵀: دخل المدينة أولًا من المنهزِمين سعدُ بن عثمان هذا، ثم الحارث بن حاطب، وثعلبة بن حاطب، وسوادُ بن غَزِيَّة، وعقبةُ بن عثمان، وخارجةُ بن عامر، وأوس بن قيظّي، ولقيتْهم أمُّ أيمنَ تحثي في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: هلمَّ سيفكَ وهاكَ المغزلُ فاغْزِلْ به (٤). وقال ابن أبي مليكة: جاء رجلٌ إلى ابن عمر ﵄ فقال: أشهِدَ عثمان بيعةَ الرضوان؛ قال: لا، قال: أشهد بدرًا؟ قال: لا، قال: كان ممن استزلَّهم الشيطان يوم أحد؟ قال: نعم. فقام الرجل، فعلم ابن عمر أنه يريد نقيصتَه فقال: رُدُّوه، فرَدُّوه، فقال: أما بيعةُ الرضوان فإن نبيَّ اللَّه ﷺ قال: "عثمانُ انْطَلَقَ في حاجةِ اللَّه وحاجةِ

стр. 1967

رسوله، فأنا أبايعُ له"، فضَرب إحدى يديه على الأخرى، وأما يومُ بدر فإن رسول اللَّه ﷺ خلَّفه على ابنته يمرِّضها وضَرب له بسهمه، وأما استزلالُ الشيطانِ فإن اللَّه عفا (١) عنه، قُم فقد خاب سعيُك وبطَل عملُك (٢). وفي الآية لطفٌ من اللَّه ﷻ بعباده، حيث أضاف الزَّلَل إلى استزلالِ الشيطان وهو كتمهيدِ العذر لهم، ونظيره قولُ اللَّه : ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ٤٢] ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] ﴿أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ [يوسف: ١٠٠] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]. * * * (١٥٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وهم المنافقون الذين ظنُّوا من جهلهم أن من لم يتعرض للموت والقتل بالخروج إلى الغزو لم يمت. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: أي: لأشباههم من المنافقين. وقيل: أي: لإخوانهم في النسب -لا في الدين- من المؤمنين الذين تولوا.

стр. 1968

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا حاجةَ بنا إلى معرفة القائلين ذلك، والمعنى: أنْ لا تقولوا مثلَ قولهم (١). وقوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾: أي: ساروا فيها لتجارة أو نحوها. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أي: غزاةً، والغُزَّى: فُعَّلٌ من الغازي، وهو كالساجد والسُّجَّد، والراكع والرُّكَّع، والغزو: قصدُ العدوِّ، والمغزى: القصد (٢). قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾: أي: هؤلاء القتلى ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لو لم يخاطروا لعاشوا. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: يقولون ذلك لأقاربِ القتلى ليكون ذلك حسرةً لهم (٣)، وهي أشدُّ الندامة التي تَقطع القوةَ ونحوَها، والحسرةُ على هذا للسامعين؛ أي: من أهل الإسلام (٤). وقيل: قالوا ذلك ليَجبن هؤلاء عن القتال من بعدُ، فلم يقبلوا قولهم فصار حسرةً للمنافقين. وقيل: هذه الحسرة لهم في القيامة. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: لا التَّوقِّي (٥) والتلقِّي. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وحمزةُ والكسائي بياء

стр. 1969

المغايَبة خبرًا عن المنافقين، وقرأ الباقون بتاء المخاطَبة للمؤمنين (١)، وكذا افتتاحُ الآية وما بعدَ هذه الآية، وهو وعد ووعيد. قال الكلبيُّ: نزلت في منافقي أهل الكتاب عبدِ اللَّه بن أبيٍّ، ومُعتِّبِ بن قُشيرٍ، وجَدِّ بن قيسٍ، قالوا لإخوانهم إذا سافروا وماتوا أو غَزَوا فقتلوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، واللَّهُ يحيي ويميت في الحضر والسفر. وقال عطاء: نزلت في المنافقين، قالوا فيمَن بعثهم النبيُّ ﷺ من السرايا إلى بئر معونةَ وإلى الرجيع فأصيبوا: لو كانوا عندنا ما أصيبوا، واللَّه يحيي قلوب أوليائه وأهلِ طاعته، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين والكافرين (٢). * * * (١٥٧) - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾: اللام في (لئن) لامُ القسم، وقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ جواب القسم باللام. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ بياء المغايَبة خبرًا عن المنافقين، والباقون بالتاء خطابًا للمؤمنين (٣). يقول: يا معشر (٤) المؤمنين، إنَّ ما تنالونه بالجهاد والشهادةِ فيه (٥) خيرٌ وأفضل وأنفعُ في الآخرة من مالٍ يُجمع في الدنيا الفانية.

стр. 1970

(١٥٨) - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ واللامان على ما مر في الآية الأولى، وقال الكسائي: لو تأخرتِ اللام الثانيةُ التي هي جوابٌ إلى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لكان بتشديد النون وحذفِ الواو، لأن الفعل المضارع في القَسَم يكون كذلك، فلما حوِّلت اللام إلى (إلى) بقيت كلمة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بحالها، وهو كقولك: لئن أحسنتَ إليَّ لأُحسننَّ إليك، فإذا حلت بينهما قلتَ: لئن أحسنتَ إليَّ لإليك أحسن. ومعنى الآية: إنكم إنْ (١) متُّم في بيوتكم بعد طولِ العمر، أو قُتلتم في سفرٍ أو حضرٍ، فالمحشرُ إلى اللَّه، وهو المُجازي بالأعمال، فلْيَخَفِ الخائفُ العقابَ لا الموتَ والقتلَ الذي لا بد منه. وقيل: ولئن متُّم أو قُتلتم يا معشر المؤمنين فمَرجعُ الجميع -الأولياءِ والأعداءِ- إلى اللَّه، فسيرى كلٌّ منكم عاقبةَ أمره، فيعلم (٢) المؤمن أن تعرُّضه للقتل بالجهاد لم يضرَّه بل ينفعُه (٣)، ويعلمُ الكافر أن توقِّيَه لم ينفعْه بل ضرَّه (٤). وقيل: أي: إذا لم يَقدِروا على ألَّا يُحشروا إليه فكيف يقدرون على دفع الموت أو القتل؟ وقال الإمام القشيري ﵀: إذا كان المصير إلى اللَّه طاب المسير إلى اللَّه (٥). * * *

стр. 1971

(١٥٩) - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: (ما) زائدةٌ؛ أي: فبرحمةٍ من اللَّه (١)، وكذا قولُه تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] و: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وهذه الزيادة للتأكيد. وقيل: (ما) اسمٌ، وتقديره: بسببٍ أو شيءٍ، ﴿رَحْمَةٍ﴾ ترجمةٌ له وبدلٌ عنه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عليك، ويحتمل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ على العالمين ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾، واللِّين في القول أنفذُ في القلوب، وأسرعُ إلى الإجابة، وأدعى إلى الطاعة، ولذلك أَمر موسى وهارون به فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] (٢). و ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لطَفْتَ (٣) في القول، يقول (٤): بفضل اللَّه وبرحمته (٥) لطفتَ للمنهزمين حين لقيتَهم فلم تُخاشنهم، وهو ثناءٌ عليه بحُسن الخلق. وقيل: هو تذكيرٌ له أنه من اللَّه لا من نفسه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾: قال الخليل: رجل فظٌّ: ذو فظاظةٍ -من حدِّ عَلِمَ-، وهو الذي في مَنْطِقة غظٌ وتجهُّم (٦).

стр. 1972

وقوله تعالى: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: أي: قاسيَ القلب غيرَ رقيق القلب. وقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: أي: لتفرَّقوا عنك، وقد فضضْتُ الشيءَ؛ أي: كسرتُه، فانفضَّ؛ أي: انكسر، وفي الكسر تفريقٌ، وفي الانكسار تفرُّقٌ. يقول: لو كنتَ فظًّا (١) غليظَ اللسان أو القلبِ وخاشَنْتَهم وعاتبتَهم على الانهزام لتفرَّقوا عنك هيبةً لك واحتشامًا مما كان منهم من تولِّيهم عنك. وقد رُوي أنه لمَّا راَهم لم يَزِدْ على قوله: "لقد ذهبتم فيها عريضةً" (٢). وقال لهم بالمدينة حين لقيهم: "أمَا إنهم لن ينالوا منكم مثلَها حتى يفتحَ اللَّه تعالى لكم عليهم" (٣). وقيل: في الآية مدحٌ له بحسنِ الخلُق في كلِّ (٤) حالٍ، لا في حقِّ هؤلاء على الخصوص، ثم أمَره بالدوام عليه وذلك: قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: أي: لا تؤاخذهم بما كان منهم ولا تعيِّرهم به (٥) ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ مني تطييبًا لأنفسهم. وقيل: فائدة الجمع بين الكلمتين: كمالُ اللطف بالمؤمنين، يقول: قد جَنَوا في حقِّك، فأنا أشفعُ إليك فيهم، فاعفُ عنهم، وجنَوا في حقِّي فاشفَعْ إليَّ أنت فيهم واستغفرْ لهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هي أرجى آيةٍ في القرآن، وكذا قولُه:

стр. 1973

﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، أمَره بالاستغفار لهم، ولا يُظنُّ به أنه لم يفعل ولا يُظنُّ باللَّه أنه يأمره بالاستغفار لهم ثم لا يغفر لهم إذا استغفر لهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: ردَّهم إلى مراتبهم في مشاوَرتهم واستشارتهم في الأمور، والمشاورةُ بين الاثنين والجمع، والاستشارة: طلبُ المشورة وسؤالُها، والمشورةُ الاسمُ على ميزان المعُونة هي اللغة الصحيحة، والمَشْوَرة على المَفْعَلة لغةٌ ضعيفة، وهو طلب الإشارة إلى ما يقع في رأيه وعقله من الصواب. وقيل: هي من شَوْر الدابة وهو عرضُها. وقيل: هي من شَوْر (٢) العسل وهو اجتناؤه. ويحتمِل أنه لمَّا عفا عنهم واستغفر لهم بالأمر قصد بقلبه ألَّا يشاورَهم بعد هذا، فقد شاورهم في (٣) أن لا يخرجوا من المدينة فأحبُّوا الخروج حرصًا على الجهاد، وكان الصواب أنْ لا يخالفوا رأيه، فلمَّا خالفوا (٤) همَّ ألا يشاورَهم بعدُ، فأمره اللَّه تعالى بها تطييبًا لقلوبهم؛ ليعرِفوا أنه راضٍ عنهم لم يبق في قلبه شيءٌ مما يرجع إلى أذاهم، ولمَّا بيَّن اللَّه عز وعلا أن أصحابه يتفرَّقون عنه لو كان فظًّا غليظَ القلب (٥) مع أن اتِّباعه دِينٌ ومفارقتَه كفرٌ، فكيف يَتوقع مَن يعاملُ الناس خشونة اللفظ وقسوةِ القلب أن ينقاد الناسُ كلُّهم له ويتابعوه (٦) ويطاوعوه؟

стр. 1974

وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: فيه وجوه: أحدها: أنه لا يجوز أن يأمرَه بالمشاورة فيما فيه النصُّ، وإنما يأمره بها فيما لا نصَّ فيه، ففيه دليلُ جواز العمل بالاجتهاد. والثاني: لا يخلو أمرُه بها: إما أن يكون لعظيم قَدْرهم عند اللَّه، أو لفضل عقلٍ، وكيفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسوُّوا أنفسَهم بهم، ولا جائزٌ أن يأمره بمشاورة أصحابه ثم لا يعملَ برأيهم، دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحقُّ معهم (١) لا يشذُّ عنهم (٢). وقوله تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: فإذا عزمتَ على إمضاءِ ما أشاروا عليك به فلا تعتمِدْ عليهم بل اعتمد على اللَّه، وهو يوضح ما قلنا: أن استشارته إياهم لم تكن لحاجته إليها بل لتألُّفهم وتلطُّفهم. وقال الحسن: إن النبي ﷺ كان غنيًّا عن مشاورتهم، ولكن أحب اللَّه تعالى أن يَستنَّ به الحكَّامُ بعده (٣). وقال أبو عِصمةَ نوحُ بن أبي مريم: كانت العرب إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرًا دونهم شقَّ عليهم، فأمر اللَّهُ تعالى نبيَّه أن يشاورَهم في الأمر ليكون أعطفَ لقلوبهم عليه. وقال أبو هريرة ﵁: ما رأيتُ أحدًا أكثرَ مشاورةً لأصحابه من رسول اللَّه ﷺ (٤).

стр. 1975

وقال ﵊ (١): من الحزم أن تستشيروا ذوي الرأي وتطيعوهم فيه (٢). وقال ﵇: ما تشاور (٣) قومٌ قطُّ إلا هُدوا لأَرْشدِ أمرهم (٤). وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٥): أبا بكر وعمر (٦). والتوكُّل في الأمر: هو تفويضُ الأمر إلى اللَّه، والاعتمادُ على كفايته، وقد وَكَل أمرَه إلى فلان يَكِلُه إليه؛ أي: فوَّضه إليه. وقيل: حَسْبُك من التوكُّل أنْ لا تَطلبَ لنفسك ناصرًا غيرَ اللَّه، ولا لرزقك خازنًا غيرَه، ولا لعملك شاهدًا غيره. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: أي: يُثْني عليهم ويَرْضَى عملَهم ويُحسِن إليهم ثوابهم. وقال الإمام القشيري ﵀: حقيقة التوكُّل: شهودُ التقدير، وإراحة القلب عن كدِّ التدبير، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أي: يذيقُهم بَرْدَ الكفاية

стр. 1976

ليزولَ عنهم كلُّ تعبٍ ونصَبٍ وأنه يعامل كلًّا بما يستوجبه، فقومٌ يُغْنيهم عند توكلهم بعطائه، وآخرون يكفيهم عند توكُّلهم بغطائه وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفوا ببقائه، ويقفوا معه به له (١) على تلوينات قدَره وقضائه (٢). * * * (١٦٠) - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: النصر (٣) نوعان: معونةٌ ومنعٌ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾: الخذلان: ترك النُّصرة، و (مَن) استفهامٌ لتقرير النفي، لأن جوابه يكون بالنفي فأغنى ذكرُه عن ذكره، و ﴿ذَا﴾ بمنزلة اسمٍ هو خبرٌ للابتداء (٤)، و ﴿الَّذِي﴾ نعته، و ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ كناية عن الخذلان. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: تقريرٌ للأمر بالتوكُّل، وبيانٌ للمعنى الموجِبِ للتوكُّل الداعي إليه. قال القشيري ﵀: حقيقةُ النصرة أن ينصرك على نفسك فإنها أعدى عدوِّك، وهي أن يهزم عنك (٥) دواعيَ فتنتها بعواصم رحمته، حتى تنفضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات، فتبقى الولاية للَّه تعالى خالصةً من رُعونات الدواعي التي هي أوصاف البشرية وشهواتُ النفوس.

стр. 1977

﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الخذلان: التخلية بينه وبين المعاصي، فمَن نصَره قبَض على يديه عند الهمِّ بتعاطي المكروه، ومَن خذله ألقى حبلَه على غاربه ووكَله إلى سوء اختياره، فيهيم على وجهه في فيافي البُعد، فتارةً يشرِّق غيرَ محتشِم، وتارةً يغرِّب غيرَ محترم، ومَن نسيه (١) الحق فلا آخِذَ بيده ولا جابِرَ لكسره. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في وجدان الأمان من هذه الأخطار عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على الإجرام عند خُلوص الالتجاء (٢) بالتبرِّي من الحول والقوة (٣)، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. * * * (١٦١) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء وضمِّ الغين، ومعناه: يخون في المغنم، وقد غَلَّ يَغُلُّ غُلولًا من حدِّ دَخَل، فأما الغِلُّ الذي هو الضِّغنُ فصَرْفُه من حدِّ ضرَب، والإغلال: الخيانة في كلِّ شيء؛ وقال (٤) النبيُّ ﵇: "لا إغلالَ ولا إسلال" (٥)؛ أي: لا خيانةَ ولا سرقة. وقرأ الباقون: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء وفتح الغين (٦)، وله وجهان:

стр. 1978

أحدهما: أنه فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من غَلَّ؛ أي: خان؛ أي: ما ينبغي أن يَخُونه أحد. والثاني (١): أنه فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من أَغَلَّه؛ أي: وجده غالًّا خائنًا؛ أي: ما (٢) ينبغي لنبيٍّ أن يوجَد خائنا. وسببُ نزول الآية -وبه يَظهر تفسيرُه-: أن الذين كانوا مع عبد اللَّه بن جبيرٍ يوم أحد من الرماة كان السببُ في إخلالهم بمراكزهم أنهم لمَّا رأوا انكشاف (٣) المشركين تبادروا إلى الغنيمة خوفًا من أن يستوليَ عليها غيرهم من المسلمين، فأنزل اللَّه هذه الآية (٤). ومعناه واللَّه أعلم: وما ينبغي لنبيٍّ ولا يَحلُّ له أن يخون في الغنيمة، أو يرضى من أصحابه بالخيانة، وأن يأخذوا أكثرَ مما جعله (٥) اللَّه لهم، فما ينبغي لكم معاشرَ الرماة أن تخلُّوا بمصافِّكم خِيفةَ فَوَات حِصَصِكم من الغنيمة، ونظيرُ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]؛ أي: ما يحلُّ، فكذا قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما حلَّ له، وإذا لم يحلَّ له لم يفعل. وقيل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما كان من صفته أن يغلَّ؛ لأن الأنبياء ﵈ معصومون عن مثله، ونظيره: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]؛ أي: لا يكون هذا من صفة اللَّه تعالى. وقال ابن عباس ﵄: نزلت الآية في قطيفةٍ حمراءَ فُقدت، فقال

стр. 1979

المنافقون: لعل رسول اللَّه ﷺ أخذها، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية فبرَّأه من هذه الصفة (١).

стр. 1980

وقال محمد بن إسحاق: معناه: ما كان لنبيٍّ أن يكتم شيئًا من وحي اللَّه (١)؛ لأنهم كانوا يكرهون ما يُذكر في القرآن من عيبِ آلهتهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وسألوه أن يطويَ ذلك، فأنزل اللَّه لعالى هذه الآية. وقيل: لمَّا ألحَّ عليه الأقوياءُ يسألونه من المغنَم نزلت الآية؛ أي: ما كان له أن يعطيَ قومًا ويمنعَ آخرين (٢). وقال مقاتل: لمَّا ترك الرماةُ المركزَ، وقالوا: نخشى أن يقول النبيُّ ﵇: مَن أَخذ شيئًا فهو له، فقال (٣) لهم النبيُّ ﷺ : "ألم أعهد إليكم أن لا تَبْرَحوا (٤) المركز حتى يأتيَكم أمري"، قالوا: تركنا إخواننا وقوفًا، قال: "بل ظننتم أنَّا (٥) نَغُلُّ" فنزلت هذه الآية (٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: يأتِ به حاملًا (٧) له

стр. 1981

فيَفْتضِح بحمله على رؤوس الأشهاد، وهو قوله (١) ﵇: "مَن غصَب شبرًا من أرضٍ طوَّقه اللَّه يوم القيامة من سبع أرضين" (٢). وقال ﵇ لأبي هريرة ﵁: "لا تخبَأنَّ (٣) من أميرك شيئًا من الغنائم، إذًا (٤) تخرج يوم القيامة وهو متعلِّقٌ بثيابك ولو كانت إبرةً" (٥). وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ أي: بوِزْرِه. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: أي: من خيرٍ وشرٍّ ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يُنقصون من جزاء أعمالهم. وقيل لأبي هريرة ﵁: كيف يأتي بما غَلَّ وهو كثيرٌ كبير بأنْ غلَّ أموالًا جَمَّةً؟ فقال: أرأيتَ مَن كان ضرسه مثلَ أحدٍ، وفخذُه مثلَ وَرِقانَ، وساقُه مثلَ جبلٍ (٦)، ومجلسُه ما بين المدينة إلى الرَّبَذة، ألَا يَحمل هذا (٧).

стр. 1982

(١٦٢) - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: قال الكلبيُّ والضحَّاك: أي: بتركِ الخيانة ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: احتَمَل ما فيه سخطُ اللَّه تعالى بالغلول (١)، وهذا استفهامٌ في معنى النفي؛ أي: لا يستويان. وقال الزجَّاج: إن النبيَّ ﷺ قال لهم يوم أحدٍ: "اتَّبعوني في طلبِ العدوِّ"، فتبعه قومٌ منهم وقعد آخرون (٢) من المنافقين، فنزلت هذه الآية (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾: ترجع الكنايةُ إلى مَن باء بسخطٍ من اللَّه. وقال عطاء: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ هم المهاجرون والأنصار ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هم المنافقون والكفار (٤). وقال القشيري ﵀: أفمَن ﵁ في آزاله، وجعله شاهدًا لأفضاله

стр. 1983

في جميع أحواله، كمَن خذله فجعله متَّكلًا على أعماله، متزحزحًا عن محالِّ (١) إقباله، كلَّا ليس الأمر كذلك (٢). ونظير هذه الآية قولُه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. * * * (١٦٣) - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾: قال الحسين بن الفضل: أي: هم طبقات. وقيل: فيه إضمار؛ أي (٣): هم ذوو درجات؛ أي: مراتبَ. ويجوز أن يكون للفريقين جميعًا، قال الكلبي: أهل الجنة بعضُهم أرفعُ من بعضٍ وكلٌّ في كرامةٍ، وأهلُ النار بعضهم أشدُّ عذابًا من بعضٍ وكلٌّ (٤) في هوان (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: وعدٌ للمتابعين ووعيدٌ للمخالفين. * * * (١٦٤) - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 1984

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: (قد) كلمةُ التحقيق واللام لزيادة التأكيد (١). و ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: تفضَّل اللَّه على أهل الإيمان بنبيِّه الذي وصفه باللِّين والخلُق العظيم وتركِ الفَظاظة والغِلْظة. وقوله تعالى: ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: أي: من نسَبهم، وجميعُ العرب من قراباتِ أبيه أو أمِّه. وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من جنسهم لا من الملائكة وغيرِهم، وهو إجابة دعاء الخليل صلوات اللَّه عليه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]. والمنَّة في ذلك من وجوه: أحدها: أنهم كانوا عرَفوا مولده ومنشأه وصدقَه وأمانته وطهارةَ أخلاقه، فاندفع بذلك كثير من الخواطر التي تقع للإنسان لو كان المبعوثُ غريبًا يجهلون أصله وأخلاقه. ومنها: أن لهم شرفًا بكونه من نسَبهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وأيُّ شرفٍ فوق هذا: أنه ظهر منهم رسولٌ له معجزات، وهو أجلُّ الأنبياء كراماتٍ؟ ومنها: أنه كان بلسانهم، فكان ذلك أقربَ إلى الأخذ منه، وتفهُّم أحكام اللَّه تعالى عنه. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: أي القرآن، و: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ أي:

стр. 1985

ويطهِّرهم بالإيمان، ويُثْني عليهم، ويشهد لهم بأنهم أزكياءُ؛ قال النبيُّ ﷺ : "خيرُ الناس قَرْني الذي أنا فيه (١) " الحديثَ (٢). وقال الفرَّاء: يأخذ منهم الزكاةَ فيطهِّرُهم بها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب: القرآن، والحكمة: السنَّة، وفيها أقاويلُ أُخر ذكرناها في سورة البقرة في (٤) نظير هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: له وجهان: أحدهما: أن (إنْ) واللام كلاهما للتأكيد كما في المشدَّدة. وقيل: (إنْ) للنفي واللام في معني (إلا)، وكذا في كلِّ آيةٍ على هذا الوجه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] و: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]. * * * (١٦٥) - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: الألف ألفُ الاستفهام

стр. 1986

بمعنى الاستنكارِ لِمَا أنكروه مما أصابهم يومَ أحد من الجَرح والقتل ونحوِ ذلك، والواوُ لعطف جملةٍ على جملةٍ، وهو وصل التقريع بالخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقةٍ واحدة. وقوله تعالى: ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: بليَّة أصابتكم، وقولُه تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾؛ أي: نلتُم من الكفار ضعفَ ذلك، وقال أكثر المفسرين: قَتل الكفَّارُ يومَ أحد من المسلمين سبعين، وكان المسلمون قتلوا من الكفار يوم بدرٍ سبعين وأَسروا سبعين وذلك مِثْلاه. وقال ابن عباس ﵄: أي: أصبتُم منهم يومَ بدرٍ ويومَ أحدٍ في أولِ الأمر، فذاك مرتان وهم أصابوا مرةً (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾: أي: قال بعضُكم (٢): كيف هذا؟ ومن أين هذا؟ لمَ غلبونا وهم مبطِلون ونحن محقُّون؟! وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: قل يا محمدُ هو بعصيانكم، ولولاه لنُصرتم عليهم ثالثةً كما نُصرتم أُولَى وثانيةً. ثم هذا العصيان عند الكلبي: هو تركُ الرماة المركزَ (٣). وعند قتادة: هو خروجهم من المدينة مع إشارة النبي ﵇ بالتحصُّن فيها، ورغبتُهم في الجهاد والشهادة (٤).

стр. 1987

يقول: بأن (١) أصابتكم نكبةٌ منهم وقد كنتُم أصبتُم مثلَيها منهم تُنكرون هذا، وليس هذا موضعَ الإنكار، فإنكم أصبتُم منهم ضعفَ ذلك، يقولون: لمَ أصابنا هذا؟ أصابكم بشؤم فعلِكم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: هذا ظاهر. * * * (١٦٦) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: أي: اجتمع الجيشان يومَ أحد. وقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: فبعِلْم اللَّه ذلك (٢) وقضائه. وقيل: بتخْلِيَته وتمكينه من الفعل، ولا يجوز أن يكون بمعنى الأمر (٣). وفي هذه الآية والآية التي قبلها إثبات صحة مذهب أهل السنة، فإنه قال: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو إثبات فعل العبد، وقال: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو إثبات تخليق اللَّه تعالى ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: ابتلاهم بذلك ليعلم إيمانهم موجودًا حال وجوده كما عَلِم قبلَ (٤) وجوده أنه يوجد، وكذلك: * * * (١٦٧) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ

стр. 1988

قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ وقد مرَّ تقريره مراتٍ. ومعنى الآية: كان اللَّه تعالى عالمًا بما يصيبكم قبل أن أصابكم، وإنما خلَّى بينهم وبينكم ليتميَّز المؤمنون (١) من المنافقين، فيَظهرَ صبرُ الصابرين فيؤجَروا به، فيعلموا (٢) أن ذلك أصابهم بعصيانهم فيتوبوا، ويظهرَ من المنافقين ما عَلم اللَّه منهم من الشماتة وسوءِ القول، فتنكشفَ أسرارهم ويعرفَهم المسلمون فيقطعوا (٣) موالاتهم، ويستوجبَ الفريقان الجزاءَ بعملهم لا بعلم اللَّه تعالى فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: أي: قيل للمنافقين: هلموا ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهدوا ﴿ادْفَعُوا﴾؛ أي: إن لم تقاتلوا فاحضروا الوقعة وكثِّروا السوادَ؛ ليصير ذلك دفعًا لهم عنا (٤) بغيرِ قتال. وقيل: أي: ادفعوا العدوَّ عن أنفسكم. وقيل: أي: عن أموالكم وذراريكم. وقيل: أي: عن دينكم. وقيل: (أو) بمعنى الواو. فلم يرغبوا فيه واعتلُّوا، وذلك:

стр. 1989

قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾: قد ذكرنا أن هذا قولُ عبد اللَّه بن أبيٍّ حين انصرف قبل القتال في ثلاثِ مئة رجل، فدعاه بعض المخلِصين إلى الرجوع فقال ذلك. وقوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ كلمتان: (يومَ) للظرف، و (إذٍ) للوقت، والتنوينُ أُقيم مقام المحذوف بعده، وتقديره: يومَ إذ قالوا ذلك، وكذلك ﴿إِذًا﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] تقديره: تلك إذَا كان ذلك. ومعناه: هم بهذا الإظهارِ إلى الكفر أقربُ منهم للإيمان (١)؛ إذ كانوا قبلَ ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الإيمان أقربَ، حتى هتكوا أستارهم عند مَن كان يخفَى عليه حالُهم من المؤمنين الذين يُحسنون بهم الظنَّ، فأما في الحقيقة فهم كفارٌ قطعًا. واللام بمعنى (إلى) في الكلمتين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]؛ أي: تُصرف إلى الفقراء، وقال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، وقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]؛ أي: ينادي إلى الإيمان. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: جمع فمٍ، وأصله: فُوْه، وتصغيره: فُوَيْهٌ، والجمع: أفواهٌ، والنعت: أَفْوَهُ، والأنثى: فَوْهاء، والفعلُ منه: تَفَوَّهَ بكذا؛ أي: تكلَّم، سقطت الهاء من آخر الفُوه تخفيفًا لكثرة الاستعمال، فبقي ناقصًا آخرُه حرفُ علة، فأُبدل بالميم فقيل: الفم، ثم أُعيدت الواو والهاء في التصغير والفعلِ والجمع؛ لأنَّه لا يَكثر استعمالها فأعيد الاسم إلى الأصل. وقوله تعالى: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ تأكيدٌ، والقول لا يكون إلا بالفم؛ أي: باللسان

стр. 1990

الذي في الفم حقيقة في المتكلم (١) بالآلة، وهو كقوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] و: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقيل: قيّد بالأفواه نفيًا للمجاز وتحقيقًا للمذكور؛ لأن ما في النفْس يسمَّى قولًا، وكذا الإخبارُ بالكتابة يسمَّى قولًا مجازًا. ثم قولُه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قيل (٢): أي: يقولون: لا تقع الحرب، وفي قلوبهم أنها تقع. وقيل: أي: يُظهرون الإيمان بألسنتهم وليس ذلك في قلوبهم. وقيل: أي: يقولون بالألسنة: نحن أنصارٌ، وهم أعداء. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: أي: يُخفون من النفاق. * * * (١٦٨) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: قيل: هو نعتٌ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ ومحلُّه نصبٌ. وقيل: هو رفعٌ، ويرجع إلى قوله: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ (٣). وقيل: هو خبرُ ابتداء، وتقديره: هم الذين.

стр. 1991

أي: قال هؤلاء المنافقون لعشائرهم ﴿وَقَعَدُوا﴾ أي: وتخلَّفوا عن الجهاد: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ أي: المستشهَدون فلم يخرجوا ولم يشهدوا القتال ﴿مَا قُتِلُوا﴾؛ أي: لم يُستشهَدوا وكانوا (١) أحياءً. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: قل يا محمد: فادفعوا عن أنفسكم الموت إذ لم تحضروا القتال إنْ صدَقتم أنَّ مَن لم يشهد القتال حيٌّ فلم يَتلَفْ، وهذا ردٌّ عليهم ما قالوه من الكلام. وقال أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير أنه مات يوم قالوا هذه الكلمة سبعون منافقًا ممن لم يخرجوا إلى الحرب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذه الآيةُ تردُّ على المعتزلة قولَهم: إنَّ مَن قُتل مات قبل أجَله (٢). * * * (١٦٩) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾: هذا نهيٌ مؤكَّد بالنون المشدَّدة، وهو خطاب للنبيِّ ﵇. وقرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصمٌ غير الأعمش: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بفتح السين والباقون بكسرها (٣)، وهما لغتان.

стр. 1992

يقول: لا تظنَّنَّ المستشهَدين في سبيل اللَّه (١) طلبَ رضَى (٢) اللَّه أمواتًا. قال أبو الضُّحى: نزلت في قتلى أحد، قُتل يومئذ سبعون رجلًا: أربعةٌ من المهاجرين: حمزةُ ومصعبُ بن عمير، وشمَّاس بن عثمان المخزوميُّ، وعبد اللَّه بن جحشٍ الأسديُّ، وسائرهم من الأنصار (٣). ولمَّا قتلوا وأصابوا الرزقَ والخيرَ تمنَّوا أن أصحابهم علِموا ذلك، فقال اللَّه تعالى: أنا أبلِّغهم عنكم، فنزلت الآية (٤). وقال الكلبي: كان المسلمون يقولون لشهداء بدر وأحد: مات فلان، ومات فلان، فنزلت الآية. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: أي: بل هم أحياء. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: قيل: أي: في حكم اللَّه، وقيل: أي: في الجنة. وروي (٥) أنَّ أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ ترعَى في الجنة بالنهار حيث

стр. 1993

تشاء، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ بالعرش، يقول اللَّه تعالى لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقتلَ في سبيلك مرة أخرى (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هذه الحياة هي بقاء الذكر والشرف في أهل السماء والأرض. وقيل: هي جرَيان أعمالهم بعد موتهم. وقيل: لأنهم أحيَوا أنفسهم في حق الآخرة، والكفارُ أماتوها. وقيل: لأنهم انتفعوا بحياتهم الفانية والكفارُ لم ينتفعوا بها (٢) فكانوا موتى، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٣). وقوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ هو ما روَينا الآن، وقال ابن عباس ﵄: الشهداء على نهرٍ يقال له: بارِقٌ، في قبةٍ خضراءَ يخرج إليهم رزقُهم فيها (٤) بكرةً وعشيةً (٥)، وليس ثَمَّ (٦) بكرةٌ ولا عشيَّةٌ، ولكنْ يؤتَون بالرزق على قَدْرِ غَداةِ الدنيا

стр. 1994

وعشيِّها (١)، فإذا كان يومُ القيامة قال اللَّه تعالى لملائكته: ادعوا إليَّ خيرتي مِن خلقي، فيقولون: يا رب! مَن هم؟ فيقول: الشهداء الذين بذلوا دماءهم وأموالهم وأنفسَهم فيَّ، فيمرُّون إلى ربِّ العزة (٢) وسيوفُهم على أعناقهم، فيدخلون مساكنهم في الجنة. وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ سأل جبريل عن قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]: "مَن هؤلاء؟ قال: هم الشهداء، وهم متقلِّدو السيوفِ (٣) حول العرش" (٤). وقال جابر: يا رسول اللَّه، إن أبي قُتل وترك عليَّ بناتٍ، فقال: "يا جابر، إن اللَّه كلَّم أباك كفاحًا فقال: يا عبد اللَّه سَلْني ما شئتَ، قال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتلَ فيك ثانيًا، قال: يا عبد اللَّه، إني قضيتُ أنْ لا أُعيد إلى الدنيا خليقةً قبضْتُها، قال: يا ربّ، فمَن يبلِّغُ قومي ما أنا فيه من الكرامة؟ قال: أنا، فأنزل اللَّه هذه الآية" (٥). * * * (١٧٠) - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: نصب على الحال من ﴿يُرْزَقُونَ﴾؛ أي: مسرورين.

стр. 1995

وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: يُسرُّون بالبشارة ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: بمن بقي خلفَهم. قال الحسن: يقولون: تركنا إخواننا في الصفوف يقاتلون العدوَّ فيُقتلون إن شاء اللَّه فيلحقون بنا، فيصيبون من الكرامة ما أصبنا (١). وقوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: أي: ينالون هذا. * * * (١٧١) - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾: أي: يُسرُّون بما أنعم اللَّه عليهم من الثواب، وبما تفضَّل عليهم من زيادة الكرامة، وجمع بينهما لأنها (٢) ليست بنعمةٍ مضيَّقة على مقدار الكفاية من غيرِ مضاعفة السرور واللذة. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: قرأ الكسائي: ﴿وَأَنَّ﴾ بالكسر على الاستئناف، والباقون بالفتح (٣) على معنى: وبأن اللَّه؛ أي: علِموا بأن اللَّه لا يُضيع ثوابَ عملهم، وقد كانوا علِموا قبل ذلك علمَ استدلالٍ والآن علِموا علمَ عِيانٍ. * * * (١٧٢) - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 1996

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخفوضًا نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويجوز أن يكون مرفوعًا بالابتداء وخبرُه: ﴿للَّذِينَ. . .﴾ إلخ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المدح. وهذا في حقِّ الذين خرجوا إلى غزوة حَمْراء الأسد (١) بعد غزوةِ أحد؛ لأن النبيَّ ﷺ دخل المدينة قافلًا من أُحدٍ يومَ السبت، وأَمر يومَ الأحد بطلب العدو، وقال: "رَحِمَ اللَّه مَن (٢) انتَدب، حتى يعلمَ المشركون أنَّا لم نُستأصَلْ، وأنَّ فينا بقيةً" فانتَدبوا وبهم الجراح حتى بلغوا حمراء الأسد ثم انصرفوا وقد فاتهم أبو سفيان وأصحابه (٣) والمشركون وكان المسلمون سبعون رجلًا ونحوها. ومعنى قوله: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: أجابوا رسولَ اللَّه في اتِّباع العدو، فإن دعوته بهم (٤) دعوة اللَّه، فكانت إجابته إجابة اللَّه. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: أي: الجَرح في غزوة أحد، وبهم أثر ذلك، فاحتملوه ونَشِطوا في ذلك طلبًا لرضاء اللَّه، وقد رُوي أنه كان فيهم مَن يحملُ صاحبَه عقبةً ويحملُه صاحبُه عقبةً لِمَا به، ومنهم مَن يتوكَّأُ على صاحبه ساعةً، ويتوكأُ عليه صاحبُه ساعةً. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي قد أَحسنوا فيما فعلوا واتَّقوا فلهم على ذلك أجرٌ عظيمٌ لا يَعرف مقدارَه إلا اللَّه.

стр. 1997

وقيل: لمَن أحسَنَ العمل منهم فيما بقيَ واتقَى ارتكابَ ما يُحبط هذا الفعلَ أجرٌ عظيم في الآخرة. * * * (١٧٣) - ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾: يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، ويجوز أن يكون مبتدأً. وقصة ذلك (١) ما قال ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان يوم أحدٍ حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعدُ ما بيننا وبينك موسمُ بدر الصغرى لقابلٍ (٢) إن شئتَ، فقال النبيُّ ﵇: "ذلك بيننا وبينك إن شاء اللَّه"، فانصرف أبو سفيان إلى مكة فلقي نُعيم بنَ مسعود الثقفيَّ، فقال: يا نعيم، إني واعدتُ محمدًا وأصحابه أن نلتقيَ موسم بدر الصغرى، فبدا لي بعد ذلك ألا أخرجَ إليها، وأَكرهُ أن يخرجَ محمد وأصحابه ولا أخرجَ فيزيدَهم ذلك جرأة (٣)، وإن كان الخُلف من قِبَلهم فهو أحبُّ إليَّ، فلك عشرةٌ من الإبل إن حبَسْتَه فلم يخرج. فقدم نعيمٌ المدينة وهم يتجهَّزون لميعادِ أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ قالوا: واعَدَنا أبو سفيان بموسم (٤) بدر الصغرى، فقال: بئس الرأيُ رأيتُم، أتَوْكم

стр. 1998

في دياركم وقراركم فلم يُفلتْ منكم إلا شريدٌ (١) وتريدون أن تخرجوا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لأَخرجنَّ ولو لم يخرج منكم (٢) معي أحدٌ" فخرج رسول اللَّه ﷺ ومعه سبعون رجلًا حتى وافَوا بدرًا الصغرى، فلم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال، ثم انصرفوا (٣). فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ على هذه الرواية اسمٌ للواحد وهو نعيمٌ، وهو (٤) جمعٌ أريد به الواحد، وطريقه (٥) طريقُ مَن انتظر قومًا فجاء واحد، فقال: جاء الناس، إما تفخيمًا للشأن، وإما ذكرًا لابتداء الإتيان، أو لأن الواحد يكون له أتباعٌ فقولُه قولُهم. وقيل: هو على حقيقةِ الجمع، وهم (٦) ركبٌ من خُزاعة فيهم معبدُ بنُ أبي معبدٍ الخزاعي (٧).

стр. 1999

قال عطاء: إن قومًا من بني عبد قيس وهم مسلمون أرادوا المدينة، فمروا بأبي سفيان فقال لهم: إنكم تمرُّون بمحمدٍ، فأريد أن تبلِّغوه مني رسالةً ولكم عليَّ حملُ زبيبٍ بعكاظ (١)، تقولون له: قتلنا خيارَ أصحابك وجرَحنا سائرهم، ولنَرْجعن حتى نجتثَّ مَن بقي، ففعلوا ورأسُهم معبدُ بن أبي معبدٍ الخزاعي، وهو يومئذٍ مشرك، فقال النبيُّ ﷺ : "حسبُنا اللَّه ونعم الوكيل" (٢).

стр. 2000

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ أي: أبا سفيان وأصحابَه جمعوا لكم الجموعَ؛ أي: الجيوش. وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: أي: فاحذروهم فإنكم لا تقاومونهم. قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: (زاد) يتعدَّى إلى مفعولين، والإيمان هو اليقين هاهنا، وفاعل (زاد) هو: قولهم، وهو غيرُ مذكور، ولكن دل على هذا الإضمار الفعلُ، وهو قوله : ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وهو كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه... وخالفَ والسفيهُ إلى خلافِ (١) أي: جرى إلى السَّفَه. ومعنى زيادةِ اليقين بقولهم: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ ونحوِ ذلك: أنهم وجدوا الأمرَ على ما قال لهم رسول اللَّه ﷺ ، لا على ما قال أولئك. وقيل: زادهم جرأةً (٢) وقوةً ولم يخافوا بتخويفهم. وقيل: لمَّا قالوا ذلك كذَّبوهم وأجابوا دعوة الرسول وصدَّقوا وعده. وقيل: أخبرهم النبيُّ ﵇ بتفرُّق الأعداء، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع، فوجدوا الأمر على ما قال النبي ﷺ (٣). وقيل: لمَّا لم يضعفوا ولم يجبُنوا بقولهم، أنزل اللَّه السكينة في قلوبهم فازدادوا يقينًا وتصديقًا.
следующие страницы →