← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: يجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخفوضًا نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويجوز أن يكون مرفوعًا بالابتداء وخبرُه: ﴿للَّذِينَ. . .﴾ إلخ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المدح. وهذا في حقِّ الذين خرجوا إلى غزوة حَمْراء الأسد (١) بعد غزوةِ أحد؛ لأن النبيَّ ﷺ دخل المدينة قافلًا من أُحدٍ يومَ السبت، وأَمر يومَ الأحد بطلب العدو، وقال: "رَحِمَ اللَّه مَن (٢) انتَدب، حتى يعلمَ المشركون أنَّا لم نُستأصَلْ، وأنَّ فينا بقيةً" فانتَدبوا وبهم الجراح حتى بلغوا حمراء الأسد ثم انصرفوا وقد فاتهم أبو سفيان وأصحابه (٣) والمشركون وكان المسلمون سبعون رجلًا ونحوها. ومعنى قوله: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ﴾؛ أي: أجابوا رسولَ اللَّه في اتِّباع العدو، فإن دعوته بهم (٤) دعوة اللَّه، فكانت إجابته إجابة اللَّه. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: أي: الجَرح في غزوة أحد، وبهم أثر ذلك، فاحتملوه ونَشِطوا في ذلك طلبًا لرضاء اللَّه، وقد رُوي أنه كان فيهم مَن يحملُ صاحبَه عقبةً ويحملُه صاحبُه عقبةً لِمَا به، ومنهم مَن يتوكَّأُ على صاحبه ساعةً، ويتوكأُ عليه صاحبُه ساعةً. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي قد أَحسنوا فيما فعلوا واتَّقوا فلهم على ذلك أجرٌ عظيمٌ لا يَعرف مقدارَه إلا اللَّه.

стр. 1997

وقيل: لمَن أحسَنَ العمل منهم فيما بقيَ واتقَى ارتكابَ ما يُحبط هذا الفعلَ أجرٌ عظيم في الآخرة. * * * (١٧٣) - ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾: يجوز أن يكون نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، ويجوز أن يكون مبتدأً. وقصة ذلك (١) ما قال ابن عباس ﵄: أن أبا سفيان يوم أحدٍ حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعدُ ما بيننا وبينك موسمُ بدر الصغرى لقابلٍ (٢) إن شئتَ، فقال النبيُّ ﵇: "ذلك بيننا وبينك إن شاء اللَّه"، فانصرف أبو سفيان إلى مكة فلقي نُعيم بنَ مسعود الثقفيَّ، فقال: يا نعيم، إني واعدتُ محمدًا وأصحابه أن نلتقيَ موسم بدر الصغرى، فبدا لي بعد ذلك ألا أخرجَ إليها، وأَكرهُ أن يخرجَ محمد وأصحابه ولا أخرجَ فيزيدَهم ذلك جرأة (٣)، وإن كان الخُلف من قِبَلهم فهو أحبُّ إليَّ، فلك عشرةٌ من الإبل إن حبَسْتَه فلم يخرج. فقدم نعيمٌ المدينة وهم يتجهَّزون لميعادِ أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ قالوا: واعَدَنا أبو سفيان بموسم (٤) بدر الصغرى، فقال: بئس الرأيُ رأيتُم، أتَوْكم

стр. 1998

في دياركم وقراركم فلم يُفلتْ منكم إلا شريدٌ (١) وتريدون أن تخرجوا؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لأَخرجنَّ ولو لم يخرج منكم (٢) معي أحدٌ" فخرج رسول اللَّه ﷺ ومعه سبعون رجلًا حتى وافَوا بدرًا الصغرى، فلم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال، ثم انصرفوا (٣). فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ على هذه الرواية اسمٌ للواحد وهو نعيمٌ، وهو (٤) جمعٌ أريد به الواحد، وطريقه (٥) طريقُ مَن انتظر قومًا فجاء واحد، فقال: جاء الناس، إما تفخيمًا للشأن، وإما ذكرًا لابتداء الإتيان، أو لأن الواحد يكون له أتباعٌ فقولُه قولُهم. وقيل: هو على حقيقةِ الجمع، وهم (٦) ركبٌ من خُزاعة فيهم معبدُ بنُ أبي معبدٍ الخزاعي (٧).

стр. 1999

قال عطاء: إن قومًا من بني عبد قيس وهم مسلمون أرادوا المدينة، فمروا بأبي سفيان فقال لهم: إنكم تمرُّون بمحمدٍ، فأريد أن تبلِّغوه مني رسالةً ولكم عليَّ حملُ زبيبٍ بعكاظ (١)، تقولون له: قتلنا خيارَ أصحابك وجرَحنا سائرهم، ولنَرْجعن حتى نجتثَّ مَن بقي، ففعلوا ورأسُهم معبدُ بن أبي معبدٍ الخزاعي، وهو يومئذٍ مشرك، فقال النبيُّ ﷺ : "حسبُنا اللَّه ونعم الوكيل" (٢).

стр. 2000

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾؛ أي: أبا سفيان وأصحابَه جمعوا لكم الجموعَ؛ أي: الجيوش. وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: أي: فاحذروهم فإنكم لا تقاومونهم. قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: (زاد) يتعدَّى إلى مفعولين، والإيمان هو اليقين هاهنا، وفاعل (زاد) هو: قولهم، وهو غيرُ مذكور، ولكن دل على هذا الإضمار الفعلُ، وهو قوله : ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وهو كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه... وخالفَ والسفيهُ إلى خلافِ (١) أي: جرى إلى السَّفَه. ومعنى زيادةِ اليقين بقولهم: ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ ونحوِ ذلك: أنهم وجدوا الأمرَ على ما قال لهم رسول اللَّه ﷺ ، لا على ما قال أولئك. وقيل: زادهم جرأةً (٢) وقوةً ولم يخافوا بتخويفهم. وقيل: لمَّا قالوا ذلك كذَّبوهم وأجابوا دعوة الرسول وصدَّقوا وعده. وقيل: أخبرهم النبيُّ ﵇ بتفرُّق الأعداء، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع، فوجدوا الأمر على ما قال النبي ﷺ (٣). وقيل: لمَّا لم يضعفوا ولم يجبُنوا بقولهم، أنزل اللَّه السكينة في قلوبهم فازدادوا يقينًا وتصديقًا.

стр. 2001

وقال الإمام أبو منصور ﵀: الزيادة في الإيمان من وجوهٍ: منها: الدوام عليه فيكون زيادةً على ما كان. ومنها: الثبات عليه بوضوح الحجج. ومنها: زيادة البصيرة واليقين. ومنها: محافظةُ حقوقه، والتمسُّكُ بأدلته، والوفاءُ بشرائطه، وهذا كما عدَّت صلاةٌ واحدةٌ ألفًا لِمَا فيها من حفظ الحقوق ومراعاةِ السنن والآداب (١). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: أي: كافينا اللَّه، وهو من الحساب والحسَب؛ لأن الكفاية بحسَب الحاجة وعلى حسابها (٢). وقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: أي: نعم الوليُّ والحفيظُ (٣) والكافي هو، ومَن كان وكيلًا لآخر كان متولِّيًا أمرَه، قائمًا بتدبيره، حافظًا له، فإن الأمر مفوَّض إليه. قال مجاهد: فانطلق النبيُّ ﷺ لموعده، حتى نزلوا بدرًا فوافقوا السوق، فابتاعوا واتَّجروا وربحوا (٤). وقال عكرمة: وكانت بدرٌ متجرًا (٥) في الجاهلية، فخرج ناسٌ من المسلمين يريدونها، فأتوها فلم يجدوا بها العدو، فاتَّجروا وأصابوا فضلًا (٦). * * *

стр. 2002

(١٧٤) - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. فذلك: قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾: أي: انصرفوا من بدرٍ بما أَنعم اللَّه عليهم من العافية والسلامة، وبما أصابوا من الأرباح بالتجارة. وقيل: النعمة: الأجر، والفضل: زيادةُ قوةٍ في الدَّين. وقيل: النعمة: الجنة، والفضل: فضل الكرامات. وقيل: النعمة: محمد، والفضل: التجارات. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: أي: لم يَنَلْهم أذًى من قبل الأعداء ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّبعوا ما يُرضي اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قال الكلبي: أي: بحبسِ أبي سفيان وأصحابه من المسلمين (١). * * * (١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: يخوفكم أولياءه وهم الكفار. وعن ابن عباس وابن مسعود ﵃ أنهما قرأا: (يخوِّفُكم أولياءَه) (٢)، والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، و (أولياءَه) مفعولٌ ثانٍ هاهنا.

стр. 2003

وفي قراءة أبيٍّ: (يخوِّفُكم بأوليائه) (١) وهذا أظهرُ، ونصبه بنزعِ الباء (٢). وقيل: بل هو المفعولُ الأول، ومعناه: أن الشيطان يخوف أولياءَه المنافقين من المشركين، فيوسوس إليهم ويعظِّم أمورهم عندهم لئلا يخرجوا عونًا للمؤمنين. وقيل: أي: مَن خافهم فإنما هو من أولياء الشيطان، وأما المؤمنون فلا يخافونهم، ومعنى الآية: أن قولهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ هذا من إلقاء الشيطان في قلوبكم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: لأن الإيمان يقتضي خوف العبد من اللَّه تعالى دون غيره. * * * (١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: هو نهي المغايَبة؛ أي: لا تحزن بما يفعله الكفار من التجمُّع عليك، وبما يفعله المنافقون من مظاهرتهم على ذلك، وذلك مسارعتُهم في الكفر، وهو جُهدهم فيه، وسعيُهم في إطفاء نور اللَّه (٣)

стр. 2004

أسرعَ ما يمكنهم، فكان هذا في (١) المشركين والمنافقين جميعًا. وقال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وهم المنافقون، ثم قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم الكافرون المجاهرون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: قيل: معناه: لن يضرُّوك، فإنَّ اللَّه تعالى جلَّ أن يلحقَه المضارُّ والمنافع، ولكن هذا وعدٌ له بالنصرة وأمانٌ له من شرورهم وضرِّهم، وإضافةُ ذلك إلى نفسه تشريفٌ لرسول اللَّه ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: وإرادتُه أن لا يكون لهم ثوابًا في الآخرة هي إرادةُ كفرهم ومعاصيهم، فدل أن ذلك كلَّه بمشيئة اللَّه تعالى وإرادته، وهو في قومٍ مخصوصين عَلِم اللَّه منهم أنهم لا يختارون الإيمان فلا يؤمنون. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي: في جهنم. وقيل: الآية في اليهود والمنافقين الذين خوَّفوا المؤمنين. وقيل: هي فيما أظهره المشركون من الشماتة بالمسلمين فيما أصابهم بأحد. * * * (١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: أي: استبدلوه به واختاروه عليه، وقد كشفنا عن حقيقته في سورة البقرة.

стр. 2005

وقيل: هي في المذكورين في الآية الأولى من المنافقين أو المشركين أو اليهود. وقيل: هي في المرتدين. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: وهذا التكرير للتأكيد والتقرير، فإنْ حُملت على المرتدِّين وعلى اليهود الذين كانوا مُقرِّين بالنبي ﷺ قبل خروجه ثم كفروا به بعد خروجه فمعنى الاشتراءِ والاستبدالِ ظاهرٌ، وإن حُمل على الكفار الأصليين فمعناه: تركُ الإيمان (١) يومَ الميثاق، وإيثارُهم الكفرَ مع قيام الدلائل والتمكُّنِ من الإيمان، وإن حُملت على المنافقين فهي في إظهار كفرهم لأصحابهم بعد إظهار الإيمان للمؤمنين. * * * (١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ قرأ حمزة بتاء المخاطَبة، وهي (٢) للنبي ﷺ ، و ﴿الَّذِينَ﴾ ومفعول، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي﴾ بدلٌ عنهم، وفعل الحسبان واقع عليه، وهو (٣) كقول الشاعر: فما كان قيسٌ هُلْكُه هُلْكُ واحدٍ... ولكنه بنيانُ قومٍ تهدَّما (٤)

стр. 2006

وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة (١)، وهي نهيُ مغايَبةٍ، و ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ، و ﴿أَنَّمَا﴾ مفعول؛ أي: لا يظنَّنَّ الكفار أن إملاءَنا لهم خير. والإملاء: إطالةُ المدة، والمَلَا مقصورًا (٢): الدهر، والمَلَوان: الليل والنهار لطول تعاقُبهما، والملْوة -بفتح الميم وكسرها وضمها-: المدة، وكذا الملَاوةُ بالحركات الثلاث، وقول اللَّه تعالى خبرًا: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: حينًا طويلًا، ويقال: عشتَ طويلًا وتملَّيتَ حبيبًا (٣)؛ أي: أطلتَ مدتك معه. واتصالها بما قبلها: أنهم شمتوا بقتل الصحابة، فقال: لا يظنَّ هؤلاء أن إملاءنا لهم خير، بل لو ماتوا في سبيل اللَّه كالشهداء كان خيرًا لهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾: بالكسر (٤) للابتداء. وقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وهذا حجةٌ لأهل السنة في أن اللَّه تعالى خلق كلَّ شيء لمَّا علم أنه يكون منه وأنه يختاره، وفي (٥) إبطال القول بوجوب الأصلح؛ فإنه إذا كان إملاؤهم لزيادة الإثم والعذاب كان إفناؤهم أصلح لهم.

стр. 2007

ومَن جعَل هذه اللامَ لامَ العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقال: خلقهم اللَّه (١) ليطيعوا لكنهم عصَوا، ففي هذا تجهيل اللَّه تعالى وتسفيهه؛ لأنَّه إن علم أنهم لا يطيعون وخلقهم للطاعة فهو سفَهٌ، وإن لم يعلم أنهم لا يطيعون فهو جهلٌ، وتعالى اللَّه عن ذلك كلِّه (٢) علوًّا كبيرًا. * * * (١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: ليس من صفة اللَّه تعالى أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم، وعلى هذا هو رجوعٌ من المغايَبة إلى المخاطبة كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل فيه بوجوه (٣): قيل: لا يترك اللَّه المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون، ولكن يمتحنكم بالجهاد وأنواع المحن ليَظهر المنافق لهم (٤) من المخلِص. وقيل: ليظهر الكافر من المؤمن.

стр. 2008

قال: وقيل: إن المنافقين كانوا يطعنون (١) في الصحابة ويستهزئون بهم سرًّا، فقال: لا يَدَعُ (٢) المؤمنين على ما أنتم عليه أيها المنافقون من الطعن فيهم والاستهزاء بهم، ولكن يمتحنكم بأنواع المحن لتفتضِحوا ويظهرَ نفاقُكم عندهم. قال: ويحتمِل أن يكون معناه: لا يَدَع (٣) المؤمنين على ما أنتم عليه من النفاق والكفر في دارٍ واحدة، ولكن يجعل لكم دارًا أخرى يَميز فيها الخبيثَ من الطيب، فيجعلُ الخبيث في النار والطيِّب في الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ الآية (٤) [الأنفال: ٣٧] (٥). وقيل: على ما أنتم عليه قبل مَبعث النبي ﷺ ، أو: على ما وُلدتم عليه فلا يتعبَّدَكم ولا يمتحنكم حتى يتميزَ بالامتحانِ والتكليفِ الخبيث من الطيب بظهور أفعال الفريقين. واتصالُها بما قبلها: أن في غزوة أحد وفي اتِّباع المشركين بعد ذلك ظهر (٦) المخلصُ من المنافق. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ماز يَمِيز مَيزًا؛ أي: فَرَقَ بين شيئين، ومَيَّز يميِّز تمييزًا: إذا فرَّق بين أشياء، وقد مازهُ فامْتازَ وانْمازَ، وميَّزه فتميَّز.

стр. 2009

وقال مجاهدٌ وابنُ جُريجٍ ومحمد بن إسحاق: معناه: حتى يَمِيزَ المنافقَ من المخلص (١). وقال قتادةُ والسدِّي: أي: الكافرَ من المؤمن، وهذا التمييزُ بتكليف الجهاد ونحوه ليُظهِر بذلك ضمائرهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: أي: وليس من وصفِ اللَّه تعالى أنْ يُوْقِفكم على غيب القلوب فيجعلَ هذا التمييزَ بإعلامكم ما في قلوبهم لتعلَموا المخلِصَ من المنافق بذلك. ويحتمِل: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ عنده لتعلَموا أهل الجنة من أهل النار؛ لأنَّه زوال الامتحان، لكن التمييز بما (٣) قلنا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختارُ، فيخصُّهم بإعلام المؤمن من الكافر، ثم يأمرهم (٤) بكتمان ذلك وبالعمل على ظاهر الآية ليصحَّ الامتحان. ويحتمِل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيمتحنُ خلقَه بشرائعهم، فيتميزُ الفريقان بالامتحان. وقيل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: ليجعلَكم كلَّكم عالِمِين بالغيب فتَستغنوا عن الرسل، بل يخص بالرسالة مَن يشاء، ويكلِّف الناسَ (٥) طاعتَهم والانقياد لهم والأخذَ منهم.

стр. 2010

وقال الكلبيُّ: إن قريشًا قالوا لرسول ﷺ : الرجل منا إذا كان مخالفًا لك تزعُم أنه في النار، وإذا اتَّبع دِينك تزعُم أنه من أهل (١) الجنة، فأخبرنا عن هذا: من أين هو؟ فأنزل اللَّه ﷻ : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر والنفاق ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾؛ أي: يخلِّص الكافر من المؤمن ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ فيتبينَ (٢) لكم المؤمنُ من الكافر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يصطفي بالنبوَّة مَن يشاء ويعلِّمه ما يشاء من أمره (٣). وقال أبو العاليةِ: إن المؤمنين قالوا: لو ميَّز اللَّه المنافقين فأعلمهم الناسَ حتى يُعرفوا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٤) فيَعرفَ النبيُّ ﵊ ذلك ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى﴾ المنافقين (٥) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيُطلعُه على غيبه، ويَمِيزُ له المنافقَ من المؤمن (٦). وقال مقاتل: إن الكفار قالوا: إن كان محمدٌ صادقًا (٧) فليخبِرْ مَن يؤمنُ منَّا ومَن يكفرُ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [يعني: ليطلعَكم على غيبِ] ذلك، إنما الوحي إلى الأنبياء (٨).

стр. 2011

وروى السديُّ عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "عُرضت عليَّ أمَّتي في صُوَرها في الطين كما عُرضت على آدم، وأُعلمتُ مَن يؤمنُ بي ممن يكفرُ"، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا وقالوا: زعم محمدٌ أنه يَعلم مَن يؤمن به ممن يكفرُ ممن لم يُخلق بعدُ، ونحن معه ما يَعرِفنا، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ ، فقام على المنبر خطيبًا فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "ما بالُ أقوام جهَّلوني فطعنوا (١) عليَّ في عِلمي؟ لا تسألوني عن شيء فيما (٢) بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به"، ونزلت: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ (٣)؛ أي: من الاجتماع ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وميَّز المؤمنين يوم أحد من المنافقين، حيث أَظهروا النفاق وتخلَّفوا عن رسول اللَّه ﷺ . قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: هو أمرٌ بابتداء الإيمان في حقِّ الكفار، وأمرٌ بالدوام عليه في حق المؤمنين، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أي: وإنْ توحِّدوا أيها الكفار وتتَّقوا المعاصيَ، وإنْ تَدوموا (٤) على الإيمان والتقوى أيها المؤمنون، فلكم ثوابٌ عظيم في الآخرة. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: قيل: إنهم كانوا يقولون: لا نؤمن حتى نؤتَى مثلَما أُوتي (٥) الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾

стр. 2012

[الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وإنما يُطْلع عليه مَن اختاره لرسالته. قال: وقيل: إن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيَسْترِقون السمع فيأتون (١) بالأخبار إلى الكهنة قبل مبعثِ النبي ﷺ ، ثم الكهنةُ كانوا يخبرون بها الكفرةَ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ بعد بعث (٢) النبيِّ ﵇ كما كنتُم تطَّلعون على أخبار السماء قبل بعثه، ولكن اللَّه يختار مِن رسله مَن يشاء فيوحي إليه ذلك (٣). * * * (١٨٠) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: قرأ حمزة بتاء المخاطبة؛ أي: لا تظنَّنَّ يا محمدُ البخلاءَ، و ﴿الَّذِينَ﴾ نصبٌ لأنه مفعول، وقوله: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ هذا بدل عن الأول (٤)، والنهيُ واقع عليه. وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة (٥)، وهو نهي مغايبة، و ﴿الَّذِينَ﴾ مرفوع لأنه فاعل.

стр. 2013

والبخل: منعُ الحقوق الواجبة في المال؛ من الزكاة والإنفاقِ في الجهاد والحجِّ ونوائب الحق. وكلمة ﴿هُوَ﴾ ترجع إلى البخل المذكور في قوله تعالى: ﴿يَبْخَلُونَ﴾. واتصالُها بالأُولى (١): أنه ذمَّ المانعين أموالَهم في سبيل اللَّه في غزوة أحد ونحوِها، فقال: ولا يَتوهَّمن الذين يمتنِعون من إخراج ما يجب عليهم في أموالهم التي أعطاهم اللَّه تعالى -والفضلُ: هو فضلُ المال هاهنا كما في قوله تعالى: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] - أن بخلهم هو خيرٌ لهم في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾: لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبالُ البخل. وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: سيُجعل مالُهم الذي مَنعوه عن الحق طوقًا في أعناقهم؛ كما روَى ابن مسعود ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن منع زكاةَ ماله يصيرُ حيةً ذكرًا شجاعًا أقرعَ له نابان، فيطوَّق في عنقه، فينهشُه بنابيه، فيتَّقيه بذراعيه، حتى يُقضى بين الناس، فلا يزال معه حتى يُساقَ إلى النار" (٢).

стр. 2014

وقيل: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾؛ أي: سيكلَّفون، وهو ما روي: أن ماله يمثَّل له في النار كهيئته، فيقال له: انزل فاخرج، فكلما نزل هوَى في جهنم، فيعذَّب فيها إلى ما شاء اللَّه تعالى (١). والآية (٢) في قول الكلبيِّ في منع (٣) الزكاة. وقال الضحَّاك: هم اليهود، آتاهم اللَّه التوراة فبخلوا ببيانِ نعت محمد ﷺ (٤)، ولو أظهروه (٥) لكان خيرًا لهم: الذِّكرُ والشرف في الدنيا، والثوابُ والكرامة في الآخرة، ولمَّا كتموا كان لهم خزيٌ في الدنيا، ويطوَّقون ذلك في الآخرة؛ أي: يجعل في أعناقهم أطواقٌ من نار علامةً لهم على ذلك. وقيل: حياتٌ في أعناقهم تلتوي عليهم. وقيل: بل في (٦) كلِّ الأبدان تلتوي عليها، وإنما جُعلت في الأعناق لأن لزوم البيان كان في أعناقهم، وقال النبيُّ ﷺ : "مَن سُئل عن علمٍ وهو (٧) عنده فكتمه،

стр. 2015

أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ" (١)، ولما كان البيانُ باللسان، واللسانُ (٢) في الفم، فامتنعوا عنه، عوقبوا بجنسه (٣). وقال مسروقٌ: هو الرجل يرزقه اللَّه مالًا فيمنعُ قرابتَه الحقَّ الذي لهم، فيُجعل (٤) حيةً يطوَّقُها، فتقول له: أنا مالُك (٥). وقال بعض المفسرين (٦): يُلزَمون أعمالهم (٧) مثلَما يلزم الطَّوقُ العنق، وهو تمثيلٌ كقولهم: طوَّقني منَّته (٨)، وقلَّدني عملَ كذا، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. وقال مجاهد: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يكلَّفون أن يأتوا بالمالِ الذي بخلوا به عن الحقوق ولا يقدرون (٩). وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تحريضٌ على الإنفاق؛ لأن الكلَّ

стр. 2016

يموتون فتزولُ أملاكهم، واللَّه تعالى يرثهم بملكه القائم (١) الذي لا يزول، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١٠]. وقال أبو منصورٍ رحمه اللَّه تعالى: دلَّت الآيةُ أن أهل السماوات يموتون، بخلاف ما تقوله القرامطة أنهم لا يموتون؛ لأنَّه أَخبر أن له ميراثَ السماوات والأرض، والوارثُ هو الذي يَخلُف الموروثَ فيما كان يضاف إليه، وإن كانوا هم وجميعُ ما في أيديهم للَّه تعالى ملكًا له (٢) وعبيدًا، قال النبي ﷺ : "لا يرثُ الكافرُ من المسلمِ ولا المسلمُ من الكافر، إلا المولى من عبده" (٣) سمَّى ما يكون للمولى من عبده ميراثًا وإن كان العبدُ وما في يده ملكًا للمولى، فكذا هذا. ووجهٌ آخَرُ لتسميته ميراثًا: أنه إخبارٌ عن ذهاب أهلها وبقائه عزَّ وعلا، وإنما كان كذلك لأن (٤) الميراث يكون لمن له البقاء بعد فناءِ مَن تَقدَّم، واللَّه تعالى هو الباقي بعد فناء الكلِّ، وعلى هذا وراثةُ المسلمين الجنةَ هو بقاؤهم (٥) فيها؛ لا انتقالُها من غيرهم إليهم، أو على وراثةِ ما لو كان مَن لم يؤمن آمَن، أو ما ادَّعى اليهود والنصارى أنها لهم بقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فصارت ميراثًا لغيرهم (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء المغايبة عن

стр. 2017

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة (١)، وهو وعدٌ ووعيدٌ على ما مر مرَّات. * * * (١٨١) - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: اتصالها بما قبلها: أنه تعالى وصف اليهود في الآية الأولى بالبخل، وفي هذه الآية بقولٍ هو أسوأُ من ذلك. قال قتادة: لمَّا نزل قوله تعالى (٢): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: إنما يَستقرض الفقير من الغني، فنزلت الآية (٣). وقال الكلبيُّ والضحاكُ والسديُّ: قال ذلك فنحاصُ بن عازوراء اليهوديُّ من بني مَرثدٍ -وقيل: من بني قينقاع- قال له أبو بكر الصدِّيق ﵁: يا فنحاص، آمِنْ باللَّه وحده، وآمِنْ برسوله، وأقمِ الصلاة، وآتِ الزكاة، وأْمُرْ بالمعروف، وانْهَ عن المنكر، وأَقْرِض اللَّه قرضًا حسنًا، يُدخِلْك الجنة، فقال: لئن (٤) كنتَ صادقًا أنَّ اللَّه يستقرضُنا إنَّ اللَّه إذًا لفقيرٌ ونحن أغنياء، فلطم أبو بكر الصدِّيقُ ﵁ وجهَه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربتُ عنقك، فذهب اليهودي إلى النبيِّ

стр. 2018

- ﷺ فأخبره، فدعا النبيُّ ﷺ أبا بكر وقال: "لمَ ضربْتَه؟ "، فقال: إنه قال كذا وكذا. فنزلت الآية (١). وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُو﴾: أي: سنأمر الحفظةَ بكتابةِ ما قالوا؛ ليقرؤوا ذلك في كتبهم يومَ القيامة، ويحاسَبون بها ويجزون عليها. وقيل (٢): أي: سنحكُم عليهم بجزاءِ ما قالوا؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾؛ أي: حكم. وقيل: أي: سنحفظُ عليهم ذلك، فإن الكتاب من الخَلق يكون لحفظ ما فيه فسمِّي به مجازًا. وقوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: عطفٌ على ﴿مَا قَالُوا﴾؛ أي: سنكتب ذلك أيضًا. وقرأ حمزة: ﴿سيُكْتَبُ﴾ بالياء وضمِّها على ما لم يسمَّ فاعله ﴿وَقَتْلَهُمُ﴾ هو بالرفع عطفًا على ﴿مَا قَالُوا﴾ (٣) وهو اسمُ ما لم يسمَّ فاعله. وقوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: قال الضحَّاك: أي: يقول لهم ذلك خزنةُ جهنم في الآخرة، وأضافه اللَّه تعالى إلى نفسه لأنه بأمره؛ كما في قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ﴾.

стр. 2019

والقتل كان من أسلافهم، لكنْ رضيَ هؤلاء بذلك فذُمُّوا به، وتقديره: سنكتب عليهم ما قالوه (١) بأنفسهم، وما رضُوه من قتل أبائهم الأنبياءَ. و ﴿الْحَرِيقِ﴾ الاسم من الاحتراق، قال ذلك في "ديوان الأدب". وقيل: هو فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، وهو اسمٌ للنار لأنها مُحرِقة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس في الآية بيانُ القائلين، ولا نفعَ في النسبة إلى أحدٍ سوى خوفِ الكذب لو لم يكن منه ذلك، لكنهم قالوه، والأغلبُ على مثله أن يكونوا قالوه سرًّا، وفي إظهاره آية الرسالة، أو كانت الأوائل قالوا ذلك فتكون آية الرسالة في إظهار ذلك، ولا يحتمل أن يكونوا قالوا ذلك بمحضر الصحابة رضوان اللَّه عليهم فصبروا إلا أن يكون في وقت أُمروا بالكفِّ، ويكون في ذلك بيانُ قَدْر طاعتهم للَّه مع عظيمِ ما سمعوا من القول. وفي ذكر ذلك دعاءٌ إلى الصبر على أذاهم وسوءِ قولهم؛ إذ هم مع تقلبهم في نِعَم اللَّه ﷻ ، وعلمِهم أنهم لم ينالوا خيرًا إلا باللَّه تعالى، اجترؤوا عليه (٢) بمثل هذا القول، واللَّه تعالى مع قدرته وسلطانه يحلُم (٣) عنهم ليومِ وعَدَهم فيه الجزاءَ، فمَن ليس منه إليهم نعمةٌ، ولا تقدَّم عليهم [منه كبير] منَّةٍ، أحقُّ بالصبر على أذاهم والإعراضِ عن مكافأتهم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] (٤). * * *

стр. 2020

(١٨٢) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أي: ذلك العذابُ لكم بما قدمتُم من الكفر والمعاصي، والإضافة إلى اليد لِمَا أن عامة ما يكتسبه الإنسان يكون بيده، ولأنه يُذكر للتحقيق على معنى: أنه فَعَل بنفسه لا غيرُه بأمره، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: وبأن اللَّه لا يظلم عباده، فلا يعاقبُهم من غير جُرمٍ. * * * (١٨٣) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ يرجع إلى قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. قال الكلبيُّ: نزلت الآية في كعب بن الأشرف وغيرِه من رؤساء اليهود، أتوا رسولَ اللَّه ﷺ فقالوا: إن اللَّه قد (١) عهد إلينا -أي: أمَرنا وأخذ الميثاق علينا- في التوراة أن لا نصدِّق أحدًا حتى يأتيَنا بقربانٍ تأكله النار؛ أي: يقرِّبَ قربانًا فتنزلَ من السماء نارٌ فتأكلَه، فإن جئتنا بهذا (٢) صدَّقناك، فنزلت الآية (٣).

стр. 2021

وقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: بالتوراة والإنجيل والمعجزات و ﴿جَاءَكُمْ﴾؛ أي: جاء أسلافكم الذين أنتم على ملَّتهم وراضُون بفعلهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ (٢) يقول: إن كان امتناعُكم عن الإيمان لأجْل هذا فلمَ لمْ تؤمنوا بالذي أتَوا به وقتلتُموهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إنكم إنما تؤخِّرون الإيمان لهذا. وقال السدِّي: إن اللَّه تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: مَن جاءكم يزعم أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقوه حتى يأتيَكم بقربانٍ (٣) تأكله النار تنزل من السماء، حتى يأتيَكم المسيح ومحمد ﵉، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان. وقيل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾؛ أي: بشريعةِ قربانٍ. * * * (١٨٤) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: فإن كذبك هؤلاء اليهود بما لم تأتهم بالقربان (٤) فلا يهولنَّك، ولْيَهونَنَّ عليك، فقد فعلت الأمم بأنبيائها (٥) كذلك.

стр. 2022

وقوله تعالى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: المعجزات الظاهرةِ ﴿وَالزُّبُرِ﴾؛ أي: الكتب، جمعُ زَبور، مِن زَبَر يَزْبُرُ: إذا كتب. وقيل: الزُّبرُ: أحكام الكتاب، والزَّبور: الكتاب المحكم. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: أي: المضيءِ البيِّن بالأمر والنهي. قال الكلبي: (الزُّبر): أحاديث الأنبياء ممن (١) قبْلهم، و (الكتابُ المنير): ما جاؤوا به من الكتاب المنزلِ عليهم. وقيل: هما واحد في الأصل، وذُكرا جميعًا لاختلاف الوصفين؛ فإن الزبور هو الكتاب الزاجر، والكتابَ المنيرَ هو الكتاب الهادي، وقد زَبَره؛ أي: زجره. * * * (١٨٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: أي: كلُّ ذي (٢) روحٍ متجرِّعٌ غصصَ الموت، وأنَّث قوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ لتأنيث النفس سماعًا. وقال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالت الملائكة: هلك أهلُ الأرض، وظنُّوا (٣) أن أهل السماء لا يموتون، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أيقنَ الملائكة بهلاكهم معهم (٤).

стр. 2023

والذَّوقُ في موضع الحقيقة: تعرُّفُ طعمِ الشيء بالفم، ثم يُستعمل في أشياءَ بمعنى النَّيل (١)؛ يقال: ما ذقتُ غَمْضًا (٢)، قال المتنبي: إذا ما الناسُ جرَّبهم لبيبٌ... فإني قد طَعِمْتُهمُ وذاقا (٣) وقال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق: ٩]، وقال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. واتصال هذه الآية بما قبلها: أن تقديره: لا يحزُنْكَ تكذيبُهم إياك فإنَّ مرجعَ الخلق إليَّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: تُعطون على الكمال ثوابَ أعمالكم في الآخرة، فإن الدنيا ليست بدار الجزاء. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾: أي: بُعِّد، وقد أوضحنا ذلك عند قوله : ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦].

стр. 2024

وقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: أي: ظَفِر، وقيل: سُعِد، وقيل: أي: نال كلَّ ما يُرجَى، وأمِن كلَّ ما يُخاف. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: القُربَى، وهي التي في هذه الدار. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: والمتاع: السلعة (١) المتقضِّيَة، والغرور: الخداع، وهو إضافة الشيء إلى صفته، ومعناه: أن هذه الحياة الدنيا متعةٌ يقع الاغترارُ بها باعتماد الإنسان عليها، ثم لا تبقَى له فكأنها غرَّته. * * * (١٨٦) - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾: أي: لتُختبَرُنَّ وتُمتحنُنَّ، واللام والنون على معنى القسَم ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بالإنفاق في سبيل اللَّه ﴿وَ﴾ في ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ بالقتل والجراح. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: اليهود والنصارى ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ (٢) ما يؤذيكم سماعُه، كما روَينا من سماع أبي بكر الصدِّيق ﵁ من قول (٣) فنحاص بن عازوراء اليهوديِّ في (٤) قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.

стр. 2025

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرً﴾: فإنهم يقولون في اللَّه ما هو منزَّه عنه. ورُوي أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبيَّ ﷺ والمؤمنين، ويحرِّض المشركين على قتالهم، فشَقَّ ذلك على المسلمين، فاحتالوا في قتله حتى قتله محمد بن مَسْلَمةَ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: أي: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على الأذى ﴿وَتَتَّقُوا﴾ هو اللَّه فلا تخالفوه فيما أمر ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: مِن عَمَل أهلِ الحزم والعزم. وقيل: من الأمر الذي ظهَر رشدُه وصوابه وصلاحه. وقيل: أي: مما يجب أن يَعزِم عليه كلُّ عاقل. * * * (١٨٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: واتصالها بما قبلها: أنه دعا النبيَّ ﷺ إلى الصبر على أذاهم في الآية الأولى، وبيَّن (٢) في هذه الآية أنهم لا يؤذونه من (٣) خفاءِ حاله عليهم (٤)، فقد أخذ الميثاق عليهم بأن يبيِّنوا حاله وعرَّفهم ذلك.

стр. 2026

وقال ابن عباس وسعيد بن جُبير والسديُّ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هاهنا هم اليهود (١). وقيل: اليهود والنصارى (٢). وقيل: كلُّ مَن عنده علم من الكتب، وهو قول الحسن وقتادة (٣). قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: قال السدي: الهاء ترجع إلى النبيِّ ﷺ (٤)، وهو معلومٌ غير مذكور. وقال الحسن وقتادة: هو الكتاب، وهو مذكور (٥). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بياء المغايبة فعلًا للذين أوتوا الكتاب، وهو يشاكل قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾، وقرأ الباقون بتاء المخاطبة على تقدير أنهم خوطبوا بذلك عند أخذ الميثاق. يقول: واذكر يا محمد إذ أخذ اللَّه ميثاق أهلِ الكتاب على ألسنة أنبيائهم أن يبينوا الكتابَ وأمرَ محمد ﵊ للناس ولا يخفونه (٦).

стр. 2027

وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: أي: تركوه وتغافَلوا عنه، فكأنهم ألقَوه وراء ظهورهم لا يرونه ولا يذكرونه. وقوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي: واستبدلوا به ما ينالونه من سَفِلتهم (١) كرهوا أن يؤمنو ا فيقطع (٢) ذلك عنهم فكتموا ما علموا (٣) من ذلك وأمروهم أن يكذبوه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ أي ساء ما يستبدلون (٥) وقد كشفنا حقيقته في سورة البقرة. * * * (١٨٨) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾: أي: لا تظنَّنَّ (٦) يا محمدُ اليهودَ الذين يُسَرُّون بما فعلوا من كتمانِ صفة محمد والتكذيبِ به، وظنُّوا أن ذلك مقبول منهم، وأن اللَّه تعالى لا يخبرك بفعلهم ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أي: يُحمدوا على الكتمان حمدَ مَن أَخبر بحقٍّ، وأن يُمدحوا بما ليس فيهم، فيقالَ: إنهم أهل علم ونُسك، وهو قول ابن عباس ﵄ والضحاك (٧).

стр. 2028

وقيل: هي في المنافقين، كانوا يتخلَّفون عن القتال مع المؤمنين، وكانوا يحبون أن يُقبل عذرُهم (١)، وأن يُحمدوا على ما لم يكونوا عليه من الإيمان (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾: أعاد هذه الكلمة لطول الكلام إعلامًا أن آخره متَّصل بأوله ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: بمنجاةٍ منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم في الآخرة. * * * (١٨٩) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: فهو الغنيُّ في الحقيقة وليس بفقير كما قالت اليهود، ولأنه ذَكر جزاء أعمال الفريقين، وبيَّن أن الجازيَ مَن هذا صفته، ولأنه قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: لا يفوتونه فله ملكُ السماوات والأرض. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: تقريرٌ للمعاني الثلاثة، ولو قال: وهو على كل شيء قدير، استقام، فقد مر ذكر اللَّه تعالى مرةً، لكن هذا أبلغُ ليكون كلُّ كلام مستقلًّا بنفسه. * * * (١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: هو بيان ملكه وقدرته اللَّذَين ذكرهما في الآية الأولى، وقد مر تفسير هذه الآية في سورة البقرة على الاستيفاء والاستقصاء.

стр. 2029

وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي ذلك دليلُ لزوم التوحيد باللبِّ؛ إذ صيَّرها آيات لمن له ذلك، وأولُ درجات الآيات أن يعرف منشِئُها وجاعلها آيات (١). * * * (١٩١) - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وهو نعتٌ لـ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ و ﴿قِيَامًا﴾: جمعُ قائم، و ﴿وَقُعُودًا﴾: جمع قاعد، وهما نصبٌ على الحال، ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يتضمن قولَه: ومضطجِعين، وهو كقوله تعالى: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢]؛ أي: دعانا مضطجعًا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا. وقيل: الذين يصلُّون قيامًا، وقعودًا حالَ عجزهم عن القيام، وعلى جنوبهم بالإيماء حالَ عجزهم عن القعود. قال ﵁ (٢): وأنا أقول: يحتمِل ﴿قِيَامًا﴾: حال قيامهم في أمور الشرع على الاستقامة، وحالَ انحرافهم عن الاستقامة بعضَ الانحراف بتردُّد العزيمة، وحال سقوطهم عن القيام (٣) بها بتمام اختيار المعصية. وقوله تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ﴾ قيل (٤): هو الذكر باللسان على هذه الأحوال الثلاث، فإن الإنسان يكون على إحدى هذه الحالات (٥). . . . . .

стр. 2030

إلا في النادر، وأراد (١) به دوام ذكر اللسان، وهو قول ابن جريجٍ (٢)، وتبيَّن به أنه يَحسُن ذكر اللَّه تعالى بكلِّ حال. وقال الزجَّاج: هو عندي ذكرُ القلب بكلِّ حال (٣). وقيل: ذكرُ القلب لا يخلو عن الخوف، فمعناه: يخافون اللَّه قيامًا في تصرُّفهم، وقعودًا في دَعَتهم، وعلى جنوبهم في مضاجعهم. وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو الصلاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: يصلُّون للَّه تعالى قيامًا (٤) حالةَ القدرة، وقعودًا عند العجز، وعلى جنوبهم إذا ضعفوا عن القيام والقعود (٥). وقيل: أي: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾ بأوامره ﴿وَقُعُودًا﴾ عن زواجره ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: على اجتنابهم عن مخالفة أمره. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لمَّا جعل اللَّه تعالى على العبد في كلِّ حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو أن (٦) جعل القيام نعمةً في قضاء حوائجه وتقلُّبِه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذا

стр. 2031

الاضطجاعُ، استأداهم الشكرَ له في كلِّ نعمةٍ على كلِّ حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: للاستدلال (٢). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ فيه إضمارُ القول (٣)، تقديره: يقولون: يا (٤) ربنا ما خلقتَ هذا، أشار إلى قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولو أشار إلى السماوات والأرض لقال: هذه. وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿خَلَقْتَ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]. ويجوز أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، وتقديره: لباطل، أو: على باطل، وهو كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ومعناه: ما خلقتَه باطلًا (٥) عبثًا، بل دليلًا عليك وعلى وحدانيتك وكمالِ قدرتك ولمصالح عبادك. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أي: تنزهت عن أن تخلق شيئًا عبثًا، وقيل: تقدَّستَ عن كل عيب. وقوله تعالى: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ مر تفسيره.

стр. 2032

(١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾: أي: مَن تدخلْه النارَ ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؛ أي: فضحته (١). وقيل: أذلَلْتَه، وقيل: جعلتَه خزيانَ؛ أي: مستحييًا (٢) خَجِلًا بأعماله. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: مَن ظلَم نفسه بالكفر أو بالمعصية (٣)، أو وضَعَ الشيءَ في غير موضعه، فلا معين له ولا مانع (٤). وذكرُهم هذا بيانٌ أنهم يعلمون كيف حالُ أهلِ النار، وذلك أجلبُ للإخلاص والتضرُّع عند الاستجارة من النار ممن يستجير وهو ساهٍ عن ذلك أو جاهلٌ له. * * * (١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾: قال الكلبيُّ: ﴿مُنَادِيًا﴾: داعيًا، يعني: محمدًا ﷺ (٥). وقال محمد بن كعب القرظيُّ: هو القرآن (٦)، ليس كلُّ الناس رأى النبيَّ ﷺ (٧).

стр. 2033

وقيل: إن النبيَّ ﷺ داعٍ لمن شهده ولمن جاء بعده، قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فالصرفُ إليه أولى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١) [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: إلى الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ [آل عمران: ١٦٧]؛ أي: إلى الكفر، وإنما جاز اللام مقام (إلى) لأن اللام للغرض الذي هو الغاية، و (إلى) للغاية، فتقاربا. وقيل: فيه تقديم وتأخير: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: قيل: ﴿أَنْ﴾ منصوب بوقوع النداء عليه، وقيل: هو منصوب بنزع الباء (٢)؛ أي: بأنْ آمنوا بربكم. وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: دل هذا على أن الإيمان هو الإقرارُ والاعتقاد دون العمل، وعلى بطلان الاستثناء فيه، فإنهم كما دُعوا إليه أجابوا وحقَّقوا ذلك للحال قبل العمل (٣)، ولم يستثنوا فيه، ومدحهم اللَّه تعالى عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: المغفرة: ستر الذنوب،

стр. 2034

والتكفير كذلك كما (١) مر في سورة البقرة، وإنما جمع بينهما لأن المغفرة قد تكون تفضُّلًا من اللَّه تعالى ابتداءً والتكفيرَ يكون بالحسنات والنوائب والنكبات، فكأنهم سألوا مغفرةَ ما مضى من ذنوبهم فضلًا، وتكفيرَ ما يكون منهم في المستقبل بما يوفِّقهم له (٢) من الخيرات، والصبرِ على ما ينوبهم من الآفات، فكأنهم (٣) سألوا التوفيق لذلك. قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: هو جمع البَرِّ؛ كالأجداد: جمع الجَد، أو جمع البار؛ كالأنصار جمع الناصر، والأصحاب جمع الصاحب، وقد مر تفسير البرِّ (٤) في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ومعناه: أَمِتْنا مع الأبرار من عبادك الذين رضيتَ أعمالهم، ووفاتُهم معهم: أن يموتوا على مثلِ أعمالهم فيكونوا في درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]؛ أي: آمنوا على اتِّباعٍ منهم له وعملٍ بما دعا إليه. وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في جملتهم، كما قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أي: في جملتهم، ويقال: فلان مع أصحاب الألوف في العطاء؛ أي: في جملة الذين إذا أَعطوا أَعطوا ألفًا ألفا (٥). وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في عصر الأبرار، ولا تؤخِّرنا إلى زمان الأشرار. * * *

стр. 2035

(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: أي: على ألسنةِ رسلك، هذا (١) مضمرٌ، وهو سائغ في اللغة؛ أي: قد وَعدْتَ على ألسنتهم أنَّ مَن مات بَرًّا أَعْزَزْتَه بالثواب ولم تُخْزِه بالعقاب، فأعطنا ذلك. وقيل: معنى قوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ أي: ما جعلته على رسلك من الشفاعة ومن استغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] وقال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: فقد وعدْتَ ذلك بقولك: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨]، وقد فسَّرنا الخزيَ في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: فإن قالوا: لمَّا وعد ذلك وهو لا يخلفُه، فما معنى السؤال؟ قال الإمام أبو منصور: جوابه من وجوه: أحدهما: أنه (٣) وعَدَ ذلك وأمَر بالسؤال؛ كما قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. والثاني: أن وعد الاستغفار من النبيِّ ﷺ كان مع استغفارٍ يوجد من المذنِب؛
следующие страницы →