← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الاضطجاعُ، استأداهم الشكرَ له في كلِّ نعمةٍ على كلِّ حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: للاستدلال (٢). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ فيه إضمارُ القول (٣)، تقديره: يقولون: يا (٤) ربنا ما خلقتَ هذا، أشار إلى قوله: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولو أشار إلى السماوات والأرض لقال: هذه. وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾ يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا لقوله: ﴿خَلَقْتَ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]. ويجوز أن يكون منصوبًا بنزع الخافض، وتقديره: لباطل، أو: على باطل، وهو كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وقولهِ تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ومعناه: ما خلقتَه باطلًا (٥) عبثًا، بل دليلًا عليك وعلى وحدانيتك وكمالِ قدرتك ولمصالح عبادك. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أي: تنزهت عن أن تخلق شيئًا عبثًا، وقيل: تقدَّستَ عن كل عيب. وقوله تعالى: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ مر تفسيره.

стр. 2032

(١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾: أي: مَن تدخلْه النارَ ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؛ أي: فضحته (١). وقيل: أذلَلْتَه، وقيل: جعلتَه خزيانَ؛ أي: مستحييًا (٢) خَجِلًا بأعماله. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: أي: مَن ظلَم نفسه بالكفر أو بالمعصية (٣)، أو وضَعَ الشيءَ في غير موضعه، فلا معين له ولا مانع (٤). وذكرُهم هذا بيانٌ أنهم يعلمون كيف حالُ أهلِ النار، وذلك أجلبُ للإخلاص والتضرُّع عند الاستجارة من النار ممن يستجير وهو ساهٍ عن ذلك أو جاهلٌ له. * * * (١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾: قال الكلبيُّ: ﴿مُنَادِيًا﴾: داعيًا، يعني: محمدًا ﷺ (٥). وقال محمد بن كعب القرظيُّ: هو القرآن (٦)، ليس كلُّ الناس رأى النبيَّ ﷺ (٧).

стр. 2033

وقيل: إن النبيَّ ﷺ داعٍ لمن شهده ولمن جاء بعده، قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فالصرفُ إليه أولى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ (١) [يوسف: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: إلى الإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾ [آل عمران: ١٦٧]؛ أي: إلى الكفر، وإنما جاز اللام مقام (إلى) لأن اللام للغرض الذي هو الغاية، و (إلى) للغاية، فتقاربا. وقيل: فيه تقديم وتأخير: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: قيل: ﴿أَنْ﴾ منصوب بوقوع النداء عليه، وقيل: هو منصوب بنزع الباء (٢)؛ أي: بأنْ آمنوا بربكم. وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: دل هذا على أن الإيمان هو الإقرارُ والاعتقاد دون العمل، وعلى بطلان الاستثناء فيه، فإنهم كما دُعوا إليه أجابوا وحقَّقوا ذلك للحال قبل العمل (٣)، ولم يستثنوا فيه، ومدحهم اللَّه تعالى عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: المغفرة: ستر الذنوب،

стр. 2034

والتكفير كذلك كما (١) مر في سورة البقرة، وإنما جمع بينهما لأن المغفرة قد تكون تفضُّلًا من اللَّه تعالى ابتداءً والتكفيرَ يكون بالحسنات والنوائب والنكبات، فكأنهم سألوا مغفرةَ ما مضى من ذنوبهم فضلًا، وتكفيرَ ما يكون منهم في المستقبل بما يوفِّقهم له (٢) من الخيرات، والصبرِ على ما ينوبهم من الآفات، فكأنهم (٣) سألوا التوفيق لذلك. قوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: هو جمع البَرِّ؛ كالأجداد: جمع الجَد، أو جمع البار؛ كالأنصار جمع الناصر، والأصحاب جمع الصاحب، وقد مر تفسير البرِّ (٤) في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ومعناه: أَمِتْنا مع الأبرار من عبادك الذين رضيتَ أعمالهم، ووفاتُهم معهم: أن يموتوا على مثلِ أعمالهم فيكونوا في درجاتهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]؛ أي: آمنوا على اتِّباعٍ منهم له وعملٍ بما دعا إليه. وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في جملتهم، كما قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أي: في جملتهم، ويقال: فلان مع أصحاب الألوف في العطاء؛ أي: في جملة الذين إذا أَعطوا أَعطوا ألفًا ألفا (٥). وقيل: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: في عصر الأبرار، ولا تؤخِّرنا إلى زمان الأشرار. * * *

стр. 2035

(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: أي: على ألسنةِ رسلك، هذا (١) مضمرٌ، وهو سائغ في اللغة؛ أي: قد وَعدْتَ على ألسنتهم أنَّ مَن مات بَرًّا أَعْزَزْتَه بالثواب ولم تُخْزِه بالعقاب، فأعطنا ذلك. وقيل: معنى قوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾؛ أي: ما جعلته على رسلك من الشفاعة ومن استغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] وقال إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي: فقد وعدْتَ ذلك بقولك: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم: ٨]، وقد فسَّرنا الخزيَ في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: فإن قالوا: لمَّا وعد ذلك وهو لا يخلفُه، فما معنى السؤال؟ قال الإمام أبو منصور: جوابه من وجوه: أحدهما: أنه (٣) وعَدَ ذلك وأمَر بالسؤال؛ كما قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. والثاني: أن وعد الاستغفار من النبيِّ ﷺ كان مع استغفارٍ يوجد من المذنِب؛

стр. 2036

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤]. والثالث: أن الوعد لهم بذلك (١) إذا ماتوا على ذلك، فهذا سؤالُ أن يميتهم على ذلك. والرابع: أنه سؤالُ أن يجعلهم من الجملة (٢) الذين كان لهم الوعدُ، إذ الوعد غيرُ مبيَّنٍ لمن هو (٣). * * * (١٩٥) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾: قال جعفر بن محمدٍ الصادقُ: مَن حَزَبه (٤) أمر فقال خمس مرات: ربَّنا، نجاه اللَّه مما يخاف، وأعطاه ما أراد، واستجاب له ما دعا. واستشهد بهذه الآيات: أن اللَّه تعالى ذكر من هؤلاء أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا﴾ خمس مرات ثم ذكر استجابته لهم (٥).

стр. 2037

ومِن أهل العلم (١) مَن ذكر أن هذه الدعواتِ الخمس من النبيِّ ﵇ وخلفائه الراشدين الأربعة على الترتيب. وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾: أي: فاستجاب بأني، ولو كسر جاز على الحكاية (٢). والإضاعة: الإهمال والإبطال. وقوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: ﴿مِنْ﴾ لبيان جنسِ مَن أُضيف إليهم العملُ، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقيل: هو لتأكيد النفي؛ أي: أُجازي كلَّ عاملٍ ولا أَترك مجازاته ذكرًا كان أو أنثى. وقال مجاهد: إن أم سلمةَ قالت: يا رسول اللَّه ما بالُ (٣) النساء لا يذكرون في القرآن كما يذكر الرجال؟ فنزلت هذه الآية وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية (٤). وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: كلُّكم مجتمعون على دينٍ واحد (٥)

стр. 2038

دينِ اللَّه تعالى، يقال: فلانٌ مني؛ أي: على خُلُقي أو مذهبي (١)، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقيل: أي: الذكور والإناث بعضُهم من بعضٍ في الخلقة. وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: أي: رحلوا إلى رسول اللَّه ﷺ بالمدينة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: أي: اضطُروا بإيذاء الكفار إلى خروجهم من أوطانهم (٣) وتركِها. وقوله تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾: أي (٤): في الجهاد بأنواع الأذى (٥) ﴿وَقَاتَلُوا﴾؛ أي: حاربوا الكفار ﴿وَقُتِلُوا﴾؛ أي: واستُشهدوا في الحرب. وقرئ: ﴿وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا﴾ (٦)؛ أي: وقتل بعضُهم فلم يَنْكل الباقون بل قاتلوا. وقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: لأجزينهم بمحو السيئات وإعطاءِ الجنة والدرجات. وقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: قيل: هو نصبٌ على التفسير؛ كقولك: هذا لك هبةً منِّي. وقيل: هو مصدرُ فعلٍ مدلولٍ عليه أو مضمرٍ؛ لأن قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ و (لأدخلن) بمعنى: لأُثِيبنَّ بهذا، والإضمارُ: يثابون بذلك ثوابًا (٧).

стр. 2039

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: فإنه لا يَفنَى ولا يتكدَّر، وهو كثيرٌ على عملٍ قليلٍ مقدَّر. * * * (١٩٦) - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: قيل: الخطاب لكلِّ مكلَّف؛ أي: أيُّها السامع. وقيل: هو للنبيِّ ﷺ . ثم هو وإن كان لا يغرُّه تقلُّبُهم وكان معصومًا عن ذلك، فله وجوه قد ذكرناها عند قوله : ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]: أن خطابه خطابٌ لأمته، ولأن العصمة لا تزيل النهيَ، فإنه لو زال النهي عنه بذلك لبَطلت العصمة، فإن العصمة هي الحفظ عن الخلاف، وإذا زال النهي لم يكن خلافًا فلم تكن (١) عصمةً. ومعنى الآية: لا تغترُّوا (٢) بتصرُّف هؤلاء الكفار واليهود الذين مرَّ ذكرهم في بلاد اللَّه كيف شاؤوا، لا (٣) يؤاخذون بكفرهم وباضطرابهم فيها لاكتساب الأموال والاستكثار منها، ولا تقولوا في أنفسهم: ما لهم آمنين أغنياء متمكِّنين وهم كفارٌ مبطِلون ونحن خائفون مُقِلُّون مع أنَّا مؤمنون مُحِقُّون.

стр. 2040

(١٩٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: أي: هو متاعٌ؛ أي: منفعةٌ يسيرة ثم تنقطع، ووصَفَه بالقلة وإن طالت مدتهم؛ لأنَّه بالإضافة إلى النعيم الذي في الجنة الذي لا انقطاع له قليل. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: أي: مصيرُهم النارُ وبئس الفراش، وسمَّى ذلك (١) مهادًا وليس في النار تمهيد؛ لأنَّها بدلُ مهادِ أهل الجنة، وهو كالبشارة بالعذاب جُعلت (٢) بدلًا عن البشارة بالثواب. * * * (١٩٨) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: (لكن) كلمةُ استدراكٍ بإثباتٍ بعد نفيٍ، أو نفيٍ بعد إثبات، تقول: ما قام زيد لكنْ (٣) عمرٌو، وجاء القوم لكن زيدٌ لم يَجِئ. وقوله تعالى: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خافوه فلم يخالفوا أمره ولا نهيه. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: والكفار كانت مأواهم النارُ وبئس القرار. وقوله تعالى ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: رزقًا أُعدَّ لهم إذا نزلوا أولًا، والنزل يعدُّ

стр. 2041

للأضياف (١) إذا نزلوا (٢)، ونصبُه على التفسير، أو على المصدر المدلولِ أو المضمرِ كما مر في قوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: أي: من زهرة الدنيا للكفار. وقال ابن مسعود ﵁: ما من نفسٍ بَرَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا والموتُ خيرٌ لها: أمَّا البَرَّة فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وأما الفاجرةُ فإنه يقول: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] (٣). * * * (١٩٩) - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: لمَّا ذمَّ أهل الكتاب الذين كفروا وكتموا الحق ونبذوه وراء ظهورهم وأساؤوا القول في اللَّه وفي رسوله وفي المؤمنين، مدح منهم المؤمنين (٤) الذين آمنوا واتبعوا الحق بهذه الآية. و ﴿لَمَنْ﴾ لام التأكيد دخلت في الاسم ها هنا دون الخبر، وأنت تقول: إن

стр. 2042

زيدًا لعالم، فتُدخل اللام في الخبر دون الاسم، وذلك لأن (إنَّ) واللام كلُّ واحد منهما للتأكيد، فجُعل عند الابتداء بالاسم والتثنيةِ بالخبر (إنَّ) في الاسم واللامُ في الخبر، فإذا دخلت (١) (إنَّ) في غير الاسم وتقدم ذلك وتأخَّر الاسم جُعلت اللام في الاسم (٢)، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٣]، وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [آل عمران: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾: أي: خائفين خاضعين، وهو نصبٌ على الحال من قوله: ﴿يُؤْمِنُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: خلافًا لغيرهم الذين نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وقد فسَّرنا ذلك. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: ثوابهم في الآخرة. وقوله تعالى (٣): ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: أي: لا يؤخِّر جزاء أعمالهم يومَ القيامة بطول الحساب، فإنه سريع الحساب. قال مجاهد: نزلت في المؤمنين من أهل الكتاب عبدِ اللَّه بن سلام وأشباهه (٤). وقال قتادة: نزلت في النجاشيِّ، فإنه لمَّا مات وبلغ النبيَّ ﷺ خبرُه صلَّى عليه، فقال بعض الكفار: صلى على علجٍ نصراني لم يره قط، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية

стр. 2043

يبيِّن أنه قد آمن باللَّه، فقال المنافقون: إنه كان يصلي إلى غير الكعبة، فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (١). وقال عطاء: نزلتْ في أربعين من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانيةٍ من الروم، كانوا على دين عيسى ﵇ وآمنوا بالنبيِّ ﷺ (٢). و ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: المهاجرون (٣) والأنصار. * * * (٢٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾: وبعد ما أخبر (٤) في هذه السورة قصةَ بدر وأحدٍ، وما نال المؤمنين من النكبات، وبعد ما أخبر عن حال النصارى في أولها، وعن (٥) حال اليهود في آخرها، ختم السورة بالأمر بالصبر فقال: ﴿اصْبِرُوا﴾؛ أي: على دين اللَّه، وقيل: على أمر اللَّه، وقيل: على الطاعة، وقيل: أي: عن المعصية، وقيل: أي: على المكاره.

стр. 2044

وقوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا﴾: أي: أعداءَ اللَّه في القتال، فاثْبُتوا ولا تتولَّوا، والمصابرةُ بين الاثنين والجمع. وقوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: أي: كونوا في الثغور رابطين خيولَكم مستعدِّين للقتال، والمرابطة بين الاثنين والجمع؛ أي: يربطُ (١) هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم على المقابلة استعدادًا للمقاتَلة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: في جميع أوامره ونواهيهِ، فليس عليكم الجهادُ فحسب. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتُفلحوا، ولرجاءِ أن تُفلحوا، والفلاح: الأمن من كلِّ ما يُخاف، والوصول إلى كلِّ ما يُرام. والصبر: هو حبسُ النفس عمَّا لا يرضاه اللَّه تعالى على ما يرضاه. وأوَّله: التَّصبُّر: وهو التكلُّف لذلك، ثم المصابرةُ: وهي معارضةُ ما يمنعه عن ذلك، ثم الاصطبارُ: وهو الاعتياد (٣) والالتزام، ثم الصبر: وهو كماله وحصولُه من غير كُلفة. وقال أبو سلمةَ بن عبد الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا﴾: لم يكن في زمن النبيِّ ﷺ المرابطةُ في الثغور، وإنما هذا الأمر هو (٤) بانتظارِ الصلاة بعد الصلاة (٥).

стр. 2045

قال النبيُّ ﷺ : "ألَا أدلُّكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويَرفعُ به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّبَاط، فذلكم الرِّباط" (١). وقال ابن جريج: ﴿اصْبِرُوا﴾ على طاعة اللَّه ﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداءَ اللَّه ﴿وَرَابِطُوا﴾ في سبيل اللَّه (٢). وقال مقاتل: ﴿اصْبِرُوا﴾ على أمر اللَّه ﴿وَصَابِرُوا﴾ مع النبيِّ ﷺ في المواطن كلِّها ﴿وَرَابِطُوا﴾ العدوَّ في الثغور. وقال عطاء: ﴿اصْبِرُوا﴾ على دينكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ الوعد الذي وعَد ربُّكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ عدوِّي وعدوَّكم (٣) حتى يرجع عن دينه إلى دينِكم (٤) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوني (٥) فيما نهيتُكم وأطيعوني فيما أمرتكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ تُسْعَدون وتبقَون في الجنة ناعمين مخلَّدين كما بشَّرتكم. وقال بعض أهل المعرفة: ﴿اصْبِرُوا﴾ على بلائي ﴿وَصَابِرُوا﴾ نَعمائي ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي ﴿وَاتَّقُوا﴾ محبة مَن سوائي ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا (٦) بلقائي.

стр. 2046

وقال آخر: ﴿اصْبِرُوا﴾ عند قيام النفير على احتمال الكُرَب ﴿وَصَابِرُوا﴾ على مقاساة العناء والتعب ﴿وَرَابِطُوا﴾ أعدائي بلا هرَب ﴿وَاتَّقُوا﴾ بهممكم عن الالتفات إلى (١) السبب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدا بلقائي على بساط الطَّرب. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يقال ﴿اصْبِرُوا﴾ على الطاعات وعن المخالفات ﴿وَصَابِرُوا﴾ في ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات ﴿وَرَابِطُوا﴾ بالاستقامة في الصحبة في عموم الحالات. قال: ويقال: ﴿اصْبِرُوا﴾ بنفوسكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ بقلوبكم ﴿وَرَابِطُوا﴾ بأسراركم. قال: والصبر مرٌّ مذاقتُه إذا كان العبدُ يتحسَّاه على الغَيبة، وهو لذيذٌ طعمه إذا شربه على الشهود والرؤية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بمخالفة أهوائكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاح الظفر بالبغية، وهمةُ القومِ اليومَ الظَّفَرُ بنفوسهم، فإذا ظَفِروا بها ذبحوها بسيوف المجاهَدة، وصلَبوها على عيدان المكابَدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاؤهم بالمشاهدة (٢). قال ﵁ (٣): وفي فضل هذه السورة أحاديثُ: روى ابن عباس ﵄ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة آل عمران أعطيَ بكلِّ آيةٍ منها أمانًا على جسرِ جهنم" (٤).

стр. 2047

وقال عمر ﵁: مَن قرأ سورة آلِ عمران في ليلةٍ فهو غني (١). وروى الشعبيُّ عن مسروقٍ قال: ما خيَّب اللَّه عبدًا قرأ مَن ليلته البقرةَ وآلَ عمران والنساءَ، أو من خواتيمِهن، ونعمَ كنزُ المؤمن آخرُ سورةِ البقرة وآلِ عمران والنساء (٢). وقال أبو العطَّاف: اسم سورة آلِ عمران في التوراة: طيبة (٣). والحمدُ للَّه الموفِّقِ على الخيرات، والمترقِّقِ للقلوب القاسيات، الذي يُجازي على الحسنات، ولا يَعزُب عنه مثقالُ ذرةٍ في الأرض والسماوات، بعث محمدًا ﵇ الداعيَ إلى الطاعات والقربات، المؤيَّدَ بالدلالات والمعجزات، الذي هدانا به عن الضلالات، ونجَّانا من المهالك والموبِقات، صلَّى اللَّهُ عليه أفضلَ الصلوات، وأكملَ التحيات، وعلى أصحابه (٤) الذين لهم يدٌ على العُدَاة،

стр. 2048

وقوةٌ على المشركين والمشركات، وقوَّى بهم الملَّة الإسلامية والدِّينَ الحنيفية والسيرةَ المرْضيَّة، رضوانُ اللَّه عليهم أجمعين، وعلى مَن اتَّبعهم إلى يوم الدِّين. لقد أتممتُ هذه السورةَ بمنِّ اللَّه وقوته، وعونه ونُصرته، ختم اللَّه لنا وللمسلمين بخيرٍ، آمين (١). والحمدُ للَّه ربِّ العالمين. * * *

стр. 2049

سورة النساء

стр. 2050

سورة النساء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي خلقَنا من نفسٍ واحدة، وخلَق (١) منها زوجَها، وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وكان في ذلك وفي كلِّ شيء عليمًا حكيمًا، الرحمن الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم وكان فضل اللَّه عليه (٢) عظيمًا، الرحيم الذي قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]. وسورة النساء مدنيةٌ، وهي مئةٌ وسبعٌ وسبعون آيةً، وعند بعضهم: ستٌّ وسبعون، وهو على قولِ مَن لا يجعل قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] آيةً، وعند بعضهم: خمس وسبعون، وهو على قولِ مَن لا يَعُدُّ هذه (٣) آيةً ولا يَعدُّ أيضًا قولَه: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧٣] في آخر هذه السورة آيةً. وهي ثلاثةُ آلافٍ وسبعُ مئة وستٌّ وخمسون كلمةً، وخمسَة عشر ألفًا وتسعُ مئة وثمانيةٌ وسبعون حرفًا، ولقارئها ثواب عظيم.

стр. 2051

روى أُبي بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة النساء أُعطي من الأجر كأنما تصدَّق على كل (١) مَن ورث ميراثًا وحرَّر محرَّرًا وبرئ من الشرك، وكان في مشيئة اللَّه تعالى من الذين يتجاوز عنهم" (٢). وانتظام أول هذه السورة بآخر سورة آل عمران: أنه ختم تلك السورةَ بالأمر بالتقوى، ووعد عليه، وكان ذلك أمرًا للمؤمنين على الخصوص، وأمر الناس بالتقوى في أول هذه السورة على العموم فقال: (١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: وهذا نداء، والنداء في القرآن على نيِّفٍ وعشرين وجهًا: نداء التسمية: قال تعالى: ﴿يَاآدَمُ﴾ ﴿يَانُوحُ﴾ ﴿يَالُوطُ﴾. ونداء النسبة: قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. ونداء الخلقة: قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٣) [الأنبياء: ٦٩]. ونداء الجنس: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانفطار: ٦]. ونداء الصفة: قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩]. ونداء الإضافة: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾.

стр. 2052

ونداء المذمَّة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦]. ونداء الإهانة: قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]. ونداء الكرامة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ونداء الرفعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾. ونداء الخصوصية: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. ونداء الحالة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. ونداء العظمة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١]. ونداء الكناية: قال تعالى: ﴿يس﴾؛ أي: يا سيد المرسلين (١). ونداء الإشارة: قال تعالى: ﴿طه﴾؛ أي: يا بدرُ، على وجه الحساب (٢). ونداء اللطافة: قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾. ونداء الشفقة: قال عز وعلا: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢] (٣). ونداء الخاصة: قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾. ونداء الحاجة (٤): ﴿يَارَبِّ﴾.

стр. 2053

ونداء الحسرة: قال تعالى ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ (١) [الزمر: ٥٦]. ونداء الاستغاثة: قال تعالى: ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ (٢) ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾. قال (٣): وقد مر الكلام في اشتقاق (الناس) (٤) في سورة البقرة؛ أنه من الإيناس الذي هو الإبصار، أو من الاستئناس الذي هو الاستبشار، أو من النسيان الذي هو ضدُّ الادِّكار. وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في كلِّ ذلك: يا مَن أظهرتُكم عن كتم العدم بحكم تكليفي، ثم خصَصْتُ مَن شئتُ منكم بتشريفي، وحرَمت مَن شئتُ منكم هدايتي وتعريفي، ونقلتُكم إلى ما شئتُ بحكم تصريفي. وقال من الأنس: يا من أَنِسْتَ بحبِّي، واستَرْوحْتَ بنسيم قُرْبي، واعتَزَزْتَ بجلال قَدْري، أنت أجلُّ عبادي عندي. وقال من النسيان: سميتُك إنسانًا لنسيانك، فإنْ نَسِيْتَني فلا أخسَّ منك، وإن نسيتَ غيري لذكري فلا أخصَّ منك. وهذا الخطاب يتفاوت، فهو إذا كان للمذنب فمعناه: يا مَن نسيتَ عهدي، ورفَضْتَ ودِّي، وتجاوَزْتَ حَدِّي، آن لك أن ترجع إلى بابي لتَستحِقَّ لطفي وإيجابي. وهو إذا كان للعارف فمعناه: يا مَن نسيتَ فينا حظَّك، وصُنتَ عن غيرنا لَحْظَك ولفظك، لقد عظُم علينا حقُّك، ووجب لدينا نصرُك، وجَلَّ لدينا قَدْرُك (٥).

стр. 2054

وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ مرَّ تفسيره والكلامُ في وجوهه وفوائده. وقال الإمام القشيري ﵀: التقوى أولُها تركُ الشرك، وآخرُها الاتِّقاء (١) عن كلِّ غيرٍ، وأولُ أغيارِك نفسُك، فمَن اتَّقى نفسَه وقف بلا مقامٍ ولا شهودِ حال، منفردًا (٢) للَّه ذي الجلال والإكرام (٣). وقال الواسطيُّ ﵀: تقوى العامَّة من الشرك، وتقوى الخاصَّة من المعاصي، وتقوى خاصَّة الخاصَّة من التوصُّل بالأفعال. وقال الضحاك: أي: وحِّدوا ربَّكم. وقال الكلبي: أي: أطيعوا خالقكم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: أي: قدَّر خَلْقَكم حالًا بعد حالٍ على اختلافِ صوركم وألوانكم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: قال الإمام القشيري ﵀: تَعرَّفَ إلى العقلاء بكمال القدرة وتمامِ الحكمة، حيث خلَق جميع هذا الخلقِ من نسلِ شخصٍ واحد، على اختلافِ همَمهم، وتبايُن أخلاقهم، وتفاوُت صورهم، فإن (٤) اثنين منهم لا يتشابهان بكلِّ وجهٍ من (٥) الصورة والخُلق والهمَّة والحالة، فسبحان مَن لا حدَّ (٦) لمقدوراته ولا غايةَ لمعلوماته.

стр. 2055

وقال في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: حكَم الحقُّ سبحانه بمساكنةِ الخَلْق مع الخَلْقِ لبقاء النسل، ولردِّ المِثْلِ إلى المِثْل، ولرَبْط الشَّكْل بالشَّكْل (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: في كلِّ ما كان الخطابُ للكفرة ذكر على أثره حُججَ وحدانيته ودلائلَ ربوبيته؛ لأنَّهم لم يَعرفوا ربهم، مِن نحو (٢) ما ذكر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر: ٥]، ذكر الحجج التي يُتوصَّل بها إلى معرفته، وفي كلِّ ما كان الخطاب للمؤمنين لم يذكر هذه الحجج؛ لأنَّهم قد عرَفوا ربهم، ولكن ذكَر نعمه التي أنعمها عليهم، وثوابَه الذي وعده لهم، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] الآيات، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآيات (٣)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآية [الحديد: ٢٨]، على هذا يخرج الخطاب في الأغلب (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: وهو (٥) آدم صلوات اللَّه عليه، وأنث الواحدة لأن النفْس مؤنَّثةٌ سماعًا، ولو ذكَّر جاز ذهابًا به إلى تذكير آدم ﵇، وقد قال الشاعر: أبوك خليفةٌ ولدَتْه أخرى... وأنت خليفةٌ ذاك الكمال (٦)

стр. 2056

فجمع بين تذكيرِ المعنى وتأنيثِ اللفظ. وإنما قال: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ مع أنَّا خُلقنا من ذكرٍ وأنثى؛ لأن حواء من آدم، فمَرجِعُ الجميع إلى آدم، والمعنى: خلَقكم من نفسٍ كانت واحدة وهو آدم، ثم خلق منها زوجها، ثم خلقكم منها جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾؛ أي: امرأتَه حواءَ، وقد بيَّنَّا كيفية ذلك في سورة البقرة. ومعنى الإنعام في الخَلق من نفسٍ واحدة: أنه أقرب إلى أن يتعاطفوا، ويأنَس بعضهم ببعض، ويحامي بعضهم على بعض بما (١) بينهم من القرابة والأخوة بالرجوع إلى نفس واحدة. وقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: أي: نشر من جهة التناسُل والتوالُد من النفسين (٢) أولادًا كثيرًا ذكورًا وإناثًا. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ قرأ عاصم وحمزةُ والكسائيُّ: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف بحذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون بالتشديد بإدغام إحدى التاءين في السين (٣). ومعناه ما قال ابن عباس ﵄: واتقوا اللَّه الذي تَسأل الناس به بعضُهم بعضًا الحوائجَ والحقوق، يقول الرجل: أسألك باللَّه وأَنشُدك باللَّه.

стр. 2057

وتكرار ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ للتقرير والتأكيد، وذكرُ هذه الصفة بعده (١) تنبيه أنه اللَّه تعالى الذي لا تنكرون أنه خالقُكم والمستحِقُّ للعبادة عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ قرأ حمزة: ﴿والأرحامِ﴾ (٢) خفضًا، وله ثلاثة أوجه: أحدها: القسَم، فكأنه (٣) أمرهم بالتقوى وحلَّفهم عليها (٤) بالأرحام. والثاني: بإضمار الخافض، كأنه قال: به وبالأرحام؛ أي: تقولون (٥): أسألك باللَّه وبالرَّحِم أن تفعل كذا. والثالث: أنه مخفوض عطفًا على الهاء في قوله: ﴿بِهِ﴾، وهذا ضعيف لأنه لا يعطف على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض (٦)، لا يقال: مررتُ به وزيدٍ،

стр. 2058

ولكن يقال: مررتُ (١) به وبزيد، وقد جاء في ضرورة الشعر كما قال الشاعر: فاليومَ قرَّبْتَ تهجونا وتَشْتِمُنا... فاذْهَبْ فما بكَ والأيامِ من عَجَب (٢) وقرأ الباقون بالنصب عطفًا على قوله: ﴿اللَّهَ﴾؛ أي: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها وتهمِلوا حقَّها، وجمع بين الحقَّين تعظيمًا لحقِّ الرَّحِم، وهو كجمعه بين حقِّه وحقِّ الأبوين بقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: أي: حفيظًا، وفعيل بمعنى الفاعل، وقد رَقَب يَرْقُب من حدِّ دخَل، رَقْبًا ورُقوبًا ورِقبةً، يقول: هو حافظٌ لأعمالكم وأقوالكم وأحوالكم يسألكم (٣) عمَّا أمركم به من طاعته وصلة الرحم. * * *

стр. 2059

(٢) - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾: وهو من التقوى الذي أمر به (١) في أول السورة مرتين. قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من بني غطفان وكان معه مالٌ كثيرٌ لابن أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغ اليتيم الحُلُم طلب ماله فمنعه عمُّه، فرفعوا إلى النبي ﷺ فنزلت الآية (٢). وقال مقاتل: خاصمه إلى النبيِّ ﷺ ، فأمره أن يردَّ عليه مالَه، وقرأ عليه هذه الآية، فلما سمعها قال: أطعنا اللَّه وأطعنا الرسول، ونعوذ باللَّه من الحُوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي ﷺ : "هكذا مَن يُوقَ شحَّ نفسه وُيطِعْ ربَّه فإنه يَحُلُّ داره" يعني: جَنَّتَه، فلمَّا قَبَض الفتى مالَه أنفقه في سبيل اللَّه، فقال النبي ﷺ : "ثبَت الأجرُ وبقي الوِزرُ"، فقالوا: قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل اللَّه؟! فقال: "ثبت الأجرُ للغلام وبقي الوزر على والده" (٣). ومعنى الآية: أنه يقول للأولياء أو الأوصياء: أعطوا اليتامى -أي: الذين كانوا يتامى- أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح ورأيتُم منهم رشدًا؛ أي: صلاحًا في دينهم وحفظًا لأموالهم، وهو أمر بحفظ أموالهم للحال، وتسليمِها إليهم بعد البلوغ، وتسميتُهم يتامى باعتبارِ ما كان.

стр. 2060

وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: احفظوا لتؤتُوا بعد البلوغ. والثاني: أنفِقوا عليهم من أموالهم ووسِّعوا عليهم النفقةَ، ولا تضيِّقوها (١) لينظروا إلى أموال غيرهم (٢). وقال عمر ﵁: مَن وَلي منكم يتيمًا له مالٌ فليوسِّعْ (٣) عليه، ولا يُضيِّقْ عليه ولا يُقتِّرْ (٤). وقال ابن عمر ﵄: أَسبغْ (٥) على اليتيم، فإنْ هو مات فقد أحسنْتُم إليه، وإن بقي فسيغنيهِ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: التبدُّل والاستبدال: أخذُ الشيء بدلًا عن الشيء، وله وجوه: قال الكلبي ﵀: لا تذَروا أموالكم التي هي حلالٌ لكم وتأكلوا الحرامَ (٦) من أموال اليتامى. وهو قول ابن عباس ﵄ وأبي صالح ومجاهد وسعيد بن جبير (٧).

стр. 2061

وقال سعيد بن المسيِّب والشعبيُّ والسدِّيُّ والضحَّاك: لا تأخذوا الجيد والرفيع (١) من مال اليتيم وتضعوا مكانه الرديء، لا تأخذوا الشاة السمينة وتجعلوا مكانها المهزولة وتقولوا: شاةٌ بشاةٍ، وتأخذوا (٢) الدرهم الجيد وتجعلوا مكانه الزيفَ وتقولوا: درهمٌ بدرهم (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀ في وجوهه هذين الوجهين وزاد عليهما: أي (٤): لا تأخذوا الخبيثَ من مال اليتيم وتتركوا ما وُعد لكم في الآخرة بحفظ أموالهم. وقال (٥) أيضًا: لا تأخذوا مال اليتيم وهو خبيثٌ لكم فيؤخذ منكم بالضمان المال الذي لكم (٦) وهو طيب (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾: أي: مع أموالكم؛ كقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: مع اللَّه. وقيل: أي: مضمومةً إلى أموالكم، ففيه إضمار. نَهَى أولًا عن أكل أموالهم وحدَها، ثم نَهَى عن أكلها مع مال نفسه خلطًا على

стр. 2062

وجهٍ لا يريد به الإصلاحَ، فقد قال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] لكن قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وقد فسَّرنا تلك الآية في موضعها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: أي: إن الأكل، ودلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾. ﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾؛ أي: إثمًا عظيمًا، وكذلك الحابُ والحَوْبُ والحَوْبةُ، وقد حاب يَحُوبُ؛ أي: أَثِمَ، وتَحَوَّبَ؛ أي: تحرَّز عن الإثم، ونظيرُه: تَأثَّم وتَحرَّج وتَحنَّث، هو التحرُّز عن الإثم والحَرَج والحِنْث. وقيل في نزولها: إن امرأة توفِّي عنها زوجُها وترك بناتٍ صغارًا (١) ومالًا، واستولى ابن عمِّهنَّ على المال، فجاءت المرأة إلى النبيِّ ﷺ وقالت: إنما يُرغب في البنات للمال أو للجمال (٢)، ولا جمال لبناتي وقد أخذ مالَهن ابنُ عمِّهن فإما أن يردَّ مالهن أو يضمَّهنَّ إلى نفسه فيَعُولَهنَّ، فنزلت هذه الآية. * * * (٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: ألَّا تعدلوا. والقسطُ: العدلُ، وقد أقسط إقساطًا: إذا عدل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقسط قسوطًا؛ أي: جار، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥].

стр. 2063

قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي: مَن طاب لكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]. وقيل: (ما) مع الفعل مصدر، معناه: فانكحوا الطَّيِّبَ؛ أي: النِّكاحَ الطَّيِّبَ؛ أي: الحلال. وقال أبو العبَّاس (١): (ما) للجنس، كما يقال: ما عندك (٢)؟ فتقول: رجل، أو: امرأة. وقيل (مَن) و (ما) متناوبان (٣)؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠]؛ أي: وما لستم، فقد قال مجاهدٌ: هو الدَّوابُّ والبهائم (٤)، وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]؛ أي: ما يمشي. وللجمع بين حكم اليتيم وحكم النِّكاح وجوهٌ مِن التَّأويل: قيل: معناه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: في يتامى النِّساء اللَّاتي أنتم أولياؤهن إذا نكحتموهن، وذلك بأن لا تبلُغوا بصَداقهنَّ مبلغ مهور أمثالهنَّ، فاعدلوا عنهنَّ إلى نكاح غيرهنَّ مِن النِّساء، وانكحوا ما طاب لكم منهنَّ (٥) ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ

стр. 2064

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أي: أن لا تعدلوا في الأربع من (١) الأجنبيات فما دونهنَّ إلى أن تقتصروا على الواحدة، فإن خفتم أن لا تعدلوا في (٢) الواحدة المنكوحة فاعدلوا عن النِّكاح إلى تسري الإماء. وسبب ذلك: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يقصدون إلى ظلم مَن يَلُونهنَّ مِن يتامى النِّساء، ويتزوَّجونهنَّ من غير طيب أنفسهنَّ بما يريدون مِن الصَّداق، فلا يمكنهنَّ الامتناعُ منهم (٣) لضعفهنَّ، إذ كان (٤) ناصرهنَّ على الظَّالم هذا الظَّالم، فلمَّا جاء الإسلام، ونزلَ التَّشديد في أمر اليتامى، اشتدَّ خوفُهم بما كانوا يفعلونَه، فأَخبر اللَّه تعالى أنَّهم إنْ خافوا الإثم في نكاحهنَّ فليتركوا ذلك، وليتزوَّجوا الأجنبيات؛ فإنَّ اليتامى من قراباتهنَّ قد يُظهرْنَ الرِّضا حياءً منهنَّ، ويُضمرْنَ (٥) الكراهةَ، ولا ناصر لهنَّ إذا لحقهُنَّ ظلمٌ، والأجنبيَّات يمكنهنَّ التَّصريحُ بما يضمرْنَ (٦)، والانتصارُ بأوليائهنَّ، فكان ذلك أطيبَ وأبعدَ عن الظُّلم. ثم التَّبليغُ إلى الأربع توسعةٌ في الملاذِّ، والأمرُ بالاقتصار (٧) على الواحدة حفظٌ عن الجَورِ، والأمرُ بالتَّسرِّي تخفيفٌ، فإنَّ الإماء في الإعفاف كالحرائر، وحقوقهنَّ (٨) أقلُّ.

стр. 2065

وهذا كلُّه تنبيهٌ على الاحتراز مِن مكائد الشيطان في الإيقاع فيما لا يحلُّ، وهي (١) رحمةٌ مِن اللَّه تعالى لنا، ورأفةٌ بنا، وله الحمد. ويَروي معنى هذا الزُّهريُّ عن عروةَ عن عائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها (٢). والثَّاني: أنَّ قريشًا كان يتزوَّجُ الرَّجلُ منهم العشرَ مِن النِّساء والأكثر، فإذا لم يكن معه مالٌ (٣) صرفَ مالَ اليتيم الذي في حِجره إلى صداقهنَّ، فنُهوا عن ذلك، وقُصِروا على الأربع، وعند الخوف على الواحدة، ثم التَّسرِّي. ومعنى الآية على هذا: فإن خفتم ألَّا تقسطوا في أموال اليتامى فاقتصروا على نكاح الأربع، فإن عجزتم عن ذلك فواحدة، أو الأمة بالتَّسري. وهذا يرويه طاوسٌ عن ابن عبَّاس ﵄ (٤). والثالث: أنهم كانوا يتوسَّعون في عدد المنكوحات بما يقعون به في الجَور، ويتحرَّزون عن الجَور في أموال اليتامى، فقيل لهم: كما تخافون في ذلك فخافوا في هذا. وهذا قولُ كثيرٍ مِن المفسِّرين؛ قتادة وسعيد بن جبير والضَّحَّاك والسُّدي وغيرهم (٥). والرابع: كما خفتم في اليتامى إذا وُلِّيتم أموالهم وتحرَّزتم عن أكل أموالهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتحرَّزوا عن الزِّنى، وانكحوا ما أحلَّ اللَّه لكم. وهذا قول مجاهد (٦).

стр. 2066

والخامس: أنَّ الرَّجل كان يلي اليتيمةَ من قرابته، ولعلها شريكةٌ له بمالها، فلا تطيبُ نفسُه بتزويجها مِن غيره خشيةَ مزاحمتِه إيَّاه في المال المشترَك بينهما، ويرغب أن ينكحها (١) بنفسه لدمامتها أو غير ذلك، فأُمروا إن خافوا أن لا يعدلوا فيهنَّ إذا تزوجوهنَّ أن ينكحوا من الأجنبيات ما أحلَّ اللَّه لهم، ولا يعضلوهنَّ فيتزوجَهُنَّ غيرهم. وهذا يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ (٢). والسادس: قولُ الضَّحَّاك، قال: سألوا عن أمر (٣) اليتامى، وتركوا ذكر النساء، فنزلت الآية (٤): فإن خفتم في أمر اليتامى فما لكم لا تسألون عن أمر النِّساء (٥). قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبات بالترجمة عن ﴿مَا﴾، ولا تنوينَ فيهنَّ لأنَّها غيرُ منصرفة، فإنَّها معدولة عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، ومعناه: اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ومع العدل فيها معنًى آخرُ، وهو وهم الألف واللَّام؛ لأنَّها كالمعارف، ولهذا لا إضافة فيها، فامتنع صرفُها لذلك. وتعلَّقت الروافض -لعنهم اللَّه- بظاهرها لإباحة الجمع بين تسع نسوة، فإنَّه ذُكر بالواو لا بـ (أو)، وذلك للجمع. لكنَّا نقول: هذا على البدل دون الجمع في حالةٍ واحدة؛ أي: فانكحوا مثنى، وانكحوا ثلاث، بدل: مثنى، وانكحوا رباع، بدل مثنى وثلاث.

стр. 2067

والدَّليل على أنَّ المراد هذا لا غيره: أنَّه لو قيل هذا في الأمر بشيء آخر لم يكن إلَّا على هذا الوجه، فإنَّه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدَّار مثنى وثلاث ورباع، لم يكن أمرًا بدخول تسعة منهم جملةً في حالة، بل هو أمر لهم أن يدخلوا (١) اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوها بدل ذلك ثلاثة ثلاثة، ولهم أن يدخلوا بدل ذلك أربعة أربعة، وكذا في كلِّ موضع، هذا هو قضيَّة اللُّغة، ولا معنى لهذيان الرَّافضة. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾: فيه إضمار؛ أي: فانكحوا واحدةً. وقرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ والجحدري: ﴿فواحدةٌ﴾ بالرَّفع (٢)، وهذا (٣) ابتداءٌ، وخبرُه محذوفٌ، وتقديرُه: تكفيكُم، ونحوُ ذلك. قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قيل: هذا (٤) مرفوعٌ بالابتداء، مع قراءة الأولى بالنَّصب؛ لأنَّه لا يقع النِّكاح عليها، فلا تُعطَف على المنكوحات. وقيل: يجوز فيه النَّصب، على إضمار فعل يقع عليها، وتُنصب في الظَّاهر بناءً على المذكور أولًا (٥)؛ كما في قولِ القائلِ: ورأيْتُ زَوْجَكِ في الوغى... متقلِّدًا سيفًا ورمحا (٦)

стр. 2068

أي: متقلِّدًا سيفًا ومعتقلًا رمحًا، وهنا يُضمَر: فاقصدوا، أو اختاروا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: أي: ذلك أقربُ إلى أنْ لا تجوروا، قال الشاعر: بميزانِ قسطٍ وزنُه غيرُ عائلِ (١) وأصلُ العَوْل: الخروجُ عن الحدِّ. والعَوْلُ في الفرائض: الخروجُ عن حد السِّهام المسمَّاة. والعَويلُ: الخروجُ عن حدِّ البكاء المعتاد. * * * (٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾: أي: مهورَهنَّ، والواحدة: صَدُقة. والإيتاءُ: الإعطاءُ، وله وجهان ها هنا: الالتزامُ (٢) والتَّسليم، ويجوز أن يكونا جميعًا مرادَيْن؛ أي: سَمُّوا لهنَّ ذلك إذا عقدتم، وسلِّموا ذلك لهنَّ (٣) إذا الْتَزمتم.

стр. 2069

قوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾: أي: عطيَّةً، وقد نَحَل نِحلَةً؛ أي: أعطى، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى الفاعل، ويجوز أن يكون تفسيرًا، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير لفظه، فإنَّ الإيتاء والنِّحلة بمعنًى واحد. وقيل: معناه ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: عطيَّة من اللَّه لهنَّ. وقال ابن عرفة: ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: دَينًا، أي (١)؛ تَدينوا بذلك، فقد شرعَه اللَّه لكم كذلك (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: أي: مِن المهر والصَّداق أو المال، فالكناية ترجع إلى المعنى، لا إلى المذكور؛ فإنَّ المذكور (صدقات)، وهي مؤنَّثة، ويجوز أن تكون راجعة إلى المُؤْتَى (٣) الَّذي دلَّ عليه: ﴿وَآتُوا﴾. و ﴿مِنْهُ﴾ هو ليس للتَّبعيض، بل للتَّجنيس. و ﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ على التَّفسير عند الكوفيِّين، وعلى التَّمييز عند البصريِّين، وهما قريبان. وأصل الفعل: للنَّفس، فلمَّا حُوِّلَ الفعلُ إليهنَّ ذُكِرَت النَّفس بيانًا للمراد، وهو كقولك: قرَّ فلانٌ عينًا، وضاق ذرعًا (٤). ولم يقل: (أنفسًا) -على الجمع- لأنَّه جنسٌ فصلح للجمع، وقال تعالى: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] على الجمع.

стр. 2070

والفرق بينهما: أنَّ في قوله تعالى: ﴿طِبْنَ﴾ دلالةً على معنى الجمع فاكتفى بقوله: ﴿نَفْسًا﴾ كما في قولهم: عشرون درهمًا. وأمَّا في قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ إنَّما ذُكِرَ على الجمع لئلَّا يوهِم أنَّه عملٌ واحدٌ (١) أضيف إلى الجمع لرضاهم بوجوده من واحد، كما يضاف القتل إلى الجمع لأنَّهم (٢) رضُوا به ومالؤوا (٣) عليه. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: أي: طيِّبًا سائغًا، وقد هَنُؤَ الطَّعام يَهْنُؤُ فهو هنيءٌ، ومَرُؤَ يَمْرُؤُ فهو مريءٌ، مِن حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار كذلك. وهَنَأني الطَّعامُ ومَرَأني مِن حدِّ ضَرَبَ؛ أي: ساغ لي. فإذا أفردوا قالوا: أمرأني بالألف، فأمَّا على الإتباع فيُقال: مرأني، كما يقال (٤): هنأني. و ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ نصبهما على الحال، ويجوز على الدُّعاء، كما يُقال: سقيًا ورعيًا. ومعناه: فإن وهبَت المرأةُ للزَّوج مهرَها أو شيئًا منه عن طيبِ نفسٍ، بلا إكراهٍ ولا رهبةٍ ولا افتداءٍ مِن سوء عِشرةٍ = فليأكلْهُ الزَّوجُ هنيئًا مأمونَ التَّبِعة في الآخرة. والمراد بالأكل: هو الانتفاع به؛ أكلًا كان ذلك أو غيرَه، وخصَّ الأكل بالذِّكرِ لأنَّه مُعْظَم (٥) المقصود بالمال، كما ذَكر ذلك في مال اليتيم ومال الغير والرِّبا.
следующие страницы →