← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

والخامس: أنَّ الرَّجل كان يلي اليتيمةَ من قرابته، ولعلها شريكةٌ له بمالها، فلا تطيبُ نفسُه بتزويجها مِن غيره خشيةَ مزاحمتِه إيَّاه في المال المشترَك بينهما، ويرغب أن ينكحها (١) بنفسه لدمامتها أو غير ذلك، فأُمروا إن خافوا أن لا يعدلوا فيهنَّ إذا تزوجوهنَّ أن ينكحوا من الأجنبيات ما أحلَّ اللَّه لهم، ولا يعضلوهنَّ فيتزوجَهُنَّ غيرهم. وهذا يرويه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ (٢). والسادس: قولُ الضَّحَّاك، قال: سألوا عن أمر (٣) اليتامى، وتركوا ذكر النساء، فنزلت الآية (٤): فإن خفتم في أمر اليتامى فما لكم لا تسألون عن أمر النِّساء (٥). قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبات بالترجمة عن ﴿مَا﴾، ولا تنوينَ فيهنَّ لأنَّها غيرُ منصرفة، فإنَّها معدولة عن اثنين وثلاثٍ وأربعٍ، ومعناه: اثنين اثنين وثلاثًا ثلاثًا وأربعًا أربعًا، ومع العدل فيها معنًى آخرُ، وهو وهم الألف واللَّام؛ لأنَّها كالمعارف، ولهذا لا إضافة فيها، فامتنع صرفُها لذلك. وتعلَّقت الروافض -لعنهم اللَّه- بظاهرها لإباحة الجمع بين تسع نسوة، فإنَّه ذُكر بالواو لا بـ (أو)، وذلك للجمع. لكنَّا نقول: هذا على البدل دون الجمع في حالةٍ واحدة؛ أي: فانكحوا مثنى، وانكحوا ثلاث، بدل: مثنى، وانكحوا رباع، بدل مثنى وثلاث.

стр. 2067

والدَّليل على أنَّ المراد هذا لا غيره: أنَّه لو قيل هذا في الأمر بشيء آخر لم يكن إلَّا على هذا الوجه، فإنَّه إذا قيل لقوم: ادخلوا الدَّار مثنى وثلاث ورباع، لم يكن أمرًا بدخول تسعة منهم جملةً في حالة، بل هو أمر لهم أن يدخلوا (١) اثنين اثنين، ولهم أن يدخلوها بدل ذلك ثلاثة ثلاثة، ولهم أن يدخلوا بدل ذلك أربعة أربعة، وكذا في كلِّ موضع، هذا هو قضيَّة اللُّغة، ولا معنى لهذيان الرَّافضة. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾: فيه إضمار؛ أي: فانكحوا واحدةً. وقرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ والجحدري: ﴿فواحدةٌ﴾ بالرَّفع (٢)، وهذا (٣) ابتداءٌ، وخبرُه محذوفٌ، وتقديرُه: تكفيكُم، ونحوُ ذلك. قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قيل: هذا (٤) مرفوعٌ بالابتداء، مع قراءة الأولى بالنَّصب؛ لأنَّه لا يقع النِّكاح عليها، فلا تُعطَف على المنكوحات. وقيل: يجوز فيه النَّصب، على إضمار فعل يقع عليها، وتُنصب في الظَّاهر بناءً على المذكور أولًا (٥)؛ كما في قولِ القائلِ: ورأيْتُ زَوْجَكِ في الوغى... متقلِّدًا سيفًا ورمحا (٦)

стр. 2068

أي: متقلِّدًا سيفًا ومعتقلًا رمحًا، وهنا يُضمَر: فاقصدوا، أو اختاروا. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: أي: ذلك أقربُ إلى أنْ لا تجوروا، قال الشاعر: بميزانِ قسطٍ وزنُه غيرُ عائلِ (١) وأصلُ العَوْل: الخروجُ عن الحدِّ. والعَوْلُ في الفرائض: الخروجُ عن حد السِّهام المسمَّاة. والعَويلُ: الخروجُ عن حدِّ البكاء المعتاد. * * * (٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾: أي: مهورَهنَّ، والواحدة: صَدُقة. والإيتاءُ: الإعطاءُ، وله وجهان ها هنا: الالتزامُ (٢) والتَّسليم، ويجوز أن يكونا جميعًا مرادَيْن؛ أي: سَمُّوا لهنَّ ذلك إذا عقدتم، وسلِّموا ذلك لهنَّ (٣) إذا الْتَزمتم.

стр. 2069

قوله تعالى: ﴿نِحْلَةً﴾: أي: عطيَّةً، وقد نَحَل نِحلَةً؛ أي: أعطى، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى الفاعل، ويجوز أن يكون تفسيرًا، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير لفظه، فإنَّ الإيتاء والنِّحلة بمعنًى واحد. وقيل: معناه ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: عطيَّة من اللَّه لهنَّ. وقال ابن عرفة: ﴿نِحْلَةً﴾؛ أي: دَينًا، أي (١)؛ تَدينوا بذلك، فقد شرعَه اللَّه لكم كذلك (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾: أي: مِن المهر والصَّداق أو المال، فالكناية ترجع إلى المعنى، لا إلى المذكور؛ فإنَّ المذكور (صدقات)، وهي مؤنَّثة، ويجوز أن تكون راجعة إلى المُؤْتَى (٣) الَّذي دلَّ عليه: ﴿وَآتُوا﴾. و ﴿مِنْهُ﴾ هو ليس للتَّبعيض، بل للتَّجنيس. و ﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ على التَّفسير عند الكوفيِّين، وعلى التَّمييز عند البصريِّين، وهما قريبان. وأصل الفعل: للنَّفس، فلمَّا حُوِّلَ الفعلُ إليهنَّ ذُكِرَت النَّفس بيانًا للمراد، وهو كقولك: قرَّ فلانٌ عينًا، وضاق ذرعًا (٤). ولم يقل: (أنفسًا) -على الجمع- لأنَّه جنسٌ فصلح للجمع، وقال تعالى: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] على الجمع.

стр. 2070

والفرق بينهما: أنَّ في قوله تعالى: ﴿طِبْنَ﴾ دلالةً على معنى الجمع فاكتفى بقوله: ﴿نَفْسًا﴾ كما في قولهم: عشرون درهمًا. وأمَّا في قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ إنَّما ذُكِرَ على الجمع لئلَّا يوهِم أنَّه عملٌ واحدٌ (١) أضيف إلى الجمع لرضاهم بوجوده من واحد، كما يضاف القتل إلى الجمع لأنَّهم (٢) رضُوا به ومالؤوا (٣) عليه. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾: أي: طيِّبًا سائغًا، وقد هَنُؤَ الطَّعام يَهْنُؤُ فهو هنيءٌ، ومَرُؤَ يَمْرُؤُ فهو مريءٌ، مِن حدِّ شَرُفَ؛ أي: صار كذلك. وهَنَأني الطَّعامُ ومَرَأني مِن حدِّ ضَرَبَ؛ أي: ساغ لي. فإذا أفردوا قالوا: أمرأني بالألف، فأمَّا على الإتباع فيُقال: مرأني، كما يقال (٤): هنأني. و ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ نصبهما على الحال، ويجوز على الدُّعاء، كما يُقال: سقيًا ورعيًا. ومعناه: فإن وهبَت المرأةُ للزَّوج مهرَها أو شيئًا منه عن طيبِ نفسٍ، بلا إكراهٍ ولا رهبةٍ ولا افتداءٍ مِن سوء عِشرةٍ = فليأكلْهُ الزَّوجُ هنيئًا مأمونَ التَّبِعة في الآخرة. والمراد بالأكل: هو الانتفاع به؛ أكلًا كان ذلك أو غيرَه، وخصَّ الأكل بالذِّكرِ لأنَّه مُعْظَم (٥) المقصود بالمال، كما ذَكر ذلك في مال اليتيم ومال الغير والرِّبا.

стр. 2071

وقال الكلبيُّ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ خطاب للأولياء، وكان وليُّ المرأة إذا زوَّجها؛ فإنْ كانت معهم في العشيرة لم يعطها من المهر شيئًا، وإنْ كانت غريبةً حملوها على بعيرٍ إلى زوجها، فلم يكنْ لها إلَّا ذلك، فأمر اللَّه تعالى الأولياء فقال: وأعطوا النِّساء صدقاتهنَّ، فإن طبْنَ لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا لا إثم فيه مريئًا لا داءَ فيه (١). وقيل: مَن اعتلَّ علَّةً فأعيى (٢) علاجَها الأطبَّاء، فليُعطِ امرأتَه مِن مهرِها درهمًا (٣)، وليستَوْهِبها ذلك، فإذا وهبَتْهُ له عن رضًا فليشترِ به عسلًا، وليأكلْهُ مع ماء السَّماء؛ فإذا اجتمع له الهنيءُ المريءُ والمبارك والطَّهور والشِّفاء، حصلَتْ له العافيةُ وزال الدَّاء (٤). ذكرَه الإمام أبو منصورٍ ﵀ عن عليٍّ ﵁ (٥). وقال: وفي الآية: أنَّ النَّفقة وإن كانت عليه فهي إذا قامَتْ بها بطِيب نفسها لم يُحرَجْ هو؛ لأنَّ نفقتها عليه ليسَتْ بأعظم من نفقتِه من مالها إذا أعطتْهُ، ووُصف بالهنيء المريء لأنَّه ربَّما يَستثقلُ الطَّبعُ أكلَ مالها كراهةَ الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد الشَّديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه (٦) فتبذل له، أو بما يُوهِم الطَّمعَ في مالها والرَّغبةَ في النِّكاح لذلك؛ فطيَّبه اللَّهُ تعالى حتى وصفه بغاية ما يحتمِل المالُ من الطِّيب.

стр. 2072

وفيه: بيانُ جواز معروفها، وترغيبٌ في حسن المعاشرة بينهما، حتَّى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وذلك ممَّا يُورث المحبَّة، أو يديمها؛ إذ جعلها اللَّه تعالى بينهما بقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] (١). * * * (٥) - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: قال السُّديُّ: لا تعطِ امرأتكَ وولدَكَ مالَكَ، فيكونوا هم الَّذين يقومون عليك، وأطعمْهم مِن مالِكَ واكسُهم (٢). وقيل: لَمَّا قال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ بيَّن بهذه الآية أنَّه إنَّما يجب الإيتاء إذا كانوا مِن أهل ولاية أخذ المال، فأمَّا إذا كانوا سفهاءَ غيرَ بالغين مصلِحين فلا يُدفع إليهم، ويُمسَك إلى أن يزولَ السَّفه. وقال عكرمة ومجاهد: لا يُدفع صَداقُها إليها إذا كانت سفيهةً، ويُدفع إلى أبيها (٣). ورُوي أن رجلًا دفع مالًا إلى امرأته فدفعته في غير الحقِّ فنزلَت الآيةُ (٤).

стр. 2073

وعلى هذا قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ أي: الأموالَ التي تَلُونها وتمسكونها وهي مملوكةٌ لليتامى والنِّساء. أو على معنى: أنَّ الأموال في الجملة مجعولةٌ للنَّاس كلِّهم قوامًا لهم، وهذه الإضافة كالإضافة في قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبيوت للأزواج، لكنَّها في أيدي النِّساء وتصرُّفهنَّ وسُكْناهنَّ. وقال الكلبيُّ: السُّفهاءُ: الجهَّال بمواضع الحقِّ، إذا علم أنَّ امرأتَه مُفسِدةٌ وولدَه مفسدٌ لم ينبغ له أن يسلِّطهم على ماله (١). وعلى هذا قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ هو إضافةُ الملك إلى مالكه على الحقيقة. قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: جعَل المال. وفيه تنبيهٌ على عظم خطر المال وعظم نفعه؛ أي: جعله اللَّه تعالى قوامًا لمعاشكم في دنياكم الَّتي جعلها اللَّه تعالى دارَ أعمالكم التي بها تتوصَّلون إلى نعيم الآخرة. والقيامُ: اسمٌ، وليس بمصدر، وهو الذي تقوم به حياتُه، وتستقيم به أمورُه. والقِوام بالكسر والفتح كذلك. وقال معاويةُ بن قُرَّة: عوِّدوا النِّساء (لا)، لَئِنْ (٢) أطعْتَ المرأةَ أهلكَتْكَ (٣).

стр. 2074

قوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: أي: أَجْروا (١) على السُّفهاء من (٢) أموالهم ما يقيمهم من (٣) حوائجهم، واكسوهم قَدْرَ ما يحتاجون إليه، وأمسكوا الباقي. قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: أي: حسنًا في العقول؛ أي: عرِّفوهم أنَّكم إنَّما تَلُونَ أموالهم حفظًا عليهم وصيانةً عن الضَّياع، إلى أن يزول السَّفه عنهم، ويصيروا أحقَّ بأموالهم، فتدفعونها (٤) إليهم. وعلى القول الآخَر: أي: قولوا للنِّساء والأولاد: إنِّي لو مِتُّ فهذا المال يكون لكم، وعلى هذا القول قيل (٥): أي: قولوا: في المال قلَّة، وفي العيال كثرة، ولولا ذلك لأعطيتُكم أكثر من هذا، فإنْ وسَّع اللَّه عليَّ وسَّعْتُ عليكم، فإنَّ مع العسر يسرًا. وقال الزَّجَّاجُ: أي: علِّموهم أمرَ دينِهم مع الإطعام والكسوة (٦). * * * (٦) - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: أي: اختبروا اليتامى وامتحنوهم بدفع بعض

стр. 2075

أموالهم ليتصرَّفوا فيها، فيظهرَ رشدُهم ومعرفتُهم، وفيه دليلٌ على جوازِ إذنِ الصَّبيِّ العاقل بالتِّجارةِ (١). قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: أي: الوطءَ؛ أي: قدروا على ذلك، وهو حالة الإنزال، وهو كنايةٌ عن البلوغ، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ أي: أبصرتم، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠]. و ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: هداية في التَّصرُّفات، وصلاحًا في المعاملات. قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾: أي: سلِّموا وردُّوا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ يحتمِل وجهين: أحدهما: الاختبار بالتَّصرُّف في المال على ما بيَّنَّا. والثَّاني: أنْ يُبتلَى الأيتامُ قبلَ بلوغِهم بأنواع العبادات والآداب؛ ليعتادوا بها، ويتأدَّبوا بها؛ ليعرفوا حقوقَ الأموال وقَدْرها ويحفظوها إذا بلغوا؛ لأنَّهم إذا ابتُلوا بعد البلوغ لم يعرفوا ما عليهم، فكانَ في ذلك تضييعُ حقوقِ اللَّهِ (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ اختلفَ العلماءُ فيمَنْ بلغَ مبذِّرًا سفيهًا؛ هل يُحجَر عليه؟ فأبو حنيفة ﵀ لا يرى الحجرَ عليه في تصرُّفاته، وأبو يوسف ﵀ يقول: لا يَنحجِر بذلك، لكن يستحقُّ حجرَ القاضي عليه، وقال محمَّد ﵀:

стр. 2076

يَنحجِر (١) بسفهه، ويُعرف ذلك في الفقهيَّات، وقد أوضحناه في "حصائل المسائل". وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يخلو منعُ المال منهم (٢) من أوجهٍ ثلاثةٍ: إمَّا أن يُمنَع لفرط (٣) البذل والإنفاق جودًا وسخاوةً وحسنَ ظنٍّ باللَّه تعالى أنَّه يرزقُه ويُخلفه، وهذا لا يحتملُ (٤)؛ لأنَّه مِن أخلاق الأنبياء وسيرهم (٥)، فلا معنى للنَّهي عن ذلك. أو يُمنعَ لغلبة شهوتهم، وقضاء وطرهم (٦)؛ فإنَّهم إنْ (٧) مُنعوا عن ذلك في أموالهم تناولوا من أموال غيرهم وتعاطَوا ما لا يحلُّ، فلا يحتمل (٨) أنْ يُمنعوا لذلك. أو يُمنعَ عنهم مالهم لآفةٍ في عقولهم ونقصٍ في تدبيرهم؛ فإنْ كان (٩) لهذا يمنع (١٠) عنهم أموالهم، فيجب أن يُمنعَ أبدًا، لا مدَّةَ في ذلك، إلَّا بعد ارتفاعه وزواله عنهم (١١).

стр. 2077

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾: أي: مجاوزةً عن الحدِّ، وليس فيه إباحةُ القليل وتحريمُ الإسراف، بل هو بيان أنَّه إسرافٌ. وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إباحةٌ للأكل من مال اليتيم لوصيِّه عند الحاجة، وهذا نهيٌ عن مجاوزة قَدْر الحاجة. قوله تعالى: ﴿وَبِدَارًا﴾: أي: مبادرةً، وهي المسارعة. قوله تعالى: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أي: أن يبلغوا؛ أي: لا تأكلوا وأنتم تبادرون بلوغَهم، وهو كقولك: بادرْتُ مجيءَ زيدٍ؛ أي: فعلتُه قبلَ مجيئِه، ومعناه: تأكلون قبل بلوغِهم واستردادِهم مالهم منكم. ثم ليس هذا قصرُ التَّحريم على الإسراف وعلى مبادرة البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالب الحال، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليس هو تحريم الإكراه على الزِّنى مقصورًا على حالِ إرادتهنَّ التَّعفُّف، بل هو ذكرُ غالب الحال، وهو في غير هذه (١) الحال كذلك. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: أي: مَن كان مِن الأوصياء غيرَ محتاجٍ فليتحرَّز عن أكل مال اليتيم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: قال الشَّعبيُّ ومجاهدٌ ومقاتلٌ والضَّحَّاكُ وسعيدُ بن جبيرٍ: فليأكل منه قرضًا على نفسه يؤدِّيه (٢) إليه إذا بلغ (٣).

стр. 2078

وعلى هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: إذا قضيتُم ذلك الدَّين فأشهدوا على القضاء؛ لأنَّه لا يُصدَّق في دعوى سقوطه عن ذمَّته إلَّا ببيِّنةٍ، بخلافِ دعواه ردَّ مالِه عليه بعينه أنَّه يُصدَّق فيه؛ لأنَّه مُؤتَمَنٌ في ذلك. وقال أبو العالية وقتادة وجماعة: للوصيِّ التَّناولُ مِن نماء مال اليتيم، كشرب ألبان مواشيه، واستخدامِ عبيده، وركوبِ دوابِّه (١)، غيرَ مضرٍّ بمالِه، وليس له أخذُ أصول أموالِه؛ فإنَّه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فحكمَ في أعيان أموالهم بدفعِها إليهم (٢). وقال جماعةٌ منهم الكلبيُّ والذين نذكرهم في تفسير (المعروف): له أنْ يأكلَ مِن عين ماله بقَدْر حاجتِه مِن غيرِ عوضٍ (٣). قال عمرُ ﵁: إنِّي أنزلْتُ نفسي مِن مالِ اللَّهِ منزلةَ الوليِّ مِن مالِ اليتيمِ، وتلا هذه الآية (٤).

стр. 2079

ثم اختلفوا في قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: قال عكرمةُ والسُّديُّ: هو أن يأكل بأطراف أصابعِه، وليس له أن يجعل لباسه من ماله (١). وقال قتادة في نزول هذه الآية: إن عمَّ ثابت بن وديعة -وفي رواية: ثابت بن رِفاعة (٢) - كان من الأنصار، وكان ثابتٌ يتيمًا في حِجره، فجاء إلى النبيِّ ﷺ وقال: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّ ابنَ أخي يتيمٌ، فماذا يحلُّ لي من ماله؟ فقال: "أنْ تأكلَ مِن مالِه بالمعروفِ مِن غير أن تقيَ مالَك بماله، ولا أنْ تتَّخذَ مِن مالِه وفرًا" (٣). وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: له أن يأكلَ منه ما يسدُّ به جوعته، ويلبسَ ما يواري عورته (٤). وكذا قال مكحول (٥). وقال إبراهيم في رواية: هو أن يعمل في مال اليتيم بنفسه بقَدْرِ (٦) ما يأكل (٧).

стр. 2080

وهو قول الشَّعبي وسعيدِ بن المسيِّب (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: ليس هو أمرًا بالأكل من مال اليتيم، بل معناه: فليأكل الوصيُّ من مال نفسه بقَدْر الحاجة، حتى لا يُضطر إلى أكل مال اليتيم (٢)، قال النبيُّ ﷺ : "ما عالَ امرؤٌ اقتصدَ" (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي: إذا رددْتُم أموالَ اليتامى إليهم فأشهدوا على ذلك النَّاسَ؛ تحرُّزًا عن الظُّنون الكاذبة والقالةِ (٤) السَّيئة، وعن توجُّه اليمين عليكم عند التَّناكُر. قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: أي: محاسبًا يوم القيامة، فاتَّقوا أن تمنعوا

стр. 2081

من مال اليتامى شيئًا معتمدين (١) على أنَّ القولَ قولُ الأمين في حكم الدُّنيا، وهذا وعيدٌ شديدٌ. وقيل: هذا يرجع إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولا يُسرفْ، فإنَّ اللَّه تعالى يحاسبه عليه ويجازيه به. * * * (٧) - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: قال مقاتل بن حيَّان: إنَّ رجلًا توفِّي يُقال له: أوس بن ثابت، وتركَ امرأته أمَّ كُجَّة وثلاث بناتٍ لها، فمنع ميراثهنَّ عرفجةُ وسويدٌ، وهما ابنا عمِّ الميت، وكان أهل الجاهلية لا يورِّثون النِّساء ولا الولدان الصِّغار، ويورِّثون ذوي الأسنان منهم، ويحبسون (٢) اليتيمة ولا يتزوَّجونها لدمامتها، فانطلقت أم كُجَّة إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إنَّ بناتي أبوهنَّ توفِّي وترك مالًا، وإنَّ عرفجةَ وسويدًا منعاهنَّ ميراثهنَّ، فأنزل اللَّه تعالى ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (٣). وقال الكلبيُّ كذلك، لكنَّه سمَّى الرَّجلَيْن قتادة وعُرْفطة، ولم يبيِّن كم لهم، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إليهما: أن لا يقربا من مال أوسٍ شيئًا، فإنَّه ترك لبناته نصيبًا،

стр. 2082

ولم يبيِّن كم هو حتى انظر كم هو، ولم ينزل في امرأته شيءٌ، فنزل عليه بعد ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية (١). وفي رواية عكرمة وقتادة: قالا: إنَّ البنت لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلًّا، ولا تنكأُ عدوًّا. فنزلَتِ الآية (٢). قال مقاتلُ بن سليمان: فأخذت المرأةُ الثُّمن، والبنتان الثُّلثين، وابنا (٣) العمِّ الباقي (٤). قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾: أي: حظًّا مقدَّرًا. ونصبُه على الحال عند الزَّجَّاج للنَّصيب المذكور قبله (٥). وقال علي بن عيسى: هو في موضع المصدر. وقيل: هو مفعول بإضمار: (جعلْتُه) ونحو ذلك. * * *

стр. 2083

(٨) - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: بيَّنَ حكم الذين يرثون في الآية الأولى، وقال في هذه الآية: وإذا حضر قسمة الميراث الأقرباءُ الذين لا يرثون واليتامى من الأجانب والمساكين منهم فأعطُوهم شيئًا ممَّا يُقسَم، وقولوا لهم قولًا جميلًا: كنتم أحقَّ لأكثر من هذا، لكنْ أَمكَنَ هذا القَدْر، ولا تؤذوهم بالمنِّ وسوء الرَّدِّ، وهذا نَدْبٌ واستحباب، وهو باقٍ لم يُنسخ على هذا التأويل. وقال ابن المسيِّب: كان هذا واجبًا في الابتداء، ثم نسختها آية (١) المواريث والوصايا (٢). وقال مجاهد: هو حقٌّ ثابتٌ ما طابت الأنفس (٣). وقال (٤) عكرمة: إذا أُتي بمالِ أيتام؛ فإنْ كان فيه فضلٌ رضِخ (٥) منه لذوي قرابته ممَّن لا يرث، وإذا لم يكن فيه فضل اعتُذر إليهم (٦). وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: هو الرَّضخ إذا كان فيه فضل ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: هو الاعتذار إليهم إذا لم يكن فيه فضلٌ.

стр. 2084

وقيل (١): إذا كان فيه منقولٌ رَزقوا هؤلاء منه، وإن كان عقارًا اعتذروا إليهم. وقيل: إذا كان الورثة بالغين رضَخوا، وإن كان فيهم صغيرٌ اعتذروا، فيقول الوصيُّ: حقُّكم واجب وقرابتكم قريبة (٢)، ولو كان لي في المال نصيب لأعطيتكم، وإذا بلَّغْتُ (٣) الورثة فسيعرفون حقَّكم. وقال جماعةٌ: ليس هذا في (٤) قسمة الميراث، بل هذا في قسمة المريضِ مالَه في ذوي قرابته بالوصيَّة، على ما كان الأمر عليه قبل نزول آية المواريث، فكان الرَّجل إذا حضره الموت أوصى بماله على ما يراه؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]، فأمر المريضَ في هذه الآية بما ذكر فيها. وقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: من المقسوم الَّذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾. * * * (٩) - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: قال ابن عبَّاسٍ ﵄: يعني به عند قسمةِ المريضِ مالَه بالوصيَّة، ينبغي للَّذي

стр. 2085

حضره إذا أرادَ أنْ يوصيَ بثلثه في حجٍّ أو جهاد أو عِتاق أو صدقة أن يقول (١) للموصي: اتَّقِ اللَّهَ؛ فإنَّ لك ورثة عجَزةً عن أنفسهم، فيَبْقَون عيالًا على النَّاس، فرُدَّ ذلك عليهم، فإنَّها أعظمُ لأجرك (٢). وتقدير الآية: وليَخفْ على عيال هذا الميت الذين يأمرونَه بالجُود في قسمتِه (٣) مالَه كما كانوا خائفين على عيال أنفسهم الصِّغار والضِّعاف مِن بعد موتِهم، فليتَّقوا اللَّهَ، وليأمروا بالعدل، ولينهَوه عن الجَور، وليقولوا للمريض قولًا سديدًا صوابًا. وعن أنسٍ ﵁: أنَّ الخلفاء الرَّاشدين أبا بكر وعمرَ وعثمان وعليًّا رضوان اللَّه عليهم أجمعين اتَّفق رأيهم في الوصيَّة على الخمس، وقالوا: الخمس في الوصيَّة اقتصادٌ، والرُّبع جهدٌ (٤) بالورثة، والثُّلث جَنَف؛ لأنَّ اللَّه تعالى رضي الخمس لنفسه من مال الكافرين (٥).

стр. 2086

وقيل: معنى الآية: وليخشَ مَن وَلِي مال اليتيم الَّذي يليه ما يخشاه في ولده الضِّعاف لو مات عنهم، فكما يحبُّ أن يُفعلَ بولده بعدَه فليفعلْ بولدِ غيره الَّذي يليه. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: ولْيخاطبوا اليتيم مخاطبةً جميلة لا انتهار فيها. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى لم (١) يأمر مَن خلَّف أولادًا صغارًا وخافَ عليهم الضَّيعة والفقر أن يستكثر لهم الأموالَ، ويخلِّفَ لهم الأملاك، ولكنَّه أمرَهم أن يتَّقوا اللَّه، فإنَّه يتولَّى الصَّالحين (٢). * * * (١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾: أي الذين يتلفون أموال اليتامى بالأكل وغيره من وجوه الإتلاف وخص الأكل بالذكر لما مر أنه المقصود المعظم بأكل المال إنما يأكلون في بطونهم نارًا يصيرون به إلى التعذيب بنار جهنم وقوله ﴿ظُلْمًا﴾ نصب للحال وقيل هو على وجه المصدر بغير لفظه وإنما قيد به لأنه إذا أكل منه بالمعروف عند الحاجة أو بما قدر له القاضي بقدر عمله فيه لم يعاقب عليه.

стр. 2087

أي: إن الذين يُتلفون أموال اليتامى بالأكل وغيره من وجوه الإتلافِ -وخصَّ الأكل بالذِّكر لِمَا مرَّ أنَّه المقصود المعظَم بأخذ المال- إنَّما يأكلون في بطونهم ما (١) يصيرون به إلى التَّعذيب بنار جهنَّم. وقوله: ﴿ظُلْمًا﴾ نصب للحال، وقيل: هو على وجه المصدر بغير لفظِه، وإنَّما قيَّد به لأنَّه إذا أكل منه بالمعروف عند الحاجة أو بما قدَّره له القاضي بقَدْر عمله فيه لم يعاقَب عليه. قوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: أي: سوف يدخلون النَّار المسعورة؛ أي: الملتهِبة، ويقاسون حرَّها. وقد صَلِيَ النَّارَ يَصْلاها من حدِّ علمَ؛ أي: دخلها وقاسى حرَّها. وأصلاه غيره إصلاءً وصلَّاه تصلية للتَّعدية، وصَلَيْتُ اللَّحم أَصْلِيهِ من حدِّ ضَرَب: شوَيتُه، واصْطَلى بالنَّار؛ أي: استَدْفأ بها (٢). قال مقاتل بن حيَّان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾؛ أي: يستحلُّون، نزلت في مَرثد بن زيد الغطفانيِّ، ولي مال ابن أخيه فأكله، فنزلت هذه الآية (٣). وقال السُّديُّ: يُبعثُ آكل مال اليتيم يوم القيامة والدُّخان يخرج من دبره، ومن فيهِ وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرفُه النَّاس أنَّه كان يأكل مال اليتيم في الدُّنيا (٤). * * *

стр. 2088

(١١) - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: ذكرنا سببَ نزول هذه الآية (١) عند قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ في حديث أم كُجَّة. وسببٌ آخر: أن سعد بن الرَّبيع النَّقيبَ استُشهد يوم أحد وترك ابنتين وامرأةً وأخا (٢) الرَّبيع، فأتَتْ امرأتُه النبيَّ ﷺ وقالت: يا رسول اللَّه، إنَّ الرَّبيع أخذ كلَّ شيء لسعد، وترك ولده (٣) عالة لا مال لهم، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّه يرى مكانهما، إن يشأ يُنزل فيهما"، فرجعَتْ فمكثَتْ (٤) أيَّامًا، ثم عادَتْ فأعادَتْ ما قالَتْ، ثم قالَتْ (٥): إنَّهما لا يتزوَّجان إذا لم يكن لهما مال. وبكَتْ، فنزل الوحي على رسول اللَّه ﷺ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فدعاهم رسول اللَّه ﷺ ، وأقرأهم الذي أُنزل عليه، وقال للعمِّ: أعطِ الابنتين الثُّلثين، والمرأة الثُّمن، ولك ما بقي، فكان ذلك أوَّلَ ميراث قُسم بين المسلمين (٦).

стр. 2089

وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ أي: يقول لكم قولًا يوصلُكم إلى إيفاء حقوق الأولاد بعد موتكم. هذا حقيقةُ هذه الكلمة، ومَن قال: أوصني (١)، فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه. والدليل على أنه بمعنى القول: أنَّه أتى بعده بخبر مستأنَف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: فدلَّ أنَّ تقديرَه: يقول اللَّه لكم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]؛ لأن الوعدَ قولٌ، فصار تقديره: قال اللَّه تعالى، فارتفع لذلك ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وكذا كلُّ ما جرى مجراه؛ قال الشاعر: إني سأبدي لك فيما أبدي لي شَجَنان شجنٌ بنجد وشجنٌ لي ببلاد الهند (٢) (شجنان) رُفع لأنَّ الإبداء قول. وقيل: أُضمر في هذا كلِّه (٣) (أنْ) الخفيفةُ، وتقديره: يوصيكم اللَّه أنْ للذَّكر مثلُ حظ الأنثيين، فيقع الفعل على (أنْ) فينتصب (٤) هو، وكذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾. قاله الكسائيُّ (٥).

стр. 2090

وقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: قيل: أي: في أولاد الموتى. وقيل (١): في أولاد موتاكم. وقيل: أي: في أولادكم بعد موتكم. قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: إنْ ترك ابنًا وابنتين، فللابن سهمان ولكلِّ بنتٍ منهما سهم، وعلى هذا لو ترك ابنًا وبنتًا، أو ابنًا وابنتين، أو ابنين وبنتًا، أو ابنين وابنتين، أو ابنًا وبنات (٢)، أو بنتًا وبنين، أو بنين وبنات، فلكلِّ ابنٍ سهمان، ولكلِّ بنتٍ سهمٌ. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾: ﴿كُنَّ﴾ لجمع الإناث، واسم ﴿كُنَّ﴾ للإناث على الإضمار، فقد سبق ذكر الأنثيين، و ﴿نِسَاءً﴾ خبرُ قوله: ﴿كُنَّ﴾، فنُصب لذلك. قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: ﴿فَوْقَ﴾ نصب؛ لأنَّه كالنَّعت أو التَّرجمة عن عددهنَّ؛ أي: إنْ كنَّ البنات ثلاثًا أو أكثر من ذلك فلهنَّ الثُّلثان فرضًا، والباقي للعَصَبة إن كان. فأمَّا البنتان: فعند ابن عبَّاس ﵄ لهما النِّصف؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعل الثُّلثين لما فوق الابنتين، ولم يبيِّن فرض الابنتين (٣)، فيكون لهما النِّصف الَّذي ذُكر للواحدة (٤).

стр. 2091

وقال عامَّة الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم -وهو قول عامَّة العلماء-: لهما الثُّلثان أيضًا. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: بيانُ الحقِّ للثَّلاث بيانٌ للاثنتين؛ لأن اللَّه تعالى جعل ميراث الواحدة من الأخوات النِّصف بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، كما جعل حقَّ البنت النِّصفَ إذا لم يكن معها ذكرٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، ثم جعل للأختين الثُّلثين بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النِّصف إذا كانت واحدةً، واستحقاقِ الثُّلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدًا، فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلةَ بيان الحكم في البنتين (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾: أي: كانت البنتُ واحدة ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾؛ أي: فرضًا، والباقي للعصَبة إن كان. ودلَّ هذا على أنَّ الابن (٢) إذا انفردَ فله كلُّ المال؛ فإنَّه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، والأنثى المنفردةُ لها نصفُ واحد، فالذَّكر المنفرد له نصفان، وهو كلُّ المال. قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: أي: فرضُ

стр. 2092

كلِّ واحدٍ من الوالدَين سدسُ المال إذا (١) كان للميِّت ولدٌ، فإنْ كان الولد ذكرًا فهو العصَبة، وليس للأب إلَّا السُّدس بالفرض. فإن كان الولد أنثى فليس لها إلَّا النِّصف فرضًا، وللأب سدسُ المال فرضًا، وله باقيه بالتعصيب؛ لقول النبيِّ ﷺ : "ألحِقوا الفرائضَ بأهلِها، فما أبقَتْ فلأولى رجلٍ ذَكَرٍ" (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾: أي: فإنْ لم يكن للميِّت ولدٌ ذكرٌ أو أنثى وكان له أبوان ورثاه، وكان للأم الثُّلث، وهو بيانٌ أنَّ (٣) الباقي للأب، فإنَّه (٤) عصبة؛ فقد قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، فجعلهما وارثَين، وبيَّنَ نصيبَ أحدهما وهو الأم، فكان بيانًا أنَّ الباقيَ نصيبُ الآخر، وهو الأب. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: هذا يقع على الثَّلاثة من الذُّكور والإناث، من الإخوة لأب وأم، أو لأب، أو لأم، أو مختلفَين؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١٧٦]. قوله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: فأمَّا الاثنان منهم -أي: أخوان، أو أختان، أو أخ وأخت- فعند عامَّة الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهو قول عامَّة العلماء كذلك.

стр. 2093

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: للأمِّ الثُّلث في هذه الحالة (١)، كما إذا كان للميِّت أخٌ واحدٌ أو أختٌ واحدةٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما حجبَ الأمَّ عن (٢) الثُّلث ونقلَ حقَّها إلى السُّدسِ إذا كان للميِّت إخوةٌ، وهو اسمُ جمعٍ. وقلنا: ألحق اللَّه تعالى الأختين بالأخوات في حقِّ الاستحقاق، حتى جعل لهما الثُّلثين، فكان ذلك إلحاقًا لهما بهنَّ في حقِّ حجب الأمِّ؛ لأنَّ الحجب دون الاستحقاق. قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: قرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر بفتح الصَّاد على ما لم يُسمَّ فاعله (٣)؛ لأنَّ الموصي غيرُ مذكور، وقرأ الباقون بكسرها؛ لأنَّ الميت مذكورٌ كنايةً في قوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ يعني: هذه السِّهام للورثة بعد تنفيذ وصيَّته على وجهها، وبعد قضاء دينه. وعن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: إنَّكم تقرؤون في كتاب اللَّه تعالى الوصيَّة قبل الدَّين، وإنِّي سمعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "الدَّينُ قبلَ الوصيَّة" (٤). وليس هذا بتغييرٍ لظاهر النَّظم، بل هو تفسيرٌ لحاصل الحكم؛ يعني: أنَّ الورثة لا يرثون إلَّا بعد هذين. ثم الدَّينُ أهمُّ، وهو من جميع المال، ولا تنفَّذُ الوصيَّة إلَّا بعد قضاء الدَّين، والوصيَّة نفاذُها من الثُّلث ولا تنفَّذ في أكثر من ذلك.

стр. 2094

ولَمَّا كان المراد أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يمنع من (١) الميراث كانَ البَدء بهذا أو ذاك (٢) سواءً ثَمَّ، أو يكون لأحدهما فبان أنَّ أحدهما إذا انفرد مَنَعَ، وإذا اجتمعا وكلُّ واحد منهما مانعٌ مَنَعا أيضًا (٣). قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ رفعٌ بالابتداء، و ﴿أَبْنَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليه، وما بعده من الجملة خبرٌ لهما. و ﴿لَا تَدْرُونَ﴾ فعلٌ متعدٍّ، لكن لم ينصب كلمة (أيّ) لأن كلمة (أيّ) ابتداءٌ، و ﴿أَقْرَبُ﴾ خبرٌ له، والفعل لا يعمل في الجملة التَّامَّة صورةً. و ﴿نَفْعًا﴾ نصبٌ على التَّفسير، ومعناه: أنَّ اللَّهَ تعالى قد (٤) تولَّى قسمة المواريث ولم يَكِلْها (٥) إلى اجتهادكم، والتَّفاوتُ في السِّهام بتفاوت (٦) المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها، والانتفاع ثابتٌ في الدُّنيا والآخرة؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (٧) الآية (٨) [الطور: ٢١]، فإذا أسلمَ أحدُ الأبوَيْن تبعَه الولد الصَّغير في الإسلام، ثم بينهم التَّحامي والتَّناصُرُ والخدمة والبِرُّ والصِّلة واستحقاقُ العِتق والصَّدقة (٩) والنَّفقة، وفي الآخرة يشفعُ بعضُهم لبعضٍ، ويلحق المقصِّر

стр. 2095

بدرجة الموفِّر، ولا سبيل للعباد على الوقوف على حقيقة ذلك، فتولَّى اللَّه تعالى ذلك فضلًا منه. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أي: أنفعُ وأرجى في الدَّارين. قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي: مقدَّرةً موجَبة منه، ونصبُه على الوجه الَّذي قلنا في قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: عليمًا بمصالحكم وبعجزكم عن موافقة الصَّواب لو وكَل الأمر في التَّقدير إليكم، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما قدَّر وحكَم وبيَّن. * * * (١٢) - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾: أي: زوجاتُكم، فالمرأة تسمَّى زوجةً، ويجمع على الزَّوجات، وزوجًا يجمع على الأزواج؛ قال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: أي: ابن أو بنت، ويقع على الواحد (١) والجمع، وعلى ولد الصُّلب وولد الابن وولدِ ابن الابن وإن سَفُلوا.

стр. 2096

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾: فينتقِصُ بسبب الولد، وهو ما فسَّرنا في حقِّ الزَّوج، فيصير النِّصفُ ربعًا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: وتفسيرُه ما مرَّ في الآية الأولى. قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾: أي: للزوجات ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: وهو ما فسَّرناه. قوله تعالى (١): ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: مرَّ تفسيرُه. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾: الرَّجل هاهنا هو الميت. وقوله تعالى: ﴿يُورَثُ﴾: أي: يُنالُ ميراثُه، فعلُ ما لم يُسمَّ فاعلُه من قولك: وَرِثَ، لا من قولك: أورَثَ، ويصح فعلُ ما لم يُسمَّ فاعله منه لأنَّه فعلٌ متعدٍّ، تقول: ورثْتُ فلانًا، ولا تقول: ورثْتُ من فلان؛ قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]. قوله تعالى: ﴿كَلَالَةً﴾: أي: يُنال إرثُه على كونه ميتًا لا ولدَ له ولا والد. والكلالةُ (٢): مصدرُ الكَلِّ، قال صاحب "ديوان الأدب": والكَلُّ: هو الَّذي لا ولدَ له ولا والد (٣)، بل له إخوة وأخوات، من قولِكَ: تكلَّله (٤) الشَّيء؛ أي: أحاطَ به.

стр. 2097

قوله تعالى: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾: عطف على قوله: ﴿رَجُلٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: ولم يقل: (لهما)؛ لأنَّه (١) أدخلَ بينهما: (أو) فثبَّت أحدهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وكان يجوز التَّثنية كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾؛ أي: لأمٍّ، على هذا إجماع الصَّحابة والعلماء. وفي مصحف سعد بن أبي وقَّاص: (وله أخٌ أو أختٌ من أمٍّ) (٢). قوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾: أي: لا يُفضَّل الذَّكر على الأنثى. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾: أي: الاثنان والأكثر ذكورًا كانوا (٣) أو إناثًا أو مختلِطين يستوون في الثُّلث، لا يفضَّل الذَّكر منهم على الأنثى؛ لأنَّ الشِّركة تقتضي التَّسوية (٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: قد مرَّ تفسيرُه. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: نصبٌ على الحال؛ أي: لا يكون هذا الموصي بما أوصَى قاصدًا الإضرار بالورثة بما فعَل. وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا: "الضِّرار في الوصيَّة (٥)

стр. 2098

من الكبائر"، وهو أن يوصي بأكثرَ من الثُّلث، أو يقرَّ لأحدٍ بدينٍ كاذبًا، أو يبيعَ أو يشتري بغُبْن (١). قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: كما قال في الآية الأولى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولنصبه وجوهٌ كثيرةٌ، أوجَهُها: أنَّه مصدر لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيةَ الأولى. وقيل: هو على التَّفسير. وقيل: هو على القطع. وقيل: هو على الإغراء. وقيل: هو مفعول لقوله ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. وقال الفرَّاء: لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس وهم شركاء في الثُّلث وصيةً من اللَّه، كما يُقال: هذا الدِّرهم لك معونةً على كذا، أو هبةً منِّي لك (٢). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمطيع من العباد والعاصي، ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل عاصيهم بالعقوبة، بل يُمهل؛ إذ لا يعجزُه شيءٌ ولا يفوتُه أمرٌ.

стр. 2099

(١٣) - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: معالمُ دِينه بيَّن فيها حلالَه (١) وحرامَه، وطاعتَه ومعصيته. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: شرطٌ وجزاءٌ في وعد المطيعين. * * * (١٤) - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: شرطٌ وجزاءٌ في وعيد الكافرين. ولا حجَّة فيه للخوارج والمعتزلة في تخليد صاحب الكبيرة في النَّار؛ فإنَّ الآية في حقِّ الكفَّار؛ لأنَّ الكافر هو الَّذي يتعدَّى الحدود كلَّها، ويكون عاصيًا في كلِّ شيء، فأمَّا المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان، غيرُ متعدٍّ حدَّ التَّوحيد. وقال الضَّحَّاك: المعصية هاهنا هي الشِّرك (٢). وقال الكلبيُّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: يَكفرْ بقسمة المواريث، ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ استحلالًا (٣).

стр. 2100

وروى صفوانُ بن سليمٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قطعَ ميراثًا فرضَه اللَّهُ تعالى قطعَ اللَّهُ ميراثَه مِن الجنَّةِ" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يدلُّ على هوانه على اللَّه، وسقوطِ قَدْره عنده، وهو نقيض حال أهل الجنَّة فإنَّهم في جنَّات مُكرَمون. وقال في حقِّ الكافر: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ وأضافَ الإهانة إلى العذاب لأنَّ الهوان يقع به، والمُهين في الحقيقة هو اللَّه تعالى؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. * * * (١٥) - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: (اللَّاتي): جمع الَّتي، وكذا اللَّواتي واللَّائي (٢).

стр. 2101

والفاحشة: الفعلةُ القبيحةُ، وهي الزِّنا هاهنا. واتصالها بما قبلَها: أنَّه أمر بالإحسان إليهنَّ في أوَّل آيات السُّورة، وأمر هاهنا بالتَّغليظ عليهنَّ إذا زنَين، وهو إحسانٌ إليهنَّ في الحقيقة، ونظرٌ لهنَّ في الآخرة، وإصلاحٌ لهنَّ (١)، وبيانٌ أنَّه ليس من الإحسان تعطيل الحدود الواجبة عليهنَّ، بل فيه إفسادُهنَّ. وفيه أيضًا تعريف أنَّ اللَّه تعالى كما يستوفي لعباده، كذلك (٢) يستوفي عليهم؛ إذ ليسَ في حُكمه محاباةٌ. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾: أي: اسألوا أيُّها الأئمة الَّذين إليكم إقامةُ الحدود شهادةَ أربعة من الشُّهود على زناهنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾: أي: شهد (٣) الأربعة على ذلك ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾؛ أي: احبسوهنَّ، وكان هذا حدَّ الزِّنا في الابتداء. قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: أي: إلى أنْ يستوفيَ مدَّةَ حياتهنَّ الموتُ. قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: أي: مَخْلَصًا عن الحبسِ بشيءٍ آخر، وقد جعل ذلك، وهو فيما (٤) روى عبادةُ بنُ الصَّامت ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خذوا عنِّي، قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارة" (٥).

стр. 2102

فأمَّا الجمع بين الجلد والرَّجم فقد قال به بعضُ النَّاس بهذا الحديث، وعند عامَّة العلماء يرجَم المحصَن ولا يجلَد؛ لحديثِ ماعزٍ فإنَّ النبيَّ ﷺ رجمَه من غير جلدٍ، ولحديث العَسيفِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لأُنيس: "اغدُ على (١) امرأةِ هذا، فإنِ (٢) اعترفَتْ بالزِّنى فارجمْها" (٣)، ولم يقلْ: فاجلدها ثم ارجمها. فانتسخَ هذا الحديثُ بذلك في حقِّ الجلدِ، أو هو محمولٌ على حالَتَيْن (٤)، وهو أنَّ الثَّيِّبَ الَّذي لم يجتمعْ فيه شرائطُ الإحصان يُجلَد، وإذا (٥) كان محصَنًا يُرجم. فأمَّا الجمعُ بين الجلد والنَّفي في غير المحصَن فقد قال (٦) به الشَّافعي لهذا الخبر. ونحن قلنا: لا يُنفى؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، جعل الجلدات كلَّ الحدِّ، وفي ضمِّ النَّفي إليها جعلُ الجلداتِ بعضَ الحدِّ، وهو نسخٌ، وهذا الحديث انتسخَ بهذه الآيةِ، وعندَ مَن لا يرى نسخَ القرآنِ بالسُّنَّة: آيةُ الحبسِ نُسخَتْ بآية الجلدِ، لا بهذا الحديث. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا تنافيَ بينَ الجلد والحبس، فكيف يُنسَخ هذا بذاك، بل انتسخَتْ هذه الآيةُ بهذا الخبر، وهو جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما يقولُ فهو وحيٌ من اللَّه تعالى، فهو نسخٌ لِمَا ثبتَ بالوحي (٧).

стр. 2103

(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال الحسن وعطاء: هما الرَّجل والمرأة يجتمعان على الزِّنا (١)، وأصل الكلمة في الذَّكرين (٢)، لكن إذا اجتمع الذَّكرُ والأنثى وُصِفا بما يُوْصَفُ به الذَّكران؛ تغليبًا للذَّكر على الأنثى. يقول: والرَّجل والمرأة اللَّذان يأتيان الفاحشة -وهي الزِّنا- فآذوهما، وهذا حدُّهما، وهو الإيذاءُ باللِّسان في قول قتادة وجماعةٍ (٣)، يقال لهما: بئس ما فعلتُما، أمَا استحيَيْتُما؟! أما خفتُما اللَّهَ ورسولَه (٤)؟! تعرَّضْتُما لعقوبةِ اللَّهِ ومقتِه، واستوجَبْتُما التَّفسيقَ وبطلانَ الشَّهادة، وفضَحْتُما أنفسكما وعشيرتَكما، ونحو ذلك. وعن ابن (٥) أبي طلحة قال: إيذاؤهما التَّعييرُ باللِّسان والضَّرب بالنِّعال ونحو ذلك (٦). وكذا قال ابن عبَّاس ﵄: هو الأذى باللِّسان واليد (٧).

стр. 2104

وقال السُّديُّ وابن زيد: آية الأذى في غير المحصَنين، وآية الحبس في المحصَنين (١)؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ على الإضافة، وظاهرُ آيةِ الحبس وإن كان في المرأة وحدها فقد ثبتَ في الرَّجل استدلالًا بها. وقيل: بل الحبس كان في المرأة خاصَّة (٢)، والأذى في الرَّجل والمرأة جميعًا. وقال قتادة: يؤذيان جميعًا وتُحبس المرأة (٣). والمعنى: أنَّ الرَّجلَ يحتاجُ إلى البروز للاكتساب، وفي حبسِه تضييعٌ له ولعيالِه، والمرأةُ لا تحتاج إلى ذلك، وحقُّها لزومُ منزلِها؛ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولعلها وقعَتْ في الزِّنا لبروزها، واشتركا في الإيذاء (٤)؛ لأنَّ كلَّ عاصٍ مذمومٌ ملومٌ. وقال الحسنُ: أوَّلُ ما نزلَ مِن حدِّ الزِّنا الأذى، ثم الحبس، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النُّزول على خلاف ترتيب التِّلاوة (٥). وقال الضحَّاكُ: كان الرَّجل إذا زنى بامرأة (٦) وكانا بكرين حُبسَ كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمرُّ بهما مارٌّ إلَّا آذاهما بالتَّعيير: يا فلان، أما استحيَيت حتى زنيْتَ؟!

стр. 2105

وهذا دليلٌ على أنَّ قولَه في هذا أنَّ الأذى مع الحبس كانا مشروعَيْن في وقتٍ واحدٍ في حقِّ الرَّجل والمرأة جميعًا. وقال مجاهدٌ: آية الأذى في الرَّجلين (١)؛ أي: في الذَّكر يفعلُ ذلك بالذَّكر، وهو اللِّواطة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا يكون حجَّةً لأبي حنيفة ﵀ أنَّه يُعزَّرُ ولا يُحدُّ بالجلد ولا (٢) بالرَّجم، وعلى هذا الوجه حكمُ هذه الآية لم يُنسخ، وعلى قول الآخرين قد نُسخ ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: أي: فإنْ ظهرَ ندمُهما وأصلحا العملَ بعد ذلك بارتكاب الطَّريقة المحمودة في الصَّلاح والعفَّة -وذلك لا يكون إلَّا بعد مُضيِّ مدَّة بعد إظهار التَّوبة- فأمسكوا عن إيذائهما وأحسِنوا لهما القَول، فيزولُ الإيذاء والتَّفسيق، ولا يزولُ الحبس؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾، وذلك تأبيدٌ، ويكون ذلك الحبس (٤) قبل التَّوبة تنكيلًا، وبعد التَّوبة تكفيرًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: يقبلُ توبةَ التَّائب إذا أصلحَ بعد توبتِه، ويرحمُه فلا يردُّ عليه توبته ولا يعذِّبه. والحاصلُ: أنَّ الرَّجلَ إذا زنى بامرأةٍ وهما محصنان فحدُّهما الرَّجم لا غير، وإذا كانا غيرَ محصنَين فحدُّهما الجلد لا غير، وإذا كان أحدهما محصَنًا
следующие страницы →