← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

والفاحشة: الفعلةُ القبيحةُ، وهي الزِّنا هاهنا. واتصالها بما قبلَها: أنَّه أمر بالإحسان إليهنَّ في أوَّل آيات السُّورة، وأمر هاهنا بالتَّغليظ عليهنَّ إذا زنَين، وهو إحسانٌ إليهنَّ في الحقيقة، ونظرٌ لهنَّ في الآخرة، وإصلاحٌ لهنَّ (١)، وبيانٌ أنَّه ليس من الإحسان تعطيل الحدود الواجبة عليهنَّ، بل فيه إفسادُهنَّ. وفيه أيضًا تعريف أنَّ اللَّه تعالى كما يستوفي لعباده، كذلك (٢) يستوفي عليهم؛ إذ ليسَ في حُكمه محاباةٌ. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾: أي: اسألوا أيُّها الأئمة الَّذين إليكم إقامةُ الحدود شهادةَ أربعة من الشُّهود على زناهنَّ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾: أي: شهد (٣) الأربعة على ذلك ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾؛ أي: احبسوهنَّ، وكان هذا حدَّ الزِّنا في الابتداء. قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾: أي: إلى أنْ يستوفيَ مدَّةَ حياتهنَّ الموتُ. قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: أي: مَخْلَصًا عن الحبسِ بشيءٍ آخر، وقد جعل ذلك، وهو فيما (٤) روى عبادةُ بنُ الصَّامت ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خذوا عنِّي، قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا: البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبُ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارة" (٥).

стр. 2102

فأمَّا الجمع بين الجلد والرَّجم فقد قال به بعضُ النَّاس بهذا الحديث، وعند عامَّة العلماء يرجَم المحصَن ولا يجلَد؛ لحديثِ ماعزٍ فإنَّ النبيَّ ﷺ رجمَه من غير جلدٍ، ولحديث العَسيفِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لأُنيس: "اغدُ على (١) امرأةِ هذا، فإنِ (٢) اعترفَتْ بالزِّنى فارجمْها" (٣)، ولم يقلْ: فاجلدها ثم ارجمها. فانتسخَ هذا الحديثُ بذلك في حقِّ الجلدِ، أو هو محمولٌ على حالَتَيْن (٤)، وهو أنَّ الثَّيِّبَ الَّذي لم يجتمعْ فيه شرائطُ الإحصان يُجلَد، وإذا (٥) كان محصَنًا يُرجم. فأمَّا الجمعُ بين الجلد والنَّفي في غير المحصَن فقد قال (٦) به الشَّافعي لهذا الخبر. ونحن قلنا: لا يُنفى؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، جعل الجلدات كلَّ الحدِّ، وفي ضمِّ النَّفي إليها جعلُ الجلداتِ بعضَ الحدِّ، وهو نسخٌ، وهذا الحديث انتسخَ بهذه الآيةِ، وعندَ مَن لا يرى نسخَ القرآنِ بالسُّنَّة: آيةُ الحبسِ نُسخَتْ بآية الجلدِ، لا بهذا الحديث. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه لا تنافيَ بينَ الجلد والحبس، فكيف يُنسَخ هذا بذاك، بل انتسخَتْ هذه الآيةُ بهذا الخبر، وهو جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ما يقولُ فهو وحيٌ من اللَّه تعالى، فهو نسخٌ لِمَا ثبتَ بالوحي (٧).

стр. 2103

(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال الحسن وعطاء: هما الرَّجل والمرأة يجتمعان على الزِّنا (١)، وأصل الكلمة في الذَّكرين (٢)، لكن إذا اجتمع الذَّكرُ والأنثى وُصِفا بما يُوْصَفُ به الذَّكران؛ تغليبًا للذَّكر على الأنثى. يقول: والرَّجل والمرأة اللَّذان يأتيان الفاحشة -وهي الزِّنا- فآذوهما، وهذا حدُّهما، وهو الإيذاءُ باللِّسان في قول قتادة وجماعةٍ (٣)، يقال لهما: بئس ما فعلتُما، أمَا استحيَيْتُما؟! أما خفتُما اللَّهَ ورسولَه (٤)؟! تعرَّضْتُما لعقوبةِ اللَّهِ ومقتِه، واستوجَبْتُما التَّفسيقَ وبطلانَ الشَّهادة، وفضَحْتُما أنفسكما وعشيرتَكما، ونحو ذلك. وعن ابن (٥) أبي طلحة قال: إيذاؤهما التَّعييرُ باللِّسان والضَّرب بالنِّعال ونحو ذلك (٦). وكذا قال ابن عبَّاس ﵄: هو الأذى باللِّسان واليد (٧).

стр. 2104

وقال السُّديُّ وابن زيد: آية الأذى في غير المحصَنين، وآية الحبس في المحصَنين (١)؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ على الإضافة، وظاهرُ آيةِ الحبس وإن كان في المرأة وحدها فقد ثبتَ في الرَّجل استدلالًا بها. وقيل: بل الحبس كان في المرأة خاصَّة (٢)، والأذى في الرَّجل والمرأة جميعًا. وقال قتادة: يؤذيان جميعًا وتُحبس المرأة (٣). والمعنى: أنَّ الرَّجلَ يحتاجُ إلى البروز للاكتساب، وفي حبسِه تضييعٌ له ولعيالِه، والمرأةُ لا تحتاج إلى ذلك، وحقُّها لزومُ منزلِها؛ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولعلها وقعَتْ في الزِّنا لبروزها، واشتركا في الإيذاء (٤)؛ لأنَّ كلَّ عاصٍ مذمومٌ ملومٌ. وقال الحسنُ: أوَّلُ ما نزلَ مِن حدِّ الزِّنا الأذى، ثم الحبس، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النُّزول على خلاف ترتيب التِّلاوة (٥). وقال الضحَّاكُ: كان الرَّجل إذا زنى بامرأة (٦) وكانا بكرين حُبسَ كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمرُّ بهما مارٌّ إلَّا آذاهما بالتَّعيير: يا فلان، أما استحيَيت حتى زنيْتَ؟!

стр. 2105

وهذا دليلٌ على أنَّ قولَه في هذا أنَّ الأذى مع الحبس كانا مشروعَيْن في وقتٍ واحدٍ في حقِّ الرَّجل والمرأة جميعًا. وقال مجاهدٌ: آية الأذى في الرَّجلين (١)؛ أي: في الذَّكر يفعلُ ذلك بالذَّكر، وهو اللِّواطة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا يكون حجَّةً لأبي حنيفة ﵀ أنَّه يُعزَّرُ ولا يُحدُّ بالجلد ولا (٢) بالرَّجم، وعلى هذا الوجه حكمُ هذه الآية لم يُنسخ، وعلى قول الآخرين قد نُسخ ذلك (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: أي: فإنْ ظهرَ ندمُهما وأصلحا العملَ بعد ذلك بارتكاب الطَّريقة المحمودة في الصَّلاح والعفَّة -وذلك لا يكون إلَّا بعد مُضيِّ مدَّة بعد إظهار التَّوبة- فأمسكوا عن إيذائهما وأحسِنوا لهما القَول، فيزولُ الإيذاء والتَّفسيق، ولا يزولُ الحبس؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾، وذلك تأبيدٌ، ويكون ذلك الحبس (٤) قبل التَّوبة تنكيلًا، وبعد التَّوبة تكفيرًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: يقبلُ توبةَ التَّائب إذا أصلحَ بعد توبتِه، ويرحمُه فلا يردُّ عليه توبته ولا يعذِّبه. والحاصلُ: أنَّ الرَّجلَ إذا زنى بامرأةٍ وهما محصنان فحدُّهما الرَّجم لا غير، وإذا كانا غيرَ محصنَين فحدُّهما الجلد لا غير، وإذا كان أحدهما محصَنًا

стр. 2106

والآخر غير محصن فعلى المحصَن منهما الرَّجم وعلى الآخر الجلد. والمحصَنُ: هو أن يكون عاقلًا بالغًا حرًّا مسلمًا دخل بامرأةٍ بالغةٍ عاقلةٍ حرَّةٍ مسلمةٍ بنكاحٍ صحيحٍ. والإسلامُ شرطٌ من شرائط الإحصان عندنا خلافًا للشَّافعي ﵀. وإسلام المرأة شرطٌ لإحصان الدَّاخل بها عند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما اللَّه، خلافًا لأبي يوسف ﵀. وما رواه الشَّافعيُّ عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ رجمَ يهوديين وكانا قد أُحصنا (١)، فإنَّا نقول: إنَّما رجَمهما بحكم التَّوراة حين لم ينزلْ حكمٌ في ذلك عليه، فقد رُوي أنَّه مرَّ بيهوديٍّ ويهوديَّة مُحمَّمَي الوجه، فقال: "ما شأنُهما؟ "، فقيل: إنَّهما زنيا، فقال ﷺ : "حدُّ الزِّنى في كتابكم هذا؟ "، فقيل: نعم. فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبوا يا رسول اللَّه، بل حدُّ الزِّنى في كتابهم (٢) الرَّجم. فقال ﷺ : "مَن أَعْلمُكم؟ "، قالوا (٣): فتًى بخيبر يقُال له: ابن صوريا الأعور، فدعا به، فأُتي به، وأمرَ (٤) رسولُ اللَّه ﷺ بأنْ يُؤتى بالتَّوراة، وأمره بالقراءة، فلمَّا بلغ آية الرَّجم وضع يدَه عليها، فرفع عبد اللَّه بن سلام يدَه فظهرَتْ آيةُ الرَّجم، فقال ﵊: "لمِ تَركتمُ (٥) العملَ بكتاب اللَّه؟ "،

стр. 2107

فقال ابن صوريا: فشا الزِّنى فينا، فكان الوضيع منَّا إذا زنى رجمناه، والشريف إذا زنى تركناه، فأجمعنا على شيء يستوي فيه الوضيع والشَّريف وهو التَّحميم. فقال ﵊: "أنا أحقُّ بإحياء سُنَّةٍ قد أماتوها"، فأمر برجمهما (١). فكان هذا حكمًا بالتَّوراة، ولم يكن الإحصان يومئذ شرطًا، ثم صار الرَّجم المشروع في التَّوراة منسوخًا بآية الإيذاء من القرآن، ثم صار الإيذاء منسوخًا بآية الحبس، ثم صار الحبس منسوخًا بحديث عبادة بن الصَّامت عن النبيِّ ﷺ : "البكرُ بالبكرِ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جلدُ مئةٍ ورجمٌ بالحجارة" (٢)، ثم صار (٣) هذا كلُّه منسوخًا بآية الجلد في الزَّاني والزَّانية جميعًا، وصار الحدُّ هو الجلد في كلِّ زانٍ وزانيةٍ، ثم صار هذا منسوخًا بالرَّجم في حقِّ المحصَن بحديث ماعزٍ ﵁، وبقي غيرُ المحصَن في حكم الجلد بهذه الآية (٤)، هذا هو التَّرتيب في الآيات والأحاديث، وعليه استقرَّ الحكم عندنا، واللَّه أعلم. * * * (١٧) - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾:

стр. 2108

لَمَّا ذكر في الآية الأولى توبةَ الزَّانينَ وأنَّه توَّاب رحيم، أبان في هذه الآية وقتَ التَّوبة. وقوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ليسَ على الوجوب؛ فإنَّه لا يجبُ للعبد على ربِّه شيءٌ، لكنَّه تأكيدٌ للوعد، على معنى: أنَّه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يهمل. وقد ذكر اللَّه تعالى لفظة (على) (١) في ستَّة أشياء: ١ - في الرِّزق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. ٢ - والنَّجاة: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]. ٣ - والنَّصر (٢): ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. ٤ - والهدى (٣): ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢]. ٥ - والرَّحمة: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. ٦ - والحساب: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (٤) [الغاشية: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ليست هذه (٥) جهالةَ عدم العلم بأنَّه ذنب؛ لأنَّ ذلك عذر، لكنَّها (٦) التَّغافلُ والتَّجاهلُ وتركُ التَفكُّر في العاقبة، كفعل مَن يجهله ولا يعلمه. وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

стр. 2109

[هود: ٤٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقولُه تعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]، وقولُه تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: العمل بالجهالة يخرَّج على وجوه: ١ - يكون عن غلبةِ شهوةٍ (١) عليه، فيعمل ذلك العملَ على طمعٍ منه أنَّه سيتوب من بعدُ، ويصير رجلًا صالحًا، على ما فعل إخوةُ يوسفَ بيوسفَ (٢)، حيث قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]، ثم سمَّاهم بذلك جاهلين في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]. ٢ - ويحتمِل أن يعمل على طمع المغفرةِ، ويتَّكل على رحمة اللَّه تعالى وكرمه (٣). ٣ - ويحتمِل الجهالةَ بعقوبة عملِه وقَدْرِ ذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]؛ أي: لا يؤخِّرونها حتى (٥) يفوت وقتُها، وهو حضور الموت. وقال ابن عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿مِنْ قَرِيبٍ﴾: ما لم يغرغِرْ بالموت، وينكسِرْ (٦) منه العقل واللِّسان (٧).

стр. 2110

وعن عبادة بن الصَّامت قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن تابَ قبلَ موتِه بسنةٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ السنةَ لكثيرٌ (١) "، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بشهرٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ الشَّهرَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بجُمُعةٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ الجمعةَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بيومٍ تابَ اللَّهُ عليه"، ثم قال: "إنَّ اليومَ لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ موتِه بساعةٍ تابَ اللَّه عليه"، ثم قال: "إنَّ السَّاعة لكثيرٌ"، ثم قال: "مَنْ تابَ قبلَ أنْ يُغرغِرَ بها تابَ اللَّهُ عليه" (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ على لسان أهل العلمِ قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تتعوَّد النَّفس على ذلك فيصيرَ له كالطَّبيعة؛ قال قائلهم: قلْتُ للنَّفسِ إنْ أردْتِ رجوعًا... فارجعي قبلَ أنْ يُسَدَّ الطَّريق (٣) قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: يقبل توبتهم.

стр. 2111

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بضمائر عباده وعزمِهم على التَّوبة، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يفعل بعباده، قابلًا توبةَ مَن هو أهلٌ لقبولها. * * * (١٨) - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: أي: ولا توبةَ للَّذين يُذنبون منهمِكين مصرِّين، وللتَّوبةِ مسوِّفين، إلى أن يزول حال التَّكليف بحضور أسباب الموت ومعاينةِ ملك الموت، وما يُضطرون فيه إلى العلم بالحقائق (١)، فإنَّ هؤلاء لا تُقبل توبتُهم؛ لأنَّه حالةُ اضطرار لا حالةُ اختيار، وقَبولُ التَّوبة ثوابٌ، ولا وعدَ به إلَّا لمختارٍ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أي: لا يُقبلُ إيمانُ هؤلاءِ إذا صاروا إلى حالةِ الاضطرار، كما لا يُقبلُ إيمانُه بعدَ البعث أو في القبر. وقيل: إنَّما لا تُقبل توبةُ هؤلاء لأنَّها كانت باللِّسان لا غير، وهو كقوله تعالى (٢): ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وقال الربيع بن أنس: ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: هو المنافق (٣).

стр. 2112

وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين: ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، والأخرى في الكافرين: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أي: الفريق الثَّاني والثَّالث هيَّأنا لهم في الآخرة عذابًا وجيعًا. * * * (١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: أي: إكراهًا، ونصبه على الحال، وتقديره: مكرِهين (٢). وعاد الكلامُ إلى الوصيَّة في أمر النِّساء والنَّهيِ عن ظلمهنَّ، والمعنى: يا معشرَ المؤمنين لا يحلُّ لكم أن ترثوا النِّساء كما ترثون الأموال. وكان أهل الجاهليَّة إذا مات الرَّجل منهم ألقى ابنه أو أخوه أو وارثٌ له آخرُ (٣) ثوبَه على امرأته، فلا يمكنها أن تتزوَّج غيرَه، ويكون أمرُ نكاحها إليه،

стр. 2113

إن شاء صيَّرها لنفسِه، وإن شاء زوَّجها لغيره (١)، وهو أحقُّ بها من أوليائِها (٢). وقال السُّديُّ: كان إذا سبقَ الوارث فألقى عليها ثوبًا فهو أحقُّ بها ينكحها ويأخذ مهرها، وإن سبقت المرأة فذهبَتْ إلى أهلها فهم أحقُّ بها (٣). وقال الكلبيُّ: كانوا في الجاهليَّة وفي أوَّل الإسلام إذا ماتَ أحدُهم (٤) وترك امرأتَه، وله ولد لم يكن منها، أو وارثٌ آخرُ، ألقى ثوبَه عليها وورث نكاحها بصَداق الميت وإنْ كرهت المرأة، فإنْ ذهبَت المرأةُ إلى أهلِها قبل أن يلقيَ عليها ثوبًا فهي أحقُّ بنفسِها، حتَّى توفي أبو قيس بنُ الأسلت، وتركَ امرأته كُبَيشةَ بنت معنٍ، فقام ابن له مِن غيرها يقال له: حصنٌ، وطرح ثوبَه عليها، فورث نكاحها، ثم تركها فلم يَقْرَبها ولم يُنفقْ عليها يضارُّها (٥) بذلك لتفتديَ منه بمالها، وكذلك كانوا يفعلون، فأتت كُبيشةُ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرته بذلك (٦)، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "اقعدي (٧) في بيتك حتى يأتيَ فيك أمرٌ"، وسمع النِّساء بالمدينة، فقلْنَ: ما نحن إلَّا مثل كبيشةَ (٨)، فأتيْنَ رسولَ اللَّه ﷺ فأخبرنه، فأنزل اللَّه تعالى قوله:

стр. 2114

﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١)؛ أي: جبرًا (٢) لهنَّ، فما كان من امرأة أبٍ وابنٍ فلا (٣) يحلُّ له نكاحُها، وما كان سوى ذلك فله أن ينكحها بطِيبِ (٤) نفسِها بعد انقضاء العِدَّة بالمهرِ والشُّهود (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: هو (٦) عند بعضهم على هذا التَّأويل معناه: ولا تضيِّقوا عليهنَّ بمنع التَّزويج والحبسِ عندكم لتأخذوا منهنَّ بعضَ ما آتاهنَّ الأزواج من الصَّداق. ولكنَّ هذا الوصل لا يصحُّ؛ لأنَّه لا يتَّصل باعتبارِ ما بعده. وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وقيل: كان حدُّ زناها يومئذ (٧) استردادَ ما أَخذت من المهر. والصَّحيح أنَّه حكمٌ مبتدأ، و (هنَّ) راجعة إلى ﴿النِّسَاءَ﴾، وتقديرُه: ولا تعضلوا النِّساء؛ أي: منكوحاتكم إذا تزوَّجْتُموهنَّ ثم كرهتُموهنَّ، فلا تضيِّقوا عليهنَّ بسوء الخلق ومنعِ الحقِّ ليفتديْنَ بالمهر. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: قال السُّديُّ وأبو قِلَابة: هي الزِّنى؛

стр. 2115

أي: إذا لم تكتفِ بك وطاوعْتَ غيرَكَ فلكَ العضل إلى أن تفتدي منك بالمهر (١). وقال عكرمة ومقسم والضَّحَّاك: الفاحشةُ: المعاملة السَّيِّئة والنُّشوز (٢)، فللزَّوج في هذه الحالة أن يأخذ منها الفدية، وما جاء ذلك إلَّا من جهتها. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ تقييده بالكره لا يدلُّ على أنه يجوز إذا كان طوعًا؛ لأوجُهٍ: أحدها: أن تخصيص الشَّيء بالذِّكر لا يدلُّ على نفي ما عدَاه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ليس فيه أنه يَحل عند عدم الخشية، وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ليس فيه أنَّه لا يحلُّ إذا لم يؤتهنَّ أجورهنَّ، وقولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. والثَّاني: أنَّ الوراثة لا تكون إلَّا كرهًا؛ فإنَّها تَثبتُ شاء الوارث والمورِّث أو أبى. والثالث: أنَّ الموروث يكون مشتركًا بين الورثة، والنِّكاح لا يحتمل الاشتراك. والرَّابع: أن المرأة من الورثة أيضًا، فإذا ورثَتْ بعض نفسها لم يَسلم للوارث الآخر. ثم مِلكُ الأبضاع (٣) أدومُ من مِلك المنافع في الإجارات، فإذا انقطع ملك البضع بالموت فملك المنافع أولى (٤).

стр. 2116

وقيل في ابتداء هذه الآية وجهٌ (١) آخر؛ روى معمرٌ عن الزُّهريِّ (٢)، وعليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّه كان من عاداتهم أن يعضلوا أيَاماهم (٣) وهنَّ كارهاتٌ للعضل؛ حتَّى يمتْنَ فيرثوهنَّ أموالهنَّ، فنُهوا عن ذلك (٤). ووجهٌ آخر أقربُ إلى الوصل: ما رُوي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه في الرَّجل يبغضُ امرأته فيَضرُّ بها ولا يطلِّقها؛ لتفتديَ منه، أو تموتَ عنده فيرثَها (٥)، فقال: لا يحلُّ لكم أن تمسكوهنَّ على هذا الوجه لترثوا أموالهنَّ، ولا أن تضارُّوهنَّ ليفتديْنَ بما أعطيتموهنَّ من المهور، إلَّا أن يَزنيْنَ أو ينشزْنَ، فلكم أخذ المهور منهنَّ إذا أُعطيْنَ. قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: قيل: هو مقدَّمٌ في المعنى، وتقديرُه: ولا تعضلوهنَّ وعاشروهنَّ بالمعروف إلَّا أنْ يأتيْنَ بفاحشةٍ مبيِّنة (٦). ويجوز أن تكون مقدَّرة في موضعها، ويكونَ هذا في غير مَن زَنَتْ، أو ابتداءَ أمرٍ في حقِّ النِّساءِ في غير تلك الحادثة. والمعاشرة بالمعروف: هي المعاملة على المجاملة خُلُقًا وقولًا ومالًا (٧). وقيل: هو الإمساكُ بالمعروفِ أو التَّسريح بالإحسان.

стр. 2117

وقيل: هو أن يعاملَها بما لو عاملته به رضيَ بذلك. وقيل: هو أمرٌ بالمعاشرة بالمعروف في حال سوء خُلقها ونشوزها. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بتعليم الدِّين والتَّأدُّب (١) بأخلاق المسلمين، وحسنِ الصُّحبة على كراهة النَّفس، وأنْ تحتمِل أذاهنَّ ولا تحمِّلهُنَّ كُلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خَجْلتهنَّ (٢). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنْ كرهتُم صحبتهنَّ لقبحهنَّ أو لسوء خلقهنَّ فصبرتُم على ذلك فعسى أن يهبَ اللَّه لكم منهنَّ أولادًا تَقَرُّ بهم أعينكم، أو يعطيَ لكم في الآخرة ثوابًا جزيلًا بصبركم وحسنِ معاشرتكم، أو عسى أن تموتَ فيرث منها مالًا كثيرًا يقيم به مصالحه (٣). وقيل: فإن كرهتم فراقهنَّ فعسى أن يجعل اللَّه في الفراق خيرًا كثيرًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] (٤). * * * (٢٠) - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: أي: في غير حال

стр. 2118

نشوزها أو زناها ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؛ أي: وقد كنتم أعطيتم المرأة مالًا كثيرًا، وقد ذكرنا الأقاويلَ في مقداره في سورة آل عمران. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي: من القنطار المقنطَر (١)، لا قليلًا ولا كثيرًا. قوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: الألف أصله للاستفهام، وهو على معنى الاستنكار والاستعظام؛ أي: أتفعلون هذا وهو قبيحٌ. و ﴿بُهْتَانًا﴾؛ أي: ببهتان، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: بإثم مبين. والبُهتانُ: الكذبُ على الغير مواجهةً ومكابرةً (٢) على وجهٍ يحيِّره، من قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ أي: تحيَّر. ووجهُه: أنَّه إذا أخذ ولا (٣) ذنب منها ولا إطلاق للشرع فيه؛ فإمَّا أن يكذب عليها بقوله: فعلَتْ هي كذا استحقَّت به هذا، أو يقول: أباح (٤) الشَّرع هذا، فيكذب (٥) عليها أو على الشَّرع، ويأثم (٦) بهذا الأخذ، وبهذا القول. وقال القشيريُّ ﵀: يعلِّمُهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشرة، ويقول: لا تجمع بين الفُرقة منها واستردادِ المال عنها؛ فإنَّ ذلك تركُ الكرم، وإن

стр. 2119

أعطيْتَ واحدةً مالًا كثيرًا تم جفوتها بالفراق، فما آتيتَها يسيرٌ في جنب ما آذيتَها بالافتراق (١). * * * (٢١) - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: (كيف) كلمة تعجُّب (٢)، يقول: عجبًا منكم من أيِّ وجهٍ ولأيِّ وجهٍ (٣) تأخذون ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أي: وصلَ الزَّوجُ إلى المرأةِ، والمرأةُ إلى الزَّوج. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: هو كنايةٌ عن الجماعِ، واللَّه تعالى نزَّه كتابه عن ذكر ما يُستشنَع سماعًا، فسمَّاه سرًّا في آية، وإفضاءً في آية، ومسًّا في آية (٤). وقيل: الإفضاءُ هو الخلوة، من الفضاء، وهي المفازة الخالية. كذا فسَّره الكلبيُّ ﵀ (٥).

стр. 2120

وبيَّنَ اشتقاقَه أئمَّةُ أهل اللُّغة، وهو حجَّة أصحابنا ﵏ في أنَّ المهر يتأكَّد بالخلوة الصَّحيحة من غير وطءٍ. قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، أضاف ذلك إلى أخذهنَّ لأنَّ اللَّه تعالى أخذ هذا الميثاق على عباده لأجلهنَّ، فهو كأخذهنَّ. وقيل: كان المعتاد في أنكحة السَّلف: اللَّهَ عليك لتُمْسِكَنَّ بمعروفٍ أو لتسرِّحَنَّ بإحسان. والميثاقُ: العهدُ الوثيقُ، والغليظُ للمبالغة (١). وقال النبيُّ ﷺ : "اتَّقوا اللَّهَ في النِّساءِ؛ فإنَّهنَّ عَوانٍ عندكُمْ، أخذتموهُنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واستحللْتُمْ فروجَهُنَّ بكلمَةِ اللَّهِ" (٢). وعن عمر ﵁ قال على المنبر: لا تُغالوا بصَدُقات النِّساء، فقالت امرأةٌ: أنتَّبعُ قولَكَ أم قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؟ فقال عمرُ ﵁: كلُّ النَّاسِ أفقهُ من عمرَ حتَّى النِّساء (٣)، تزوَّجوا على ما شئتم (٤). * * * (٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

стр. 2121

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: قيل: لمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قالوا: تركنا هذا، لا نرثهنَّ كرهًا، لكنَّ نخطبهُنَّ فننكحهُنَّ برضاهنَّ، فنزلَتْ هذه الآية، فنُهوا عن ذلك أيضًا، فقالوا (١): كنَّا نفعلُ ذلكَ، فكيفَ حالُ ما كان منَّا؟ فبيَّنَ أنَّه رفعَ إثمَ ذلك عنهم لِمَا أنَّهم لم يعلموا ذلك، أو كان قبل ورودِ الشَّرع بالتَّحريم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: فإثمُ ذلك مرفوعٌ عنكم (٢). ثم بيَّنَ صفةَ هذا العقد في الحال، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: أي: فعلةً قبيحةً ﴿وَمَقْتًا﴾؛ أي: أشدَّ البغض عندَ اللَّهِ. وقوله تعالى: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: هو نصب على التَّمييز؛ أي: بئس السَّبيلُ هذا؛ فإنَّه يؤدِّي بصاحبه إلى النَّار، والاستثناءُ منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فقد عُفي عن ذلك. وقال محمَّد بن جرير: لم يُرِدْ به منكوحةَ الأب؛ فإنَّه لم يقل: (مَن نكح)، بل قال: ﴿مَا نَكَحَ﴾، ويرجع إلى الفعل، وتقديرُه: ولا تنكحوا من النِّساء مثلَ ما كان ينكحُ آباؤكم من المناكح المحرَّمة في الدِّين، فإنْ فعلْتُم ذلك فهو مفسوخٌ عليكم، إلَّا ما قد سلفَ مِن نكاحِ مَن يجوزُ نكاحُ مثله في الإسلام ابتداءً، فإنَّه غيرُ مفسوخٍ عليكم (٣). وقيل: المرادُ بالنِّكاح هو الوطء، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]؛ أي: لا تطؤوا ما وطئ آباؤكم، وفيه تحريم وطء موطوءة الأب؛ بنكاحٍ

стр. 2122

كان، أو بمِلك (١) يمينٍ، أو زنًى، وهو مذهب أصحابنا ﵏، وعليه كثيرٌ من المفسِّرين منهم عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم. وسببُ نزولِ هذه الآيةِ ما قال الأشعثُ (٢) بنُ سوَّارٍ: توفِّي أبو قيسٍ، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنُه قيسٌ امرأةَ أبيه، فقالَتْ: إنِّي أَعُدُّكَ ولدًا، وأنت من صالحي (٣) قومك، ولكني آتي رسول اللَّه ﷺ فأستأمرُه. فأتتْهُ (٤) فأخبرتْهُ، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ارجعي إلى بيتِك"، فنزلَتْ هذه الآية (٥). وقال عطاءٌ: كان أبو عمرِو بنُ أميَّة بنِ عبد شمسٍ تزوَّج امرأة أبيه، فولدَتْ من أبي عمرٍو أبا مُعَيط (٦)، وكان نكاحًا في العرب جائزًا، فنهى اللَّهُ تعالى عنه وحرَّمه، وقال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: تجاوزَ اللَّه عمَّا مضى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ في الإسلام ﴿وَمَقْتًا﴾ لمن فعله ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ مؤدِّيًا (٧) إلى النَّار. وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه: أنَّكم إذا انتهيتُم عن ذلك في المؤتنَف، يُغفر لكم ما قد سلف، وإنْ كانَ فاحشةً.

стр. 2123

وقيل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: قبل التَّحريم ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾؛ أي: صار فاحشةً في الإسلام (١)؛ كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. * * * (٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾: أمرَ في أوَّل السُّورة بنكاح ما طاب من النِّساء؛ أي: حلَّ، وذكر قبل هذه الآية بعضَ ما لا يطيب، وهو نساء الآباء، وذكر المحرَّمات الباقيات في هذه الآية، وبدأ بالأمهات، وهي جمع الأم، وهي الوالدة. وقيل: أصلها: الأُمَّهة، ولذلك جمعت: أمَّهات، وقد تُجمع: أُمَّات. وقيل: الأمَّهات يستعمل في الآدميَّات، والأُمَّات في البهائم. والمراد بهذا بيانُ (٢) تحريم محليَّة (٣) النِّكاح في حقِّ مَن أُضفن إليهم، وهنَّ سبعٌ بالنسب:

стр. 2124

الأمَّهات (١)، واسم الأمِّ يقع على الأمِّ بالرِّشدة والزَّنيَّة، وعلى الجدَّة القُربى والبُعدى من قِبَل الأب والأمِّ. قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾: جمع البنت، ويقع على بنت الإنسان (٢)، وبنت الابن، وبنت البنت، وإنْ سفلَتْ. والبنت المخلوقة من ماء الزِّنا تحرُم على الزَّاني عندنا بظاهر الآية، خلافًا للشَّافعيِّ. قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾: جمع الأخت، ويقع الاسم على الأخت لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ. قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾: جمع العمَّة، وهي أختُ الأب: لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ، وعمَّات الأبِ والجدِّ والأمِّ والجدَّة من الوجوه الثَّلاثة، وكذلك: قوله تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾: جمع الخالة، وهي أخت الأمِّ: لأبٍ وأمٍّ، ولأبٍ، ولأمٍّ، وخالات الأب والجدِّ والأمِّ والجدَّة من الوجوه (٣) الثَّلاثة كذلك. قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾: ونوافلُهما وإن بَعُدنَ داخلاتٌ في الحكم بالذُّكور يُدْلِينَ أو بالإناث، والأُخوَّة بأيِّ وجهٍ كانَت (٤). قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾: هذا تحريم الأمِّ من الرَّضاعة.

стр. 2125

قوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: هذا تحريم الأختِ من الرَّضاعة؛ لأبٍ وأمٍّ كانت، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، عند عامَّة العلماء. ويحرم أيضًا بالرَّضاع ما يحرم بالنَّسب (١)، فتحرم البنتُ من الرَّضاع، وبنت الأخ من الرَّضاع، وبنت الأخت من الرَّضاع، والعمَّة من الرَّضاع، والخالة من الرَّضاع، عند عامَّة العلماء. وقال الإمامُ أبو منصورٍ: قال بشرٌ: لا تحرُم البنت من الرَّضاعة؛ لأنَّها لم تُذكر في الآية، ولا تكون بنته برضاعٍ، وهي مسألة لبن الفحل أنَّه لا يحرِّم عندَه. قال: وذكر اللَّه التَّحريم في المحرَّمات بنسبٍ، وبيَّن بيانَ إحاطةٍ، وذكر المحرَّمات برضاعٍ، وبيَّن بيان كفايةٍ، لا بيانَ إحاطةٍ. فإمَّا أنَّ تَرْكَ ذلك للاجتهاد والاستنباط من المذكور، وقد أجمعوا أن بنات الإخوة والأخوات من الرَّضاع محرَّمات وإن لم يذكرْنَ فيها، وكان ذكر الحرمة في الأخوات من الرَّضاع كالذِّكر في أولادهنَّ، فكذا يكون ذكر الحرمة في الأمَّهات من الرَّضاع ذِكرًا في بناتهنَّ، أو تُركَ بيان ذلك للسُّنَّة: وقد قال ﷺ : "يحرمُ مِن الرَّضاعِ ما يحرمُ من النَّسبِ" (٢). وقال لعائشةَ ﵂ حين استأذنَ عليها أَفلح بن أبي قعيس بعد نزول آية الحجاب: "ليَلِجْ عليكِ فإنَّه عمُّكِ"، وكان عمَّها من الرَّضاع (٣).

стр. 2126

وعن ابن عبَّاس ﵄: أنَّه سُئل عن رجلٍ له امرأتان، أو جاريةٌ وامرأةٌ، فأرضعَتْ هذه جاريةً وهذه غلامًا، هل يَصلحُ للغلام أن يتزوَّجَ الجاريةَ، فقال: لا، اللِّقاحُ واحدٌ (١). ثم إطلاق قوله تعالى: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يقتضي ثبوتَ الحرمة بقليلِ الإرضاعِ (٢). وهو حجَّة لنا على الشَّافعي ﵀؛ فإنَّه يَشترط خمسَ رضعات، ويحتجُّ بقول عائشة ﵂: كان فيما نزلَ: (عشرُ رضعاتٍ يحرِّمْنَ)، ثم نُسخَ ذلك بـ (خمس رضعات يحرِّمْنَ)، فتوفِّيَ النبيُّ ﷺ وهو فيما يُقرأ (٣). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: لسنا نجدُ في القرآن آيةَ النَّاسخ ولا آية المنسوخ، ولا يجوز أن يُقالَ: ضاع من القرآن شيءٌ، فلا نتركُ ما نجدُه ثابتًا في القرآن، محفوظَ النَّقل، ولعلها غلطَتْ فيها (٤). والرَّضاعُ في الكبر لا يحرِّم عندنا؛ لقوله ﵇: "الرضاعُ ما أنبتَ اللَّحمَ، وأنشزَ العظمَ" (٥). وذلك (٦) في الصَّغير، وذاك في سنتين عند أبي يوسف ومحمَّد رحمهما اللَّه، وسنتين ونصفٍ عند أبي حنيفة ﵁، وثلاثِ سنين عند زُفَرَ ﵀، ويُعرف ذلك في الفقهيَّات.

стр. 2127

قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: وجدَّة المرأة (١) القُربى والبُعدى من قِبل أبيها وأمِّها كذلك بالنَّسب والرَّضاع؛ لشمول الاسم، والدُّخولُ بالمنكوحة ليس بشرطٍ للحرمة عند عامَّة العلماء. وقال مالك وداود وبشرٌ: هو شرطٌ، وقالوا: إن اللَّه تعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر الدُّخول في الثَّانية، وهي معطوفة على الأولى، فكان شرطًا فيهما. وقلنا: الأولى مطلَقة، وعن ابن عبَّاس ﵄ أنَّه قال في هذه الآية: أبهِموا ما أبهمَ اللَّهُ (٢)؛ أي: أطلقوا. وقوله تعالى: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وصفٌ للأخيرة (٣) وحدها؛ لأنَّ الثَّانية مخفوضة بـ (من)، والأولى مخفوضة بالإضافة، والمخفوضات بخافضين لا يُنعتان بنعتٍ واحد، لا يُقال: مررْتُ بزيدٍ، ونظرت إلى عَمرٍو العاقلَين، ولو كانا مخفوضَين بخافضٍ واحدٍ جاز (٤) ذلك، يُقال: مررْتُ بزيدٍ وعَمرٍو العاقلَيْن. قولُه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾: الرَّبائب: جمع الرَّبيبة،

стр. 2128

وهي بنت الزَّوجة، والرَّبيب ابنُها، والرَّابُّ زوج الأمِّ؛ لأنَّه يَرُبُّ أولادَها. ونوافلُ الزَّوجة داخلات في الحرمة لشمول الاسم. والحجورُ: جمع الحِجْر، وهو كناية عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم. ثم كونُ (١) الرَّبيبة في حجر الرَّابِّ شرطٌ للحرمة (٢) عند بعض النَّاس؛ لظاهر الآية، حتَّى لو كانت في حِجر غيره بأن تكون بالغةً تلي أمرَ (٣) نفسِها لم تحرمْ عليه. وقال عامَّة الصحابة والعلماء رضوان اللَّه عليهم: ليس بشرطٍ، وهذا خرجَ على الأغلب؛ لأنَّهنَّ كُنَّ لا يتزوَّجْنَ غالبًا إذا كان لهنَّ أولاد كبار، ويتزوجْنَ مع الأولاد الصِّغار، ويستعنَّ بالأزواج على تربية الأولاد (٤)، فخرج الكلام مخرجَ الغالب لا على الاشتراط، كقوله (٥) تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والمباشرة في غير المساجد حالةَ الاعتكاف حرامٌ أيضًا لهذا. قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: وهذا الدُّخول شرطٌ بالإجماع. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: في نكاح الرَّبائب. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قال بعضُهم: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ كنايةٌ عن الجماع، لكنه عندنا: هو أخذه بيدها في إدخالها في موضع الخلوة والجماع، لا

стр. 2129

نفسُ الجماع، يُقال: فلان دخل بفلانٍ موضعَ كذا، لا يُراد به غيرَ الإدخال لذلك (١). قلنا: إذا أدخلها في موضع الخلوة (٢) وخلا بها، وجبَ كمال المهر، وتثبُتُ (٣) الحرمة. وإنْ جعل هذا كنايةً عن الجماع فلأنَّ الجماعَ لا يكون إلَّا بالدُّخول بها مكانًا يسترهما، وإلَّا فحقيقة الدُّخول بها ليس بجماع، ولا بُدَّ مِن أخذه بيدها أو بشيء منها ليكون بذلك هو الدَّاخل بها، لا هي به. قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: أي: منكوحاتُ أولادكم، ويقع على النَّوافل وإن بعدوا من ذكور كانوا أو إناث، وتثبتُ الحرمة ها هنا بنفسِ العقد؛ لإطلاق النَّص. والحلائلُ: جمع الحليلة، وهي الزَّوجةُ، والحليلُ: الزَّوجُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ للآخر، أو لأنَّ كلَّ واحد منهما يحلِّ في الموضع الذي (٤) يحلُّ فيه الآخرُ، فالأوَّل من الحلِّ، والثَّاني من الحلول. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن عن الرَّضاع، بل عن حليلة ابن التَّبنِّي؛ لأنَّهم كانوا يجعلونه كولد الصُّلب في هذا، فأبطلَه الشَّرع. قال الكلبيُّ وعطاءٌ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ تبنَّى زيد بن حارثة ثم تزوَّج امرأته بعدما أبانها، فتكلَّم المنافقون والمشركون في ذلك، فنزلَتْ هذه الآية، ونزل قوله تعالى:

стр. 2130

﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (١). قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾: أي: وحرِّم عليكم الجمعُ بين الأختين في النِّكاح. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: قال السُّديُّ وعطاءٌ: إلا ما كان من يعقوب جمع بين ليَّا وراحيل، وهما أختان، أو راحيل وتامان أمِّ يهوذا (٢). وكان ذلك حلالًا، وحرَّمه اللَّه تعالى على هذه الأمَّة. وروى هشامٌ عن محمَّد بن الحسن أنَّه قال: كان أهل الجاهليَّة يعرفون هذه المحرَّمات إلَّا ثنتين، نكاح امرأة الأبِ، ونكاح الأختين، فلذلك قال هناك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال ها هنا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: رُفع عنكم إثمُ ما قد سلف (٣). وقيل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من نكاح إحدى الأختين، وماتت أو طلِّقت فتَحلُّ الأخرى بأن يتزوجها. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ويحتمل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قبلَ التَّحريم

стр. 2131

في الجاهليَّة، ويحتمل: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وإن كان محرَّمًا في ذلك الوقت، فإنهم إذا انتهوا عن ذلك بعد الإسلام غُفرَ ذلك لهم (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كاَنَ غَفُورًا﴾؛ أي: لِمَا كان في الجاهليَّة ﴿رَحِيمًا﴾: لِمَنْ فعل ذلك (٢) في الإسلام إذا تابَ. * * * (٢٤) - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أي: وحرِّم عليكم نكاحُ المنكوحات؛ أي (٣): اللَّاتي لهنَّ أزواجٌ، إلَّا ما ملَكْتُموهنَّ ملكَ يمينٍ بسبيهنَّ وإخراجهنَّ بدون أزواجهنَّ بعد الاستبراء، وتقع الفُرقة بتباين الدَّارَيْن لا بالسَّبيِّ، ولا تجب العِدَّة، وتحلُّ للغانم بملك اليمين. قال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: وقعَتْ في سهمي يومَ أوطاسٍ جاريةٌ، فبينا أنا أسوقُها إذ رفعَتْ رأسَها إلى الجبل فقالَتْ: ذاك زوجي، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قال أبو سعيد (٤): فاستحللْنا فروجهنَّ بها (٥).

стр. 2132

وكانت صفيَّةُ بنت حُييٍّ ذاتَ زوجٍ، فسُبيَتْ يومَ خيبر، واصطفاها رسولُ اللَّه ﷺ لنفسه، فأعتقَها وتزوَّجها، فدلَّ على وقوع البينونةِ، وعدم وجوب العدَّة. والإحصانُ أصلُه: المنع، والحصنُ: مانغ يصدُّ العدو، والدِّرع الحصينة مانعةٌ من شرِّ القاصد، والحِصان بكسر الحاء: الفرسُ الفحلُ المانع من الوقوعِ في يد العدو، والحَصان بفتح الحاء: المرأة العفيفة المانعة فرجَها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، وأحصنَها الزَّوج فهي محصَنةٌ. والإحصان في القرآن جاء لمعانٍ: للنِّكاح: كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: تزوجْنَ، وكما في هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وللحرية: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وللعفَّة: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]. وللإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، على قول بعض العلماء. وقوله تعالى: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾: جمع يمينٍ، وهي اليد اليمنى، وأضاف المِلك إليها لأنَّها هي المتصرِّفة في عامة التَّصرُّفات (١) غالبًا، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، ولأنَّ المملوك كالمقبوض باليد؛ للقدرة عليه.

стр. 2133

وعن جماعة من الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم: أنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يقعُ أيضًا على الشِّراء وغيره (١)، فإنَّهم قالوا: إذا بيعت المنكوحة طلقَتْ وحلَّتْ لمشتريها. وقالوا: بيع الأَمَة طلاقُها. وعامَّة الصَّحابة والعلماء بعدهم على أن النِّكاح لا يبطل بالشِّراء، ويدلُّ عليه الحديث المشهور: أنَّ بريرة كان لها زوج، فاشترتها عائشةُ ﵂ فأعتقتها، فخيَّرها رسولُ اللَّه ﷺ (٢)، فدلَّ أنَّ النِّكاح لا يبطلُ بالشِّراء. وقال ابن سيرين في تفسير هذه الآية قولًا آخر، قال: أحلَّ اللَّه لك في أوَّل السُّورة أربعًا، وحرَّم نكاح كلِّ محصنةٍ -أي: عفيفةٍ- بعد الأربع إلَّا ما ملكَتْ يمينُك (٣). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وقيل: معناه: والمحصناتُ من النِّساء حرام عليكم إلَّا ما ملكتموهنَّ بالنِّكاح. قال: وهذا خلاف الظَّاهر؛ لأنَّ ملكَ اليمين غيرُ ملكِ النِّكاح، لأن اللَّه تعالى فصَل بينهما بقوله (٤): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] (٥).

стр. 2134

قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال الكسائيُّ: حُرِّمَتْ عليكم أمهاتكم وكذا وكذا كتابًا من عند اللَّه عليكم؛ أي: فريضةً منه (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَريضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، و: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢]، و: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، و: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقد بيَّنَّا هناك وجوهَ نصبه. وقيل: هو على الإغراء على التَّقديم والتَّأخير، وتقديره: عليكم كتابَ اللَّه، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وقيل: هو على إضمار: احفظوا، أو: اتَّبعوا، أو: الْزَموا (٢)، ما كَتب اللَّه عليكم (٣). وقيل: هو نصب بحذف الباء، وتقديره: بكتاب اللَّه عليكم، وكتابُ اللَّه هو حكمُه. وقيل: أي: ثبت هذا التَّحريم بكتابِ اللَّه الَّذي أنزلَه، أو قد قصَّ ذلك لكم في كتابه. قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ في روايةِ حفصٍ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُهُ، عطفًا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأَ الباقون على الفعل الظَّاهر (٤)، صرفًا إلى اسم اللَّه المذكور في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. وقوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، قال ابن عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما؛ أي: ما سوى

стр. 2135

هؤلاء المحرَّمات (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]؛ أي: بما سواهُ. وقيل: أي: ما قبل ذلكم، كَما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامَهم، وينصرِفُ إلى قوله تعالى: ﴿فَاَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكْمُ﴾ الآية. وقيل: معناه: ما بعد ذلكم؛ فإنَّ وراء (٢) يستعمل في الخلف في الأغلب، ومعناه: ما بعدَ الأصناف المحرَّمة بالنَّسب والرَّضاع والمصاهرة. قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الكاف والميم خطاب للرِّجال، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، والذَّال إشارة إلى المذكور قبله من المحرَّمات، ولو أشار (٣) إلى المحرَّمات لقال: (وراء تلكم) لكنْ صَرَفَه إلى المذكور، ويقع ذلك عليهنَّ. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وتقديره: وأُحلَّ لكم أن تبتغوا، وقيل: أي: لِأَنْ تبتَغُوا (٤) على إضمار اللَّام، ومعناه: لتبتغوا؛ أي: لتَطلبوا. قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾: قيل: أي: المملوكاتِ بالثَّمن، والمنكوحاتِ بالمهر. وقيل: هو على المنكوحات لا غير، ودلَّ على أنَّه لا نكاحَ إلَّا بمهرٍ، وأنَّه يجبُ؛ سُمِّي أو لم يُسمَّ. وذِكْرُ الأموالِ يدلُّ على أنَّ غيرَ المال لا يصلح مهرًا، وأنَّ القليل لا يكفي مهرًا،

стр. 2136

فإنَّ الدِّرهم ونحوه لا يُسمَّى مالًا، ثم هو عندنا لا يكون أقلَّ من عشرة دراهم (١)، وتسمية ما دون العشرة يوجبُ تكميلَ العشرةِ (٢)، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "لا مهرَ أقلُّ مِنْ عشرةٍ" (٣). قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: أعفَّاءَ، وهو نصبٌ على الحال؛ أي: مرِيدينَ التَّعفُّف. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غيرَ زانِين. والسِّفاحُ: الزِّنى، والسَّفحُ: الصَّبُّ، وسفحُ الجبل: أسفله؛ لأنَّه مصبُّ الماء، وقد سافحَ؛ أي: زَنَى وصبَّ الماءَ باطلًا، وهذا المعنى موجودٌ في الصبِّ (٤) بالنِّكَاح، لكن في معانٍ أُخر: مِن إقامة السُّنَّة، وتكثير عباد اللَّه الصَّالحين، وغيرهما، فلمْ يُسمَّ سفاحًا، أما هاهنا فليس فيه إلَّا قضاءُ الشَّهوة وصبُّ الماء، فسُمِّيَ به (٥). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: أي: فأيَّ تمتعٍ وجدتم منهنَّ بالنِّكاح.

стр. 2137

قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهنَّ، وهو كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: لآإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والأجرُ بدلُ منافع العين في الإجارر، وبدلُ منافعِ البُضع في النِّكاح. قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مقدَّرًا، وهو نصبٌ على الحال لقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: أي: منَ الزِّيادة في المهرِ على المسمَّى بعد التَّسمية عند العقد، ودلَّ ذلك على جواز الزِّيادة في المهر في النِّكاح والثَّمن في المبيع (١). وهو حجَّةٌ لنا على الشَّافعيِّ ﵀، وهو يحمل هذا على الحَطِّ والإبراءِ والهِبةِ. لكنَّا نقول: ذلك يصحُّ برضاها وحدها، فلا معنى لاشتراط التَّراضي وهو من الجانبَيْن؛ لأنَّ التَّفاعلَ بين اثنين، ولَمَّا ذكر التَّراضيَ عُلِمَ أنَّه أرادَ به الزِّيادة في المهر التي (٢) تصحُّ بتراضيهما جميعًا. وحُكي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه كان يحمِل هذا على المتعة، وكان (٣) يقرؤها: (فما استمتعتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمَّى) ويقولُ: هكذا نزلَتْ (٤).

стр. 2138

قال: وقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: ما سمَّيْتُم لهنَّ عند المتعة، أوجبَ أداءَ المال بعد الاستمتاعِ، وفي النِّكاح يؤدَّى أوَّلًا ثم يُستمتَع، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾؛ أي: إن زدتم في المدة أو في البدل (١) بعد المواضَعة الأولى على أقلَّ من ذلك فلا إثمَ عليكم فيهِ.

стр. 2139

لكنَّا نقول: هذا في النِّكاح المطلق، ويدلُّ عليه ما قبلَه وما بعدَه؛ فأمَّا قولُه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: أردتم الاستمتاع به، كما في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، و: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، و: ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال بعضُهم: كانت الآية في المتعةِ، لكنَّها (١) أُحلَّتْ ثلاثةَ أيَّامٍ ثمَّ نُسخَتْ، ورويَ أنَّ الصَّحابة ﵃ اشتدَّتْ بهم العزوبةُ في غزوةٍ، فاشتكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأباحَ لهم المتعةَ، ثم نهاهم عنها بعد أيَّامٍ (٢). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه قال عند موته: اللَّهمَّ إنِّي أتوُب إليك من قولي في المتعةِ والصَّرف (٣). وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: لَمَّا كان يوم حنين وهزمَ اللَّهُ تعالى فيه (٤) المشركين اجتمعَ جمعُهم بأوطاسٍ، وطلبهم خيلُ رسول اللَّه ﷺ فأدركوهم بأوطاسٍ، فقاتلوهم فهزموهم (٥)، وسبَوا نساء العرب، فقالوا: ما تحلُّ لنا هذه النِّساء، ما فارقوا أزواجَهم بطلاقٍ ولا قُتلوا في المعركة، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٦).

стр. 2140

قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ فيما حرَّم وأحلَّ، ﴿حَكِيمًا﴾ وضَعَ كلَّ شيءٍ موضعُه (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: مرَّ تفسيرُه (٢). * * * (٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أي: ومَن لم يقدرْ منكم على فضلِ مالٍ. قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: الحرائرَ المسلمات، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ ترجمة عن ﴿طَوْلًا﴾، أو معناه: لِأَنْ ينكح. ومعناه: فمَن لم يجد ما يتزوَّج به الحرَّة المسلمة، كما يقولُ الرَّجلُ: لا أستطيع أن أحجَ؛ أي: لا أجد ما أحجُّ به. وقيل: هو من قول الرَّجل: يدي تطول لي هذا (٣) الشَّيء؛ أي: تناله، و: يدي مبسوطة على كذا، في معناه.
следующие страницы →